Friday, October 21, 2016

البنت الأخرى ولم أخرج من ليلي: سر آني إرنو





منصورة عز الدين

تبدو الروائية الفرنسية آني إرنو كأنما تعرف ما تريده من الكتابة بالضبط، والأهم أنها تعرف كيفية تحقيقه، فوفقاً لجملتها الشهيرة "ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنىً وقيمةً، وجعله في النهاية لا يُنسى."، وهذا ما تقوم به، إذ تمنح لجروحها معنى وقيمة عبر الكتابة، ولا تكف عن تشريح الذات والعلاقات بنفاذ بصيرة يصل حد الاستبصار.
وأنا أقرأ آني إرنو، أتذكر جملة جوان ديديون الخاصة بأن الكتابة فعل عدائي يتمحور حول قول "أنا"، حول فرض ذات الكاتب على الآخرين، حول قوله لغيره: "إنصت إليّ، إنظر بعينيّ، غير رأيك!"

مع فارق أن ديديون في رواياتها تعتمد على التخييل والبنية المركبة على عكس ما تسلكه في كتبها غير الروائية، في حين أن إرنو تكتب ذاتها وتضع كل تفاصيل حياتها وعلاقاتها تحت المجهر دون حاجة إلى التخييل، كما تبدو غير مهتمة بتغيير رأي الآخرين أو بالتأثير فيهم، وإن كانت تنجح في هذا، إذ يشعر قراؤها بأنها تحكي عنهم، وبأنها تمنح هواجسهم الخاصة ومشاعرهم المسكوت عنها صوتاً.
تكتب عن علاقتها بأمها في "امرأة" فتشعر قارئات كثيرات بأن الأم تشبه أمهاتهن، وعن علاقتها بحبيبها في "عشق بسيط" فتبدو كمن تقبض على جوهر العشق إن كان له جوهر.

في تقديمها لترجمتها لـ"الحدث" تصف الشاعرة هدى حسين كتابة إرنو بأنها: "تكمل عندي جملاً لم أقلها، وتنهي مراحل لا أرغب في أن أعيشها كاملة."
وفي تقديمها لترجمتها لـ"البنت الأخرى و لم أخرج من ليلي" تكتب الروائية نورا أمين: "لقد عشت قصص آني إرنو كأنها حكاياتي الشخصية. غصت فيها وتجسدتها. توحدت مع صوتها حتى خُيِّل إليّ أحياناً أنها تكتبني بشكل شخصي."

أنا أيضاً ينتابني إحساس مشابه حين أقرأ أعمال إرنو، رغم انحيازي عادةً للتخييل والتركيب.
إلّا أن التماهي بيني وبين إرنو تضاعف أثناء قراءة "البنت الأخرى" (صدرت بالفرنسية في 2011) لسبب أساسي هو أني فقدتُ أختاً صغيرة مثلها، وكتبت عنها قصة بعنوان "فتاة فبراير" ضمن مجموعتي القصصية الأولى. الفارق أني رأيت شقيقتي الصغيرة "ياسمين"، التي رحلت بعد شهرين من ميلادها، أما إرنو فوُلِدت بعد وفاة شقيقتها "جينيت" بعامين، ولم تعرف بأمرها سوى وهي في العاشرة، إذ ظلت الصغيرة الراحلة السر المقدس في حياة الوالدين، وعاشت كاتبتنا في ظل الطيف المهيمن لمن خنقتها الدفتيريا.

ولأن الصور القديمة هي كل ما يربط "البنتين"، تبدأ آني نصها "البنت الأخرى" بوصف صورة سِبيا، بيضاوية للرضيعة جينيت، وكيف كانت تظنها صورتها هي، أي أننا منذ البداية نجد أنفسنا أمام التباس: أنا/ هي. وهو الالتباس المهيمن على النص بكامله بداية من العنوان. فما يطرأ على الذهن حين نقرأ عنوان "البنت الأخرى" هو أن الإشارة هنا للأخت المحكي عنها، غير أننا نكتشف لاحقاً أن الكاتبة تقصد نفسها بـ"البنت الأخرى"! فالذات تخلت عن مركزيتها وصارت آخر، والأخت الغائبة احتلت المركز وأزاحت أختها الحاضرة إلى الهامش.

علاقة الإخوة نفسها مشكوك فيها وفقاً لإرنو، حيث لا يقرها سوى السجل المدني. "لكنك لست أختي، لم تكوني أبداً أختي. لم نلعب سوياً ولم نأكل سوياً ولم ننم سوياً. لم ألمسك أبداً، ولم أعانقك. لم أرَ أبداً لون عينيك. لم أركِ أبداً. أنت بلا جسد، بلا صوت، مجرد صورة مسطحة في فوتوغرافيا الأبيض والأسود."

المشاعر التي تعبر عنها الكاتبة هنا بالغة التعقيد، فهي خليط من الغيرة والتنافس مع ظل خفي، والذنب لأنها نجت من التيتانوس فيما رحلت شقيقتها التي هي دافع الحكي ومبرره. "أنا لا أكتب لأنكِ متِ. لقد متِ من أجل أن أكتب. هناك فارق كبير."، لكن كيف تكتب إرنو ما لا تعترف بوجوده، ما لم تره سوى كغياب تام مخبَّأ في قلبيّ الأب والأم باعتباره سرهما الأعظم؟
تفعل هذا عبر رصد وتشريح تأثير كل هذا عليها هي: "ليس لكِ وجود إلّا عبر بصمتكِ على وجودي. أن أكتبكِ هو ألّا أتعدى معاينة غيابكِ. إنكِ شكل فارغ يستحيل ملؤه بالكتابة."

اللافت أن آني إرنو تصف نصها، في أكثر من موضع، بالرسالة. وهو فعلاً رسالة موجهة لجينيت أينما كانت. والتحدي الماثل هنا، هو أن "ضمير المخاطب فخ. ففيه شيء خانق، ويقيم بين الأنا والأنت حميمية متخيلة بفوحان الشكوى، إنه يقرِّب كي يلوم. وبرقة يميل إلى أن يجعل منكِ سبب وجودي، وأن يحط من شمولية وجودي بسبب اختفائك."

