Showing posts with label منصورة عز الدين، ضوء مهتز، متاهة مريم، وراء الفردوس. Show all posts
Showing posts with label منصورة عز الدين، ضوء مهتز، متاهة مريم، وراء الفردوس. Show all posts

Monday, March 10, 2014

منصورة عز الدين: الرواية هي عالم موازٍ للعالم الذي نعيش فيه


حسين بن حمزة
منذ مجموعتها القصصية الأولى "ضوء مهتز" (2001)، أبدت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين نضجاً مبكراً، فخلت نصوصها من عثرات البواكير. قرأنا لها قصصاً مكتوبة وفق مخيلة تمزج الواقع بالحلم، وتتخلى عن الثرثرة الزائدة والسرد الوصفي لصالح قصة مكثفة ومتوترة يتحرك فيها أشخاص يعيشون لحظة زمنية ونفسية ووجودية. الأحلام والكوابيس والوقائع الغرائبية تسرّبت إلى روايتها الأولى "متاهة مريم" (2004) والثانية "وراء الفردوس" الصادرة حديثاً، وتحوّلت إلى جزء جوهري من نبرة الكتابة وحساسيتها، وإلى علامة شخصية داخل المشهد الروائي المصري الراهن.
 
في "وراء الفردوس"، تعود منصورة عز الدين إلى زمن طفولتها ومراهقتها، بدون أن يعني ذلك أنها تكتب سيرة ذاتية. الرواية تحفر في جانب من فترة السبعينات والثمانينات، وتعاين التقلبات التي عصفت بمصائر شخصيات عاشت أحلامها وانكساراتها. 
"الرأي" سألت منصورة عز الدين عن روايتها الجديدة وعن تجربتها الروائية عموماً، وكان هذا الحوار: 

* لنبدأ من مجموعتك القصصية الأولى "ضوء مهتز". لماذا القصة وليس أي جنس أدبي آخر؟ ماذا عن المؤثرات والقراءات الأولى؟ 
- البداية الأولى كانت مع الشعر، عبر محاولات ساذجة وأنا فى المرحلة الإعدادية، وفى الجامعة كتبت قصائد نثرية لم أنشرها، ولم يقرأها إلا بعض الأصدقاء المقربين. أما القصة فبدأت كتابتها فى بداية المرحلة الجامعية، وكنت أيضا أرفض عرضها على أحد، كنت غير راضية عما أكتبه، لأننى كنت قارئة نهمة، وبالتالى كنت مدركة لسذاجة وبدائية ما أكتبه فى تلك المرحلة مقارنة بما أقرؤه من إبداع عالمى، لكن أحد زملائى فى كلية الإعلام وكان يكتب القصة أيضا صمم على قراءة قصصى فأعطيتها له، فقام بنسخها دون أن أعلم وقدمها فى مسابقة للقصة القصيرة فى الجامعة، وبعدها بمدة فوجئت بأننى فزت بالمركز الاول بالجائزة، وأن أعضاء لجنة التحكيم، وكانوا من الكتاب والصحفيين المعروفين، يبحثون عنى. كانت مفاجأة غريبة. شعرت ساعتها بالورطة، لكننى فرحت فيما بعد عندما فازت القصة نفسها بجائزة يحيى حقى التى كانت تمنح على مستوى جامعات مصر. 
نشرت القصة فى أكثر من أربعة منابر مختلفة، وقرأ بعدها الروائى محمد البساطى قصصى وتحمس لها جدا، وقام بتعريفى على معظم كتاب جيل الستينيات باعتبارى موهبة جديدة يراهن عليها. 
القصة كانت أكثر ملاءمة لى وقتها، كانت أشبه بتمرينات على توسيع العالم والإمساك بتقنيات الكتابة وإجادتها، كنت متهيبة جدا من فكرة أن أكتب رواية، لأنها فى نظرى تحتاج إلى خبرة بالعالم ورؤية فلسفية وثقافة واسعة. 
بالنسبة لقراءاتى الأولى، أتذكر أنى بدأت القراءة بنهم بمجرد معرفتى بالقراءة والكتابة، أى فى سن السادسة، بدأت بجريدة الأهرام، وتعرفت عبرها على أحمد بهاء الدين، لويس عوض، وتوفيق الحكيم فى سن مبكرة، وفى سن العاشرة وقع فى يدى كتاب "حول العالم فى 200 يوم" لأنيس منصور وبعده رواية لنجيب محفوظ قرأتها بنهم وشجعتنى على البحث عن باقى رواياته، إلا أن نقطة التحول فى قراءاتى حدثت وأنا فى الثالثة عشرة من عمرى حين قرأت بالصدفة ملفا عن الفيلسوف الفرنسى ألبير كامى منشورا فى إحدى المجلات، اتذكر أنى انبهرت بشخصيته وأفكاره، وجدته يطرح أسئلة خاصة بالموت والحياة والوجود كنت أطرحها على نفسى دون أن أفهمها كلية. من هنا تعرفت على الفلسفة الوجودية فى سن صغيرة وبدأت فى قراءات تفوق سنى بمراحل، وهو ما اختصر على الطريق كثيرا. 

