Saturday, April 8, 2017

منصورة عز الدين: من محارة نبتكر لؤلؤة حولها


منصورة عز الدين : الكتابة مرادف للحرية، ولا مجال معها للقيود والمحددات

  حوار: سامر مختار






ما يميز رواية "أخيلة الظل" للروائية المصرية منصورة عز الدين – صدرت مؤخراً عن دار التنوير – عدم إصرارها على إيهام قارئها بواقعية القصة، ولا حتى الإيقاع بوهم أحداثها، بل هو الاستسلام التام للعبة لا يمكن دخولها بنوع من الاستخفاف، لأن خيوط لعبة الخيال في "أخيلة الظل" تحمل من الغموض بقدر ما تحمل من الوضوح. فعندما نقرأ هذا الرواية، وأعمالاً أخرى للكاتبة، نشعر أنها تمسك بإحدى يديها قلم الكتابة، وفي اليد الأخرى ممحاة، هذه الممحاة لها وظيفة أساسية على ما يبدو؛ وهي إزالة الفواصل التي من الممكن أن ينتبه إليها القارئ، بين الواقع والخيال. لنعرف أكثر كواليس هذه الكتابة، وانشغالات كاتبتها، هنا حوار معها:

* في روايتك الجديدة "أخيلة الظل" ثلاث شخصيات، هم كتّاب (كاميليا – آدم – أولجا)، ومن ناحية أخرى الرواية قائمة على لعبة الخيال والفرضيات. ما هو الدافع لتربطي مثلاً أحلام وتخيّلات (كاميليا، أولجا) بعضها ببعض؟

ككاتبة أدين للأحلام وأحلام اليقظة بالكثير. يمكن القول إنهما أهم منابع التخييل عندي. كتابتي مزيج من الأحلام والخيالات المفارقة للواقع لكن ضمن حوارية أو علاقة ديناميكية مستمرة مع هذا الواقع. في الكتابة، لا يمكنني الحديث عن دافع واضح وصريح، المسألة دائماً ما تبدأ باستيهامات ضبابية أركض وراءها لأستكشف السيناريوهات المحتملة لها. هنا، حاولت إشراك القارئ في عملية التخليق تلك. الكتابة بالنسبة لي لعبة افتراضات وتخيلات، لكن هذا الأمر يتضاعف ويتكثف في "أخيلة الظل" التي أظن أنها لا تتوقف أمام معضلة الكتابة فقط بل الفن في المجمل بسرابيته ومراوغاته. الشخصيات التي أشرت إليها شخصيات مركزية في العمل، لكن إلى جانبها شخصيات أخرى ضمن لعبة ظلال ومرايا. كل شخصية تقريباً لها علاقة بالفن بطريقة ما سواء كتابة أو فن تشكيلي أو موسيقى، وتلتقطهم الرواية في لحظة مأزومة أو لحظة تشكك في جدوى الفن أو تساؤل حوله أو هلع من فقدان القدرة على إنتاجه أو حتى لحظة انحياز للعدم على حساب الفن.
لحظة الإلهام الأولى جاءت أثناء زيارتي الأولى لبراغ في ربيع 2011، وبدأت كتابة أجزاء من الرواية وقتها ثم تركتها لانشغالات كتابية أخرى، لكن المدينة كانت تلح عليّ حتى في الحلم دون أن تغيب أدق تفاصيلها عن ذهني، فعدت لمسودات العمل من جديد، ولم أشعر أن الوقت الذي ابتعدته عنها كان وقتاً ضائعاً لأن الفكرة بدت كأنما تخمرت وتعتقت في ذهني بشكل أوضح.
أثناء الكتابة كنت أطمح إلى تفحص علاقة الفن بالواقع والظلال بأصولها وعلاقة الأخيرين بالتخييل، كما رغبت في لعبة ظلال كتابية بين الشخصيات المختلفة، وأظن أن طريقة بناء العمل كانت الأكثر ملاءمة لنمط العلاقات بين هذه الشخصيات المتصادية مع بعضها بعضاً.

* في الرواية ذاتها أيضاً، تفردين مساحة لسرد تفاصيل الصورة التي تتأملها أولجا على سطح المكتب الخاص بحاسوبها "منظر شتوي من يوركشاير بإنكلترا"، وفي مقال نشر في جريدة المدن الإلكترونية في عام 2013 تحت عنوان "ما تخفيه الصورة" تقولين إن "حامل اللوحة الخشبية ستبقيه الكاميرا أسير زمن ميّت لا يتقدم". هل يستفزك تثبيت الزمن بالصورة الفوتوغرافية؟

علاقتي بالفوتوغرافيا معقدة منذ الطفولة. اعتدت النظر للصور الفوتوغرافية باعتبارها فضاءً سحرياً أرى فيه من أعرفهم يشبهون أنفسهم ويختلفون عنها في الوقت نفسه. ثبات الصورة وصمتها وسكونها كان مخيفاً لي ومثيراً لمخيلتي. كنت أخاف من الكاميرا، وأصاب بـ"هستيريا" كلما حاولوا تصويري. لا وجود للطفلة التي كنتها في الألبومات العائلية ولم أتخلص من هذا الهلع الطفولي من التصوير سوى مؤخراً. في المقابل ظل تثبيت الزمن في الصور يأسرني وكذلك المسافة بين الصور (خاصة غير الملونة) وبين أصلها. أظن أن الفن، على اختلاف أنواعه، ينطوي على هذا التثبيت للحظة مصيرها الزوال لولاه. الفنون، بشكل أو بآخر، في علاقة إشكالية بالزمن، ما بين الرغبة في إيقافه أو إبطائه من أجل التأمل والفهم والرغبة في مراوغته واللعب معه أو تحديه، لكن هذا يتكثّف بشكل خاص في الفوتوغرافيا. كما يتضح من المقال المشار إليه، فإن ما يشغلني ليس فقط ما تُظهره الصورة بل ما تضمره وتخفيه وتموِّه عليه.
بالنسبة لتأمل أولجا للمنظر الشتوي من يوركشاير، فهذا متناغم تماماً مع شخصيتها في العمل ككاتبة غارقة في أحلام اليقظة، على حافة الكفر بالكلمات والكتابة، وباحثة، في كل ما حولها، عن إلهام لشحذ خيالاتها.

* هناك مقال لكِ بعنوان "كهوف الذاكرة" نشر في 30 سبتمبر/أيلول 2012 بمجلة "الصدى" الإماراتية. كان مفتاحه بطل قصة "ذاكرة فونس" للأرجنتيني خورخي لويس بورخيس "يحيا تحت وطأة ذاكرة لا نهائية، لا تنسى أياً مما يمر بها". في المقطع الختامي  للمقال قلت إن "الهوية الشخصية تتأسس على الذاكرة، وتغيب وتضمحل بفقدانها. إن حياتنا، من وجهة نظر كثيرين، ليست ما نحياه، إنما ما نتذكره مما عشناه".
بالمقابل كانت هناك شخصية اللاجئة "آميديا – جدة آدم" في رواية "أخيلة الظل"، والتي في سنواتها الأخيرة تقلع عن الكلام باللغة الإنكليزية إلا للضرورة، وترتد للغة الآشورية (لغتها الأم) من خلال مونولوجات طويلة لا يفهمها أبناؤها وأحفادها. هل تعتقدين أن الهوية الشخصية هي أشبه بقدر، أو مصير محتوم، لا مهرب للإنسان من تغييره؟ 