هكذا تواصل إرنو الجري وراء ظل، معتبرة أن رسالتها المكتوبة لجينيت رد دين متخيل بأن تمنح أختها الوجود الذي منحه لها موتها، فلو عاشت جينيت لما أتت آني إلى العالم لأن أبويها كانا مصممين منذ البداية على إنجاب طفل واحد فقط.

النص الثاني الذي يضمه الكتاب الصادر مؤخراً عن دار أزمنة، هو "لم أخرج من ليلي" الذي سبق أن صدرت طبعته الأولى عن المركز القومي للترجمة، وتسرد فيه إرنو قصة مرض أمها بـ"ألزهايمر" وتفاصيل إقامتها في قسم المسنين بمستشفى "بونتواز". الكتاب، الصادر بالفرنسية عام 1997، كُتِب على هيئة يوميات أثناء مرض الأم التي يعرفها قراء آني إرنو جيداً عبر نص "امرأة". في "لم أخرج من ليلي" يتعرف القراء على وجه آخر للسيدة دوشاسن هو وجه المرض والأفول، وعلى ملمح مختلف من علاقة الكاتبة بها.

سواء في "البنت الأخرى" أو "لم أخرج من ليلي"، تحافظ آني إرنو على سرها الخاص ككاتبة تجيد النفاذ إلى أعماق المشاعر الإنسانية بكل تعقيدها. وأخيراً تبقى الإشارة إلى المقدمة الكاشفة التي قدمت بها نورا أمين النصين، والتي تعد مدخلاً مثالياً للتعرف على إرنو وعالمها الأدبي.

زاوية "كتاب"، نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"...

Friday, October 14, 2016

ذبابة في الحساء: الحرب لعب أطفال وفأر التجارب يكتب الشعر






منصورة عز الدين

يفتتح الشاعر الأمريكي من أصل صربي تشارلز سيميك سيرته الآسرة "ذبابة في الحساء"، الصادرة مؤخراً عن الكتب خان بترجمة للشاعرة إيمان مرسال، بالتأكيد على عادية قصته ومألوفيتها. "قصتي قصة قديمة وأصبحت الآن مألوفة. لقد تشرد كثير من الناس في هذا القرن. أعدادهم مهولة ومصائرهم الفردية والجماعية متنوعة، سيكون مستحيلاً أن أدعي تميز وضعي كضحية، أنا أو أي شخص آخر، إذا أردت الصدق."

غير أن ما يكتبه يعد درساً في تحويل العادي والمكرر إلى فن خالص، واستخلاص الفرادة من قلب ما قد يحوله الكثيرون إلى كليشيهات.
واللافت أن سيميك قادر أيضًا على جعل من لم يمروا بتجاربه نفسها شركاء له فيها، كأنهم اختبروها وكانت جزءاً من تاريخهم الشخصي، ربما لأنه يلتقط التفاصيل الإنسانية البسيطة، ويعبر عن اشتهاءات البشر وآلامهم (أياً كانت مسبباتها) بصدق وبراعة.

يبدأ المؤلف كتابه بطفولته في بلجراد خلال الحرب العالمية الثانية، حيث الموت حدث يومي، والخراب في كل مكان، والقصف لا يكاد يتوقف، لكن ما يتوقف أمامه، هو ما يتجاهله الآخرون غالباً في كتابتهم عن فترات مماثلة.
قد يشعر البعض بأن سيميك يرصد سعادات الحرب وجماليات العيش في ظلها! لكن هذا ليس بالتوصيف الدقيق، ربما الأدق اقتراح أنه يقدم وجوهاً أخرى للحرب، ويبرهن على كيف يمكن للإنسان أن يخترع سعاداته الخاصة رغماً عنها وعلى هامشها. كيف يمكن له أن يتمرد على تأطيره في خانة الضحايا وينقل نفسه إلى خانة الناجين حتى ولو مؤقتاً.
تلك آلية مقاومة يبرع فيها الأطفال والاستثنائيون، وسيميك ماهر في تقمص الطفل الذي كانه وفي التعلم منه.

يقدم صاحب "المسخ يعشق متاهته" الحرب في أكثر من موضع باعتبارها لعب أطفال. حيث تتحطم القيود التقليدية وتتيح الفوضى للصغار مساحة للّهو. يكتب سيميك:
"وفر لنا زمن الحرب ملاهٍ للرياضة وزحاليق وبيوتاً خشبية وحصوناً ومتاهات يمكن العثور عليها في ذلك الخراب عبر الشارع. كان هناك جزء قد تبقى من الدرج، كنا نصعد بين الحطام وفجأة تظهر السماء! (.....) نجلس بسعادة بين أطلال غرفة طعام شخص ما بالدور الثالث، يأتينا من الشارع تحتنا صياح واحدة من أمهاتنا وهي تشير إلينا بينما ابنها يهرول إلى أسفل مجاهداً في تذكر أين كان يضع قدميه أثناء الصعود. كنا نلعب جنوداً، استمرت الحرب. نزلت القنابل. ولعبناً جنوداً."
وفي موضع آخر يكتب عن جلوسه في بيت جده لأكل البطيخ والتفرج على المدينة وهي تحترق. "يصر جدي أن أجلس بجانبه. يقطّع لي الجبن ويعطيني رشفة من النبيذ الأحمر بينما نصغي لأصوات الانفجارات المكتومة."

قد يخطر في بال قارئ ما تساؤل: هل فِلتر الزمن والمسافة بين المرء وبين أهوال الماضي هما المسئولان عن هذه النبرة المسيطرة على الكتاب؟
وهو سؤال مشروع، لكن أولاً، كلمة أهوال تبدو مبالغاً فيها وناتئة هنا، فسيميك يصور أحداث ماضيه، بحلوها ومرها، كما لو كانت مسرات وسعادات رسبتها الذاكرة، لا مكان عنده للتفجع أو الإنشائية. وثانياً، من الواضح أن المسألة لا علاقة لها ببعد المسافة الزمنية (ليست العنصر الحاسم على الأقل)، بل بسيميك نفسه وعينه المختلفة، فعلى امتداد الكتاب نلحظ عصاميته الفكرية وتشبثه بفرديته وحقه في العثور على صوته الخاص والتمسك بعينه المختلفة عن الآخرين. يمكن تلمس هذا بوضوح حين يحكي عن معاناته في تطوير شعره وسعيه للافلات من التكلف والتقليد وصراعه مع الكلمات واللغة. كما أن ما يذكره من أحداث وتفاصيل من فترات زمنية لاحقة، وبالتالي أكثر قرباً، مغلف بالمزاج نفسه.

