Monday, January 29, 2018

مأوى الغياب: اختراع العوالم والذوات بقوة اللغة






"إلى تحوت مخترِع الكتابة المجلل بالأسرار وملهم سلالة ممتدة من الفلاسفة والكُتّاب". بهذا الإهداء إلى تحوت رب الكلمة المكتوبة في الحضارة المصرية القديمة تفتتح الكاتبة المصرية منصورة عز الدين مجموعتها القصصية "مأوى الغياب" الصادرة حديثاً عن داريّ سرد وممدوح عدوان للنشر والتوزيع.

يضم الكتاب 16 قصة من بينها: "من خشب وهلاوس"، "قلعة الشمس"، "جبل الغيم"، "لا فريسة ولا صياد"، "واحة التيه" و"شجرة تشبه لؤلؤة".

بالانتقال من قصة إلى أخرى يلاحظ القارئ أن الإهداء وثيق الصلة بأجواء الكتاب، كما يدرك الوشائج الرابطة بين النصوص، حيث تتكثف الصلات تدريجياً لتصل إلى ذروتها في آخر قصص المجموعة المعنون بـ: "طلسم أخير".

وجاء في كلمة الناشر أن: "مأوى الغياب مكانٌ مشيّدٌ من الكلمات. كل من فيه ينتمي إلى عالم خيالاته، ويعيش في حالة من الهواجس والشكوك. عالم مستسلم للغموض والطلاسم وعاشق لزئبقية اللاثبات واللايقين. في هذا المأوى لا نعرف إن كان ما نقرؤه تهيؤات لربة الطلاسم أم أنها هي نفسها تهيؤات آخرين. لا نعرف إن كان يجب أن نصدقها أم نؤمن بالكُتّاب المتألمين الذين يخلقون أنفسهم بقوة اللغة ويخترعون العوالم والذوات بالكلمات.
في "مأوى الغياب" نقرأ عن حطام الأحداث والبشر، وعن اختمار هلع المدن الهالكة، في قصصٍ تنتمي إلى الخيال والغرائبية، بقدر ما تستمد مما يحدث في الواقع من خراب مادةً للكتابة."

أما الناقد الدكتور محمد الشحات فيرى أن سردية "مأوى الغياب" تنهض "على تشييد رحلة متخيّلة، متتالية الحلقات، تُسائل مفاهيم المكان والزمان والوجود البشري. وهي إذ تفعل ذلك، تبحث عن جوهر التواصل الإنساني فيما وراء "اللغة" بمعناها المتداول".



الكتاب هو السابع لعز الدين بعد أربع روايات: "متاهة مريم"، "وراء الفردوس"، "جبل الزمرد" و"أخيلة الظل"، ومجموعتين قصصيتين: "ضوء مهتز" و"نحو الجنون". وقد ترجمت هذه الروايات إلى لغات عديدة من بينها: الألمانية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية، كما تُرجِمت القصص القصيرة إلى أكثر من عشر لغات.


الجدير بالذكر أن "مأوى الغياب" باكورة إصدارات دار سرد للنشر، وهي دار نشر جديدة تحت مظلة دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، يديرها بشكل مباشر الكاتب السوري فايز علام، وسوف يكون إصدارها التالي رواية جديدة للروائي السوري ممدوح عزام بعنوان: "أرواح صخرات العسل"، كما ستصدر سرد للنشر قريباً طبعتين جديدتين من روايتي "أرض الكلام" لعزام، و"الإصبع السادسة" لخيري الذهبي.

* نقلاً عن موقع قنطرة.

* الصورتان من جناح مكتبة تنمية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ومن تصوير الناشر خالد لطفي.

Tuesday, December 19, 2017

منصورة عز الدين: روايتي وليدة الضجر من الكتابة التقليدية



يعتقدُ فرانز كافكا بأنَّ الكتاب الذي لا يكسرُ جليد الرأسِ ليس جديراً بأن تُضيع الوقت في قراءته، فعلاً بأنَّ ما لا يخرجُ عن المألوف ولا يُحطّم أشكالاً سائدة ولا يُشاغبُ أنماطاً تقليدية لا يُضيفُ لك شيئاً، ولا يثير أسئلة حبلى بنزوع معرفيّة. وهذا ما تراهن عليه الروائية المصرية منصورة عز الدين كلما تباشرُ بكتابة عمل جديد.
لاقت «أخيلة الظل» آخر إصدارات منصورة عز الدين احتفاءً على مختلف المستويات، وذلك لما اتّصفت به الرواية من خصائص أسلوبية مميّزة والتماسك البنائي. وفيما يلي حوار لـ»الجمهورية» مع صاحبة «جبل الزمرد» حول تجربتها الروائية وقراءتها للمشهد الروائي المصري.


أجرى الحوار: كه يلان محمد



1- يقول مارسيل بروست إن السبيل الوحيد لحماية اللغة هي مهاجمتها هل يمكنُ وصف روايتك الأخيرة  بأنها ثورة على الشكل التقليدي للرواية أو محاولة لاكتشاف أفق جديد في صياغة الأدب الروائي على غرار ما عمله الغيطاني في (الزينى بركات)؟

-        أظن أن وصفًا مماثلًا يُترَك أمر البت فيه للنقاد والقراء، ما أعرفه أن "أخيلة الظل" وليدة الضجر من الكتابة التقليدية ومن عودة البعض لأسئلة فنية عفا عليها الزمن.

2- تتواردُ في سياق رواية (أخيلة الظل) عباراتُ توهم بإشراك المتلقي في إنجازها لماذا يُمنحُ هذا الدور المركزي للقارئ؟

