Showing posts with label وراء الفردوس، منصورة عز الدين. Show all posts
Showing posts with label وراء الفردوس، منصورة عز الدين. Show all posts

Monday, February 17, 2014

وراء الفردوس: لعبة السرد ومغامرة التأريخ


طارق إمام
هي ــ بداءة ــ  رواية داخل رواية. "مسودة"  رواية اختبأت في طيات رواية اكتملت. رواية تكتبها "سلمى" الشخصية المركزية، كنوع من العلاج النفسي، التطهر.. ورواية أخرى كتبتها "منصورة"، ضمت سلمى نفسها و"مسودتها". هل تشبه الرواية التي كتبتها سلمى، الرواية التي قرأناها؟. لن نعرف أبداً.  نحن أمام روايتين: واحدة مخفية، تلك التي تنهمك سلمى طوال الوقت في كتابتها، تصحبها  أينما حلت،  رواية موجودة بالقوة وليس بالفعل، وأخرى معلنة، اسمها "وراء الفردوس".  كلتاهما كانتا تسيران أمام أعيننا. في الرواية الأولي نشاهد المؤلف في عذاباته ومكابداته ولا نرى نصه، في الثانية  نواجه النص ولا نعرف أبدا كيف كتبه المؤلف. حياة المؤلف في الأولى تساوي موت كتابته، بينما موت المؤلف في الثانية كفل تحققها. ربما كانت الرواية الأولى هي "الفردوس" الذي لا يتحقق، لذا لم تكتمل، بينما الثانية هي "ما وراء الفردوس"، تأويله، ومساءلته، حواشيه وهوامشه التي غدت متناً في ذاتها، لذا تمت. أخفقت المحاكاة إذن لصالح الخلق. أخفق الشخصي لحساب الملحمي، وغاب الصوت الواحد لتعلو الأصوات المتشابكة. إنه موقف جمالي أيضاً، حتى إن لم يكن تدشينه تم بشكل واع تماماً.
هكذا صارت الرواية الأولى موضوعاً للرواية الثانية. إنه تمثيل رمزي لفن الرواية نفسه: الرواية دائما تكتب رواية أخرى، شفهية، تدونها. الفارق الجوهري بين الروايتين ــ من ضمن فوارق كثيرة ــ أن "سلمى" المؤلفة كانت تكتب عن نفسها، حتى وإن حرفت حياتها، مستعينة بأناها كسارد يخط همه الضيق.. بينما استعانت مؤلفة "وراء الفردوس" بسارد عليم، يعرف الكثير غير أن تورطه نفسه خافت، واختلقت أكثر مما حرفت، اكتنهت العالم بالمخيلة وليس بذات مفردة،غنائية.
أعلنت المؤلفة عن حضورها في الهوامش، مُذكِّرة، حينا بعد آخر، أننا أمام روايتها. بدءاً بالإشارة لمقطع كان قصة في مجموعتها الأولى " ضوء مهتز "، وكان يمكن ألا تفعل.. وتارات بتصويب أو تدقيق حدث داخل السرد  والتعليق عليه رغم أنه لم يكن من الصعب دمج ذلك في المتن نفسه، بدلا من كسر إيهامه المفترض عبر الهامش. اتنتا عشر هامش كان يمكن ــ فيما عدا الإشارة الأولى ــ أن تدخل في لحمة السرد، وما كان ذلك ليستعصي على سارد ملم، تديره المؤلفة، غير أنها لم تشأ..
 إنه اللعب. مؤلف واقعي أمهر من مؤلف فني، رهان غير مرئي، كسبه الأول  بإتمام روايته بينما ترك المؤلف الآخر مسودة مجهولة المصير!، رغم أنه هو نفسه مؤلف المؤلف الآخر!.
 كان يمكن للّعبة أن تتحول إلى تماهٍ محكم، يذهب بعيدا، فلا نعود نعرف أي رواية نقرأ. كان يمكن أن يتفرق نسب الرواية عمداً بين مؤلفين ــ أو مؤلفتين ــ وأن يتوزع دمها بين ساردين يتبادلان الأدوار، غير أن إرادة السارد أبت، مفضلة أن تكون اللعبة في اتجاه آخر: أن تشعر بأن الرواية التي لم تظهر تامة  من قبل أن تخط يد سلمى حرفا فيها، بينما تظل متعطشا لاتمام الرواية التي اكتملت فعلا.
تلك المغامرة الجوهرية في تشكل بنية النص،  منحته قدراً غير هين من سبل تحققه الفني. لقد خلقت مبدئيا الحبكة الرئيسية التي يلتم حولها العمل، وهي حبكة توحي بطبيعتها أن ما هو قادم من سرد سيمنحها الصدارة، كفضاء فني مثير يغري بالاشتغال. غير أن  السارد يجعل من تلك الحبكة نفسها ــ في مستوى تالٍ ــ حبكة فرعية، ذلك أن مهمته كانت إعادة تكوين ما هو مقوض بالفعل لحظة بدأ السرد. ثمة حوار آخر بين البنية اللعوب تلك، ولغة السارد الراسخة، التي تلائم وضعية التأريخ. السارد الذي يوحي بأنه لابد أن يُصدق، حتى في التفاته للغرائبي وغير المعقول. إنها لغة تجوب شخوصَها لو صح التعبير. تعود بالزمن للخلف وقد تتقدم به للأمام مستبقة ما سوف يحدث.