***

أكثر ما يلفت النظر في "ذبابة في الحساء" إذن هو الإعلاء من شأن المتع الصغيرة والمسرات العابرة التي تخللت أصعب اللحظات ولونتها بلونها، كأن المؤلف مبرمج جينيًا على اقتناص الملذات في أحلك الظروف. أقول جينيًا لأن كثيرًا من أقاربه، ممن يذكرهم في كتابه، يشبهونه في إقبالهم على متع الحياة واقتناصهم لها وتحايلهم على المصاعب كل على طريقته الخاصة، وعلى رأسهم: والده المولع بالأطعمة الشهية والملابس الفخمة والحياة المرفهة، بغض النظر إن كانت إمكاناته المادية تسمح بها أم لا. والعم بوريس الذي كان بمقدوره "أن يجعل الأم تريزا تضرب بعصا البيسبول"، والذي كان بيته عامراً دائماً بالطعام والنبيذ الوفير. ونانا، خالة أمه، بطة العائلة السوداء ومبذرة الأموال باستهانة، التي كانت تتخذ من المسبات والألفاظ البذيئة وسيلة مقاومة.

من بين ملذات الحياة العديدة يحتل الطعام المكانة الأولى لدى سيميك. يرد لفظ الجنة وتعريفها أكثر من مرة في سيرته هذه مقترناً بأطعمة لذيذة، كما مثّل الأكل دوماً عزاءً مثالياً له، لذا خصه بفصل كامل، افتتحه بـ: "يمكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته، وستكون قراءتها أكثر متعة مما نقرأه عادة. بصدق، ما الذي تفضله، وصف أول قبلة أم الكرنب المطبوخ بإتقان؟"
وهذا ما يفعله تقريباً في هذا الفصل، إذ يكتب سيرة مختصرة لنفسه عبر أشهى الوجبات التي تناولها في حياته، ومنها: بوريك دوبروساف سيفيكوفيتش، وكيك الكريم، لفائف الكاسترد وغيرهما من أطعمة قضى يوم 9 مايو 1950 يأكلها مع صديق له متنقلين من مخبز لآخر، ومكرونة لينجويني مع الأنشوجة ونبيذ صقلية الأحمر.

رغم كل هذا، لا يتغافل سيميك عن صعوبة وضعه كلاجئ ثم كمهاجر، يرصد حاله البائس وملابسه الرثة خلال الفترة التي قضاها مع أمه وشقيقة في باريس في انتظار الهجرة لأميركا للحاق بأبيه، حيث قدمت له السينما عالماً خيالياً بديلاً عن واقعه المهترئ. ويذكر أن والده اعتاد ممازحته بسؤال: أين ستهاجر المرة القادمة؟ فـ"مازالت تجربة القرن العشرين في المنافي مستمرة. من هم مثلنا كانوا حيوانات تجارب. أغرب ما في الأمر، أن يقوم واحد من فئران التجارب بكتابة الشعر."


"ذبابة في الحساء" كتاب واجب القراءة، خاصة أن ترجمة إيمان مرسال السلسة، تتسم بأهم سمات الترجمة الجيدة: ألّا تشعر بوجود وسيط بينك وبين الكتاب، كأنه مكتوب بلغتك.

زاوية "كتاب" نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"...

Friday, October 7, 2016

طُبِع في بيروت: تأريخ ساخر وحبكة بوليسية






منصورة عز الدين


في روايته الجديدة، "طُبِع في بيروت، الصادرة مؤخراً عن دار الساقي، يواصل الروائي اللبناني ولعه بالأبطال ملتبسي الهوية وبرصد لحظات الأفول سواء لعائلات عريقة أو لمجتمعات كاملة، راسماً كعادته شخصيات روائية يصعب نسيانها. وعلى رأس هذه الشخصيات فريد أو شَعر، الشاعر الخيالي العائش فوق الغيوم، وعبد الله وريث مطبعة "كرم إخوان" وزوجته الجميلة بيرسيفون ذات الأصول اليونانية.
حتى الشخصيات بالغة الهامشية مرسومة ببراعة لافتة مثل الناشر الأول الذي عرض عليه فريد أبو شَعر مخطوط ديوانه، ففي لمحة خاطفة نعرف أنه صاحب ذاكرة خرافية، يحفظ معلقة زهير بن أبي سلمى عن ظهر قلب، ضجِر وحاسم في رفض كتاب فريد قبل حتى أن يقرأه.

منذ بداية الرواية تتجلى السخرية التي يُقارب بها صاحب "مطر حزيران" بطله فريد: "في عز صيف لاهب استبد بمدينة بيروت في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، نزل شاب مرفوع الحاجبين المقوسين كأنه يومئ دائماً بقول لا، من باص للنقل المشترك لُصق على جانبيه إعلان "لا تنسوا المخطوفين والمغيبين قسراً ومعوقي الحرب"، وهو يحمل إلى جهة القلب من صدره دفتراً سميكاً غلافه أحمر، كمن يعلق بعنقه يداً مصابة بكسر أو بطلق ناري."
يوحي هذا المفتتح بأن حياة فريد تبدأ مع نزوله من "الباص" برفقة مخطوط كتابه، للبحث عن ناشر. ورغم أن وصف حاجبي البطل المقوسين يقربه من الكاريكاتير، إلّا أن الدويهي حريص طوال الوقت على ألّا تصل سخريته إلى هذا الحد، فينجح في كشف الجانب الهزلي من شخصية بطله دون المخاطرة بتسطيحه.