-        في رأييّ أن المتلقي شريك أساسي في أي نص. بمجرد صدور العمل يصبح ملكاً لقرائه، وكل قارئ يقوم بتأويله على طريقته ووفق ثقافته ومرجعياته الخاصة. شراكة القارئ مع الكاتب ليست خصيصة ما بعد حداثية كما قد يتراءى للبعض، كُتَّاب قدامى من ثقافات مختلفة انتبهوا لهذه الشراكة وخاطبوا قراءهم المفترضين، كل بأسلوبه، يحضرني الآن مثلاً الجاحظ وثربانتس.
في حالة "أخيلة الظل" المتلقي أكثر من شريك، هو فاعل لا غنى عنه في إنتاج النص. الرواية مقدمة منذ سطورها الأولى باعتبارها لعبة. لعبة تخييل؟ أم لعبة افتراضات؟ سيان. المهم أن اللعبة تحتاج إلى طرفين، إذ ليس بإمكان الكاتب أن يلعب منفرداً. هو في حاجة إلى تواطؤ القارئ وتسامحه. عليه أيضاً أن يتوارى قليلاً ويتخلى عن مركزيته المفترضة في انتاج النص، حتى ولو كان هذا التواري مجرد احتيال ومراوغة. فكما يقول جان بودريار: "لا ينبغي أبداً أن يكون اللاعب أكبر من اللعبة نفسها وإلا لفظته". منطق اللعب يفرض وجود شركاء متواطئين على قواعد معينة للعبة، كما يفرض مساواة – ولو متوهمة – بينهم. ربما لهذا لم تُكشف هوية من يدير اللعبة ويحركها: كاميليا؟ أم أولجا؟ أم راوٍ آخر خفي؟
مركزية المتلقي كانت أيضاً محاولة لخلق درجة من الألفة معه لتقليل ارتباكه أمام لعبة التبادلات والمرايا في النص. هذا غير أن الإيهام الأساسي في العمل يتمثل في افتراض أن معظمه يقع في منطقة ما قبل الكتابة، في أحلام اليقظة والتخيلات والأحلام. فكاميليا تحلم بأولجا، وأولجا تتخيل كاميليا وآدم رافضةً أن تكتبهما لأنها لم تعد تؤمن بجدوى الكتابة.
لكن بعيداً عن كل هذا، أظن أن الكتابة - في وجه من وجوهها - فعل قراءة. الكاتب يقرأ العالم ويُئوِّله ويقيم العلاقات بين عناصره بينما يكتب. في المعاجم العربية القديمة مثلاً من معاني مفردة "قرأ": جمع الشيء وضمه بعضه إلى بعض. وهذا في ظني يصلح تعريفاً أيضاً للكتابة عموماً ولكتابة الرواية على وجه الخصوص. في "أخيلة الظل" الكتابة خلق صلات وعلاقات بين أشخاص (وأشياء؟) لا علاقة ظاهرة بينهم.

3- من الملاحظ تفاعلُ نصك الروائي مع الفنون الأخرى لا سيما فن السينما والفن التشكيلي وأيضا الموسيقى هل يأتي هذا نتيجة لإعتقادك بأنَّهُ لم يُعد هناك خطوط فاصلة بين تلك الفنون والأدب؟

-        هذا الأمر يأتي عفوياً، ربما لقناعتي بأن لا خطوط فاصلة بين الفنون والأدب. الفن التشكيلي والسينما والمسرح والفوتوغرافيا مكونات أساسية في تكويني ككاتبة. في مراحل مبكرة من طفولتي أرشدتني السينما إلى كثير من القراءات. عبرها تعرفت على كثير من الكتاب وقرأت لهم، هذا غير غرامي بجمالياتها الخاصة وجماليات الصورة بشكل عام. علاقتي بالفوتوغرافيا معقدة منذ بدايتها، لطالما أدهشتني الصور الفوتوغرافية وأخافتني في الوقت نفسه. عبرها انشغلت مبكراً بفكرة توقيف الزمن؛ إماتته وتثبيته. من ناحية أخرى ذاكرتي بصرية بالأساس، بل أجازف بقول إن لغتي نفسها كذلك. المشهدية بارزة في كتابتي من أول قصة كتبتها، إلهامي يحضر في هيئة مشاهد أو صور مقتطعة من سياقها، بعضها لأشياء أو أحداث مررت بها – ولو عابراً – ثم أكتشف لاحقاً تأثيرها عليّ وقدرتها على تحفيز مخيلتي.
أما بالنسبة للموسيقى، فحضورها نابع بالأساس من طبيعة شخصيات الرواية والتقنية المختارة لكتابتها. فـ"أخيلة الظل" تستعير نوعاً من التزامن الموسيقي لتشكيل العلاقة بين شخصياتها.

4- الشخصيات الأساسية في الرواية لا تشغلها سوى الذكريات وتدوينها كأنكِ أردت بذلك توصيل رسالة وهي أن الإنسان محصلة للإشارات الصادرة من بئر الماضي على حد تعبير كونديرا هل هذا صحيح؟

-        "أخيلة الظل" - في مستوى من مستوياتها - مبنية وفق منطق الصورة، إذ تضمر بداخلها ما تتمركز حوله الفوتوغرافيا من تثبيت للزمن. التثبيت في الرواية ليس تاماً بطبيعة الحال، لكنه أقرب لتوقفات عند لحظات/ ذكريات بعينها، والتركيز عليها باعتبارها مركزية في تشكيل ذوات الشخصيات ورؤيتها لنفسها وعلاقتها بالعالم. كأن الذات مضت في طريقها مع حركة الزمن فيما وقف ظلها أمام نقطة بعينها في الماضي محدقاً فيها ومتأملاً نفسه خلالها. العلاقة بالماضي مركزية في كتابتي منذ البداية، "متاهة مريم" كانت – بشكل ما - حوار مريم مع أشباح ماضيها، وفي "وراء الفردوس" ثمة محاولة سلمى المستحيلة للانسلاخ عن الماضي والقطيعة معه، و"جبل الزمرد" يمكن النظر إليها كمحاولة لاختراع ماضٍ متوهم يُنظَر للرجوع إليه باعتباره المخلِّص والمصحح لكل الأخطاء.
من هذا المنطلق أتفق مع مقولة كونديرا، ومع رؤية ماركيز الخاصة بأن حياتنا هي ما نتذكره منها. الإنسان محصلة كل أفعاله وكل ما مر به، ونحن لا نعي الأفعال والأحداث بشكل جيد إلّا حينما تمضي، ويصير بيننا وبينها مسافة تتيح لنا إمكانية الرؤية والاستبصار فيها.

5- شهد فن الرواية في مصر مراحل مُتعددة إذ كان وراء كل مرحلة اسم أدبي بارز الآن كيف تقييمين  منجز الروائي المصري؟

-        من الصعب تقييم منجز الرواية المصرية في عجالة، فكما ذكرت ثمة مراحل متعددة واتجاهات ومدارس متباينة. هناك أيضًا كُتَّاب منسيون رغم أهمية ما قدموه. بالنسبة لمشهد الرواية المصرية الآن أراه حيويًا وصاخبًا، لكن ينقصه الفرز النقدي. ففي خضم الصخب وغياب النقد تتوارى أصوات مهمة خلف الضجيج. من ناحية أخرى لا تهتم كثير من دور النشر المصرية بتوزيع إصداراتها بشكل جيد خارج مصر، وتكتفي بالقارئ المصري، وهذا حجَّم من انتشار الرواية المصرية عربيًا باستثناءات قليلة.