ليس عبثاً أن تجيء الفقرة الافتتاحية محملة بكل ذلك التواشج بين مفردات الطبيعة، في شكلها الأولي والطبيعي والبري.. و التي تقدم للظهور الإنساني، تمهد للحظة انبثاقه، توسع له، كأنه يخرج من بينها، أو كأنه محض مفردة كبقية المفردات. بل إن تقديم الإنسان نفسه يجيء مقترنا ــ بفعل التشبيه ــ بالصفة الحيوانية البرية.
 " كنمرة هائجة نزلت سلمى رشيد درجات سلالم بيتهم الثماني، يتبعها خادم يرزح تحت ثقل الصندوق الخشبي الضخم الذي يحمله... بدت غير مهتمة بالحر القائظ الذي نفثته تلك الظهيرة الأغسطسية، ولم تنتبه للثعبان الأسود الذي أطل برأسه من بين كومة القش القريبة قبل أن يختفي بداخلها من جديد، ولا للفأر الرمادي السمين الذي مرق بسرعة هاربا من المشهد الذي احتلته هي. على مقربة اختفت حرباء مشاكسة بين أوراق العنب المتدلية عناقيده بزهو من التكعيبة المدهونة بلون برتقالي بهت بفعل الزمن ".
 هذا مفتاح أولي لأشخاص متماهين مع وجودهم الطبيعي، مصدقين لغرائزهم. أقصد تحديدا الأشخاص الذين سبق وجودهم دخول التصنيع بقيمه  في فضاء الرواية، وظهور الجيل التالي في الرواية.. مفتاح يجعل من الطبيعي بعد ذلك أن تسلم " بشرى " زوجة صابر جسدها بسهولة لـ"جابر" ــ في علاقة محرمة ثم في زواج ــ وكلا المؤسستين يمكن أن تخاصمهما امرأة أخرى في مكانها ببساطة.. يتسق ذلك أيضا مع "رشيد" والد سلمى النزق. يتسق مع "لولا" أخت ثريا ــ أم سلمى ــ التي تدخل علاقة جسدية مع شاب تحبه، بل وتترك نفسها إلى أن تنتفخ بطنها، قبل أن تنتحر.
سؤال الجسد حاضر بقوة ضمن هذا الإطار، والأدهي أنه معبر عنه من قبل شخوصه، الخارقة للتابوهات رغم ضيق العالم الاجتماعي وقيمه وأعرافه المقيِّدة، ورغم أن وعي شخصيات عديدة منها لا يحفل بتعقيدات الوعي الجدلي وأسئلته العميقة.
تقدم "وراء الفردوس" مقاربة لطبقة ناشئة شهدتها سبعينيات القرن الماضي، لتلتحق بركب الطبقة الرأسمالية.. متجاوزة ــ في قفزة ــ الطبقى الوسطى نفسها في شكلها المتعارف عليه. الرواية تقترب  من ريف الدلتا في حقبة مفصلية، بدأ فيها التحول من قيم الإقطاع لقيم التصنيع.. من خلال الأرض بالذات ــ بكل ثقلها الثقافي والروحي ــ التي جرى تجريفها لتصير مادة لصناعة الطوب الأحمر. هذا العالم الذي يحضر للمرة الأولى في الرواية المصرية، يبدو جزءا من مسكوت عنه واسع بمعنى ما. يدعم خصوصيته أن الوعي الكامن خلفه هو وعي شخصية ثلاثينية الآن، شهدته كجزء من طفولتها، وازدهر وخبا قبل أن تتجاوز هذه الذات منحنى طفولتها. إنه هنا الموقف العام، ليس للمؤلفة أوالسارد، بل للمؤلف الضمني  ــ وفق أدبيات السرد ــ ذلك الضمير الأشمل لكل عمل روائي، والذي يستحيل القبض عليه متجسداً رغم ذلك. ارتفعت البيوت بينما انخفض سطح الأرض بعد تجريفه. يالها من مفارقة!. هذا الانتقال سيشكل قطيعة ما مع التماهي بالطبيعة الذي أسلفت إليه، في الجيل التالي.