التباس الهوية هنا لا يتوقف عند فريد - المنتمي باللقب لعائلة بارعة في الشعر والأدب، قبل أن يكتشف أن أصوله مجهولة – بل يتعداه إلى عبد الله كرم، وريث المطبعة، إلّا أن التباس هوية الأخير اختياري وقصدي، إذ أسقط جده حرف الواو من اسمه "كرّوم"، "وبشطحة قلم صار ابن تاجر الحبوب الحلبي بالمفرق لبنانياً مسجلاً في حي المدور ببيروت من دون أن يكون قد سكن فيه يوماً. ادعى أنه ماروني لشعوره بأن طائفة السريان الكاثوليك التي ينتمي إليها أهله وتتكلم والده لغتها بطلاقة قلة قليلة لن يكون لها شأن يذكر في دولة لبنان الكبير الجديدة." هذا الالتباس المتكرر بطرق مختلفة، من عمل لآخر، أشبه بضربة مسددة بإحكام في وجه الطائفية ومهووسي الهوية النقية.

العنوان الواضح ظاهرياً، مخاتل في باطنه، وينطوي على مفارقة ساخرة، يكشف التمعن فيها عن تأويلات جديدة للرواية. يوحي الدويهي لقارئه على امتداد صفحات روايته وعبر عنوانها أنه يؤرخ للطباعة في بيروت روائياً، وربما قد يخلص قارئ ما إلى أن "طُبِع في بيروت" مرثية لطرق الطباعة القديمة ولتاريخ بدأ يندثر، لكن في ظني أن المسألة أبعد من هذا، وأن التأريخ للطباعة حيلة فنية وخلفية يؤثث بها الكاتب روايته للوصول إلى ما هو أبعد فنياً: التلاعب والسخرية.
ففي النهاية، ندرك أن ما "طُبِع في بيروت" هو النقود المزورة لا ديوان فريد أبو شَعر، حتى وإن كانت قد طُبِعت منه نسخة واحدة فاخرة. وصحيح أن حالة النشر الراهنة، كما تتبدى في الفصل الأول، لا تبشر بخير، غير أن المسألة لا علاقة لها بالرثاء، فالمشاهد مغلفة بالسخرية، وآداء فريد أبو شَعر وكليشيهاته ورومانتيكيته المختلطة بالسذاجة لا تسمح لنا بافتراض أن العالم سينقصه شيء لو لم يُنشَر ديوان "الكتاب".

ما يهم جبور الدويهي، هو إحكام الخط البوليسي لروايته وتمتين حبكته، ورمي التفاصيل والمفاتيح برهافة، لتتجمع الخيوط معاً في النهاية، ويتعمق الهزل والسخرية.

غير أن الكلام عن خط بوليسي في "طُبِع في بيروت" لا يعني أننا أمام رواية بوليسية، أو على الأقل ليست كذلك بالمعنى الشائع، وإن كان المؤلف يسجل ولع بيرسيفون بروايات "السلسلة السوداء"، وبالجملة المكتوبة على غلافها الأخير: "روايات رجال الشرطة فيها أكثر فساداً من المجرمين والمحقق المختص لا يحل اللغز دائماً، هذا إن وُجِد اللغز أو وُجِد المحقق." فإن هذه الجملة، في نصفها الثاني تحديداً، تتصادى مع "طُبِع في بيروت" في سخريتها، وفي أن المهم ليس حل اللغز وعقاب المجرمين، بل المعمار الروائي لهذا "اللغز"، والمزج بين أساليب وأنماط كتابية مختلفة، وشد خيوط الرواية معاً والمحافظة على تشويقها وهزلها الكاشف عن حماقات البشر، ففريد، الذي قضى خمس سنوات في السجن عقاباً على جُرم لم يرتكبه، يظن أنه بهذا أنقذ بيرسيفون ولم يش بها، كما اعتقد، خلال التحقيق معه، أن التهمة مجرد ذريعة للسطو على ديوانه.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن "أخبار الأدب"..

Friday, September 23, 2016

أنتويرب روبرتو بولانيو: الكتابة للأشباح







منصورة عز الدين


"بمجرد تصويرها، تنتهي الحياة هنا. هذا رمز لهوليوود تقريباً. لم تكن هناك غرف داخل تارا. كان مجرد واجهة." بجملة ديفيد سلزنيك هذه يفتتح روبرتو بولانيو روايته المدوخة "أنتويرب". و"تارا" لمن لا يعرف هو القصر الفخم بفيلم "ذهب مع الريح" الذي أنتجه سلزنيك وحقق نجاحاً مدوياً.

يكتب بولانيو في المقطع الأول من الرواية المعنون بـ"واجهة": "يتجه الطفل نحو المنزل. زقاق من أشجار اللاريس. حرب الفروند. قلادة من دموع. الحب مزيج من السنتمنتالية والجنس (بوروز). القصر مجرد واجهة- تم فكها ليعاد نصبها في أطلانطا. 1959. كل شيء يبدو مهترئاً. ليست ظاهرة حديثة. منذ وقت طويل، كل شيء حطام. والإسبان يقلدون طريقة كلامك. إيقاع أمريكا الجنوبية. زقاق من النخيل."

اختيار كلمات سلزنيك للبدء بها لم يكن اعتباطياً، فالرواية مغلفة بجماليات السينما، كما أن الواجهات المموِّهة على الفراغ واللاشيء حاضرة فيها، وكذلك الإحساس المرير بالانتهاء الحتمي وبعرَضية الأشياء وزوالها.
"أنتويرب" مقسمة إلى مقاطع أقرب إلى شذرات قوامها أحلام وكوابيس وهلاوس. حطام كلمات وشخصيات وعوالم. كل شيء حطام كما جاء في الشذرة الأولى. السينما حاضرة بقوة على مدى شذرات الرواية ومقاطعها، في لحظات عديدة يشعر القارئ أنه أمام شريط سينمائي ما، أو بالأحرى أمام "ما وراء" هذا الشريط. "ميتا فيلم" لو جاز التعبير.

القارئ الباحث عن الوضوح، الراغب في حكاية مفهومة، أو حتى متاهة بها مفاتيح تقود إلى درب الخروج، لن تعجبه "أنتويرب"، قد يُفتَن بشعريتها وابتكاريتها، لكن إحساسه بالتيه الكامل قد يدفعه لعدم إكمال قراءتها.
ثمة راوٍ عليم، تتقاطع معه وتجاوره أصوات بولانيو ورجل شرطة، وعابرين، في أجواء تخلط العنف والجريمة مع الجنس والنبرة الشعرية مع التقطيع السينمائي لمشاهد مرسومة بعناية واقتضاب.
أبطال العمل، لو جاز لنا الحديث عن أبطال لعمل مماثل، هم مؤلف اسمه روبرتو بولانيو وضابط شرطة يحقق في جريمة قتل، وفتاة بشعر أحمر وعينين خضراوين، وأحدب ورجل إنجليزي، وليزا حبيبة المؤلف الغائبة التي يشبهها بمرض يتملكه.