* روايتك الجديدة "وراء الفردوس" ترصد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة في مصر. هل هناك مطابقة مستهدفة بين كونك مواطنة عاشت هذه الحقبة ورؤيتك ككاتبة للخلاصات والمصائر التي انتهت إليها؟ وهل الماضي بهذا المعنى هو دائماً فردوسنا الذي فقدناه؟ 
- عشت نصف هذه المدة كطفلة وصبية، وقتها لم أكن أفهم علاقة تلك الحقبة بما قبلها ولا تأثيرها على ما بعدها.. المعاصرة تفرض حجابا على الواقع، حين بدأت الكتابة عن حقبة الثمانينيات وبداية التسعينيات اكتشفت أنى عشتها كالمنومة، صحيح أن ذاكرتى خزنت الكثير من ملامحها، إلا أنى لم أفهمها بشكل أوضح إلا حين كبرت. الرواية ليست نقلا للواقع، هى محاولة لتفكيكه وإعادة تركيبه مرة أخرى. الواقع الاجتماعى والاقتصادى فيها هو تكئة لطرح أسئلة وجودية تخص الإنسان فى أى مكان. هى أيضا ليست سيرة شخصية، إنما يمكن اعتبارها سيرة عالم ومناخ، وإن بشكل يعمد إلى المحو والإبدال وطمس الآثار لأغراض فنية بالأساس، حيث حاولت فيها طرح العلاقة بين الفن وأصله الواقعى من خلال الرواية التى تكتبها سلمى داخل الرواية. 
بالنسبة للشق الثانى فى سؤالك، فالرواية أبعد ما تكون عن رؤية الماضى كفردوسى مفقود أو الحنين له. على العكس من ذلك ثمة رغبة مستحيلة لدى البطلة فى القطيعة معه، والتمرد على موروثه. الماضى هنا يحمل بذرة الإنهيار والسقوط، كما أنه سبب أساسى من أسباب عطب الحاضر. أنا ككاتبة ضد الحنين لعصر مضى، فى رأيىّ أن الإيمان بوجود عهد ذهبى فى الماضى هو نوع من الرومانسية التى تقارب حد السذاجة. 

* يُلاحظ القارئ وجود انضباط أسلوبي صارم في كتابة شخصيات الرواية والعلاقات المتشابكة بينها. هل تكتبين وفق مخطط عام مسبق أم تتركين الفرصة للارتجال والتغيرات المفاجئة أثناء الكتابة؟ 
- حين أكتب ألجأ للأمرين معاً، بمعنى أننى أجهز مايشبه المخطط العام لكل شخصية: صفاتها الشخصية، مواصفاتها الشكلية، كل ما يخصها تقريبا. ثم أبدأ الكتابة دون أن يكون لدى خطة عامة للعمل ككل، وحين أقطع شوطا فى الكتابة قد تقودنى عملية الكتابة نفسها لتغيير خططى، بل وتغيير وجهة العمل نفسه، ساعتها قد أعيد الكتابة من جديد، أو أعدّل فيها وفقا لما وصلت إليه. ودائما ما يكون لدى عدد من الاحتمالات وكل منها قد يقود لرواية مختلفة. أى أن عملية الكتابة تكون خاضعة للتجريب والتبديل طوال الوقت. وبعد أن أكتب معظم العمل، أتركه بعض الوقت، ثم أعود إليه للعمل على البناء الذى يأتى عندى كآخر مراحل الكتابة، فى هذه المرحلة قد أحذف الكثير وقد أغير من سمات الشخصيات أو علاقاتها ببعضها البعض. واعتقد أن اشتغالى على بنية العمل كآخر مرحلة من مراحل كتابته هو ما يعطى الانطباع بالانضباط الأسلوبى الذى أشرت إليه. 