·       نقلاً عن جريدة الجمهورية اللبنانية.

Monday, December 4, 2017

رواية المصرية منصورة عز الدين «أخيلة الظل»: عوالم موازية مدهشة بطلتها الكتابة







المثنى الشيخ عطية


لنتخيل رواية تكتب شخصياتُها مؤلفَها مثلما يكتبها، دون كبير جهد في «بحثها عن المؤلف»، وبمتعة تبادل الأدوار، وإيجاد «ألف ممر وممر» لعبور الشخصيات والمؤلفين خلال بعضهم، وللدرجة التي «نمسك فيها باللحظة السحرية حيث يمتزج الضوء بالظل كأنهما شيء واحد». ولنسمح لأحلام يقظتنا، وكما تفعل الحياة بخلط جيناتها، أن تشطح أكثر من ذلك بتذكر أو بابتكار الحكايات التي تصور طفولتنا، والاتجاهات التي نفترض أنها سلكتها تحت تأثيرات فرض معتقدات أهلنا وأفعالهم عليها، أو جهلنا بنتائج ما ترتكب براءاتنا. ولنسمح، كشخصيات أو مؤلفينَ أو قراء، لأنفسنا أن تقود نفسها بحرية في هذه الاتجاهات، ولا بأس علينا، بقليل من الغش في تغييرها، إن لم نستطع تحمل حزنِ فشلنا في منع وقائع حدوث ما سيعصف بحيواتنا، مثل أن تتلقى طفلة «ركلة محكمة» من قدم أب غاضب.
ولنطلق أيدينا أجنحة تحلق في سماوات لا حدود لها، وبين غيوم نشكلها وفقاً لما يدهش عيون من يشهدنا، طالما كانت لدينا فطرة قدرة التخيل البسيطة بحكم تكويننا، أو يد القدرة اللغوية التصويرية المثال، للغوص في أعماق دواخلنا حتى الإذهال.

تلك هي بعض أحاسيس متعة قراءة أو عيش رواية «أخيلة الظل» الجديدة للكاتبة المصرية منصورة عز الدين، التي يرافق أصابع كتابتها لها ظلٌ ساحرٌ يتشكل قريناً متحولاً بعفوية المطابقة والتغير، كيفما تحركت إضاءات الرواية أمام أعيننا، من أجل إشراكنا بمتعة خلقها. وهذا البطل الموازي هو: الكتابة، في لحظة صراعها مع فنائها.

في البدء، لم تكن الكلمة، بل ربما كان جوهر الفراغ الذي لا تسمع فيه حتى صوت فتح صفحةٍ بإصبعيك اللطيفين من كتاب الطاو، وفقاً لتقديم الرواية من الكاتبة، أو صوت يقظة جفنيك من كابوس نصبه لك كافكا وأنت جالس تتأمل متحفه تحت سماء براغ، التي تشكل سحبها عنك شخصية تبتكرها أحلام يقظتك: «في البدء كان هناك مقعد خشبي» في الباحة الأمامية لمتحف كافكا على ضفة الفلتافا»، تجلس عليه كاميليا، بطلة الرواية الأولى، الكاتبة، «في أقصى درجات هشاشتها وصدقها مع ذاتها». وآدم، بطل الرواية الأول، الكاتب، الغريب عنها، والذي «لم يكن هو نفسه بالضبط، بل نسخة منقحة عنها، عالقة في مخاوف الطفولة وهواجسها.»



ولنبسط «القصة بالغة التعقيد» التي وصفتها الكاتبة هكذا في عنوان أحد فصول روايتها، ببطلين يدعونا لتخيلهما راوٍ مجهول لا نستطيع الجزم إن كان هو كاميليا نفسها، بعد اكتشافنا خلال القراءة أنهما بطلان متخيلان من شخصية تكتبها كاميليا. هي شخصية كاتبة روسية تعيش في براغ: «وليكن اسمها أولغا»، تكتب عن شخصيتيْ كاتبين غريبين يلتقيان في هذه المدينة، هما كاميليا بطلة قصة أولغا، وآدم، حفيد بطلة قصتها التي تكتبها. وتقصيهما أولغا عن التسجيل كتابة، وفقاً لكاميليا، ولا تكتبهما، لأنها تريد لهما الحياة في صخب أفكارها، وأن يبقيا سراً حميماً، لا كتابة عمومية تستهدف قراء لا تعرفهم ولا يربطهم بها سوى كلمات لم تعد تؤمن بجدواها. بل تواصل الكتابة عن «طفلة ناجية من مذبحة»، تختارها من مذابح «سيفو» التي جرت ضد السريان والآشوريين، عام 1915، وتختار لها اسم «آميديا، تيمناً بزوجة نبوخذ نصر، تلك التي شيد لها حدائق بابل المعلقة كي تذكرها بتلال وجبال مسقط رأسها، فلا تشعر بالغربة أو الحنين المرضي وهي معه في موطنها الجديد». ونكتشف أن هذه الطفلة كما أرادتها مخيلة الكاتبة هي جدة آدم، التي فصمها عن واقعها شهودها للمجزرة.

وندرك، خلال مواصلتنا قراءة «أخيلة الظل»، أننا نقرأ «ألف ليلة وليلة»، لكن بنسخة عز الدين الخاصة المبتكرة، التي تفتح لنا فيها من خلال البداية ببطليها الكاتبين، ومراسلاتهما، وتحت عناوين مثقفة، غنية وأخاذة. قصص حياة شخصيات الرواية المتشابكة بعلاقاتها مع البطلين، في لعبة افتراضات ذهنية تقوم بها الشخصية المحور في الرواية، حيث «يخطر لكاميليا في هذه اللحظة أن تضيف لعبة جديدة لألعابها الذهنية اللانهائية: اختراع صلة بين أشياء لا صلة ظاهرة بينها». ولنكتشف أيضاً، خلال هذا التداخل، ما نقوم به نحن كبشر في واقع أحلام يقظاتنا، لمواجهة مخاوفنا، ولاحتمال آلامنا، ولحل تعقيدات حياتنا، ولإضفاء متعٍ حرمتنا منها تحريمات أسلافنا، كي نفكر بعمق أكثر في أوهامنا، نوازعنا، أفعالنا ومصائبنا، وربما لكي نتسامح أكثر مع أنفسنا، ومع الآخرين الذين نخضعهم جوراً لانطباعيات أحكامنا.