سوف أبدأ من النقطة الأخيرة، لا أعترف بهوية جامدة منجَزة، الهوية في رأيي في حالة تشكل وتكوّن مستمرة. آميديا هي جماع كل ما مر بها، هي علاقتها المرتبكة باللغة و"المفردات الصديقة"، وهي أيضاً من دفنت المفردات والذكريات العنيفة في جوفها وتظاهرت بعدم وجودها. هي الصغيرة المفجوعة وهي آمي كوستاكي اللاجئة مع زوجها اليوناني إلى وطن جديد ولغة أخرى. الشيء الذي لا فكاك منه هو الذاكرة التي قد تتحول إلى لعنة بصور عديدة تختلف عمّا أورده بورخيس في "ذاكرة فونيس". رأيت حالات كثيرة لشيوخ يرتدون للعيش في طفولتهم قرب نهاية حيواتهم. تتلاشى ذاكرتهم القريبة وتعود ذكريات الطفولة، والتي توارت لعقود، ساطعة. الذاكرة وثيقة الصلة بالخيال والتخييل. "الخيال هو الذكرى" في رأي بروست، و"الخيال هو الذاكرة" بكلمات جيمس جويس. وهذا التعريف الرابط بين الذاكرة والخيال هو في الأصل للفيلسوف والمفكر الإيطالي جيامباتيستا فيكو الذي فتنت أفكاره جويس وأثرت على إبداعه. من ناحية أخرى يضع جون بانفيل يده على دور الخيال في تشكيل الذكريات وإعادة اختراعها حين يقول: "للتذكر نستخدم خيالنا. نأخذ جدائل قليلة من الواقع الحقيقي، ونحملها معنا، ثم مثل محارة نبتكر لؤلؤة حولها". هويتنا، بشكل ما، ابنة هذه العلاقة الجدلية بين ما نتذكره وما نختلقه ونخترعه.

* تكاد اليوم كلمة "خيال" تكون مضللة بعض الشيء، وصف عمل أدبي بأنه قائم على الخيال، ومن بعدها نصمت. برأيك كيف يمكن للكاتب أن يمتحن مخيلته ويضعها تحت المساءلة، وهل خياله هذا نابع من صميم تجربته الإنسانية ورؤاه الشخصية، أم استعارها من  دون يشعر؛ نتيجة تأثره بأعمال أخرى؟

مفردة "خيال" ليست مضللة بقدر ما هي غامضة وزئبقية، فمنابع الخيال ثرية ومتنوعة ومركبة. ينبع الخيال أحياناً من أغوار سحيقة في ماضي الكاتب أو من مشهد رآه أو جملة عابرة سمعها. المخيلة الإبداعية هي في النهاية بوتقة صهر. أظن أن على المبدع تحرير مخيلته والسير خلفها والوعي بنقاط تميزه وتعزيزها والأهم الوعي بنواقصه والعمل على تلافيها. بالنسبة للتأثيرات الأدبية، لا يوجد كاتب خارج تاريخ الكتابة، وتاريخ الكتابة قائم على التأثيرات المتبادلة. هل يمكن قراءة كافكا مثلاً قراءة معمقة بدون الوعي بالتأثيرات الطاوية الصينية على إبداعه؟ إذا نظرنا إلى بورخيس، والذي ينبني إبداعه على التأثيرات الأدبية، عبر هذه العدسة الراغبة في "امتحان" مخيلته ما الذي سيبقى منه؟ وماذا عن تأثيرات بورخيس وفليسبرتو إرنانديث على إيتالو كالفينو مثلاً وتأثيرات كافكا على بورخيس؟ وماذا عن زيبالد الذي يحفل إبداعه بالتناصات المتوارية والظاهرة؟! لا يوجد مَن لم يتأثر بكُتّاب آخرين، المهم كيف تنصهر هذه التأثيرات ليصل الكاتب إلى صوته الخاص وبصمته الخاصة. مقال بورخيس "كافكا وأسلافه" مهم جداً في هذه النقطة، وكذلك دراسة الناقد ريكس باتلر حول هذا المقال. يكتب بورخيس في المقال المشار إليه أن كل كاتب يخلق أسلافه، وهذه الخلاصة من أعمق ما قيل حول التأثيرات الأدبية، فكافكا (وكذلك بورخيس) ليس مجرد حاصل جمع المؤثرات الأدبية المكونة له، الأمر أبعد وأكثر تركيباً من الرؤى التبسيطية.

* "الرواية" هي الجنس الأدبي المهيمن في عصرنا الحالي. هل تتوقعين أن يأتي يوم وتنتهي هذه الهيمنة على حساب صعود جنس جديد أو آخر قديم للكتابة الأدبية؟ هل تخيلتِ شكلاً جديداً للكتابة لا يمكن تصنيفه مثلاً؟

لم يعد التصنيف يشغلني كثيراً. أؤمن بالتجاور والتحاور والتداخل بين الأجناس الأدبية المختلفة، بأن يستعير جنس أدبي ما من جماليات أجناس أخرى. ما أفكر فيه حالياً، هو أن الشكل الصارم قد يتحول إلى قناع يخفي العيوب ونقاط الضعف. كُتّابي المفضلون، في معظمهم، لا يتقيدون بالتصنيفات المعتادة، يمكن القول إنهم عابرون للأنواع. في السابق كانت الأعمال الروائية التي تنال إعجابي يجب أن تتسم بالتخييل الجامح والتركيب المعقد على مستوى البناء، الآن صارت ذائقتي أكثر تنوعاً وانفتاحاً. يهمني كقارئة بالمثل جودة النثر وأسلوب الكاتب وقدرته على الوصول بلغته إلى أقصى طاقاتها التعبيرية والعمق الفكري لما يكتب. قد أبحث عن الشعر في الرواية، وأبحث عن السرد في الشعر. قد يغضب مني الشعراء إذا قلت إن أجمل الشعر قرأته في روايات لا قصائد. يحضرني هنا كارلوس فوينتس كنموذج. لا أعرف كيف يرسم هذه المشاهد خالصة الشعرية والمتخلصة من هنات الشعر ونواقصه في آن.
قد تظهر أجناس أو حتى فنون جديدة، لكن هذا لن يؤثر على وجود الأجناس الأخرى. السينما كفن لم تؤد إلى انقراض الأدب المكتوب مثلاً، على العكس حدث تكامل وتداخل بينها وبينه.

* كيف نفهم سؤال الكتابة النسائية الآن وقد تحول الرجل والمرأة معًا إلى حطام على أيدي أنظمة الاستبداد التي تدافع عن مصالحها بتدمير المدن والحواضر. وفي ظل تصاعد الأصولية الدينية التكفيرية التي تبدو الوجه الآخر لنظام الاستبداد؟ هل من مطرح في الكتابة الأدبية العربية لسؤال الذكورة والأنوثة؟