* هناك تكرار لتقنية الأحلام والكوابيس في تجربتك. هل هي محاولة لتكريس هوية محلية وعربية للرواية التي تكتبينها أم أنها جزء من حساسية السرد الذي تفضلينه؟ ألا تخشين من تحول التكرار إلى عبء على الرواية؟ 
- الأحلام والأجواء الغرائبية بدأت منذ القصة الأولى التى كتبتها، خرج الأمر فطريا. من المؤكد أن له علاقة بتململى من الواقعية الصرفة التى كانت مسيطرة على الأدب المصرى إلا قليلا، غير أن هذا ليس كل شىء. يخيل لى أن الأمر له علاقة برؤيتى للواقع، ترى عيناى العالم من حولها على هذا النحو.. أبسط أمر واقعى يتطور فى ذهنى لخيالات غريبة وأحيانا مخيفة. فيما بعد ومع تزايد خبرتى نسبيا فى الكتابة بدأت أحفر فى هذا العالم، وأقرأ فى هذه المنطقة، أقرأ كثيرا عن الأحلام وتفسيراتها فى الثقافات المختلفة، كما أهتم بالميتافيزيقا والأساطير، أى أن المسألة بدأت تكون أكثر تعمقا. 
قبل "وراء الفردوس" كانت الكتابة عندى تكاد تكون غرائبية بالكامل، وأثناء كتابة الرواية كنت أشعر أننى أكتب أحيانا فى منطقة بعيدة عنى، اختلفت منابع الغرائبية كثيرا، بعد أن كانت تنبع من هلاوس اللاوعى والإيهام بالجنون، والشك ما إذا كانت حقيقة أم حلم. أصبحت فى وراء الفردوس نابعة من الأسطورى والتراث الشعبى وحكايات الجان والأشباح، توقفت كثيرا لاحساسى بأن ما أكتبه بعيد عن تصورى للكتابة، بعد تفكير واعادة قراءة المخطوط أكثر من مرة أدركت أن المكان هو الذى يفرض الغرائبية الخاصة به. فيما يخص البحث عن هوية محلية وعربية، فالواقع أنى لم أنشغل بهذه المسألة كثيرا، الكاتب من وجهة نظرى بلا جنسية ولا وطن وكذلك الأدب، هو كإنسان يملك التراث العالمى كله. 
التكرار هو الفزاعة التى تهدد كل من يكتبون، لكن من ناحية أخرى، الوعى والتعامل مع الكتابة بجدية قد يحميان الكاتب منها، أنا مشغولة بأسئلة أساسية كما يفترض بكل كاتب، قد أعيد طرحها لكن التناول يختلف من مرة لأخرى، لا أحب الكاتب الحرفى غير المهموم بأسئلة فنية ووجودية، محاولة فهم الوجود الإنسانى المحكوم بالفناء، والنفس البشرية الملغزة هما شرط الكتابة الجيدة من وجهة نظرى. 

* لماذا تعاني شخصياتك دائماً من تمزقات وجودية؟ 
- الكتابة من وجهة نظرى هى رحلة فى المجهول، هى محاولة لفهم الوجود الإنسانى، والنفس البشرية. منذ طفولتى تشغلنى أسئلة عن المغزى وراء وجودنا، طالما أنه محكوم بالفناء فى النهاية. هذه الأسئلة تنتقل إلى شخصياتى على اختلافها وتنوعها.. الفن يكمن فى المخفى والمموه، فى المناطق الضبابية بين الضوء والظلمة. والشخصيات الأكثر تأثيرا على كقارئة هى المحكومة بضعفها وخيباتها. ثم ألسنا جميعا – على اختلاف ثقافتنا ووعينا- هذه الشخصيات الممزقة وجوديا حتى لو لم ندرك ذلك. 

