د. سيد محمد
السيد
عملية إنتاج
الذات في ضوء التقاليد الاجتماعية، موضوع يحتمل التمثيل له بكثير من الظواهر، بما
في ذلك الإبداع نفسه، هكذا علمتنا حكاية الشاعر علي بن الجهم الراحل في منتصف
القرن الثالث الهجري، من خلال قصة طريفة، ذكر ابن عربي في "محاضرة الأبرار
ومسامرة الأخيار" أنه سمعها من أديب روى أن ابن الجهم عاش في البادية، ولما
ذهب لمدح المتوكل صدم الحضور بمعجمه الجاف وصوره الصحراوية، المتوكل فطن إلى موهبة
الشاعر، ورد أسلوبه للبيئة، ومنحه دارًا بها بستان على نهر دجلة، فأقام الشاعر
شهورًا يتأمل جمال الطبيعة، ويتسوق بضائع غالية من محال العاصمة الكبيرة، ويعيش مع
الطبقة الراقية في نزهاتها الهانئة، وبالطبع تحولت شعريته البدائية إلى صيغة مدنية
لها جمالياتها الرقيقة اللطيفة، وعاد إلى المتوكل يمدحه برائعة تتناقلها كتب الأدب
مطلعها:
عيون المها بين
الرصافة والجسر
جلبن الهوى من
حيث أدري ولا أدري
وشعرية القصيدة
في سياق الخبر القصصي الذي يحيط بها علامة على إدراك السردية الثقافية التراثية
للعلاقة التفاعلية بين الإنسان والطبيعة من ناحية، والثقافة وأساليب الحياة من
ناحية أخرى، لكن تلك القراءة البيئية لا تنفي أن هناك ذاكرة جمالية تستمد مقومات
التشكيل الفني من منابع بعيدة، نعرف منها أن تاريخنا سيطل من عيوننا بطريقة أو
بأخرى، مع كل ما نطالعه من متغيرات الذوق، أو فلنقل نماذج التحديث المتجددة كل
ثانية في تطبيقات يلغي اللاحق منها سابقه. ومن تلك البذرة الشعرية التي روتها
روافد السرد تتخذ منصورة عز الدين عنوان قصتها "عيون المها" لتعرض في
متواليات من القص نسق التدجين الذي يمارسه المجتمع على أهله ليكونوا متشابهي
الملامح الفكرية والأساليب التعبيرية بما في ذلك كبار المبدعين الذين يمتلكون
رصيدًا ذهبيًا في الخزانة الأدبية، وقصة "عيون المها" لمنصورة عز الدين منشورة
في مجلة إبداع (نوفمبر 2025) وضمن مجموعتها "متحف الأخطاء" الصادرة
حديثًا عن دار الشروق.
تتذكر الراوية،
التي تقص بضمير المتكلم، ابنة عمتها "نجلاء" التي كانت عيناها تنطق
بتمردها خلف غيمة منذرة مهددة تنصب فجأة على من يغضبها أو لايفهم شخصيتها الثائرة،
وكيف تعرضت نجلاء لعملية ترويض قاسية من نساء العائلة بخاصة الجدة دون شفقة،
وحاصرتها الاتهامات والشكوك وتضييق الخناق وحلقة الصمت الكاتم لصوتها وحركتها، لم
يكن لها من متنفس محدود سوى عند ابنة الخال الصغيرة التي تروي معاناة نجلاء
الواقعة في برنامج التدجين لاستلاب هويتها الساخطة، حتى تستسلم ويصل بها الأمر
للزواج من أول خاطب مندمجة في الإعداد لبيتها الجديد، متخذة سمت نساء العائلة
وأسلوبهن، لقد أمست تمارس حياة لها توصيف يوافق ما كانت ترفضه حين كانت عيناها
تشعان بريق الثقة والذاتية، وتسير بها الرحلة عكس ما كانت تكنه في نفسها من رغبة
في التفرد والخصوصية والتشبث بما تراه. تحدثنا الراوية وهي في رحلة خارج الوطن، في
عالم آخر، على نهر آخر، وأمامها مساحات خضراء بدرجات من التنوع والكثافة، وتبدأ
المتوالية القصصية الأولى بابنة العمة، وهي تجالس الراوية حين كانت طالبة تذاكر
الشعر القديم، وتستمع منها إلى شرح موجز لمطلع قصيدة ابن الجهم، فتطلب منها إنشاد
القصيدة كاملة، مع أنها لا تتفق مع كلام الشعراء.