ولا تفعل ذلك عز الدين، من خلال بساطة شكل بنية الرواية الظاهرة كفصول، وكسرد من راوٍ عن شخصيات؛ ولا من تعقيدات البنية الداخلية في لعبة أحلام اليقظة بخلق العوالم الموازية؛ ولا بالثقافة العميقة التي تستخدمها خيوط حرير شفافة لكنها صلبة في نسج الرواية، وتستخدم فيها كتاب الطاو الصيني المقدس، وفلسفة اللغة في لسان العرب؛ وهاويات كوابيس كافكا، والموسيقى، الفن التشكيلي، السينما، وثقافة الأماكن… بل أيضاً تفعل ذلك بسحر التصوير اللغوي، الأخاذ والمؤثر بعمق، لمشاهد النفس الداخلية الغارقة في الخوف والحسرة والندم، ولمشاهد المجازر بأهوالها التي تتجاوز ما يحدث من قصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة، والقنابل الفراغية والكيماوية، ومن ذبح وتقطيع وحرق، إلى ما يقصف روح الشاهدين الناجين من هذه الأهوال. كل هذا يقطع صلتهم ولغة تواصلهم بواقعهم، وبالبشر المحيطين بهم؛ ولمشاهد المكان، التي يرتقي فيها وصفه الجميل إلى عيش روح المكان، ونبضه كحياة تتفاعل وتؤثر في الشخصيات، بدءاً من لون المقعد الخشبي حيث «الأخضر بدرجاته هو اللون المفضل لكاميليا: لون الحياة الجديدة وجسد أوزيريس وعيني حورس في الميثولوجيا الفرعونية، والجشمت ــ حجر كاميليا الأثير ـــ لا مثيل لاخضراره. لو قدر لها أن تبعد عينيها عن المسافة بين قدميها المتباعدتين قليلاً لأدركت أن اللون الداكن للمقعد الخشبي، علامة وغمزة عين من القدر». وثمة مرور بالبيوت والحدائق والأنهار والبحار والصحاري والغابات والسهول والجبال، إلى المدن التي ترتسم مثلها مثل الشخصيات كعوالم موازية متغيرة بعمارتها وألوانها وفقاً لإحساس شخصياتها بها.

وأكثر من ذلك، على خلاف ما تكونه الروايات الباردة المخططة المقاسة بالمليمتر، تجرؤ عز الدين على نشر أجنحة إبداعها، في قيادة روايتها بعفوية، وترك الحرية للحميمية، ولشخصياتها أن تعبر وأن تطور نفسها، وأن تختار مساراتها. وهذا مثلما تفعل بطلتها الكاتبة كاميليا، التي «لا يمكنها الجزم بمصير بطلها النهائي، قد يفاجئها ــ أثناء الكتابة ـــ مقترحاً عليها مساراً آخر للأحداث… ما عليها سوى الصبر ومواصلة الكتابة والإنصات لهمس بطلها كما كانت تنصت لرفاق الطفولة الخياليين، وتخترع لهم حكايات مستقلة، ثم تستلهمها لاحقاً لاختراع حيوات بديلة ــ عن حياتها مع أبويها ــ تقصها على صديقات الدراسة.»

ولا يعني هذا بأية حال فقدان سيطرة الكاتبة على حرية سير الكتابة، وعلى نوافذ وأبواب وممرات التداخل المفتوحة، التي تجعل الرواية تتحرك كما الحياة، في تمازج مورثاتها، وإذهال نفسها بالتنوع والفرادة؛ فإضافة إلى التحكم بالرواية من خلال البنية، تبتكر عز الدين الختام الذي يلمّ أبعادها، بتدوير انفتاح نهايتها على بدايتها، وبانسجام حلو مع فلسفتها في تعدد مرايا الكائن وأشكال ظلاله.
وهذه في نهاية المطاف رواية ذات عذوبة مفرطة، عميقة وجديرة بقراءة متأنية، تُدخل الكتابة بطلاً، وتتسم في هذا كله بخصائص فنية رفيعة. ومثلما يحسد كثير من الروائيين غابرييل غارسيا ماركيز على روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، يمكننا الزعم أن «أخيلة الظل» جديرة بإثارة حسد تلقائي مشروع لدى روائيين أفذاذ، تمنوا لو أنهم سبقوا عز الدين إلى كتابتها.

منصورة عز الدين:
"أخيلة الظل"
دار التنوير، القاهرة 2017
174 صفحة

نقلاً عن جريدة "القدس العربي".. 11 نوفمبر 2017.

Saturday, December 2, 2017

رضوى عاشور.. الرواية كوثيقة تاريخية





منصورة عز الدين


في سيرتها الجميلة والكاشفة "أثقل من رضوى"، تحكي الروائية الراحلة رضوى عاشور أن جدها عبد الوهاب عزام، اختار لها اسمها تيمناً بجبل رضوى في المدينة المنورة؛ ذلك الجبل الذي ضربت به العرب المثل في الثقل والرسوخ حين قالت: "أثقل من رضوى".
كأن الجد المثقف، باختياره هذا الاسم، كان يتنبأ بشخصية حفيدته والمسار الثري لحياتها. كانت نبؤءة أكثر منها رجاء.

مع الوقت صارت الحفيدة مثلاً ليس فقط في القوة والرسوخ، بل وأيضاً في ثراء وتعدد مجالات الإسهام. تنوع متناسق يذكر بأنغام لحن موسيقي شجي، إذ لا يمكن فصل الروائية عن الأكاديمية عن المناضلة عن الأم والحبيبة حين نتحدث عن رضوى عاشور، إنها وجوه متداخلة للشخصية نفسها، وجوه نلمح ظلالها بينما نقرأ عملاً روائياً لصاحبة "خديجة وسوسن"، رغم أنها من الكاتبات اللاتي يجدن إخفاء آثار حياتهن الشخصية داخل ما يكتبن.
الكتابة، بالنسبة لرضوى عاشور "محاولة للتعامل مع الهزيمة" و"لاستعادة إرادة منفية"، لذا من الطبيعي أن يكون الرصد والتوثيق، لمنع تجريف الذاكرة الجمعية، هاجساً يتكرر من عمل لآخر.

من الطبيعي أيضاً أن يصير التاريخ والرواية خيطين مضفورين معاً، بحيث تقترب الرواية من كونها وثيقة تاريخية، وتكتسب لغتها في أكثر من موضع نبرة المؤرخ الناظر من مسافة إلى ما يدور حوله حتى لو اشتبك معه وشارك فيه.

في رواياتها ذات البعد الوثائقي، نجدها تضفر المتخيل بوقائع التاريخ بمهارة، لا يخايل التاريخ القارئ من بعيد ولا يأتي كخلفية تتحرك عليها الشخصيات، بل يبين واضحاً مركزياً، كأن التأريخ غاية السرد ومنتهاه.