أتحفظ أولاً على مصطلح "الكتابة النسائية" إذ يبدو لي كمصطلح غائم وغير دال على سمات بعينها، كما لا أحبذ أي تصنيفات في ما يخص الإبداع لأن التصنيف مجحف ومختزِل بطبيعته. تسألني: "هل من مطرح في الكتابة الأدبية العربية لسؤال الذكورة والأنوثة في ظل تحول المرأة والرجل معاً إلى حطام على أيدي أنظمة الاستبداد التي تدافع عن مصالحها بتدمير المدن والحواضر؟" وألمح أسئلة أخرى مضمرة بين طيات سؤالك، أسئلة مغلفة بأطياف وظلال الاستنكار. حين أمد خيط السؤال على آخره أراه كالتالي: "هل من مطرح للكتابة أصلاً في ظل الأهوال الحالية؟".
وجوابي هو: نعم، ثمة مطرح للكتابة وأسئلتها وهواجسها. في عقود سابقة كان الشعار الأشهر هو: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وفي ظل هذا الشعار القاهر تم تأجيل الحياة نفسها، ووصلنا إلى ما نحن عليه الآن. الكتابة مرادف للحرية، ولا مجال معها للقيود والمحددات، ولا لجداول زمنية تقترح على الكاتب الفرد أولوياته على إيقاع الأحداث الجارية.
حين بدأت الكتابة لم أنشغل كثيراً باختلافي عن الرجل، ولم أفكر في نفسي بالأساس كامرأة تكتب، بل ككاتبة إندروجينية. مؤكد أنّي حاولت وما أزال أحاول أن أحقق تمايزي - كذات محملة بخبرات وتجارب وإرث يخصها - عن الآخرين رجالاً ونساءً، لكني لم أعتبر نفسي قط ممثلة لجنس أو لجماعة بعينها، بل حتى لم أعتبر نفسي – كروائية - ممثلة لأفكاري وحدها.
لم أطمح إلى تأنيث المخيلة أو العالم، بقدر ما طمحت إلى إعلان حيرتي المعرفية أمام عالم موسوم بالغموض والالتباس، ومع هذا رأى نقاد كثيرون في رواياتي تأنيثاً للعالم، وإن دل هذا على شيء، فهو يدل على أن الإبداع له مساراته الخاصة ومساحاته التأويلية المتمردة حتى على قناعات كاتبه.
لا أسهر الليالي مؤرقة بالتفكير في سؤال الذكورة والأنوثة في الإبداع، لكنّي أنام وأصحو وأنا أفكر في عمل أكتبه محاولة تقمص منطق شخصياته وبلورة ملامحها، وألتمس طريقي ورؤيتي لكثير من القضايا والأسئلة الفنية عبر الكتابة وخلالها أي بالخبرة والتجربة العملية.

* تغييرات كثيرة شهدتها مصر في السنوات الماضية؛ من بينها ازدياد التضييق على حرية الرأي والإبداع، هذا عدا حملة الاعتقالات لصحافيين وناشطين حقوقيين، وإغلاق مراكز حقوقية، وسجن كتّاب بتهمة "ازدراء الأديان" أو "خدش الحياء العام" ما رأيك بما  يجري؟

رأيي أن حلم الثورة قد تحول إلى كابوس كامل الأوصاف، والاعتراف بالفشل أولى خطوات الخروج من هذا الكابوس. منذ يناير/كانون الثاني 2011 حتى منتصف 2016 اعتدت الكتابة بشكل شبه دوري عمّا يحدث في مصر لملحق "نوافذ" بجريدة المستقبل اللبنانية في البداية ثم لصحيفة "نويه تسوريشر تسايتونج" السويسرية وموقع قنطرة التابع للدويتشه فيلله، وهو ما أتاح لي متابعة التحولات بعين مدققة، وقد أعود إلى هذه الكتابات إضافة إلى يوميات غير منشورة لإنجاز عمل موسع مستقبلاً.