التصنيع، كأفق، يخلق قيماً نقيضة تماما، في مقدمتها بزوغ  الفردية مقابل انسحاب قيم الانضواء في سياق المجموع. غير أن ذلك، في سياق قرية  مثل تلك الحاضرة في "وراء الفردوس"، يظل جزءاً من مراوحة مربكة. نعم.. ثمة  فردية وسمت حياة من جاءوا في سياق المرحلة الجديدة، وخلقت توحدهم: سلمى، وجميلة، وخالد.. مقابل الجمعية التي اتسمت بها حياة سابقيهم.. حتى أن خالد عندما يشاهد إيذاء اخته سلمى على يد الشيخة في "الكُتَّاب"، لا يحرك ساكنا. الشيخة نفسها لم تكن تعاقب سلمى لسبب ديني في الملبس وحسب، بل لصعقتها القيمية في "فرد" يخالف قيم القطيع. رغم ذلك يظل الارتباك قائماً في سياق بقي نصف مديني نصف ريفي.
إن المكان ــ غير المسمى ــ يبقى إشكالية، كونه يظل ريفا يستعير  قيم التمدن من القرى والمدن المجاورة ، أو يحاول.  لقد دخل قيم التصنيع بشكل فوقي بينما ظل على مستوى  البنية التحتية غارقاً في قيم  الإقطاع. ربما يفسر ذلك سؤالاً لحوحاً: لماذا تم تنكير اسم القرية، بينما تم الإعلان عن أسماء كافة القرى والمراكز والمدن الأخرى المتعالقة بعالمها في الرواية؟.. من سنباط لبلبيس لميت دمسيس  وصولاً لطنطا والقاهرة؟. إن الاسم ــ حسب الرواية ـ هو الكائن نفسه. كائن بلا اسم هو كائن لم يحقق استقلاله في الوجود بعد.
القرية ليست بها مدرسة حتى هذه اللحظة، ولا كهرباء، ولا كنيسة ــ في إشارة لغياب التعددية الدينية ــ ولا أماكن للهو. قيم التصنيع أتت كبنية فوقية ناتئة، لم تنبع من قاع البنية التحتية، فحدث الصدع. نحن أمام شخصيات نصف ريفية نصف متمدنة. لقاء الريف بالمدينة لا يتحقق: مارجو ميشيل  تنفر من عايدة، رغم أنها قبطية مثلها. مصطفى يتزوج من قاهرية برجماتية  تأنف من زيارة البلدة.. حتى عندما يصمم بيتا  ريفياً يفشل في جعله متساوقا مع البيئة التي تضمه، ربما لو كان بيتا في القاهرة ما وقعت المشكلة.
 حتى  الوجود الواقعي في "وراء الفردوس"  يظل مشدوداً بقوة للعالم الأسطوري، المفارق في تفسيره للعالم. لقد خلق التحول إلى التصنيع ميثولوجيات جديدة  بدلاً من أن يزيح القديمة. هكذا ساد الاعتقاد بأنه لابد من قربان بشري لكل مصنع جديد، يكون كبش الفداء فيه أحد العاملين. بهذه الطريقة جرى تفسير ميتة "صابر" البشعة عندما حول " خلَّاط " المصنع جسده إلى كتلة من اللحم المفروم. التفسير المنطقي بقى غائباً. حتى " وابور المياه " الذي يمنح القرية كلها حياتها ووجودها " ذُبح له طفل صغير " حسبما تؤكد " رحمة "، جدة سلمى. ثمة إصرار على تحويل كل ما هو "وضعي" لـ" طبيعي ". تلك المؤاخاة، فقط، هي التي تسمح باستقباله، غير أنه يظل جسداً ناتئاً.. ويجب ألا ننسى أن التصنيع هنا جاء على حساب الوجود الطبيعي للأرض تحديداً.. وكأن القربان لابد من وجوده تكفيرا عن ذنب الانبتات عن الوجود الأصلي.
يبدو سؤال "العائلة" في القلب من ذلك العالم، جوهرياً في "وراء الفردوس".. مثلما كان في "متاهة مريم " وإن بتشكل آخر. الرواية تقدم محاولة عميقة لقراءة تاريخ عائلي. تقارب العائلة كقبيلة، ككيان قوي، كتمثيل رمزي للسلطة في شكلها العميق القار، وليس "الأسرة" في معناها المديني الضيق والهش. تبدو العائلة أقوى بكثير من حقيقتها بفعل وجودها الرمزي وتمثلها الغرائبي في بعض حناياه. الجد الغائب ــ في متاهة مريم ووراء الفردوس ــ  يبدو ذلك الإله غير المرئي، الحاضر طوال الوقت دون تمثل جسدي مرئي. بانتقال  العائلة من قيم الإقطاع إلى قيم التصنيع، يتفتت البيت، مركز السلطة الأحادي، إلى عدة بيوت. تتفتت الأحادية الأبوية الألوهية  إلى تعددية أبوية بشرية، لها بؤر، يحتل كل واحد في الأخوة الثلاثة الذكور: سميح، وجابر، ورشيد، واحدة منها.
لنلاحظ أن الرواية تقدم " سلمى " في أول سطر باسمها الثنائي: " سلمى رشيد "، وهي تقنية لم نتعودها في تقديم الشخصية الروائية، التي غالباً ما تبدأ وجودها باسمها المفرد. هذا تأكيد أولي على أن "الفرد" هنا ليس كل شيء، حتى لو حارب للحصول على فرديته تلك، ورغم كل التحولات السابقة التي حققت له قدراً من الانزياح عن الجماعة.