* المرأة هي البطلة الرئيسية في "متاهة مريم" وفي "وراء الفردوس"، ولكنك لا تهملين الشخصيات الذكورية. هل تهمك مسألة ألا تُقرأي ككاتبة نسوية؟ 
- هى مصادفة بحتة أن تكون المرأة هى البطلة الرئيسية فى متاهة مريم ، و "وراء الفردوس". أنا لا أحب التقسيمات فيما يخص الأدب، وككاتبة لا اعتبر نفسى كاتبة نسوية على الإطلاق، رغم احترامى للتيارات الجديدة فى الحركة النسوية كحركة فكرية. الكاتب الجيد من وجهة نظرى هو الذى ينظر للعالم بعين إندروجينية تحمل الذكورة والأنوثة فى الوقت نفسه. أربأ بالإبداع عن أن يكون بوقا أو ناطقا رسميا باسم جنس أو دين، أو عرق، أو قبيلة أو حتى وطن بعينه. أحيانا يأخذنى الشطط للتفكير فى أن الروائى ليس من حقه حتى أن تعبر أعماله عن رأيه وحده. الرواية من وجهة نظرى هى عالمٌ موازٍ للعالم الذى نعيش فيه، تحتمل الآراء والرؤى المتصارعة، والأصوات المتعددة المتناقضة. 
لذا حين أكتب دائما ما أضع أفكارى موضع المساءلة، أخونها أحيانا، وأتمرد عليها فى أحيان أخرى وفق منطق الشخصية التى أكتبها. أحيانا أقرأ أعمالا كل شخصياتها تقريبا تنطق بالأفكار نفسها وتتصرف وفق المنطق نفسه الذى هو فى الغالب منطق الكاتب نفسه. بعض الكاتبات يتصرفن كأنهن محاميات موكلات للدفاع عن المرأة ضد الرجل، وفى سبيل هذا يضحين بالقيم الجمالية والفنية فى العمل لصالح الأفكار التى يردن تمريرها. وبعضهن يرسمن الشخصيات النسائية بمهارة، فى حين تخرج الشخصيات الذكورية فى أعمالهن باهتة، وهو أمر أحاول تلافيه فى أعمالى، من هنا يأتى اهتمامى بالشخصيات النسائية والذكورية بالقدر نفسه. 

* هل تحسين أنك تنتمين إلى جيل زمني وإبداعي معين؟ ما هي خصوصية هذا الجيل واقتراحاته؟ 
- لا أؤمن بفكرة الأجيال، والتقسيمات الصارمة التى تتم وفقها، هناك سمات عامة قد تجمع بين عدة كتاب ينتمون للفترة الزمنية نفسها، لكن التقسيم الجيلى المتعسف الذى يمارس فى مصر لا أوافق عليه. قد يجمعنى بكاتب تواجد قبلى بقرون أو عقود أكثر مما يجمعنى بآخر من سنى نفسه. يُخيّل لى أحيانا أن من يكثرون الكلام عن الجيل هم الباحثون عن غطاء للاحتماء به، أو قطيع يسيرون فى ظله. ألاحظ ميلا لوضع الجميع فى سلة واحدة كأنهم يكتبون نصا واحدا، وهو ما أرفضه. البعض يعيد طرح الأفكار نفسها حول الكتابة منذ أكثر من عشر سنوات دون أن يكلف نفسه عناء مساءلتها أو التوقف عندها. 