"قل لهذا الغبي أرنولد بينيت إن كل قواعده عن الحبكة تنطبق فقط على روايات متنسخة من روايات أخرى." يكتب بولانيو في روايته التي يحطم فيها كل القواعد والمعايير المعروفة لفن الرواية، كأن الدافع الأول لكتابة "أنتويرب" هو إبلاغ أرنولد بينيت فنياً بسخافة قواعده وحماقة تصوراته عن الفن. إضافة طبعاً إلى ما ذكره على لسان قناعه المسمى أيضا روبرتو بولانيو: "أكتب لأفهم السكون."
فكتابته المشغولة بالفراغ والزوال تبدو كأنما تضخ المعنى في الأشياء الفارغة منه، تماما كالفتاة الصهباء حين "تخيلت أن الأثاث في الغرفة، وحتى حبيبها أشياء فارغة عليها ضخها بالمعنى."، لكنه طوال الوقت مدرك أنه لا يمكننا الفرار من العدم.

تنتهي الرواية بابتهال ملغز يدعو فيه بولانيو أن تكون كتابته مثل أبيات ليوباردي التي تلاها الشاعر الفرنسي دانييل بينجا، فوق جسر على بحر الشمال، كي تمده بالشجاعة.

كل سمات كتابة بولانيو موجودة هنا في حالتها الخام، وبأقصى درجات وضوحها، كأن "أنتويرب" حملت بذور عوالمه الروائية وشخصياته المستقبلية، ولا عجب في هذا حين نعلم أنها أول رواية كتبها صاحب "تعويذة"، وآخر رواية نشرها قبل وفاته مباشرة. فبحسب قوله كتبها وهو في السابعة والعشرين في أول انتقال له من الشعر إلى الرواية، واحتفظ بها في الدرج لأكثر من عشرين عاماً. ربما لهذا كتبها متحرراً من أي قيود، ودون خوف من صعوبة التلقي، أو حساب لتخوفات الناشرين.

في مقدمته القصيرة للرواية يشير بولانيو إلى أنه كتبها لنفسه: "كتبت هذا الكتاب لنفسي، وحتى هذا لست متأكداً منه (....) كتبت هذا الكتاب للأشباح، الذين، لأنهم خارج الزمن، هم الوحيدون الذين مع الزمن. بعد آخر إعادة قراءة (الآن فقط)، أدرك أن الزمن ليس الشيء الوحيد الذي يهم. الزمن ليس المصدر الوحيد للرعب. يمكن للمتعة أن تكون مرعبة أيضاً، وكذلك الشجاعة."
في المقدمة نفسها يعترف بولانيو أن الناشرين لم يكونوا ليرحبوا بنشر الرواية لو دفع بها للنشر حين انتهى منها، كانوا سيرفضون نشرها، وكان سيفقد المخطوط!
الطبعة الإنجليزية لأنتويرب صادرة عن دار "نيو ديركشنز" بترجمة لنتاشا ويمر.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.







Friday, September 9, 2016

عزاءات الفلسفة: الفلاسفة كمرشدين روحيين




منصورة عز الدين


خلال دردشة مع ستيني ألماني، في فرانكفورت خريف 2011، حكى لي الرجل بفخر عن ابنه الأكبر، المهندس الذي يدير مكتب الاستشارات الهندسية المملوك للعائلة، وتكلم بزهو مماثل عن ابنه الأوسط المحامي الواعد، مضيفًا أن نجاحاتهما تعزيه عن فشل ابنه الأصغر.
توقعت أن الابن الأصغر هذا مدمن مخدرات أو كحول، ولم أسأل عن التفاصيل تأدباً، غير أن الأب أوضح أن "فشل" ابنه تمثل في دراسته الفلسفة في جامعة "توبنجن". (إحدى أقدم الجامعات الألمانية، والجامعة نفسها التي تخرج فيها هيجل وهولدرلين ومارتن فالزر.)
وعندما أخبرته أن ابنه قد يصبح في أهمية نيتشه أو هايدجر، رد: "وهل تظنيني أكترث بشأن هذين الأحمقين؟! الطبيب يعالج المرضى والمهندس يبني البيوت ويخطط المدن، أما الفلاسفة فمجموعة من المتحذلقين غير المفيدين لغيرهم ولا لأنفسهم. الفلسفة بطالة مقنّعة."

ملايين ينتشرون شرقاً وغرباً، يشاركون الأب الألماني رؤيته هذه، ويعتبرون الفلسفة فائضة عن الحاجة، والفلاسفة متنطعين منشغلين بأفكار غير عملية محلقة في آفاق بعيدة. ولهؤلاء تحديداً أرشح كتاب آلان دو بوتون "عزاءات الفلسفة.. كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة"، الذي صدرت طبعته العربية مؤخراً عن دار التنوير، بترجمة متميزة للمترجم السوري يزن الحاج.
غير أن كتاب بوتون لا ينحصر في كونه رسالة إلى من يتشككون في جدوى الفلسفة في الحياة العملية والواقع اليومي، بل يتعدى هذا إلى تحويل المادة الفلسفية المعقدة إلى قراءة ممتعة ومسلية ومفيدة. أو كما كتبت صحيفة "الإندبندنت": "بوتون أخذ الفلسفة إلى هدفها الأبسط والأهم: مساعدتنا في عيش حيواتنا."