في حوار معها، تقول صاحبة "ثلاثية غرناطة" عن روايتها "الطنطورية" إنها: " رواية تمزج المتخيل بالوثاثق، والأحداث المفصلية في الرواية كلها حقيقية، فعندما أتحدث عن تاريخ هذه المرأة، فإني أتحدث عن الطنطورة. أتحدث عن قرية معينة ومعروفة في تاريخ فلسطين وجغرافيتها، حين أتحدث عن امرأة شاتيلا أدخل بعض الشخصيات الحقيقية، حيث يظهر أنيس الصايغ في النص، والدكتورة بيان نويهض الحوت مؤلفة كتاب "صبرا وشاتيلا"."

الكلام السابق يكشف منهج صاحبته في مقاربة التاريخ وتطويعه لمقتضيات الفن الروائي، كما يمكننا فهم عالمها الإبداعي ورؤيتها لفن الرواية ودوره، بدرجة أعمق، إذا تذكرنا مقولتها: "كل الروايات تاريخية بمعنى من المعاني"!

"أرجع قليلاً إلى الوراء لأن الدقة مطلوبة، والحكاية لا تخصني وحدي" هذا ما جاء على لسان "الناظر" راوي "قطعة من أوروبا"، الحكاية فعلاً لا تخصه وحده، بل أكاد أقول لا تخصه أصلاً، فحياته الخاصة شاحبة بالمقارنة مع ما يدونه عن وقائع وشخصيات تاريخية. الناظر الرائي والمراقب مشغول برسم بورتريه لقاهرة الخديوي إسماعيل بعمرانها وأماكنها وشخوصها البارزة، كأنه يعيد الحياة إلى ما أندثر وتوارى، وحين يحكي عن نفسه يقاربها كأنها أيضاً لا تخصه، فثمة مسافة بينه وبينها، بينه وبين طليقته شهرزاد وبناته الثلاث.

الناظر هنا هو قناع للكاتبة، قناع يدلنا على رؤيتها لدورها ورسالتها. هذا الدور وهذه الرسالة يمكن تلمسهما بين ثنايا كتابها الأخير "أثقل من رضوى"، ففي فقرة بالغة الدلالة تكتب أنها تريد لسلمى سعيد أن تعلم أنها أصيبت بالقرب من بيت أحمد عرابي، "وأريد لأولادها من بعدها أن يعرفوا أن أمهم وهي صبية في العشرينيات أُطلِق عليها النار في هذا المكان، وأريد ألا ينسى أولادها ولا أحفادها ولا أحفاد أحمد حرارة ومالك مصطفى وماري دانيال وأشقاء جابر صلاح أن أهلهم والمئات غيرهم ممن استشهدوا أو أصيبوا في هذا المكان، كانوا وهم يصنعون له تاريخاً جديداً، يتواصلون مع تاريخ لم يحكوا لنا عنه أو حكوا حكايات منقوصة".


نقرأ هذا، فنفهم أنها كتبت دائماً لتقود قراءها إلى التواصل مع تاريخ مسكوت عنه، كتبت دائماً رغبةً منها في سد ثغرات الحكايات المنقوصة وسعياً إلى إكمالها.

* شهادة نُشِرت بمجلة "الدوحة" في عدد يناير 2015. 

Saturday, October 7, 2017

أخيلة الظل: التمويه على المخاوف والأشباح



جهينة خالدية


تخيلات كثيرة، أحلام غرائبية، تأملات في تشكيلات السحب.. وآلام لا تسكنها أحياناً إلا إغماضة الجفون، مخايلة قلعة معلقة بين السحب أو غياب عن الوعي
شخوص منصورة عز الدين يعيشون في أخيلتهم وينسجونها من حكايا بعضهم البعض. كاميليا تحكي لآدم وتحلم بالكاتبة الروسية أولجا، أولجا تحكي قصة كاميليا وتلهث خلف آميديا.. ساندور يعيش في عالم أولجا ويغرق في هواجسه وفي ماضيه.. آدم كوستاكي يحدس بكاميليا.

في أخيلة الظل تقدم عز الدين رواية تجريبية جديدة، "نوفيلا" كما تسميها في حوارها المصور مع "بوابة العين": "نوفيلا قائمة على لعبة افتراضات وتخيلات وهي أشبه باستثمار لأحلام اليقظة ولعبة ظلال، واختراع شخصيات وخلق علاقات متبادلة بينها ومن خلال كل هذا تناقش الرواية أفكار عن الفن والرواية والكتابة".
تقول عز الدين "عندما بدأت بكتابة أخيلة الظل، ظننت أنها بعيدة عن كل مشكلات الواقع العربي في هذه السنوات وكانت كرئة أتنفس منها أثناء الكتابة، ولكنني فوجئت أن الآلام التي تشهدها المنطقة تظهر بطريقة مراوغة في أحداثها ومن خلال شخصياتها المتخيلة لأكتشف أنها تسكنني".

لغة منصورة ولمساتها السردية حاضرة في كل صفحة. هي التي اتقنت المزج ما بين الخيال والواقع والقفز فوق الأزمنة وبين الأمكنة المختلفة، وهي التي أغرتها ألعاب السرد وامتهنتها.




عز الدين التي تدخلنا في عملها في متاهات لن نحبذ الخروج منها، نضيع فيها ونتواجه مع خساراتنا ووحدتنا وغربتنا عن نفسنا وعن محيطنا.. في "أخيلة الظل" نلاحق ظلالنا وندفع بخيالنا داخل أخيلة شخصيات أخرى.. نعيش تبديدهم لذكرياتهم وخوفهم لنكتشف أنه خوفنا. هكذا بلا جهد كبير، نتقمص شخوصاً أخرى، ونطلق العنان لمخيلتنا محاولين تنبأ خطوة منصورة التالية.. كيف سترسم حياة جديدة لشخصيتها تلك؟ كيف ستضعها هناك في حديقة براغ وتجعلها تنطق بآلام الماضي.. من هو الكاتب الحقيقي ومن هي شخصيته المفترضة؟ نسأل ونلهث خلف الأحداث بحثاً عن الأجوبة، نجدها أحياناً ونفتقدها في أحيان أخرى ونحن نتأمل منصورة عز الدين تهدم كل سيناريو متوقع حاولنا رسمه معها.