ما الذي جعل
قصة نجلاء تطفو على سطح التذكر؟! وتطل معها قصيدة "عيون المها" من كتاب
النصوص؟! لابد أن يتأمل القارئ الأحداث القصصية التي يختارها الخطاب عند منصورة،
ويمضي بها السرد مؤسسًا الإخبار القصصي الدرامي، وممتدًا في فضاء التشكيل النصي
مستقبلًا عيون القارئ أيا كان موقعه، ذاك القارئ الذي يتذكر القصيدة القديمة
والخبر الذي يحيط بها، إن التذكر إحدى العمليات الإدراكية المحورية التي يحدث لها
تفعيل عن طريق التناص الذي استحوذ على انتباهنا منذ العنوان "عيون
المها" هذه ذاكرة ثقافية حضارية، علامة تشير إلى الانتقال من البيئة الأم إلى
عالم آخر، وهذا يماثل وضع الراوية كذلك، فهي خارج وطنها، في فضاء آخر به مساحة
للقاء غرباء، يحاولون البحث عن صيغة للحوار، يرون العالم بعينين إحداهما ترى
الجديد، والأخرى تجد في حقيبة الذكريات، المشحونة بخبرات العمر وسرديات العائلة
الأم الصغيرة والحضارية الكبيرة، معيارًا قياسيًا للمعرفة والحكم على معطيات
العالم المختلف، وبالتماثل تتذكر الراوية ابنة عمتها "نجلاء" التي
انتقلت من بيتها الأول إلى بيت الجدة بعد وفاة والدتها وزواج أبيها.
ينتقل تناص
"عيون المها" من تجربة ابن الجهم، إلى تجربة القاصة، إلى تجربة شخصية
"نجلاء" في محطات تصل الصورة الدرامية المعاصرة بمنابع حضارية ألقت
الضوء على تجربة الغربة التي تخضع فيها الذات لتطبيق إعادة التأهيل وفق برنامج
الثقافة المغايرة التي تسود في الفضاء الآخر، وتتوازى المتواليات في أحداث معلنة
ومضمرة، إننا نرى العالم بالتماثل في أوراق الحكي، حكاية الراوية، حكاية ابن
الجهم، حكاية نجلاء، حكاية الفتاة الآسيوية التي تذكر الراوية بابنة عمتها نجلاء،
نرى كذلك توافق في اختيار العتبة النصية "عيون المها" واختيار علامة
تماثلها لاسم الشخصية "نجلاء" إننا أمام العين الجميلة الناطقة بمشاعر
تمطر إلهامًا، وهناك قصة "إدريس" المنطوي في فضاء الغربة، وقصة الأخت
الكبرى المهمشة في بيت الأسرة التي تتعرض لطقوس التدجين بدرجة ما، ربما لاتصل في
الحكاية المعلنة للدرجة التي تعرضت لها نجلاء التي كادت تختفي بصمتها البصرية، بما
فيها من نظرة التمرد، العين هنا في "عيون المها" و"نجلاء"
علامة حضور الطبيعة الأولى، التي تتحدى تطبيقات برمجة الذات في دائرة التقاليد.
بذل السياق
الثقافي في الدراما القصصية أقصى ما لديه لبرمجة الذات التي يبدو على السطح أنها
استجابت، لكنها احتفظت بحق التعبير عن منزلها الأول بعلامة العين، بمنابع التكوين،
بإضاءة جمالية تعلن عن نفسها، ولا يجد نسق التدجين سببًا إلى رفضها، إن تعبير
"عيون المها" ناطق بالروح البدوية للشاعر، واسم "نجلاء" علامة
هوية للشخصية التي استجابت للنسق الاجتماعي، لكنها احتفظت بذاك الرابط الإحالي
بوصفه علامة تعارف بينها وبين عالمين، أحدهما يقظ في اللاوعي، والآخر يفرض قائمة
توصيفه على الوجود الاجتماعي، لكنها ستظل في دراما الأسرة نجلاء، وسيناديها الجميع
بهذا الاسم الذي يتحول من رمز اعتباطي إلى أيقونة تميزها، إلى هوية تحفظ لها
خصوصية في رؤية بصرية وصوتية.
استخدمت منصورة
عز الدين المحتوى البيئي بوصفه تكوينات جمالية حاضنة للإخبار القصصي، وشخصية فاعلة
داعمة في رسم ملامح الشخصيات، وتوجيه سلوكها، ثم جاءت البيئة بوصفها صورة كلية
يمتد بها الخطاب، وفي الوقت نفسه فإنها بنية موازية للشخصيات وعلاقاتها، فالبيئة
تمثيل للدراما، ما يحدث فيها يماثل ما يحدث من الشخصيات في واقعها ومساراتها.



.jpeg)