* كثر الحديث مؤخراً عن المغايرة والتجديد في الرواية العربية. ما رأيك في ذلك؟ هل صار محفوظ وجيل الستينات وراءنا أم أن هناك مبالغة من قبل الأصوات الجديدة؟ 
- التجديد والمغايرة هما طموح كل كاتب، إلا أنه الطموح الأصعب، فكما يقولون لا توجد فكرة عذراء، كل الأفكار تم طرحها، التجديد يكون عادة فى كيفية طرح فكرة ما ومقاربتها، غير أنه حتى وفق هذه النظرة فالمسألة نسبية. رواية كـ "دون كيخوته" مثلا تتجاوز من ناحية الجدة والأصالة معا معظم الأعمال التى تلتها. البعض يرى أن كونه يعيش فى الزمن الحالى يعنى بالضرورة أن كتابته أفضل من الكتاب القدامى، غير أن التجديد لا علاقة له بسن الكاتب أو العصر الذى يعيش فيه، هناك كتاب شباب أعادوا الكتابة أعواما بالسلب إلى الخلف، وهناك كتاب قدامى أكثر جدة ومغايرة. 
فيما يخص نجيب محفوظ وجيل الستينيات أرفض الكلام عن أى كاتب ككل بما فى ذلك محفوظ، أى كاتب مهما كانت شهرته لديه أعمال جيدة وأخرى دون المستوى، من هنا أفضل الحديث عن روايات بعينها. 