يتوقف الكاتب السويسري، المقيم في بريطانيا، أمام ستة عزاءات للفلسفة وستة فلاسفة: العزاء بشأن مخالفة الآراء السائدة (سقراط)، العزاء بشأن الافتقار إلى المال (أبيقور)، العزاء بشأن الإحباط (سينيكا)، العزاء بشأن العجز (مونتين)، العزاء بشأن انكسارات القلب (شوبنهاور)، العزاء بشأن الصعوبات (نيتشه).
لا يختار المؤلف هؤلاء الفلاسفة اعتباطاً بل وفق منهج حدده في بداية كتابه، إذ يميزهم كجماعة صغيرة من البشر، "تفصل قرون في ما بينهم، يتشاركون ولاءً فضفاضاً لرؤية عن الفلسفة يقترحها الأصل اللغوي اليوناني للكلمة – فيلو، حُب؛ صوفيا، حكمة – جماعة يوحدهم اهتمام مشترك بقول عدة أشياء معزية وعملية بشأن القضايا المتعلقة بمواطن بؤسنا الكبرى. إلى هؤلاء الناس سوف ألجأ."

وإذا كان بوتون يريد من قرائه التعلم من الفلاسفة، فإنه يقدم نفسه باعتباره التلميذ الأول، ويوضح في أكثر من موضع كيف ساعده هذا الفيلسوف أو ذاك على النظر لحياته والعالم بعيون جديدة، ما يضفي على الكتاب نزعة ذاتية حميمة.
في البداية، مثلاً، يوحي بأن ما لفت نظره إلى سقراط وموته دفاعاً عن أفكاره، هو أن سلوكه الشخصي يتناقض مع هذا. "في الأحاديث كان أولويتي أن أُحَب، لا أن أجهر بالحقيقة (.....) لم أكن أشكك علناً بالأفكار التي تعتنقها الأغلبية. بل كنت أسعى إلى رضى أناس السلطة، وأشعر بقلق كبير، بعد الجدالات معهم، ما إذا كانوا لا يزالون يعتبرونني مقبولاً."
كما يبدو بوتون كأنما يحاول السير على خطى سينيكا الذي "كان قد أدرك منذ البداية أن الفلسفة منهج تعليمي يساعد البشر على تجاوز التباينات بين أمنياتهم والواقع."
ويسترشد، في منهجه بالكتابة، بخلاصة رؤية مونتين الخاصة بأن ما يهم في الكتاب هو النفع والملاءمة في ما يخص الحياة.

وهكذا، بين سطور الكتاب سنكتشف دلائل كثيرة على كيف استفاد آلان دو بوتون نفسه من الفلسفة، لكن ماذا عن قرائه المحتملين؟! كيف يمكن أن تعزيهم الفلسفة وتساعدهم في حياتهم؟! هذا ما على هؤلاء القراء اكتشافه بأنفسهم عبر قراءة هذا الكتاب الممتع الذي جرؤ مؤلفه على تحويل فلاسفة مرموقين إلى مرشدين روحيين أو مدربي تنمية ذاتية بثقافة عالية ورؤى مبتكرة، أو لو شئتم، إلى حكماء على الطريقة القديمة ممن يلجأ إليهم المريدون لسؤالهم عن حل للمعضلات الحياتية أو كيفية التصرف في موقف معين.

لا يهم أن دو بوتون وهو يفعل هذا، قد يخون هؤلاء الفلاسفة (أو بعضهم على الأقل) لصالح التبشير بهم وبأفكارهم بين جمهور أوسع، فشوبنهاور مثلاً يفضل العصامية الفكرية، ويرى أن تفكير المرء بنفسه والوصول إلى خلاصاته الخاصة أفضل مئات المرات من أن يستقي معرفته عبر القراءة.
لكن ببراجماتية تماثل تلك الخاصة بآلان دو بوتون، أقول ربما يمثل كتابه الشائق هذا عتبة أولى قد تغري قراءً عديدين بالتعمق أكثر في قراءة الفلسفة، حتى ولو بهدف أخذ العبرة والعظة من سير وأفكار كبار الفلاسفة.


وأخيراً، تبقى الإشادة ضرورية بترجمة يزن الحاج المميزة، التي تذكِّر بالمترجمين الكبار من أجيال سابقة. فإضافة إلى لغته الرصينة المحكمة، نلمس دقته في تصويب وتدقيق معلومات وإحالات سها المؤلف عن تدقيقها.

زاوية كتاب.. نقلاً عن "أخبار الأدب"..

Thursday, August 25, 2016

أورشليم جونسالو إم. تافاريس: تاريخ الشر والرعب







منصورة عز الدين


مثّلت رواية "أورشليم" للروائي البرتغالي جونسالو إم. تافاريس مفاجأة مدهشة لي، مع أني بدأت قراءتها متوجسة من المديح البالغ لها ولكاتبها، فكثير من الأسماء الشهيرة مُبالَغ في تقديرها، وكثير من الأعمال التي تثار حولها ضجة، لا تكون بالضرورة بالجودة المرجوة.
يختلف الأمر طبعاً حين نجد كاتباً بحجم ساراماجو بين المتحمسين لتافاريس، لكن قراءة جملته: "جونسالو إم. تفاريس مرحلة يقف عندها الزمن، هناك مرحلة سبقته، وأخرى تلته." تجعلنا نظن أنه قد جنح إلى المبالغة وأخذته الحماسة قليلاً.
الفيصل، في هذه الحالة، هو القراءة والحكم دون وسطاء. وبقراءة رواية تافاريس أقول إنني لم أقرأ كاتباً مقلقاً مثله من مدة طويلة.

"أورشليم" رواية عن عادية الشر وسهولة العنف، أجواؤها صادمة وشخصياتها غريبة ومألوفة في آن. يحاول جونسالو تافاريس في روايته كتابة تاريخ الرعب. حنا أرنت ليست بعيدة عن الرواية؛ يستشهد بها أحد الأبطال (ثيودور) في بحث ينجزه عن العلاقة بين التاريخ والوحشية، ويخايلنا طيفها بين السطور.
لا ينشغل ثيودور (وكذلك تافاريس) بأهوال الحروب ولا بالمواجهات بين جيشين، بل بعنف البشر العاديين تجاه بعضهم بعضاً، القوة في مواجهتها للضعف، فالحرب بحسبه "لا تعد صنفاً خالصاً من الرعب. أدرس الحالات التي يقف فيها أحد الأطراف عاجزاً دون مقدرة – أو حتى رغبة – في إلحاق الضرر بالطرف الآخر، الحالات التي – دون مبرر يذكر – سحق فيها القوي الضعيف."