لنلاحظ أيضاً أن  عالم العائلة دائما يستعاد عبر وعي أحدث، وتلعب الشفاهية التي تنقل سيرته من جيل لجيل دور البطولة. عالم من التكهنات بحقيقته، تستعيده الذاكرة، محرفاً بالضرورة وغير مكتمل. هو هنا أيضا عالم ما قبل الكتابة، حتى أن ما يتركه الجد مكتوباً ضمن أوراقه، نكتشف أنها رموز تستعصي على الفهم. سميح ــ أكبر الأبناء ــ يتعلم القراءة خصيصاً ليتمكن من فهم ما كتبه الأب، غير أنه يفشل في النهاية. رغم ذلك يبدو قدر الكتابة محكوماً بالفشل، بدليل رواية " سلمى " التي لا تكتمل أبداً. الشفاهية تتيح التحريف، وإخفاء العورات، وتضخيم مناطق القوة. تتيح تاريخاً أقرب للمقدس، أكثر تماسكاً ونصوعاً من تحققه، أما الكتابة فلا.
في هذا السياق يجيء الحضور اللافت لعالم الحكايات الشعبية، الشفاهية، والقابلة للتحريف أيضاً حسب المغزي الذي يقصده منتجها.  إن الحكاية الشعبية ــ كخطاب ــ تتواشج مع عالم الرواية وتعمقه. الحكاية الشعبية من أقرب الأشياء التي تقرب الماثل من الخفي في المخيلة الجمعية، بل  إنها تغدوــ عند مجتمعات ما ــ أقرب للنصوص المقدسة. هي  تتحقق وفق منطق "المعقولية" وليس "المصداقية". في الحكاية الشعبية ثمة أشياء ملائمة تماما لسياق رواية مثل وراء الفردوس: انها نتاج الوعي الجمعي القابل للتحريف حسب كل راوي، وحسب موقعه الايديولوجي أو يقينه. هي على جانب آخر توائم السياقات غير المدينية أكثر، وتؤاخي بين الموجودات من طبيعة وأشياء وبشر. هذا نفسه عالم "وراء الفردوس". الكتابة تعارض الحكاية، عندما تحكي ثريا حكاية "كمونة" لسلمى، مبتورة، وتكملها المؤلفة في هامش.. تكملها في الحاضر بفعل الكتابة بعد أن عاشت في الماضي على هذا النحو شفاهة. إنها  الكتابة التي تكمل ماضي سلمى الشفاهي، أو تصححه وتضبطه إن شئنا الدقة، مثلما تحاول هي نفسها أن تفعل.  بل إن المؤلفة ذاتها أعادت كتابة الحكاية "بتصرف" ومن الذاكرة، كما تشير في هامش آخر.. كانها بدورها تكتب الحكاية التي تخصها في سياق خدمة السرد، وفق وجهة نظرها.. وكأنها محض محاولة من ضمن محاولات كثيرة محتملة.
تتحقق شخوص "وراء الفردوس" في ضوء غرائبي، غير أنه نابع بالأساس من داخلها. كل شخصية تحمل شذوذها الخاص، عنفها الكامن، وتناقضاتها الفادحة.على جانب آخر تحضر العلاقات المتشابكة بين الشخوص، مبنية في معمار شديد الإحكام.
   إن سلمى تتحقق روائياً في ظل  تناقض جوهري. هى "من ذلك النوع  من الناس المؤمنين بأن كل فعل إنساني لابد له من مبرر منطقي. لم تتعلم أن المبررات الحقيقية من الصعب الإمساك بها، حتى بالنسبة لصاحب الفعل نفسه ". هكذا يجري توصيفها بدقة صفحة 122، رغم أنها "عادت إلى بيت أبيها مدفوعة بحلم !"، مثلما نعرف مبكراً جداً، صفحة 10.
عالم سلمى الواقعي تديره في الحقيقة أحلامها العنيفة، بينما عالمها المتخيل ــ المتمثل في كتابة رواية ــ لا يتحقق لأنها تبحث عن مبررات منطقية له!.المفارقة فادحة في تلك الشخصية الروائية. إنها تقرأ الواقع بالوهم، وتطمح في قراءة الوهم بمبررات الواقع وشروطه. إنه فصام ما. فصام تعانيه سلمى أيضاً في علاقتها بنفسها، باعتبارها " جميلة " بالأساس.. جميلة التي سطت على اسمها الأصلي الذي كانت العائلة تنوى منحه لسلمى، قبل أن يجردها أبوها منه ببساطة بناء على طلب موظفة السجل المدنى. " جميلة صابر اللعنة التي سوف تسكنها من الآن إلى مالا نهاية ، أناها الأخرى التي انفصلت عنها، وقطعت علاقتها بها من دون ذرة تردد ". بشرى ــ أم جميلة ــ قبلت باسم "جميلة " بعد أن استخدمه أسيادها، ببساطة، رغم أنها رفضت بعد ذلك استخدام ملابس سلمى المستخدمة لجسد ابنتها.   إنها مفارقة أخرى.