نقلاً عن "ضفة ثالثة"(العربي الجديد).. 19مارس2017

أخيلة الظل: التجريب وغواية المتاهات





جابر طاحون


إيتالو كالفينو كان يقول إن اللغة الإيطالية اللغة الوحيدة تقريبًا التي كلمة غموض «vago» تعني الجذاب أو الفاتن، وأن الغموض أحيانا هو ما يمنح المنطق والقوة ويحمل فكرة الحركة والتحول. جاكومو ليوباردي (شاعر إيطالي) أيضًا كان يقول أن علينا تذوق جمال وغموض غير المحدد والانتباه لتفاصيل في غاية الدقة والتمعن، انتباه لتكوين كل صورة.
وفي روايتنا هنا «أخيلة الظل» حاولت منصورة عز الدين تمثيل العالم كعقدة. حاولت تمثيل العالم من دون أي محو للتعقيد فيه والذي لا حل له، مُركبةً مستويات مختلفة من اللغة بكل قلقها وهواجسها على طول النسيج الروائي، الذي ما يكاد الواحد يمسك بخيوطه، حتى تتسرب منه إلى مسارات ومسالك متشعبة على مدى سبع عشرة فصلًا.
منذ البداية ينتقل العنوان، عتبة النص، من صيغته الخبرية ليصبح سؤالًا. الإيهام يبدأ من افتتاحية الرواية، حكي على طريقة شهرزاد: «تخيلوا معي مقعدًا خشبيًا في الباحة الأمامية لبيت على نهر الفلتافا قريبًا من جسر تشارلز»، الإيهام للانغماس في صندوق الحكايات أو للدقة الغواية لتجريب لعبة المتاهات الروائية. متاهات أخيلة الظل. صندوق الحكايات تخرج منه حكاية تلو أخرى، وكل حكاية تتمدد منها حكاية، تنغمس في تشابك تلك الحكايات مُحاولًا التحرك بينها والبحث عن الرابط الغامض بينها، الغموض الذي يدفعك للاستمرار في متاهات الرواية، تشد خيط كل حكاية بحثًا عن ظل لكل الأشياء المحرفة والمرتبكة.
الظل الذي أرعب آدم لأول مرة حين لاحظه وهو يستحم فاستغاث بأمه لتقول له بأن هذا ظله وأنه يتبعه. «لا أريده. تخلصي منه لا أحبه ولا أريده أن يتبعني». هل يمكن التخلص من الظل؟ الكل يحلم بما قاله لوركا: «أيها الحطاب اقطع ظلي». الظل الذي قد يكون الماضي وكل ما خاضه الواحد طول عمره. ومحاولة التخفف من عبء الماضي قد تكون أكثر فداحة من تحمله، قد تنبعث أشباحه وتتغلل في الحاضر مرة أخرى ليصبح نسخة داكنة من الماضي.
كل واحد يتسلح بخيالاته وبأحلام يقظته، ولا أحد يملك أجوبة نهائية طبعًا. أولجا، كاميليا، من يتخيل من؟ من يتداخل مع من؟ من أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي؟ كل شخصية كان لها مرجعيتها الخاصة، مع بعض التداخل مع الشخصيات الأخرى. دولت، منير، فريدة، روز، فلاديمير، ساندور عازف البيانو، إيفان. لكل شخصية قناع إن لم يكن أقنعة، الصمت قناع، الحكايات المخبأة قناع، الرواية نفسها قناع. شهرزاد حكت ألف ليلة وليلة، مدفوعة برغبتها القوية في البقاء والحلم الخالد بالعودة. الحكي كان قناعًا يحميها من القتل.
«الحلم والكابوس مغزولان من الخيط نفسه، أحلامي وكوابيسي من القماشة ذاتها. بكلماتي نصبت الفخاخ لنفسي. كنت الصياد والفريسة، لم يكن «لافكرافت» سوى حجة لمعانقة الخوف، في مناماتي تطاردني طفلة لها عيون جدتي، صغيرة منهمكة في مسارات الموت. لا تبكي ولا تصرخ، فقط تنظر إلي وفي عينيها قلق العالم، خوفه الأكثر بدائية وقدمًا. لم تكن جدتي ابنة المذبحة، بل يتيمتها». هذا ما يقوله آدم لكاميليا كمن يحادث نفسه. آدم الذي حلم بأن يصير كاتبًا منذ قرأ في صباه قصة لـ«لافكرافت» وبات يلتهم قصصه ولعًا به.
كاميليا، ابنة دولت، زوجة منير، صديقة آدم وزوجته روز، الكاتبة القاهرية التي قابلته، آدم القادم من سياتل، في براغ أمام متحف كافكا، باحت له بالكثير من الأسرار. كاميليا التي تكتب لتبتكر مبررًا للارتطامات غير المتوقعة. سمتها أمها كاميليا تيمنًا بممثلة الأربعينات الجميلة، لتكبر وسط أم خيالية تحيا في زمن آخر، وأب ركلها في الهواء وهي في الخامسة، وكان يرى فيها علامات تخلف عقلي لمجرد شرودها الدائم وبطء حركتها. «دبدوبة» بطيئة الحركة والفهم.
دولت، أمها كان لها ولع بالممثل أحمد سالم ولها طقوسها الخاصة في المجوهرات كل هذا قبل أن يأتي التأميم على كل شيء وبات مجدها خبر كان، ورغم ذلك ظلت تحافظ على القرب ومصادقة من لن تعد تقدر على مجاراة نمط حياتهن مهما استماتت وتودد إليهم كأنهم يدينوها بإبقائها معهم. رسّخت في كاميليا أن الطبقة الغنية هي وسطها الذي ستعيش فيه.
فريدة، زوجة منير، إحدى صديقات أمها، التي تخصها بالكثير من الاهتمام. كاميليا كانت ترى فريدة على أنها كريستالة؛ فالمرأة جميلة وفخمة وإلا لماذا أحبتها أمها؟
بخصوص منير، في فيلم 12 رجلًا غاضبًا، رجل واحد كان بداية التحول في مجريات الفيلم وفي مجرياتت حياة شخص ينتظر الإعدام، ظهوره كان ممر للتوجه نحو تفكير مغاير من قبل بقية هيئة المحلفين. ومع اختلاف الظروف منير هو الشخصية العصب في الرواية. الشخصية الممر في حياة كاميليا؛ جربت معه اللذة الحسية المختلسة، وجربت معه شعور أن تكون مرغوبةً، كأنها تنتقم من أبيها وقسوته، هي امرأة مرغوبة كأنها في فيلم رومانسي وليست «دبدوبة تخينة» – في فيلم 12 رجلًا غاضبًا العجوز كان يقول أيها السادة إن ذلك محزن جدًا أن تكون نكرة – ممر ستعبره نحو ثقة أكبر بنفسها. في البداية لم تعرف ما إن كانت قد أحبته، هي محبة للألغاز والتعقيد ومنير شفرة معقدة نوت فكها، وإن كانت لعبة، فاللعبة يلعبها الاثنين، وهي من يجب أن يكون الفائز.
سيتزوجان – منير وكاميليا – على غير رضا من أمها، حتى أنها يوم الزفاف ستقضيه مع فريدة وابناءها. دولتت التي تشبها كاميليا رغم تمردها الظاهر عليها، التي ستهاجمها الخلايا الخبيثة، وتحتضنها كاميليا-رغم تحذير الطبيب- في تبادل للأدوار؛ هي أصبحت الأم ودولت ابنتها. المسح الذري الذي خضعت له دولت، سيسبب ضررًا لرحم كاميليا، وستضطر للتخلص من جنينها «أن أحمل وأنجب طفلًا، يعني أن أذوب وأتحلل لأكون آخر. ستغذى عليّ: على دمي وأعصابي ولحمي»، هكذا اعتادت أن تقول في سرها، لتقنع نفسها بأن الانجاب حميمة لم تكن تقوى عليها. فقدان الجنين أمر ستخص به روز زوجة آدم -رغم كون آدم سورًا عاليًا بينهما- كأن كاميليا تحاول أن تمد جذر من حكايتها في كل واحد. روز الذي تتوهم ابنة لها ماتت، تملأ البت ببودرة التلك وشامبوهات الأطفال. روز التي ستحتضن كاميليا بعد حكيها وتأرجحها، كأنه اتفاق ضمني بينهما، روز ستحتويها كأبنة لها، كأم، وكاميليا ستتماهى وتجرب كونها ابنة، وهناك أم لها تهتم بها وتهدهدها.
عمر كاميليا، التسعة وثلاثون عامًا، العمر ما قبل الأربعين سن الحكمة والنبوة، لم يكن عرضيًا؛ بدأت في تفحص صورتها أمام نفسها، لحظة استبصار مرة، تتفحص الهوة العميقة الآخذة في الاتساع داخلها كأنها جذع شجرة قد تم تفريغه. الجوع في روحها الذي لا يبدو سبيل لإشباعه.
النص الروائي لم يكن متحيزًا لشخصية ما، بل كان ديمقراطيًا ومتماهيًا مع كل شخصية، دون تسلط على عالميها الخاص والمشاع. السرد المركب والمتحرك دائمًا حركة حرة حسب وعي كل شخصية، وادراكها ورصدها لعالمها. تتشابك خيوط الرواية دون عشوائية. الافتراضات ونسج حكايات منها، استخدام الذاكرة لرفض أي انتظام سردي. والصوت، صوت الحكي، واضح بصورة ما، ويظهر في التوزيعات المتناغمة على طول الرواية.
التمزق الذي قد يظهر في نسيج الرواية، يعود ويتكامل مع توالد السرد والطبيعة المزدوجة للزمن؛ الناتجةة من الحدث ذاته وزمن الحكي الذي يستحضره.
روح التجريب واضحة، ووفرت للرواية مرونة أكثر. تعدد الأصوات، الواقع المتغير، والتمرينات الأسلوبية ومونتاج وخلق صور وبدايات مفاجئة بجانب المهارات الفنية والجمالية، كأن التجريب كان غاية، لا وسيلة. وتفاوت التجريب ما بين التجريب اللغوي على مستوى اللغة، والتجريب على مستوى السرد، واستخدام المونولوج الغير مباشر، والتنقل ما بين اللحظة المعيشة والماضي. التزاوج والتمازج ما بين الراوي العليم، الحكاء الممسك بخيوط السرد، والمونولوج لتضييق المساحة بين الأحداث، وإعلاء حسية الحدث ومعايشته. كما حضر التجريب في ربط النص بملامح العصر، والخراب المترسخ في العالم، في حضور الجدة القادمة من بلد بعيد، وناجية من مذبحة. العالم الآن المُشبّع بالمذابح والمرع للدم، واللعب الروائي لئلا يكون حضور الخراب والمذابح كيلشيه أو حشو مُقحم.
أخيلة الظل، سيرة، للأسئلة، الخوف، القسوة، الهواجس، التناوب في الرؤيا ما بين الحلم والكابوس، هشاشة الوجود الإنساني ورعب الغرق في الذات، صورة الواحد قدام نفسه ومدى تشابكه مع العالم وتعاطيه معه.

أخيلة الظل، أو كيف يمكن أن تصبح مازوشيًا في القراءة، تتلذذ بما ليس سهلًا، تتلذذ بما هو غامض وصعب.

نقلاً عن "ساسة بوست"..24مارس2017

منصورة عز الدين تحكي أوجاع الإنسان



أحمد إبراهيم الشريف


"تخيلوا معى مقعدا خشبيا فى الباحة الأمامية لبيت على ضفة «الفلتافا» قريبا من جسر تشارلز".
"تخيلوا معى.." هكذا تبدأ المبدعة منصورة عز الدين روايتها الجديدة «أخيلة الظل» الصادرة عن دار التنوير، وهاتان الكلمتان ليستا مجرد «بداية» اقتضتهما ظروف الكتابة، لكنهما جوهر الرواية وأصلها، فالكاتبة تضع شروطها أولا، هى تريد قارئا يعرف قيمة الخيال ودوره فى صناعة السرد، بل ويراهن عليه ليصل إلى المتعة والمعرفة.

تريد منصورة عز الدين أن تقول فى روايتها المهمة «إن كل ما نحن فيه ضرب من الخيال» وفى الوقت نفسه تقول لك «كل ما نحن فيه واقع أليم» لأن كل شخصياتها المتخيلة هى جزء أساسى من واقع العالم المرير، وكل واحد منا به بعض «حزن» أبطال هذه الرواية.