ظلال رواية عز الدين ستلاحقنا لفترة ليست بقصيرة، وستلاحقنا قناعة آدم أن "الظل مرآة يرى الضوء فيها وجهه ممعناً في غيابه" وإدمان كاميليا على الاختباء خلف الكلمات "بحماقة لا تتنازل عنها، كانت ترغب في الاختباء خلف الكلمات، في اختراع عوالم وخلق حيوات وأقنعة تتخفى وراءها وتموه على مخاوفها وأشباحها.. بالنسبة لها لا صحبة أجمل من صحبة الشخصيات المتخيلة".

نقلاً عن بوابة العين الإماراتية

Thursday, October 5, 2017

أخيلة الظل: اللعب بالكتابة ومعها





د. عزة مازن



في روايتها الأحدث "أخيلة الظل" (2017) تمارس الروائية والقاصة منصورة عز الدين تجربة الكتابة عن الكتابة، أو "ما وراء الكتابة" metafiction ، فتتشابك خيوط السرد ومصائر الشخوص وحكاياتهم، ويتحول الجميع إلى شخوص في قصص وحكايات يكتبها البعض، وتبقى أحلامًا معلقة في أذهان البعض، خيوطاً متشابكة تحركها الكاتبة أو يلهو بها راو متوار خلف نسيج الحكايات. تكتب شخوص الرواية بعضها بعضًا وتفكر إحداها في الكتابة على أنها "في جوهرها، مطاردة للسراب ولعب معه، بل واختراع له".

تلقي الكاتبة بالخيوط المتشابكة في الفقرة السردية الأولى " ليست صورة، بل ركلة محكمة"، لتكسر الإيهام بأن ما تكتبه ليس رواية في إطارها المتعارف، فتعلن بداية اللعبة – لعبة الخيال- ثم تترك خيوطها تنفرج وتلتقي وتتقاطع في الفقرات التالية، ويجد القارئ نفسه متورطًا في اللعبة، يلهث وراء السطور، رغبة في فصل الظلال المتشابكة والمتداخلة، من يكتب من، ومن ما هو إلا طيفًا في حلم أحدهم أو وهمًا في عقل آخر؟ تُستهل الفقرة بالقول: "تخيلوا معي مقعدًا خشبيًا في الباحة الأمامية لبيت على ضفة "الفلتافا"، قريبًا من جسر تشارلز". على المقعد يجلس رجل وامرأة "وحيدان في ضحى مشمس. هي قادمة من القاهرة في زيارة لواحدة من مدن أحلامها، وهو وصل من "سياتل" قبل يومين للمشاركة في مهرجان أدبي بمدينة لا يمل من التجول فيها". يمتهن الاثنان الكتابة ويحاولا التواصل بعبارات مكرورة عن الطقس، بعدها تحكي المرأة، دون انتظار لرد فعل من رفيقها: "هذه زيارتي الأولى، لكن هل ستصدقني لو أخبرتك أنني أرى "براغ" في حلم متكرر، وأنها في الواقع، مطابقة لما سبق وحلمت به؟" وتواصل فتحكي عن قصة تكتبها في حلمها وتشارك في أحداثها: "عن كاتبة روسية تعيش في "براغ"، تكتب بدورها عن طفلة ناجية من مذبحة. يسكن مع الكاتبة الروسية عازف بيانو". وتستغرق المرأة في تفاصيل الحلم: "كان ثمة أيضًا عجوز يسير بلا انقطاع، جيئة وذهابًا، على جسر تشارلز، فيما أتابعه من شرفة الكاتبة الروسية في بناية تشرف على الفلتافا." وسرعان ما يكسر السرد الإيهام ليشرك القارئ في عملية الكتابة ذاتها: "ماذا لو اخترنا للقاهرية الجالسة في الباحة الأمامية لمتحف كافكا، اسم كاميليا! وللرجل القادم من "سياتل" والمستكين بجوارها منصتًا لكلماتها اسم آدم"! ويخبرها الرجل بحلمه في أن يصبح كاتبًا، بعد أن قرأ في صباه قصة للافكرافت. وتمعن لعبة الخيال في التأكيد على ذاتها وتشابك خيوطها: "لن يبدو الأمر غريبًا لو افترضنا أن آدم هذا حفيد لاجئة شرق أوسطية تزوجت بحارًا يونانيًا، وانتقلت معه من ميناء لآخر، حتى استقر بهما المقام في "سياتل"، فكما تعرفون كل شىء مباح في لعبة الافتراضات، وما نحن بصدده مجرد لعبة".

في الفقرة السردية التالية "فليكن اسمها أولجا"، تؤكد الصيغ الاحتمالية على استمرار اللعبة، بينما يوهم السرد القارئ ببداية انفراج تشابك خيوط الحكايات، وهي في الحقيقة تزداد تعقيدًا وتشابكًا. فليست الحكايات المتشابكة حلمًا في ذهن كاميليا، أو رواية تسعى إلى كتابتها، إنما أولجا هي التي تغرق في أحلام يقظة لانهائية. "تتمحور أحلام يقظتها حول شخصيتين متخيلتين: رجل اختارت له اسم آدم وتخيلته مقيمًا في سياتل، وامرأة اسمها كاميليا واحتارت في تحديد مكان عيشها". بعدها تقرر أولجا "أن القاهرة هي البقعة الملائمة". يواصل السرد أن "آدم وكاميليا، كما خايلاها، يمتهنان الكتابة والتقيا مصادفة في براغ... يتعامل كل منهما مع الآخر كبئر يلقي فيها أسراره وخيباته، كما يفعل غريبان يثقان في أن طرقهما لن تتقاطع ثانية". يبقى آدم وكاميليا قيد خيال أولجا "لا تكتبهما، لأنها أرادت لهما الحياة في صخب أفكارها، أرادتهما سرًا حميمًا، لا كتابة عمومية تستهدف قراءً لا تعرفهم، ولا تربطهم بها سوى كلمات لم تعد تؤمن بجدواها". تنتقل أولجا إلى ملف على حاسوبها الشخصي لقصة تكتبها من فترة، عن طفلة ناجية من مذبحة. تتداخل قصة "آميديا"، الفتاة الناجية من المذبحة، مع قصة آدم لتصبح هي جدته الناجية من مذبحة حربية.