 سلمى تتصل بالعالم عبر أحلامها، حتى أنها بعد موت أبيها "اعتادت أن تتواصل معه عبر الأحلام".
نظلة.. شخصية أخرى وثيقة الصلة بعالم الأحلام. إنها "المفسرة"، القادرة على كشف مغاليق أعتى الأحلام.. رغم ذلك ــ أوربما بسببه ــ تخفق في الواقع. تخرج من زيجة سريعة بجسد غير مخدوش. كان لابد ــ بشكل ما ــ أن تظل نظلة عذراء، مخلصة لعالم الأحلام وليس الواقع، لتظل قادرة على الاحتفاظ بموهبتها.
 سميح، بلا نسل. هل لذلك علاقة بمغادرته مبكراً لـ"البيت الكبير" واستقلاله بحياته؟ هل لأنه أدرك أنه بلا امتداد، وبالتالي ليس بحاجة للانضواء تحت كيان البيت أوالعائلة؟ لأنه أيقن أن حياته ستنتهي بموته؟ وأي اتساق مدهش بين افتقاده للامتداد، بموازاة افتقاده  للنسب المكتمل للأسرة؟ ذلك أنه ليس ابن "رحمة"، ليس أخاً شقيقاً لجابر ورشيد.
سميح يولع فجأة بتعلم القراءة والكتابة، ليتمكن من فك شفرات أوراق أبيه، التي شعر أنها رسالة مجهولة تخصه وحده.. بينما يترك رشيد "العلام" طواعية رغم نبوغه، مفضلاً الإنصات لنزقه.
بعد سنوات طويلة، ستفعل "هيام" ابنة رشيد الكبرى الشيء نفسه، ستترك الدراسة طواعية لتتزوج. ستكرر نزقه، لكن في اتجاه آخر.
 لنقترب من العلاقة المرسومة بدقة بين بشرى وابنتها، في علاقتيهما بجابر وابنه هشام في سيميترية متقنة: بشرى تمارس الجنس المحرم مع جابر مرة واحدة، لأنها ظنته شبحا.. بينما فعلت جميلة الشيء نفسه مع هشام لأنها أحبته. جابر وابنه يضاجعان بشرى وابنتها. في علاقة مبنية بهندسية فائقة، لكن شتان. بشرى تقبل بالزواج دون أن تسأل عن الحب، رغم أنها لا تخشى الفضيحة مثلا، وليست ثمة إشارة لتطلعها الطبقى مثلاً.. بينما ترفضه جميلة ــ التي فقدت عذريتها، ما يجعل موقفها أصعب، والمتطلعة في الوقت ذاته ــ  عندما تكتشف أن هشام لم يحبها. إنه التجلي المرسوم بعناية للمفارقة بين جيلين.
هناك حضور من نوع مختلف للشخصيات الغائبة، بفعل الموت أو الاختفاء، والتي تجمعها مشتركات جوهرية تبدومتعدية للاختلافات بينها.
"بدر الهبلة" شخصية ملفتة رغم حضورها الثانوي. تظهر وتختفي سريعاً. إنها صوت الجنون في هذا العالم، مرادف آخر للعالم الباطني، ولذلك هي مرادف آخر لـ"سلمي". هذا ما يجعل من المتساوق تماماً أن تنتهي الرواية بسلمى وهي تردد اسمها في غيبوبتها ــ بعد أن تعرضت لحادث سيارة ــ وأن "تنصت لصوت ارتطام جنزير قديم يكبل ساق بدر بدرجات سلم بيت العائلة وهي تصعده زاحفة".هذا الجنزير هو الذي كانت تجيء به بدر ــ التي يحبسها أبوها ويقيد جسدها في سرير  ــ ليحررها منه جابر في بيت العائلة. تستدعيه سلمى في نهاية الرواية، التي بدأت بها وهي  تنزل درجات سلم آخر، وتنتهي بها وهي تحاول التحرر من جنزير ما يعوق "صعودها" بالمعنى الرمزي لفكرتي التحقق والانعتاق. بدر أيضا كانت الوحيدة القادرة على معاملة "جابر" ــ العملي البراجماتي ــ ببساطة وإباحية، ليرد عليها ضاحكاً بنفس الطريقة.
الثاني هو "كرم" ، ابن "عوف" الصياد، الذي اختفى أيضاً مبكراً ــ لكن بفعل الموت غرقاً ــ.. وتكون "بدر " هي الموجودة لحظة البحث عن جسده عقب غرقه بلحظات، كأنما تضلل الناس عن جسده، كتوطئة لاختفائها هي القادم!.