فى الرواية لدينا كاميليا «المندهشة من أنها صمدت فى تقبل حياتها المضجرة كل هذه السنوات»، وأولجا «التى لا تحب متاهات التفاصيل»، وفلادمير «عاشق اللون الأزرق والسائر دوما»، وساندور «عازف البيانو الذى يحدق فى أصابعه ويحب زهور البيلسان»، وروز «العائشة بالذنب والتى حلمت بأنها وردة»، وآدم «الذى فى سكون القبو أشرق عقله بفكرة أن أسوأ الشرور مغروسة بداخلنا»، وآميديا «الفاشلة فى صنع قطيعة مع ماضيها»، ودولت «الباحثة عن بطل»، و«فريدة «متقبلة الهزيمة»، ومجدى «محب الليمون» ومنير «لن نستطيع اختصاره فى جملة واحدة»، لكل واحد من هذه الشخصيات «وجعه» الممتد داخل الرواية، التى أجادت منصورة عز الدين رسمه وتقديمه بحيث تكتمل الحكاية وتتقاطع المصائر وتلتقى، صانعة عملا مكتملا يحكى قرابة ثلاثة أجيال من عمر العالم، فكل الشخصيات، هنا، لديها أزمات داخلية، كما يتحكم فيها إرث قديم، وتسيطر عليها حكايات قوية، هذه الحكايات لها مؤشرات منها الألوان والروائح والورود والموسيقى التى تنتشر فى كل أرجاء الرواية، ومن خلالها يتم الكشف عن الناس والأحداث والثقافات المختلفة للجميع.

يحسب للرواية بقوة أنها توقفت عند الحروب والقهر والاضطهاد والاستضعاف والعنف الذى يمارسه الإنسان طوال الوقت ويفقد فيه آدميته، ولعل حكاية «آميديا» بثقافتها الآشورية هى الدليل الأكبر على ذلك.

كما أن طريقة السرد تحمل فى داخلها نوعا من عروض «خيال الظل» فهناك من يمسك بخيوط اللعبة كاملة، ويعرف أن البعد المكانى والزمانى لا ينفى التقارب النفسى ولا الشعور بالقلق والخوف، كما أننا ندرك فى النهاية أننا محض رواية يكتبها أحدهم فكل منا يكتب حياة الآخر، فـ كاميليا تحلم بـ«أولجا» وهى بدورها تكتب قصة كاميليا.. وهكذا.
تراهن منصورة عز الدين على الكتابة الجادة، فلم تسقط بروايتها فى مغازلة «مراهقى القراءة» الذين أصبحوا يفرضون كلمتهم الآن لأنهم يصنعون «البيست سيلر»، هى تكتب الرواية كما تعرفها وتفهمها وتحبها، وتعرف أن هناك قراءً شغوفين بالحقيقى ومستعدين معها للبحث عن الخيال والعيش فيه

نقلاً عن جريدة اليوم السابع..8مارس2017

منصورة عز الدين: أخيلة الظل




في سنة 2001 نشرت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين عملها الأول، وكان مجموعة قصصية بعنوان «ضوء مهتز»؛ اتسم بالمزج الدائب، ولكن البارع والتجريبي باتزان، بين الملموس والغرائبي، وبين الافتراضي الاستيهامي والواقعي الوقائعي. ذلك الخيار كان أشبه بالإعلان المبكر عن هوية أسلوبية، لعلها سوف تغري القاصة (غاوية اللعب بالسرد، أصلاً!) بالانتقال إلى الرواية؛ وهذا ما تحقق بالفعل في رواياتها الأربع، حتى الساعة: «متاهة مريم»، «وراء الفردوس»، «جبل الزمرد»، و«أخيلة الظل». لكنّ مزاج القصة القصيرة، وبعض جاذبية الـ»نوفيلا»، والاشتغال على ما يجمع بينهما والرواية، وما يفرّق؛ ظلّ يلازم عز الدين، وتجلى في مجموعة قصصية ثانية، بعنوان «نحو الجنون».
وبين القاهرة والجسور على النيل، وبراغ والجسور على الفلتافا؛ وبين كاميليا مجدي وآدم كوستاكي، ونظائرهما في انشطارات الأزمنة والأمكنة، والشخوص والنفوس؛ كما في التشكيل الإيقاعي لتوزيع فصول الحكاية، ودلالات عناوينها، وتشابك وظائفها… فإنّ عز الدين، في هذا العمل الجديد، تواصل ذلك الشغف المستحبّ، ولكن الشاقّ أيضاً، الذي يُعنى إطلاق ألعاب السرد على عواهنها؛ ليس دون حساب، وضبط، واقتصاد.
هنا فقرة من ختام الرواية (وعنوانه «انتهى قبل أن يبدأ؟»): «في الوقت نفسه، وبعيداً عن الفلتافا وبراغ ومتحف كافكا، في حديقة عامة مهملة ومنسية على مقربة من النيل، كان ثمة امرأة في التاسعة والثلاثين، تتحسر على طفل أجهضته قبل أن يولد، وتحدق في صورة التقطتها سابقاً بعدسة تلفونها المحمول، صورة مثل ركلة غير متوقعة، تظهرها وحيدة منهكة وأكبر من عمرها الفعلي بسنوات. رفعت المرأة وجهها إلى السماء، تتأمل تشكيلات السحب، وانفصلت عن ضجيج الشارع القريب، ثم وضعت يديها على جانبي رأسها، وركزت على تأمل الأرض في المسافة الفاصلة بين قدميها».
دار التنوير، بيروت 2017. 