على مدى سبعة عشر فصلًا، يحمل بعضها قصصًا تكتبها كاميليا، وأخرى يكتبها آدم، وتتشابك مع حكاية عازف البيانو، رفيق أولجا في السكن، وقصة زوجها السابق، الذي يعشق السير بلا هدف، يتماوج السرد بين الإيهام والغوص في قلب الحكاية وبين كسر الإيهام والعودة إلى لعبة الخيال والافتراضات. بعد فترة من الرسائل الالكترنية المتبادلة يدعو آدم كاميليا إلى بيته في سياتل. وهنا يكتسب الاثنان صفات واقعية، كما يقول السرد، "لم يعودا شخصين يتحركان في الفراغ، أو طيفين يهيمان في خيال كاتبة ستينية غارقة في أحلام يقظتها". ولكن سرعان ما يعود السرد ليربك القارئ من جديد. ففي فصل بعنوان "حيث بدأ كل شىء" يعود السرد إلى البداية: "من مقعد خشبي، في باحة متحف على ضفة الفلتافا، بدأ كل شىْ". يعود التنويه بأن الحكايات خطوط متشابكة في خيال كاميليا: "حين حكت لآدم في لقائهما الأول ذاك عن حلم متكرر ترى فيه أنها تكتب قصة – وتشاهدها وتشترك في أحداثها – في الوقت نفسه، اهتم بما ذكرته عن كاتبة روسية وعازف بيانو يحدق في أصابعه، ولم يلتفت إلى كلامها عن عجوز يذرع جسر تشارلز، جيئة وذهابًا، بلا انقطاع".

تدور دوامات السرد، وتبتلع الحكايات بعضها البعض، تتشابك خيوطها وتنفرج لتعود لتتشابك من جديد، وتبقى الحكايات ظلالًا في أذهان كاتبيها وأحلام يقظتهم، لا يكتبونها، وكأنما يأبون كشف أسرار تخصهم وحدهم. في القطار العابر لسيبريا يدون فلاديمير، الرسام وزوج أولجا السابق العاشق للسير، أفكارًا وشذرات للاستفادة منها في تدوين رحلته لاحقا. ولكنه لا يكتب، إنما "بعدها بسنوات، يجد نفسه عاجزا عن فهم " لماذا دائمًا للظلال حضور أكبر من أصولها في مخيلته، وللصدى الأفضلية على الصوت". يٌعد فلاديمير مسودة كتاب "بدأه بفصل سرد فيه ذكرى القبض على الضوء متحدًا بالظل...". في مفتتح الكتاب يُعَبر فلاديمير عن أزمة الكاتب مع الظلال المتراكمة والمتداخلة، عن حيرته على التخوم بين الوهم والحقيقة، وربما يفسر كلامه عنوان الرواية "أخيلة الظل": "النار أم الوهم والدخان. أم ملتاعة تتغذى على ذاتها وتطلق ابنها حرًا في الفضاء، هشًا على وشك التلاشي. وأنا أحلم بحياة من وهم ودخان ينعكسان على مرآة مغبشة، فتتلاشى الحدود وتختلط". ويظل آدم "لسنوات مسكونًا بظله"، الذي اكتشفه في حوض الاستحمام، حين كان طفلًا صغيرًا، "بل ربما لم يفلت من أسره قط". وفي إهداء قصته "ناسك في غابة" إلى كاميليا يكتب آدم: "الظل مرآة يرى الضوء وجهه ممعنًا في غيابه"!
على مدى السرد تتماوج الظلال وتتداخل وتذوب في بعضها البعض، وتصل إلى ذروتها حتى "يخطر لكاميليا... أن تضيف لعبة جديدة لألعابها الذهنية اللانهائية: اختراع صلة بين أشياء لا صلة ظاهرة بينها". وتتحول الكتابة إلى لعبة "دوخيني يا ليمونة"، التي تستعيدها كاميليا في ذاكرتها، يستمتع فيها الكاتب/الكاتبة بالاستسلام "لدوار مغلف بظلال وأخيلة متداخلة. تغيب عن واقعها وذاتها وتفقد ذاكرتها لبرهة، تقترب فيها من لحظة الإفاقة من التخدير بعد العمليات الجراحية...". تعلق كاميليا: "ما أجملها من حالة"!

في الفصل الأخير بعنوان "انتهى قبل أن يبدأ" يكشف السرد أنه "على مقعد خشبي في باحة متحف على ضفة الفلتافا قريبًا من جسر تشارلز انتهى كل شىء، تلاشى قبل أن يبدأ". لم يتواصل الحديث بين الرجل والمرأة، التي "لا تدل ملامحها على عرقها أو جنسيتها". يقرأ الرجل كتابًا تتشابك فيه خيوط الحكايات السابقة، وتواصل المرأة "التفكير في حلم يسكنها، تكتب فيه قصة – وتشاهدها وتشارك في أحداثها...". ويبقى الجميع ظلالًا في حلم راو أو كاتب مجهول، ربما يخشى الكتابة أو يهابها، أو يجدها بلا جدوى في عالم تفوق أحداثه ما يصل إليه الخيال، ولكنه يستمتع بلعبته الذهنية، لعبة الخيال والظلال.

"أخيلة الظل" كتابة عن الكتابة، تلك اللعبة الذهنية التي تتداخل فيها الظلال ويختلط فيها الواقع بالأحلام والأوهام. استطاعت منصورة عز الدين، ببراعة مدهشة، أن تجذب القارئ، تشحذ عقله، وتورطه في لعبتها وتجربتها الإبداعية المثيرة.

نقلاً عن مجلة الإذاعة والتليفزيون

Wednesday, October 4, 2017

أخيلة الظل لمنصورة عز الدين: خيالات الطفولة وآمالها




سومر شحادة



في روايتها "أخيلة الظل" (التنوير 2017) تلجأ الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى تَخيّل الواقع، عبر سلسلة افتراضات لا تنزع عن الحكاية واقعيتها، وإنّما تراها بعين الخيال. في كتابة تجريبية تتخذ من القارئ شريكًا في صناعة النص، إما بإيهامهِ أنّه ضمن فريق متجانس من الرواة، أو بتقديم حكاية مفككة تتجمّع في ذهنهِ ووفقًا لتأويلاتهِ وارتدادات أزماته الشخصية. لا يشكل هذا النوع من الكتابة اختبارًا لكاتبهِ وحسب وإنّما كشفًا لذات قارئهِ، فالرواية التي تنشغل بأشكال الفن المختلفة. أبطالها كتّاب، وهامشيوها موسيقيون ورسامون؛ تظهر كما لو أنّها صدىً لمذابح قديمة ومجتمعات مستلبة، لا يصنع الفرد فيها قدرهُ الخاص وإنّما يصنعهُ الآخرون. بين الخوف والرغبات بين وحشة التخلي وإرادة العيش أو النسيان، بين الخذلان الخالص ويقظة الهواجس، تشرق أخيلة الظل حيوات مستعارة تنوء بالخيبات ومسارات تشكلها.