ما يهم ثيودور ومن خلفه تافاريس هو الشر المجاني والأذى غير المبرر. شر أن يقتل شخص ما طفلاً معاقاً بلا رحمة، ثم يشفق على رجل وامرأة لا يعرفهما بعدها بقليل ويساعدهما، ويقف ليمزح معهما كأن شيئاً لم يحدث، ويستمر المزاح حتى يأخذ منه الرجل المسدس ويقتله دون سبب. القتل في هذه الحالة مزحة أو فعل بشري يكاد يكون تلقائياً كالتنفس.

كل شخصيات الرواية متورطة في شرور ما. ثيودور يوقع ورقة تسمح بعزل زوجته المريضة عقليا ميليا عن بقية المرضى لمدة عام، ويذهب في الحال للبدء في إجراءات الطلاق رغم وعده لمدير المصحة جومبرز بأنه لن يتخلى عنها بعد التوقيع على طلب عزلها.
وجومبرز يحول المصحة العقلية إلى ما يشبه معسكر اعتقال؛ إذ فيها يتم استئصال رحم ميليا، دون علمها، والتسبب لها في مرض قال الأطباء لاحقاً إنه سيميتها خلال عامين.
وميليا، رغم فصامها، توصف بأنها اكتسبت مهارة إذلال الرجال وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وهينريك يدفعه خوفه إلى العنف والقتل وإرنست يقدم على القتل في غمضة عين دون سبب ويهرب تاركاً ميليا لمصير قاتم.
حتى المرضى العقليين من نزلاء المصحة أشرار بطريقة ما من وجهة نظر جومبرز، فمفهومه للجنون لم يكن طبياً بل أخلاقياً، فالجنون بالنسبة له هو "نقص بسيط في الأخلاق – سواء مؤقت، وبالتالي يمكن علاجه، أو قاطع بلا نهاية، ولا يمكن علاجه. وفق ما يراه جومبرز، الفارق بين، ما يسمى، الإجرام، وبين، ما يسمى، كذلك الجنون، تصنيفي: لأنهما أنماط من الجنون، وبالتالي، نمطان من انعدام الأخلاق."

"البشر العاديون لا يعرفون أن كل شيء ممكن." جملة عابرة ترد في الرواية منسوبة لأحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية، لكنها – في رأييّ – بين المفاتيح المهمة للعمل، إذ وحدهم من غرقوا في جحيم الجنون أو الخوف أو التعذيب، يدركون أن كل شيء ممكن، وأن طاقة الشر "العادي" والمجاني الكامنة في البشر يمكنها، إذا وجدت المحفز أو الظرف المناسب، أن تصل إلى حدود غير مسبوقة.
واللافت أن هذه الجملة ترد بعد الفصل الخامس عشر مباشرةً، وهو الفصل الخاص بكتاب "يوروبا 02" بتفاصيله الكابوسية حيث يعذِّب الضحايا بعضهم بعضاً، إذ عليهم فقط اتباع الأوامر: "ستكون الضحية أو المُعذِّب لا شيء آخر، وفي النهاية ستتمنى لو أنك أنت المُعذِّب لا الضحية".

***

أحداث "أورشليم" ليست بطلة العمل، بل تفاصيله ومنمنماته الصغيرة، والأفكار التي يبثها تافاريس بين ثناياه والشخصيات المفزعة والمفزوعة. الحكاية نفسها، لو حكاها لي أحد، بمعزل عن الرواية، لما حمستني لقراءتها، كنت لأجدها تراجيديا مبالغا فيها وميلودراما فاقعة، لكن السحر كله يكمن في كيفية تقديمها، وكيف خرج منها المؤلف بهذا العمل المتميز، مخلصاً إياها من الميلودراما والسنتمنتالية.

تجري الأحداث الرئيسية في ليلة أرق. الأرق المصحوب بألم أو خوف أو رغبة هو دافع الشخصيات للخروج إلى شوارع المدينة قبل انبلاج النهار، وبالتوازي مع ليلة الأرق هذه أو بالتداخل معها نتعرف على ماضيهم والعلاقات الرابطة بينهم. لا يسمي تافاريس مدينته رغم أن روايته تحمل اسم واحدة من أشهر مدن التاريخ، والتي يرد ذكرها فقط على لسان ميليا بجملة مستعارة من سفر المزامير: "إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني."، قبل أن تحولها لاحقاً إلى: "إن نسيتك يا جورج روزنبرج تنسى يميني"! في إشارة للمصحة العقلية التي يديرها جومبرز، لتتحول الجملة من تعبير عن الحنين إلى أورشليم والتعهد بعدم نسيانها خلال السبي البابلي، إلى تذكر مكان مثّل جحيماً شخصياً لميليا، ليصبح قسمها أشبه بـ: "إعلان حرب، أو نبوءة يائسة".

يبقى القول إن رواية جونسالو إم. تافاريس الصادرة مؤخراً عن دار مصر العربية بترجمة لكل من: أحمد صلاح الدين ومحمد عامر، رواية مهمة وتثير في نفس قارئها أسئلة عديدة لا عن ما تطرحه من أفكار فقط بل عن فن الرواية وعن الكتابة عموماً. شخصياً تساءلت بينما أقرأها عن مفهوم الجدة، وكيف يمكن لكاتب عبر أفكار وثيمات وتقنيات مطروقة أن يحقق فرادته على هذا النحو، والغريب أن تافاريس كأنما يجيب على سؤالي ذكر، في حوار معه، مقولة أؤمن بها تماماً: "أكره فكرة أن يكون كل شيء تفعله جديداً. هذا سخيف. فقط شخص لا يعرف التاريخ ولم يقرأ كثيراً يجد كل شيء جديداً ومبتكراً."

لكن ما لم يقله تافاريس، هو أن الأصالة والفرادة متاحتان مع هذا، كما في حالته، رغم أنف المهووسين بـ"جدة" يرونها كذلك لأنهم لم يقرأوا بما يكفي.

زاوية كتاب.. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب..