 نقلاً عن جريدة القدس العربي..25 فبراير 2017

Friday, April 7, 2017

أصوات المساء: كلمات ضائعة في صمت الليل






منصورة عز الدين


في روايتها "أصوات المساء" تأخذنا الكاتبة الإيطالية نتاليا جينزبورج في رحلة خاطفة داخل حيوات شخصيات تعيش في بلدة إيطالية صغيرة، ورغم أن السرد مقتصد إلى أبعد حد ويركز على أكثر الأشياء هامشية في حيوات هذه الشخصيات، نشعر أننا نعرفهم تمام المعرفة ومررنا بما مروا به؛ عانينا ويلات الفاشية وأثرّت أهوال الحرب العالمية الثانية علينا وعلى أقدارنا وغيرت عالماً كان مألوفاً لنا حتى وقت قريب.
لا يعني هذا أن جينزبورج تكتب عن الحرب بشكل مباشر أو تهتم برصد مجرياتها، بل فقط تقترب منها عبر آثارها المخاتلة وظلالها التي تكاد تكون خفية وغير ملموسة على نفسيات الأشخاص العاديين وحيواتهم.
نحن هنا أمام كاتبة بارعة شديدة الذكاء والمكر، تتقن المواربة والإخفاء والتلميح باعتبارها الأبواب المشرعة على الفن.
يلعب الحوار دوراً رئيسياً في العمل، فهو طريقة جينزبورج في قول الكثير بأقل الكلمات الممكنة، من خلاله نعرف دواخل الشخصيات وخواء حياتهم، وميل بعضهم إلى ثرثرات لا نهائية تُقابَل غالباً بصمت الطرف الآخر، فالحوار هنا ليس آداة تواصل وتحاور بقدر ما هو آلية لإعلان القطيعة النفسية بين الذات والآخر.
معظم "الحوارات" تنقلها البطلة والراوية إلسا لنا كمونولوج متقطع لشخصية ما دون ردود من الآخرين، في الصفحات الأولى من العمل مثلاً، تنقل لنا ثرثرات أمها على النحو التالي: "قالت أمي:...، قالت:.....، ثم قالت:....." تتكلم الأم وترد على نفسها كأن إلسا لا وجود لها أو ليست مطالبَة بالرد، وحتى إن ردت فردها لا أهمية له ولا يستحق التدوين. باختصار تبدو إلسا تحديداً صامتة صمتاً أبدياً في مواجهة ثرثرات الآخرين.
تتكرر حالة "اللاحوار" هذه بين شخصيات أخرى على امتداد الرواية، وفي الحالات القليلة التي يحدث فيها أن ترد شخصية ما على أسئلة شخصية أخرى يأتي هذا في مقام الزجر أو الشجار أو عدم الفهم، كأن الأصل في العلاقات الإنسانية هو انعدام التواصل.
وفي سياق متصل، تبدو كل علاقات الرواية تقريباً محكومة بالفشل، فحب جيمينا لنيبيا من طرف واحد، وزواج ماريو بزينيا ينتهي بموته وزواجها لاحقاً بالطبيب المعالج له خلال مرضه الأخير، ويطلق فينتشينزينو زوجته كاتي بعد خياناتها المتكررة له أثناء علاقة مسكونة بالصمت والضجر. ولا تشذ علاقة إلسا وتومازينو عن هذه القاعدة.
اللافت للنظر أن معظم هذه "الحوارات" تحدث بعد الغروب، من هنا يمكن فهم عنوان الرواية، غير أن وصف ما يقال بحوارات ينطوي على عدم دقة، فالكلمات المنطوقة – كما سبق وذكرت - ليست لغة مفتوحة على التحاور بقدر ما هي أصوات ضائعة ومتناثرة في صمت المساء ووحشته.
من السمات المميزة للرواية سخرية نتاليا جينزبورج  الخفيفة التي تكاد تكون متجهمة، ورغم هذا التجهم أو ربما بسببه، أراها تتسم بالذكاء والفرادة.
من أمثلة هذه السخرية المتجهمة والمبطنة، حين تقول زوجة بالوتا المسن له:
"- يعيش المرء ما دام الرب يسمح بذلك."
فيرد عليها:
 - "رب ماذا؟ لا ينقصنا إلّا وجود رب أيضًا!"
عبر هاتين الجملتين الموجزتين، يمكننا تلمس شخصية كل منهما وملامح العلاقة بينهما.
أيضا حين تخبر إلسا تومازينو أنها منذ أحبته وقلبها يدق بسرعة من فرط الانفعال إذا رأت سيارته مركونة أو صادفت أحد أفراد عائلته، يقول لها:
"- لا أفهم، هل يبدو لكِ شيئاً مثيراً للانفعال رؤية "مانيا ماريا"؟
قلت: - عندما أرى مانيا ماريا يبدأ قلبي يدق بسرعة.
قال: - لا أفهم! أنا عندما أقابل أباكِ في ممر المصنع، لا أشعر على الإطلاق بأن قلبي يدق."
وفي معرض وصفها لشخصية جيمينا بإيجاز مثير للإعجاب تكتب جينزبورج:
"عندما عادت من سويسرا قالت: - لن يأخذ مني أحد "الكازيتا".
أراد إخوتها أن يذهبوا ليعيشوا معها، بعد أن عادوا إلى البلدة، ولكن أصرت هي على أن تردد: - "الكازيتا" كان منزل أبي وأمي، ولن يأخذه أحد مني.
باءت بالفشل محاولة أن يشرح لها أحد أن والديها، هما أيضاً والدا إخوتها الآخرين، لا والداها هي فقط."
في الأمثلة السابقة، وعلى امتداد صفحات الرواية، سخرية جينزبورج لا تكاد تُحس، وهذا تحديداً ما يجعلها عصية على النسيان.
تبدأ الرواية بإلسا وهي في طريق عودتها مع أمها إلى البلدة بعد زيارة الطبيب، الأم منغمسة في ثرثرات من طرف واحد، وعلى وقع هذه الثرثرات تعرفنا إلسا بأسرتها، ثم بعائلة "بالوتا المسن" أصحاب مصنع القماش الذي تتمحور حوله حياة سكان البلدة، تحكي إلسا قصة كل فرد من أفراد عائلة بالوتا المسن حتى تصل إلى الابن الأصغر تومازينو الذي نعرف لاحقاً أنه حبيبها السري الذي تقابله مرتين أسبوعياً في شقة بالمدينة المجاورة.
ما أن تظهر علاقة تومازينو بإلسا حتى نشعر أنها قلب الرواية ومركزها، وأن الشخصيات والأحداث السابقة، على أهميتها، مقدمة الغرض منها مساعدتنا على فهم خلفيات حب إلسا وتومازينو بدرجة أعمق. وما يميز قصة الحب هذه أنها خافتة، ومع هذا أراها واحدة من أعذب قصص الحب المكتوبة. يخبر تومازينو إلسا المرة تلو الأخرى أنه لن يتزوجها، ولأنها تحبه، تستمر معه على أمل أن يغير رأيه. ورغم إصراره هو على الإيحاء بأنه لا يحبها حباً متأججاً، فإنه بالتدريج يفعل كل ما بوسعه لإسعادها: يزورها في منزلها ويجالس أهلها رغم كرهه لهذا النوع من التواصل، ثم يتقدم لخطبتها. لكن لأن البشر في عالم نتاليا جينزبورج الإبداعي جُزر منعزلة والعلاقات الإنسانية محكومة بالاخفاق، يفترق تومازينو وإلسا. وكما بدأت الرواية بإلسا وأمها عائدتين إلى البلدة من عند الطبيب، تنتهي بعودتهما في أكتوبر أيضاً من بستان الكروم المملوك للأسرة. حلَّ الليل وأُضيئت مصابيح الشوارع بينما تسير إلسا على وقع ثرثرات أمها بعد أن اكتملت الدائرة وتفرقت السُبل بمعظم شخصيات الرواية.

"أصوات المساء" صادرة عن دار الكرمة، بترجمة متميزة أنجزتها عن الإيطالية مباشرة المترجمة أماني فوزي حبشي.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.

Friday, March 10, 2017

هيا نشتر شاعراً: جحيم العيش بلا مجاز






منصورة عز الدين





كتب الروائي الأمريكي كورت فونيجوت  مرة أن الرعب الحقيقي يكمن في أن تستيقظ ذات صباح لتجد صفك في المدرسة الثانوية يحكم البلد! وإذا فكر كل منا في هذه الاحتمالية متذكراً ما اتسم به أفراد صفه من حماقة وطيش وانعدام مسئولية في تلك المرحلة العمرية، سيفاجأ بمقدار الرعب الكامن خلف جملة بدت لأول وهلة مضحكة وساخرة. وعلى منوال مقارب يقدم الكاتب البرتغالي أفونسو كروش لقراء روايته القصيرة "هيا نشتر شاعراً" أمثولة ساخرة لكن التدقيق في تفاصيلها يضعنا أمام جحيم أو على الأقل كابوس يتحول فيه البشر إلى ما يشبه "روبوتات" غير مشغولة سوى بالربح والأرقام والماديات الملموسة.

وفق هذه الرؤية "الديستوبية" لا مكان للمجاز ولا للفن. الشعراء والنحاتون يباعون كحيوانات أليفة. لا تكمن الكارثة هنا في غياب الشعر فقط وتحول الشعراء إلى حيوانات أليفة لتزيين البيوت، بل في غياب المجاز حتى خارج الشعر والاكتفاء بالمدلول الحرفي للكلمات وحده.
التحية المتبادلة هي: "نمو وازدهار!"، وفعل التقبيل يُعبّر عنه لغوياً بـ: "ترك على وجوهنا مليغراماً أو مليغرامين من اللعاب!"