ثم هناك  "لولا".. التي اختفت أيضا ــ بفعل الانتحار ــ بعد أن حملت سفاحاً.
إن حضور الشخصيات الغائبة يبدو فادحاً في هذه الرواية، وكلها شاذة عن سياقاتها، جميعها حالمة بمنطق ما: جنون بدر في عالم يفترض أنه عاقل، إصرار كرم على مواصلة تعليمه في سياق أسرة لا تقرأ ولا تكتب، إقامة لولا لعلاقة خارجة عن الأخلاق بالمنطق الاتفاقي. من يختلف، يُعاقب، يغيب.
جابر كان ذكياً عندما حول ولعه بـ"بشرى" لعلاقة اتفاقية، حتى وإن ضحى بزوجته الأولى "حكمت"، لذا ازدهرت أعماله. عاش طويلاً بينما مات "رشيد"، المختلف، الحالم بطريقته.
كذلك "رزق " القبطي  ــ الحرِّيق في مصنع الطوب ــ نجا عندما  قرر في لحظة أن يعود لموطنه في الصعيد، ليبحث عن زوج لابنته في بلدته. فرديته كـ"قبطي" جعلت منه شخصاً يعاقب  لاختلافه هو وأسرته طوال الوقت، وعودته للقطيع سيشكل له النجاة.
نجت "ثريا"  أيضاً من مصير اختها بالزواج الفوري، مثلما نجا أخوها مصطفى بالزواج من قاهرية.
توازيات وتعارضات عديدة تلتم عبرها علائق الشخصيات الروائية وخطاباتها، لتخلق في كل اختبار علاقة جديدة، ووجهاً قابلاً للتأويل.
   على جانب آخر، هناك تقنية حاضرة في تقديم الشخصيات في مواضع بعينها، تجعلها تبدو كما لو كانت تقدم للمرة الأولى روائياً. يؤكد الراوي  على تلك التقنية في غير موضع . التجهيل لما هومعلوم سلفاً يحيل لتأويل ملائم: أن الشخصيات في "وراء الفردوس" بحاجة طوال الوقت لأن تُعرَّف من جديد: "ينبعث ـ من وقت لآخر ـ اسم صابر في ذهن امرأة شابة تدعى جميلة" ص 38.."بعد ما يقرب من ربع قرن ستسير امرأة شابة في الأماكن والطرقات نفسها..... ستتذكر امرأة شابة متسربلة بملابس سوداء، تسحب بيدها الخشنة طفلة صغيرة.... تدمع عينا المرأة الأنيقة التي صارتها جميلة " "ص 51." لن تخبره أي شيء عن امرأة تدعى بشرى "ص  52." تقود نظلة الضيوف بهدوء للداخل كي يجلسوا في الصالون بعيدا عن المرأة غريبة الأطوار التي صارتها سلمى " ص73. تحضر هذه التقنية كأنما لتذكر مرة بعد أخرى أن ثمة لا اتفاق نهائي فيما يخص ما تم تدشينه سلفاً فيما يخص الشخوص، خاصة "سلمى" و"جميلة"، اللتين تبدو الذاكرة بالنسبة لهما محركاً أصيلاً في التعامل مع الحاضر.
جميلة تقدمت للأمام في الزمن، كأنما لتعود من حيث بدأت. انها تحضر دراسة عن الموالد القبطية، التي ارتبطت في ذكراها برحلتها مع أمها لبيع الجبن والبيض في الأسواق المصاحبة لهذه الموالد بالذات. كذلك تتقدم سلمى للأمام، مبتعدة بكل ما أوتيت من قوة عن البيت، لتعود إليه في النهاية، ولتكتب حياتها فيه تحديداً: "ذلك البيت الذي حاربت طويلاً كي تخرج منه مستقلة بحياتها، لكنها عادت بالفعل في النهاية، ورغم هذا ما يزال يطاردها في الأحلام".
في سياق ذلك، لا يُغفَل الجانب الطبقى أو المرجعية الاجتماعية للشخصيات، لكن ثمة انزياح عن رسم الشخصية وفق مرجعيتها التي من هذا النوع، والتي تجعلها محض ترجمة هشة ــ في ظني ــ لسياقها العام. ثمة موقف هنا من الشخصية الروائية، كامتداد للشخصية الإنسانية:  ما يحرك الشخصيات سؤال الوجود ــ حتى لدى الشخصيات البسيطة ثقافياً ــ وليس مشاكل مباشرة تخص الوضعية الاجتماعية مثلاً. وراء الفردوس تنجو من فخ اختصار الشخصية الروائية في مقولة أو تفسيرها وفق قانون حتمي.
المدى  الزمني  بين مشهدي الافتتاح والختام ــ اللذين تحتلهما سلمى ــ ربما لا يتسع في ذاته لسرد حيوات ممتدة، رغم ذلك يترى في محدوديته الزمن الأسع، الذي يبدأ قبل مجيء سلمى نفسها بعدة أجيال.