 عن الراي نيوز

Thursday, February 27, 2014

لا أسعى لقتل آبائي بل أنظر إليهم نقدياً



عناية جابر
السفير 7–10-2009

منصورة عز الدين روائية مصرية شابة، ما زالت تتابع، على غرار ما فعلت في كتابيها السابقين «ضوء مهتز» و«متاهة مريم» الحفر عميقاً في مجرى السرد الذي رفع روايتها «وراء الفردوس» الصادرة حديثاً عن «دار العين»، بدأب يصلح لان يكون مزية الروائيين المتمهلين، المتطلعين الى قطف ثمار النجاح بعد ان تستوفيه شرطاً شرطاً، من دون استعجال. في جديدها قيل الكثير عن قلمها القاطع كالسكين في حدّته وشراسة نقله للواقع، وعن جوب الكتابة عندها فضاءات تتجاوز الهوية الوطنية الجنسية وكتابة تكشف دون ان تبوح.
عز الدين ترى أن أي كتابة لا تسعى لكشف المأزق الوجودي للإنسان في هذا العالم، ولا تحاول فك متاهة النفس الإنسانية هي عبارة عن كلمات ملساء مرصوصة بجوار بعضها بعضا لدغدغة المشاعر. فالكتابة الجيدة برأي عز الدين هي تلك التي تطرح اسئلة شائكة وتتماس مع المسكوت عنه بمعناه الواسع. هي التي تهدف لإقلاق القارئ واستفزازه وهز يقينه الثابت، والرواية تحديداً هي نوع أدبي ضد اليقيني والمستقر، فمن بين السطور تتوالد مئات الاحتمالات والمعاني، التي ربما حتى لم يقصدها الكاتب مباشرة، لان للكلمات سلطتها الخاصة البعيدة عن سلطة مبدعها، فاللغة بحسب عز الدين «خوّانة» بطبيعتها والعمل الجيد هو ذلك الذي يخون صاحبه، ويخلق لنفسه وجوداً قائماً بذاته بحيث ينفتح على تأويلات الجديدة مع كل قارئ. وماذا عن «وراء الفردوس» روايتك الجديدة في سياق الروايات الجديدة في مصر، التي يحيط بعضها الكثير من الالتباس، وماذا عن تجربتك في سياقها؟ هناك بالطبع روابط تجمع بين من تم الاصطلاح على تسميتهم بكتاب الرواية الجديدة في مصر. لكنني ـ تقول منصورة ـ أنزعج بشدة من الميل المتوارث لوضع الجميع في سلة واحدة لمجرد وجودهم في جيل واحد.
أهم الروابط الجامعة في جيلنا هو التوق الشديد لتجاوز الواقع، إما عبر مزجه بالغرائبي او السخرية الشديدة منه، أو التعامل معه بحياد مطلق، او حتى رميه في وجه القارئ بكل تناقضاته وفجاجته دون أي محاولة للفلترة. كما تتسم الكتابة الجديدة ايضا في معظمها بالتجرؤ على الكثير من المسلمات القديمة، واعادة النظر فيها، سواء كانت مسلمات سياسية او دينية او اجتماعية، وقبل كل ذلك تتسم بالاعلاء من شأن الهامش والخافت، بل حتى ما اصطلح طويلا على تصنيفه خارج نطاق الأدب الرفيع. الا انه في الوقت نفسه هناك تباينات عديدة على مستوى الخبرة والتجربة والرؤية للعالم، ان اخطر ما يهدد الكتّاب الجدد ـ من وجهة نظر منصورة ـ هو ذلك الاصرار على التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة متماثلة تكتب نصاً واحداً.
كيف ترين الاختلاف في نصك؟ وما الذي تريدينه من الكتابة؟ سألنا عز الدين التي بدأت الكتابة في منتصف التسعينيات، حيث كانت كتابة الذات هي الأعلى صوتاً والأكثر وجوداً بين الكتاب الجدد في مصر. منصورة لم تجد نفسها في هذا النوع من الكتابة، بل التقت مع هؤلاء في نظرتهم التي تعلي من شأن الشك ونسبية المعرفة، ورغبتهم في تجاوز الواقع بمفهومه القديم، واختلفت معهم في إيمانهم بأن كتابة الذات هي الطريقة المثلى والوحيدة للكتابة في زمن سقوط الحكايات الكبرى. لم ترغب منصورة في محاكاة الواقع، ولم تسع لتغييره على طريقة الرومانسيين الثوريين، بل رغبت في نقل حيرتها المعرفية أمامه. حيرة معرفية في مواجهة الوجود الإشكالي للإنسان، «الكتابة عندي هي محاولة لفهم ومساءلة هذا الوجود الهش والملتبس والمحكوم بالفناء. الحياة بالنسبة لي هي حياة من الزجاج، حياة هشة قابلة للكسر في اية لحظة وفق اية مصادفة». الاسئلة هي البطل الاساسي في ما أكتب، والكتابة في جزء منها هي رحلة بحث ومغامرة مقلقة في المجهول. وفي غياهب النفس الإنسانية بجوانبها المظلمة والشريرة فتأمل الوجود يصبح فعلا بلا طائل اذا لم يكن خلال ما هو جارح ومظلم، ومن خلال مزج المعرفة بالألم.