كل شيء محسوب بالجرام واليورو أو بالربح المتوقع منه: المأكل والمشرب وحتى المشاعر الإنسانية: "يقولون إنه لمن المفيد التعامل بمودة من الآخرين، وربط صلة من الألفة بين الأشخاص لتحقيق نوع من الربح، وإن كان ربحا عديم القيمة لأنه ليس مادياً، ولا يمكن تحويله إلى أرقام أو استغلاله في الضرائب، ولا هو أيضاً مصدر دخل، ولكن هناك من يعتقد – وهي مسألة إيمان – أنه يمكن تحقيق مكاسب من وراء ذلك."
باختصار يمكننا القول إن رواية كروش - الصادرة في 82 صفحة عن دار مسكيلياني بترجمة أنجزها عبد الجليل العربي - هي استعارة روائية عن موت الاستعارات، موت اللغة والخيال.
وإذا تذكرنا مقولة هايدجر الخاصة بأن "اللغة بيت الوجود"، فمن الطبيعي أنه حين تتسطح اللغة وتخلو من المراوغات والمجاز يتسطح وجودنا ذاته، ونتحول إلى أرقام.

ينجح الروائي البرتغالي في الوصول بلغة روايته إلى الدرجة المرغوبة من الخشونة والوضوح ومعاداة المجاز والصور الفنية، وحتى حين يتسلل تعبير مجازي يتم تصحيحه أو التسخيف منه في الحال، مثلاً حين استعملت الراوية تعبير "تفاحة الخد"، استدركت فوراً: "تفاحة الخد عبارة غريبة وغير مفهومة، في حين تم التأكد بصفة مطلقة من عدم وجود تفاحات على الخد وإنما الثابت حقاً هو وجودها في المراكز التجارية الكبرى."
المجازات الوحيدة المعترف بها ذات علاقة بالمادة، مثل أن يتم الإعلان عن الشعور بالملل بتعبير: "لا تكسري محفظتي."

الخطير في الرواية أنها تكثف ما هو موجود فعلاً في المجتمعات الحديثة من تهميش للفنون وتقديس للاستهلاك وعبادة كل ما هو مادي. تضع كل هذا تحت عدسة الفن المكبرة لنخرج بصورة كاريكاتورية تُركَّز فيها هذه السمات لندرك أي جحيم يمكن أن نصل إليه إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
الشاعر أيضا يتم تقديمه في مبالغة كاريكاتورية تتسق مع الجو العام للرواية فيبدو ككائن غريب ينطق ما يبدو للآخرين كألغاز ولوغاريتمات، لكن سكنه في بيت الأسرة التي اشترته يخلخل عالمها ويغير شخصيات أفرادها. ووفق منطق الحكايات الرمزية البسيط يكتشف الأب فائدة مادية ملموسة للشعر.

تمنيت فقط لو لم يضف الكاتب لروايته القصيرة الجزء الأخير المعنون بـ"ما يشبه الخاتمة" والذي يشير فيه إلى حال الفن في البرتغال، لأن هذا الجزء التقريري خصم من الرصيد الفني للرواية وحصرها في دائرة "المغزى" و"الرسالة" والصرخة ضد تهميش الفن في مجتمع مادي استهلاكي.


لكن أجمل ما في تجربة قراءة "هيا نشتر شاعراً" هو التعرف على صوت جديد لم يسبق تقديمه باللغة العربية وعلى مترجم متميز يترجم عن البرتغالية مباشرةً، ننتظر منه المزيد من الأعمال المترجمة عن لغة تتسم بثراء أدبها الذي لا نكاد نعرفه سوى عبر ترجمات عن لغة وسيطة. ولا يجب أن تفوتنا هنا الإشادة بتنوع اختيارات دار مسكيلياني وجدتها وانفتاحها على أصوات أدبية غير مألوفة عربياً.

زاوية "كتاب".. نقلاً ن جريدة أخبار الأدب.