Friday, August 19, 2016

اضطرابات وراثية: نحن محكومون بالعبث



منصورة عز الدين

في كتابه الأول "اضطرابات وراثية.. قصص، حكايات رمزية ومشكلات" يقدم الكاتب الأمريكي آدم إرليك ساكس 117 قصة قصيرة تتمحور حول الآباء والأبناء وتتسم بالسخرية والعبث واللعب على المفارقة دون التخلي عن العمق، وبالحس الفلسفي المغلف لكثير من القصص دون أن يقترن هذا بالضرورة بالجدية أو التعقيد.
في "اضطرابات وراثية" نجد أنفسنا أمام 117 تنويعاً على لحن العلاقة بين الآباء والأبناء وما يكتنفها من تعقيدات ورغبات دفينة في القتل الرمزي أو الفعلي، وبالأساس لعنة أن يرث الأبناء الآباء، لكن رغم قتامة الموضوع يقاربه ساكس بطريقة تحوله، بكل تنويعاته، إلى طرفة غارقة في اللامعقول، والأكثر طرافة أن دار النشر (ريجان آرتس) أصدرت الكتاب يوم عيد الأب في مايو الماضي.
شبه البعض الكاتب الشاب ببورخيس وقارن آخرون بينه وبين كافكا، ووصف أحدهم هذه المجموعة بأنها إسكتشات "ساترداي نايت لايف" مكتوبة بقلم كافكا، لكن ساكس نفسه يعتبر النمساوي توماس برنهارد؛ أستاذه الأول والكاتب الأكثر تأثيراً عليه.
في كتاب ساكس الأول هذا، على القارئ ألّا يبحث عن شخصيات بالمفهوم التقليدي أو عن حبكة أو تصاعد درامي، الأفضل أن يقرأ النصوص ويتفاعل معها بعيداً عن القوالب الجاهزة أو القواعد المألوفة. بعضها بالفعل أقرب لإسكتشات ضاحكة، ومعظمها يتسم بحس عالمي على الأقل لجهة تنوع جنسيات الأبطال والمدن التي ينتمون إليها أو يعيشون فيها، لكن هذه المدن في معظم الحالات مجرد خلفيات تضاعف من طرافة الأقاصيص ومن المسحة التجريدية المغلفة لها.
في قصة "شاعر الطبيعة" شاعر نمساوي ينتمي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كافح طوال حياته لتحرير شعره من ظل أبيه الذي كان ضابطاً نازياً، لكن المشكلة أن كل أشعاره يتم تأويلها من جانب النقاد على أنها تأملات في جرائم الأب، رغم أن الابن كان يكتب فقط عن الطبيعة: الجبال، الصدوع والسراخس. ناقد ما لاحظ الغياب التام للناس، التاريخ، السياسة والآباء عن قصائد الشاعر، ورأى في هذا الغياب علامة على أنهم، في الواقع، موضع اهتمامه الأول، أو الفراغ المسكوت عنه في قلب سراخسه! ومع ديوانه الرابع، المنشغل كالعادة بالطبيعة وحدها، تساءل ناقد عما إذا كان لدى الشاعر أي شيء آخر ليكتب عنه غير جرائم والده!
على مدى الثلاثين عاماً التالية لم ينشر الشاعر شيئاً، وبدأ مشروعه الأدبي الأكثر طموحاً، فبما أن كل وصف للسراخس تم تأويله كتأمل غير مباشر في جرائم الأب، قرر كتابة قصيدة ملحمية عن جرائم أبيه على أن تكون في باطنها وصفاً غير مباشر لسرخسة. اختار واحدة معينة تنمو في غابة قريبة من بيته، لم يكن وصفها صعباً، تمثلت الصعوبة في كيفية فعل هذا دون أي إشارة للغابة أو السراخس، وأن يستخدم فقط كلمات تحكي كيف أن والده قتل 150 يهودياً مجرياً، ومع هذا يرسخ في ذهن قارئه، حين ينتهي من القراءة، صورة دقيقة وتفصيلية لنبتة سرخس قريبة من منزله.
أراد من قارئه أن يفكر: "قرأت لتوي عن الهولوكوست. لماذا تتراءى لي نبتة السرخس هذه؟ ماذا حدث لي؟"
مات الشاعر في الليلة السابقة على نشر ديوانه؛ غير واثق إن كان قد نجح في مسعاه أم لا، ولم يقرأ مراجعة نقدية وصفت قصيدته الملحمية عن جرائم والده بـ: "تجسيد أدبي ممتاز لنبتة سرخس!"
من نماذج الأقاصيص الأقصر في المجموعة، أقصوصة "ندم": "فعل كل شيء ممكن لتفادي الالتحاق بمهنة والده. درس شيئاً مختلفاً تماماً. انتقل إلى مكان بعيد جداً عن البيت. ومع هذا، الآن، بعد سنوات، لا يمر يوم دون رؤيته لكلبة حبلى والتفكير: أتمنى لو كان بإمكاني مساعدتك. (كان والده أخصائي توليد كلاب.)"
وأقصوصة "كلمات أخيرة": "أصيب والد صديقي ثيو، أستاذ التخطيط العمراني، بجلطة خطيرة، لم يعد بعدها قادرًا على النطق سوى بكلمتين: "ثيو" و"بنية تحتية". خلال الشهر الأخير في حياته، كانت هاتان الكلمتان هما فقط ما ينطق به من كلمات.
ثيو الذي لطالما شعر بأنه مثَّل خيبة أمل فظيعة لوالده، كان متأثراً بشدة لأن اسمه كان على لسان والده المحتضر. اعتبر هذا علامة على أن أباه قد سامحه وتقبله أخيراً.
بعد سنوات، وكلما ناقشنا هذه المسألة، كنا ببساطة نتجاوز حقيقة أن والده لم يكن يقول "ثيو" فقط، بل "بنية تحتية" أيضاً."

وعلى هذا المنوال العابث ينتقل آدم إرليك ساكس من قصة إلى حكاية رمزية أو مشكلة، مستعرضاً بسخرية أوجه عبء الوراثة، ومتلاعباً بالمصطلحات والمفاهيم الفلسفية كأن هذا التلاعب غاية في حد ذاته. في قصصه الطريفة والعميقة ، في معظمها، يبدو آدم إرليك ساكس كأنما يقول لنا: نحن محكومون بالعبث، وعلينا التكيف مع هذه الحقيقة وتعلم التعامل على أساسها، والسخرية منها بعبث مضاعف.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن "أخبار الأدب".