زمن "وراء الفردوس" متسع جداً، يستوعب حقباً عديدة مختلفة، وممتدة.. تشتبك معها الرواية بآليات عديدة، منها الاسترجاع الواضح "الفلاش باك" و"الكولاج" الذي يؤاخي أحياناً بين أكثر من زمن في مشهد سردي واحد.
يتحقق استحضار  الزمن عبر آليات عديدة ــ كما عند "بروست" في البحث عن الزمن المفقود ــ من خلال أشياء، أو روائح، أو حكايات قديمة تلقى شذراً.
دائما ما يتحقق الماضي المفارق عبر لحظة حاضرة ماثلة، يبدأ بها الفصل، أو المشهد،  لتبدأ معها عملية  الاسترجاع الزمني.. إن يوم الجمعة، الذي تعتبره رحمة يوم شوم ــ في الفصل الثالث من الرواية ــ يستدعى شبيهه الذي مات فيه كرم، ويستدعي معه عالما كاملا من حياة سلمى الطفلة وأقرانها، وعددا من الشخوص التي تظهر للمرة الأولى مثل "بدر الهبلة" وأبوها الحاج ابراهيم. كذلك يستدعي تملي شجرة البونسيانا في الفصل الخامس  حضور الجد عثمان والجدة رحمة ليتم استعراض تاريخهما كله. وعربة النقل المهملة في الفصل السابع تستدعي قدرا كبيرة من حياة العم سميح، كذلك المطعم النيلي في الفصل الأخير الذي تستدعي عبره سلمى مشهداً مختلفاً من تاريخها  الأسري، في نزهة. إنه الحضور الذي يستدعي الغياب، وينتهي باستحضاره ليصير وجوده أكثر حضوراً وكثافة من الماثل نفسه.
إن مشاهد وأحداث   "وراء الفردوس" تبدو مثل مزق التمت على مهل، وبدقة، بما يجعل من كل قطعة فيها كيانا لا يمكن الاستغناء عنه في سياق الحبكة الكلية  المرسومة بعناية، وبما يزيح الزائد عن الحاجة في إطار الحكاية مهما كانت أهميته في ذاته. ليست هناك قطعة مكتملة، فكل منها  تحمل من الثقوب والفجوات قدر ما تحمل من المناطق المتماسكة والمرتقة. غير أنها معاً تشكل اللبنات والمشاهد الجوهرية والمحورية في النص.  إنه عالم التأمت بقاياه بدأب، لتنتج صورة مشدودة بعيداً عن أصلها الذي قد يكون عامراً بالترهلات. ثمة العديد من القفزات الزمنية، ووقائع يسبق وجودها في زمن السرد وقائع وأحداثاً أخرى رغم أنها تالية لها في التعاقب الواقعي المفترض.الرواية لم تلتزم التتالي الخطي، استبعدت الزمن في أفقيته، خالقةً فلسفة أخرى للتجاور بين العلاقات. العلاقات هنا مكانية ــ بالمعنى الشعري ــ الذي يعيد تشكيل الدلالة وفق قانون العلاقات بين الأحداث والشخصيات، من توازيات وتقابلات وتعارضات، وليس وفق قانون التصاعد الزمني. هذه الخلخلة الزمنية للتماسك الأصلي للحكاية، ولبنيتها الكرونولوجية التعاقبية  تعيدنا لسؤال السارد أو الراوي.كان يمكن للسارد أن يكتفي بمشهد البداية ـ الحاضر ـ ليشتغل على الاسترجاع مرة واحدة ، خاصة وأنه يملك الصلاحيات التي تؤهله لذلك.. غير أنه فضل "محاكاة" الوعي المركزي في الرواية ــ وعي سلمي ــ كأنه يتحرك عبره، يحاكيه لكن بحرفية أكبر، ممارساً سلطته في قراءته والاشتغال عليه بفنية. ثمة " إطار " ، حكاية كبرى، تتخلق عبرها حكايات أصغر. سلمى تكتب كي لا تموت ــ في تناص ما مع ألف ليلة وليلة ــ وقبل تعرضها للحادث الذي كاد يودي بحياتها، مباشرة، تمنح ما كتبت ل"جميلة ".. كأنها القاريء الوحيد الذي تطمح في أن يطلع على ما فعلت.
انتهت رواية سلمى عند "جميلة". لم تدفع بها لناشر. لم تقرأها لطبيبتها النفسية التي اقترحت عليها فكرة الكتابة برمتها. لم تفكر في إرسالها لزوجها "ظيا" الذي فارقها، وربما كان أحوج لقراءة ما يفسر له إحباطه حيال علاقته بها. ذهبت لقارئة وحيدة، كأنها كتبت من أجلها فقط.
إنه فضاء عامر بالأسئلة، يتحقق في نهاية "وراء الفردوس". أسلمت سلمى ما كتبت لمستحقه، قبل أن تتعرض لحادث كان يمكن أن يودي بحياتها. كأن روايتها  تحولت لـ"وصية" ما. كأن اكتمال الكتابة جعل الموت قريباً، وكأن الحياة  ــ كشفاهة ــ ماتت  بتحققها الموازي كحياة مكتوبة.