Friday, February 24, 2017

تانجو الخراب: كاتدرائية روائية و"نبي" يبشِّر بالهلاك






منصورة عز الدين


يغص عالم الأدب بعدد هائل من الحكائين (مهرة أو غير مهرة)، وقليلاً ما نقابل بينهم روائياً فريداً يدفعنا لإعادة حساباتنا وإلقاء نظرة جديدة على تاريخ الرواية بعد أن تعرفنا عليه باحثين عن موقع مناسب له فيه بمعزل عن اعتبارات المجايلة والآنية. بين هذه الفئة من الروائيين المُجيدين يبرز الروائي المجري لاسلو كراسناهوركاي ككاتب متمرس يدفع قراءه داخل أتون من الأسئلة الشائكة ويسلمهم إلى متعة محفوفة بالقلق وحبس الأنفاس.
في روايته "تانجو الخراب"، التي ترجمها الحارث النبهان إلى العربية وصدرت عن دار التنوير، ينجح كراسناهوركاي في تحقيق معادلة نادراً ما ينجح فيها أحد وهي الحفاظ على قدر عالٍ من التشويق في عمل ذي إيقاع هادئ متأمل وجمل طويلة متشابكة وسرد مشغول بالوصف الدقيق والمشاهد البصرية التفصيلية.
وسر نجاحه في هذا يكمن في قدرته على المحافظة على درجة محسوبة من الغموض لا تزيد فينصرف القارئ عن العمل، ولا تقل فتضاعف من بطء الإيقاع فيغرق القارئ في الملل.
ثمة دائماً حدث رئيسي محذوف وتفاصيل غائبة تحث على التفكير في مبررات الشخصيات وتحفز الرغبة في مواصلة القراءة من أجل مزيد من الفهم، وحتى بعد الانتهاء من قراءة العمل ستظل هناك أفعال تشغلنا بحثاً عن مبررات وتأويلات مقترحة لها.
في الفصل الأول سوف ننشغل بتلمس تفاصيل العلاقة بين فوتاكي والسيدة شميدت وزوجها، وسنبدأ في تخمين أسباب تدهور حال المزرعة ورغبة الفلاحين في الرحيل عنها  ونتساءل عن هوية إرمياس هذا الذي يبدو كالعائد من بين الأموات وسر تباين ردود فعل الشخصيات الرئيسية الثلاث في هذا الفصل على نبأ عودته. وفي الفصل  الثاني لن نعرف في البداية هوية بطليه الرئيسيين ولا ماذا يفعلان في هذا المبنى (مؤسسة أمنية) ولا ما المراد منهما بالتحديد! ثم تتضح الأشياء تدريجياً حين نعرف أنهما إرمياس وظله البشري بيترينا قبل عودتهما إلى المزرعة في مهمة محددة. وهكذا مع كل فصل، ثمة أسئلة أجوبتها مؤجلة إلى حين مما يزيد من الترقب ويرفع مستوى التشويق. هناك أيضاً لعبة تزامن يلعبها كراسناهوركاي ببراعة خاصة في الجزء الأول من الكتاب الذي تتشابك فيه الخيوط ويتعقد البناء، قبل أن ينبسط في الجزء الثاني، فبعض التفاصيل يعود إليها المؤلف من زاوية جديدة من فصل لآخر، فيتضح التراتب الزمني للأحداث ولحركة الشخصيات، دون إشعار القارئ بأي ملل أو تكرار. فالرواية مُهَندَسة بانضباط مذهل مترافق مع انسيابية لا يقلل منها ولع كراسناهوركاي بالجمل بالغة الطول والتشبيهات المتتالية. هذه الانسيابية تخبرنا أن كراسناهوركاي لم يختر عنوان روايته عبثاً، فالعمل بكاملة أشبه برقصة "تانجو" أو بمقطوعة موسيقية مركبة وكاشفة، تفتح عيوننا على جمال سوداوي يمزج بين الرائع والمريع، ويكشف الخراب ويضعه تحت مجهر الرواية، فعالم "تانجو الخراب" خرِب متهالك، نسجت العناكب شباكها على كل شبر فيه، مياهه مطر مُهلِك، وبِرك راكدة عطنة، ونباتاته ينخر العفن في جذورها، أما البشر فيه فشخصيات غريبة معذّبة غارقة في خطاياها وبؤسها. يراقب كل منها الآخرين ويعد عليهم أنفاسهم، كأننا أمام منظومة للمراقبة المتبادلة. الفلاحون يراقبون بعضهم بعضاً من خلف الستائر، والطبيب يظل جالساً بجوار النافذة كي لا تفوته أي حركة يقوم بها أحد الجيران، ويتفوق على الآخرين بتدوين كل ما يراه في دفاتر يحمل كل منها اسم الشخصية المُرَاقَبة. وكما سنعرف لاحقاً، فإن المهمة الموكلة لإرمياس وبيترينا من النقيب في المؤسسة الأمنية الغامضة تنطوي على كتابة تقارير عن هذه الشخصيات. وأظن أن هذه التفاصيل تكتسب أبعاداً جديدة ومعانيَ إضافية بمعرفة أن الرواية تدور في المجر خلال الحقبة الشيوعية.
***
يلعب المخيال الديني (التوراتي والإنجيلي) دوراً مركزياً في "تانجو الخراب" التي تبدأ باستيقاظ فوتاكي على صوت أجراس كنسية غامضة. ثم يرى نفسه "مسمَّراً إلى صليب مهده ونعشه، يتألم محاولاً انتزاع جسمه بعيداً من غير أن يفلح في النهاية إلا في وضع نفسه – عارياً تماماً، ومن غير علامة مميزة، مجرداً من كل شيء وصولاً إلى الأساسيات – في عهدة الأشخاص الذين كانت مهمتهم غسل الجثث"، في استدعاء واضح لصلب المسيح. كما أن الفلاحين كانوا يظنون أن إرمياس وبيترينا قد ماتا قبل 18 شهراً، وبالتالي ينظرون لعودتهما كبعث من الموت. عناوين الفصول المختارة بعناية، يحيل معظمها بدوره إلى الكتب المقدسة.
منذ البداية نستشعر أن ثمة "أبوكاليبس" وشيك الحدوث. كارثة توراتية ستطيح  بالمزرعة المنعزلة وتحولها إلى "مدينة" هالكة لا محالة، سدوم أو عمورة أو إرم ذات العماد في ثوب معاصر. المطر الغزير المستمر وملامح الخراب والعطن والركود في كل ركن يشعرنا أن الكارثة المنتظرة ستأتي في هيئة طوفان، يترسخ هذا الإحساس عندما يبدأ الفصل الثالث على هذا النحو: "في الحقبة الباليوزية، قبل ملايين السنين، بدأ غرق أوروبا الوسطى كلها. ومن الطبيعي أن بلدنا الأم هنغاريا كان جزءاً مما جرى."
يتوازى هذا مع انغمار دائم بماء المطر الغزير. وفي الجزء الثاني من الرواية حين يأتي إرمياس لنقل المجتمعين في قصر ألماسي، بشاحنة أحضرها معه، تبدو هذه الشاحنة كأنها فُلك نوح مفترض لإنقاذهم من الخراب والهواجس والشكوك في مصداقية مخلِّصهم، لكن الفكرة أن إرمياس شخصية ملتبسة بالغة التعقيد، وليس نبياً أو مخلِّصاً كما يرونه. لن يكشف كراسناهوركاي سر عودة إرمياس لنقلهم بالشاحنة بعد أن أعطوه نقودهم قبلها بالفعل كما خطط ورغب، كما سيترك تفصيلة طلبه شراء أسلحة ومتفجرات - من تاجر السلاح "باير" - عالقة في الهواء موحية بهلاك مستقبلي لا يبقي ولا يذر، هلاك يذكرنا بكلمات إرمياس في الفصل الثاني، والتي بدت حينها أقرب إلى هلوسات شخص يائس: "سننسف جسورهم؛ وبيوتهم؛ والبلدة كلها؛ والحدائق؛ وصباحاتهم؛ وبريدهم، سنفعل ذلك خطوة بعد خطوة، سنفعله كما ينبغي، كل شيء وفق الترتيب الصحيح..."، "المدن كلها. واحدة بعد أخرى!"، "والقرى. حتى أبعد كوخ!"
إرمياس ليس نبياً إذاً حتى ولو جاء لنقلهم من القصر بعد أن يئسوا من مجيئه، وهو ما أدركه فوتاكي بذكائه وتبصره. هو (أي إرمياس) أقرب إلى رسول للخراب والهلاك. (لا يمكننا تجاهل أن اسمه تنويعة على اسم النبي إرميا أو النبي الباكي المتنبئ بخراب أورشليم والشاهد عليه.)
في جملة عابرة في بداية الرواية يشير الراوي إلى أن فوتاكي كان "مرغماً على النظر إلى الشرط الإنساني من دون أي أثر من شفقة". ويبدو لي أن الأمر نفسه ينطبق على كراسناهوركاي في روايته هذه إذ ينظر بدوره إلى الشرط الإنساني دونما شفقة، مشرِّحاً إياه ومتعاملاً مع شخصياته الفنية – العصية على النسيان - بعين قاسية مُعرية راغبة في الفهم لا التعاطف، ومن أجل هذا وحده تجلب التعاطف نحو هذه الشخصيات، فحتى أكثرها شراً نجدنا متورطين في تأمله بمحبة متفهمة، كأن شره هذا ابتلاء وقدر لا قدرة له على تغييرهما. أو كأن الشرط الإنساني المحكوم بالفناء يسم الجميع بالهشاشة ويدفعهم إلى انتظار ما لن يأتي أبداً، فالرواية ليست عن الخراب فقط بل عن الانتظار أيضاً، حيث تبدأ بجملة كافكا: "في تلك الحالة، يجعلني انتظار الشيء أخسره!" ويخيم الانتظار الممض على أجوائها مذكراً إيانا  بعوالم صمويل بيكيت وبكل آمالنا المهدرة وأمانينا العصية على التحقق.
***
إذا كنت قد شبهت رواية كراسناهوركاي بالكاتدرائية نظراً لبنيانها الفخم ومعمارها المُهندَس بدقة، فإن بنيتها لا تخلو من مفاجآت وألاعيب، فمنذ بدايتها حتى الفصلين الأخيرين تبدو "تانجو الخراب" كراوية كلاسيكية معاصرة مكتوبة بإتقان وتماسك، لكن في الفصل قبل الأخير يفاجئنا المؤلف بموظفين داخل المؤسسة الأمنية البيروقراطية وهم يحررون الوثائق المقدمة لهم عن فلاحي المزرعة محاولين تهذيب لغتها دون التخلي عن وضوحها ودقتها. في الغالب هي التقارير الأمنية التي كتبها إرمياس في إطار المهمة الموكلة إليه في الفصل الثاني. وفي الفصل الأخير، يعود المؤلف إلى شخصية الطبيب، بعد أن غيّبه معظم الرواية، فنراه وحده في بيته بالمزرعة عقب خروجه من المستشفى، متسائلاً عن سر اختفاء الآخرين، وبادئاً في تحويل ما سبق ودونه عنهم في دفاتره إلى رواية، هي على الأرجح "تانجو الخراب".
في النهاية تبقى الإشارة إلى أنه إذا كان إرمياس هو رسول الخراب؛ المبشر به والمؤدي إليه، فإن لاسلو كراسناهوركاي هو رائيه ومدوِّنه ومُشيِّد كاتدرائيته الروائية.



 *نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.