من مقعد خشبي في حديقة قرب جسر تشارلز في براغ، تبدأ الرواية، عبر حوار ينشأ بين امرأة مكتنزة تنظر إلى الفراغ بين قدميها ورجل يحدق في الأرض بعينين متجهمتين. يلتقيان أثناء زيارة لمتحف كافكا، كاميليا كاتبة من القاهرة وآدم كاتب من سياتل، بالإضافة إلى أولغا وهي كاتبة روسية تسكن وعي كاميليا وتسكن كاميليا وآدم شاشة حاسوبها. تُسند الكاتبة مسار أبطالها إلى عقد تعود إلى الطفولة؛ وتمثل مصائر العديد من الشخوص مجرد ارتدادت مؤلمة وغير واعية لسلوك مورس عليهم أو سقطوا فيهِ وهم في طور التشكّل النفسي. إذ تتعرض كاميليا في عمر الخامسة إلى ركلة من والدها، لقد كتبت من أجل فهم ذلك الحدث المنتمي إلى طفولتها، وأخذت كتابتها شكل تبرير للركلات المعنوية التي تعرضت لها خلال حياتها. بينما حلم آدم بأن يصبح كاتبًا منذ قرأ قصة لـ "لافكرافت". وتعلّم في قبو معتم أنّ قهر الخوف يكون بالاستسلام لهُ، يدفعه خوفه من ظلّه في حوض الاستحمام إلى الكتابة عن "مدينة للخوف" تشبه أرضًا مسكونة بالظلال. وقد أكسبه القبو رهابًا يتمثل في عجزه عن إرضاء النساء، واعتقاده أنّ نفاذ الصبر والغضب سمتان ملازمتان للنساء في المواقف الحميمة، وذلك بعد تجربة مخزية مع فتاة تكبره بسنوات.

تزور كاميليا آدم بعد مئات الرسائل الإلكترونية. في المنزل، وروز منشغلة بدفع أرجوحة فارغة، تجد كاميليا آدم مختلفًا، وتعرض الراوية عقدة طفولية ثالثة تعود لزوجته، حيث فقدت روز أختها أثناء اللعب، وخبأت تلك الحقيقة التي حطمّت قدرتها على الإنجاب. اعتقدت كاميليا أنّ آدم يستغلها من أجل صنع إثارة في حياتهِ الزوجية، لتدرك أنّ زوجة صديقها ما تزال تواجه سؤالًا أصمًا وهو:"هل دفعتُ الأرجوحة أقوى مما ينبغي"؟ السؤال الذي لم يغير حقيقة أنّ سقطة مميتة واحدة قتلت حياتين.

تتعاقب فصول الرواية، وتتناوب الكاتبة عز الدين في حكاية كلّ من الكتّاب الثلاثة عبرهم أنفسهم. إذ تروي أولغا حكاية آدم بدءًا من آميديا جدته، الناجية من مذبحة "سيفو" بحق السريان والآشوريين. وتروي حكاية كاميليا، بعدما كشف كلّ من آدم وكاميليا حياته للآخر، بسلاسة وعفوية. تسمي دولت ابنتها تيمنًا بممثلة أدت دورًا إلى جانب أحمد سالم. لكن تبقى الطفلة محط ازدراء من أمها، التي لم تتوقف عن الإيحاء لابنتها بأنّ التحف المتبقية من إرث عائلتها أكثر أهمية من البنت نفسها، في إحدى السهرات تغفل كاميليا عن نار أشعلت شعرها، يغمر منير رأسها بصدرهِ كي يُطفئ النار، ولتشتعل رغبته بها، وتنتهي بهما زوجين وقد انفصل عن زوجته فريدة أمثولة دولت للمرأة. تتمرد كاميليا على والدتها وتهزأ بزواجها، من صورة الفتاة غير الفاهمة للتركيبة الطبقية التي تدور والدتها في فلكها، تضطر إلى الإجهاض. وتطلب من منير أن يكلمها وهي في سرير المستشفى، فيقص عليها حكاية قبلاتهما المسروقة على شرفة طليقته. هكذا راح النص المصاغ بلا مبالاة الآخرين يحتفي بلحظات شاعرية تربت على الوحشة المتنامية في وجه القارئ. لتكون الرواية لا مجرد لعبة افتراضات، حسبما قدمت لها الكاتبة، بل لعبًا حساسًا يسعى إلى ترويض القسوة أو إدانتها عبر تصوير مآلاتها. خصوصًا، بتحول كاميليا من امرأة مندفعة إلى أخرى، لو عايشت يوم القيامة لوصفته "بمجرد يوم غير ملائم للخروج".

تتسم الرواية بمشهدية عالية، تختزل الكاتبة سنوات عبر مشاهد كأنّها مأخوذة من فيلم سينمائي صامت لا أهمية للكلمات سوى بقدر الحاجة لتأويلاتها في المستقبل. تعيش أولغا مع عازف بيانو، دفعه هجران أمه إلى التقرّب من امراة متزوجة كي تحكي له عن ابنها، قبل أن يكتشف الزوج العلاقة التي جمعتهما. وتختلط بعد سنوات في رأس ساندور "عينا أولغا المتسعتان لذة واستمتاعًا بعينين قديمتين اتسعتا هلعًا". يعاني ساندور إثر هجوم الزوج عليه وهو برفقة زوجة الأخير، من كسور في الأصابع، ويفقد القدرة على العزف، يتأمل مستقبلًا مبتورًا دفعه والده للاعتقاد بأنّه معلّق بأصابعه. تقحم الكاتبة بين الفصول المنضبطة حكاية قائد، وتروي حكايته على نحو درامي وتقليدي، إذ يتراوح مصيره بين المجد والأفول، ينهار دوره كـ "منقذ" وهو الدور الذي لطالما ألفه الطغاة. ويكتشف أنّه تحول إلى ألعوبة بأيدٍ مجهولة، ولم يبقَ من تاريخهِ سوى رجفة الماكيير الذي يجهزه لتصوير خطابات مطلوب منه تأديتها. في حين، لا يكترث له حراسه كما لو أنّه "هواء".


من اللافت في الرواية الإشارة إلى لغة الجدة، آميديا، وارتباطها الوثيق بالذاكرة، بالألم والرحيل، إذ تتعلم الإنكليزية في الدير كي تمحو ذاكرتها عن المذبحة. وفي المنفى، وهي عجوز بانتظار موتها، تتطلع إلى عيني روز، التي تعرف معنى الألم، وتدخل مونولوجًا طويلًا باللغة الآشورية، كأنّها  عبر اللغة تهرب من وطنها، وعبر اللغة تعود إليه.

نقلاً عن جريدة العربي الجديد
1 أكتوبر 2017