ربما لهذا تتماس كتابتي في جانب من جوانبها مع أدب الرعب، حيث تنتشر الدماء، ويسود العنف، ويصبح العالم مكاناً كابوسياً مخيفاً وشرساً. في طفولتي كان الخوف هو الشعور الأبرز عندي، كان على التعايش في مخيلة شرسة تفاجئني بكل الخيالات المرعبة والمخيفة، كان خيالي هو عدوي الاول الذي يحاربني ويهدد ثبات واستقرار الواقع أمام عينيّ.
الغرائبية
عن رأيها بالكتابة الغرائبية تقول عز الدين إن الكتابة التي تتوسل الغرائبي ليست جديدة تماما عن الأدب العربي، بل ربما يحتوي تراثنا الثقافي على الكثير من الغرائبي مقارنة بالثقافات الاخرى. التراث الديني عامة هو في ظني المصدر الاول للعجيب والغريب في معظم الثقافات. الاحلام لا تنفصل عن الواقع بل هي جزء منه. هي لغة اللاوعي ووسيلته للتعبير عن نفسه. عندما نقوم بتفكيك عالم الاحلام والكوابيس، سوف نتمكن من اعادة بناء الواقع بمعناه الاوسع. الوقوف على الحافة بين الوهم والحقيقة يمنحنا فهماً أعمق للعالم الذي نعيش فيه. أؤكد هنا، أن الكتابة الجديدة في مصر رغم فوضاها البادية واحتياجها لنوع من الفرز النقدي، نجحت في إحداث نوع من الخرق الايجابي لأسطورة الأدب الرفيع بالمفهوم القديم.
عن سؤالنا منصورة، عن لغتها الهادئة، غير المنفعلة، ان كانت تنتمي لطباع الكاتبة، ام استدعاها السرد في «وراء الفردوس» أجابت: أعتقد أن موضوع الرواية هو ما استدعى هذه اللغة غير المنفعلة. في مجموعتي «ضوء مهتز» كانت اللغة متوترة تحمل عنفها الكامن كون القصص في معظمها تنويعات على أدب الرعب، وعوالمها كابوسية متوترة. في «متاهة مريم» نقلت اللغة حالة الشك في وانعدام اليقين المسيطرة على الرواية وشخصياتها، حيث حاولت فيها الوصول الى لغة مراوغة، حمالة أوجه تنفتح على تأويلات مختلفة. في «وراء الفردوس» كنت مدركة ان قماشة العمل تحتوي على أبعاد تراجيدية عديدة فأردت التخفيف من حدتها قدر الامكان عبر لغة هادئة غير منفعلة كما تصفينها، وعبر مسحة من السخرية الخفيفة أحيانا أو الحياد في أحيان اخرى. منصورة عز الدين التي نشرت على ما ذكرنا، ثلاثة كتب فقط خلال ما يقرب من عقد، حققت (ولدت عام 1976) حضوراً مميزاً في المشهد الثقافي المصري، وهي الآن محررة الكتب في جريدة «أخبار الأدب». في إجابات الروائية عز الدين ما أفاد الاسئلة التالية ايضا.
حلقات متواصلة
* كتابتك تصعب على قارئها معرفة جنس الكاتب، هل هو كاتب أم كاتبة؟ وهي وريثة جيل الرواد المصريين، الذكور تحديداً بكل إنجازاتهم الريادية المشهودة؟
- الكتابة بلا جنس، من وجهة نظري. الفن يقع في المنطقة البينية المخاتلة والملتبسة بين الشيء ونقيضه، بين الضوء والظلمة، بين الذكورة والأنوثة، بين الواقع والحلم. أحب مناطق الالتباس والغموض. حين أكتب أقوم بتحييد جنسي، وانحيازاتي الخاصة، أحاول الابتعاد عن الافكار اليقينية والمطلقة قدر الامكان. عندما صدرت مجموعتي القصصية الاولى قوبلت بحفاوة كبيرة، ووصفت ـ كنوع من المديح ـ بأنها كتابة «ذكورية» لجهة خشونة العالم والعنف الكامن فيه، وايضا لقطيعتها مع الغنائية والرومانتيكية. لكنني كنت أؤكد انها ليست ذكورية بقدر ما هي «اندروجينية» فالعين التي وراءها تحمل سمات الذكورة والأنوثة في الوقت نفسه. هذه العين الاندروجينية تضمن نوعا من الحياد وعدم الانحياز، لان الكاتب ـ كما أردد دائما ـ يجب ألا يكون ناطقا رسميا باسم جنسه أو دينه أو وطنه، أو قبيلته، أو حتى باسم أفكاره الشخصية وحدها. الانحياز يشوش ويعمي العين عن رؤية ما وراء الاشياء.
بالنسبة لوصف كتابتي بأنها وريثة لجيل الرواد من الكتّاب المصريين، فهذا أمر يسعدني، لان الكتابة هي حلقات متواصلة، سؤال القطيعة التامة غير مطروح في الفن، ودعاوى قتل الأب التي تتردد من وقت لآخر معظمها يأتي مراهقا واعتباطيا، لكن في ظل هذا التواصل يجب أن تكون هناك بصمة مختلفة لكل كاتب. لم أسع لقتل آبائي، بل فقط تعلمت النظر إليهم نظرة نقدية متشككة. لا أحب الأصنام، والقداسة الزائفة. وأرى أن الدرجة الاقوى من احترام كاتب ما تحبه، هو أن تتعامل مع كتابته بندية وتنظر لها بعين نقدية متشككة باحثا عن اختلافك أنت.
* في «وراء الفردوس» وقبلها في «متاهة مريم» حضرت العائلة كتيمة أساسية، ما سبب ذلك؟
- احيانا نكتشف ما يشغلنا بعد الكتابة لا قبلها، بعد انتهائي من «متاهة مريم» لاحظت حضور العائلة بكثافة فيها، لكن في «وراء الفردوس» قاربت الموضوع بدرجة ما من التعمد، وربما يعود ذلك في الحالتين لانشغالي بفكرة معاداة المجتمع الذي أعيش فيه للفردية وخوفه منها. نشأت في عائلة كبيرة، مترابطة، وقوية، لكن دائما ـ كما في مجتمعنا ككل ـ كان الفرد يتم التضحية به على مذبح المجموع يتساوى في ذلك الرجال والنساء. وأعتقد ان هذا أساس معظم مشكلاتنا. استقللت عن عائلتي وعمري ثمانية عشر عاما، وعشت في القاهرة وحدي، حماية لفرديتي واستقلالي، وهو ما أتاح لي مراقبة فكرة العائلة من بعيد. لاحظت أن المجتمع كله، يميل للتصرف كعائلة كبيرة، قوية، وقاهرة. وصلت هذه الفكرة لذروتها مع السادات الذي كان يقدم نفسه باعتباره كبير العائلة المصرية، وأرسى القيم الريفية في المجتمع ككل، غير ان هذه الفكرة كانت موجودة قبله، ولا تزال موجودة حتى الآن. ومن هنا لا احترام كافيا لفكرة المواطنة، هي غير مطروحة بجدية كافية في معظم السجالات الدائرة.
هوامش
* ما الذي يميز الكتابة الجديدة عما سبقها؟ وكيف ترين مشهدها الحالي؟
- عادة ما أهرب من أي حكم تعميمي، وأتحفظ أمام مصطلحات مثل «الكتابة الجديدة» لمطاطيتها، إلا انه يمكنني القول ان المشهد في مصر الآن فوضوي الى حد كبير، غير انها فوضى خلاقة، أو على الاقل، أحب أن أراها على هذا النحو. وأود هنا أن أستحضر جملة الصديق الكاتب أحمد العايدي «نحن جيل لا يسعى لتحقيق حلم، بقدر ما يهرب من كابوس». عندما أتكلم عن «كتابة جديدة» فأنا أقصد بالاساس عددا من الكتّاب الذين أرى نفسي في إطارهم، وفي حالة حوار إبداعي معهم مثل: ياسر عبد الحافظ، طارق إمام، ابراهيم فرغلي، محمد عبد النبي، ويوسف رخا. ايضا يمكنني القول ان إحدى فضائل الكتابة الجديدة في مصر انها أعادت الاعتبار لأنواع أدبية ظلت مهمشة لفترات طويلة، فهي على سبيل المثال وضعت الكتابة الغرائبية في مكانة بارزة ضمن المشهد الحالي عبر كتابات عدد من الكتّاب الذين رأوا ان الواقع أصبح ضيقا فسعوا الى توسيعه عبر الخيال، كما أعادت الاعتبار الى الكتابة البوليسية وكتابة الرعب عبر الاستفادة من تقنياتها بعيدا عن التحفظات القديمة، بل انها استفادت ايضا من شخصيات وعوالم الكارتون والرسوم المتحركة والبوب آرت عموما.
من هنا يمكنني ان أخلص الى ان الكتابة الجديدة في مصر رغم فوضاها البادية واحتياجها لدرجة ما من الفرز النقدي، نجحت في إحداث نوع من الخرق الايجابي لأسطورة الأدب الرفيع بالمفهوم القديم.
على الرغم انها نشرت ثلاثة كتب فقط خلال ما يقرب من عقد، حققت منصورة عز الدين (ولدت 22 مارس 1976) حضورا مميزا في المشهد الثقافي المصري منذ ان تخرجت في جامعة القاهرة عام 1998. هي الآن محررة الكتب في جريدة أخبار الأدب التي التحقت بالعمل بها في عام تخرجها من الجامعة.
عام 2001 صدرت مجموعتها القصصية الاولى «ضوء مهتز» لتلقى حفاوة بالغة من حشد كبير من أساتذتها السابقين والكتّاب من أجيال أكبر والمعجبين بكتابتها، ومن ضمنهم أسماء مرموقة مثل: الناقد محمد بدوي، الروائي جمال الغيطاني، الروائي محمد البساطي، وحتى المفكر الراحل محمود أمين العالم.

… من بين كل الكتّاب والشعراء الذين ظهروا خلال عقد التسعينيات، ربما تظهر منصورة عز الدين باعتبارها الشخص الاكثر اتزانا نفسيا: هادئة، شغيلة (تعمل بدأب)، قادرة على التركيز في كتابتها. ليس هناك أي لغط يحيط بها، بل درجة عالية من الاحترام لها.