عن مجلة الثقافة الجديدة

وراء الفردوس: الريف والتغيرات الإجتماعية متكأ لتقنية السرد الحديثة


إبراهيم فرغلي

لا يستهويني كثيرا الأدب الذي يتناول الريف، ربما لإحساسي أن الرواية هي ابنة المدينة، ووثيقة التعبير الفني المرتبط بالمدنية. لكن، على الرغم من أن رواية منصورة عز الدين الجديدة، "وراء الفردوس"، الصادرة أخيرا عن "دار العين للنشر" في القاهرة، تتناول عالم الريف، فإنها منذ سطورها الأولى قد خلّصتني من مخاوفي، أولا لأن الطبقة المعبَّر عنها في النص، كطبقة وسطى عليا في الريف، لم يتم تناولها كثيرا من قبل، وتاليا لاعتمادها على نسق سردي كانت اختارته في مجموعتها الأولى، "ضوء مهتز"، سجلت به صوتها الخاص، ورؤيتها للكتابة. لكن ذلك النسق لم يستمر طويلا في النص، فقد استبدلته بتقنيات جديدة مزجت فيها بين التداعي الحر للذاكرة، والأحلام، والحدوتة الشعبية، والسرد، والمشاهد المرسومة ببراعة.
عندما انتهيت من القراءة الأولى، أحسست أنني في إزاء لوحة نسيج ملونة غزلت الكاتبة تفاصيلها الدقيقة بدأب وجدية. كنت أحاول أن أتأمل ملامح وجوه أفراد عديدين يمثلون ثلاثة اجيال، بدءا من الجدة رحمة التي توثق لنشأة الجيل الأول منذ الأربعينات وصولا الى الحفيدة الراوية سلمى، وصديقتها أو أناها الثانية، أو قرينتها جميلة. لم يتسن لي ذلك بسهولة بسبب تعدد الأسماء، وخصوصا أن الرواية تعبر بين الأزمنة والأجيال، ذهابا وإيابا. لكني مع القراءة الثانية كنت قد رسمت المعالم العائلية لهذه الأجيال بوضوح، أما الملامح فقد لا ترسخ في المخيلة، على رغم تكرار ظهورها جميعا، عبر وقائع متباينة، قدر ما تنحفر ملامح شخصيتين مركزيتين، مع أن الإشارة إليهما تكاد تكون عابرة: لولاّ، التي أحرقت نفسها لإصرارها على إخفاء اسم عشيقها الذي حملت منه وغاب، ولتجنيب عائلتها فضيحة تلوّث شرفها. وبدر المجنونة والمربوطة بالسلاسل، والتي ما إن تمشي حتى يُسمَع صوت القيود التي قيّدها بها أبوها.
بدر، كانت محلا لسخرية الأطفال، وشفقة الرجال، وبينهم جابر عم الراوية سلمى رشيد، وزوج أم قرينتها جميلة التي توفى ابوها الحقيقي صابر، الذي كان يعمل في مصنع الطوب لدى العائلة، قبل أن يقع ضحية "المعجنة الآلية"، ممزق الجسد متناثر الأشلاء.
كانت بدر تحب جابر وتداعبه بسخرية، وتنادي عليه ليفك وثاقها الحديد. على رغم جنونها قررت، بإباء، أن تغادر القرية وتختفي غضباً، بسبب حبيبها الذي طلّق زوجته حكمت ليتزوج من أم جميلة، لا ليتزوجها هي. رحلت بدر وبقيت أسطورة في خيال الأطفال، وأهل البلدة ايضا، بل وفي خيال الراوية سلمى التي كانت في أعماقها تخشى أن تقع يوما في براثن الجنون.
أما لولاّ المسكوت عنها وعن ذكر اسمها في العائلة، كأنها رجس يجب اجتنابه، فلا تحضر إلا كطيف. هي مثار لفضول الجيل الثالث، سلمى خصوصا، التي لم تعرف حقيقة ما حدث لها إلا من خلال أوراق ابيها رشيد بعد وفاته. تحتفظ بصورتها، من بين أوراق اخرى كثيرة قررت أن تحرقها، مع صندوق الذكريات الذي جعله أبوها في حيازتها. هكذا تنجو ذكراها، كما يليق بعاشقة وفية مثلها.
كان غياب الشخصيتين مثارا لشائعات وتندرات وأساطير تكشف عن التراث الأخلاقي للريف المصري، وهذا ما تناولته عز الدين ببراعة، في هاتين الشخصيتين، وعلى هامش التاريخ الشخصي للعديد من الشخصيات الأخرى في النص. وإذا كان مستوى الوعي من ذاكرة سلمى يوضح أزمتها في علاقتها بتراثها الشخصي، وفي بحثها عن نفسها، فإن مستوى اللاوعي، ممثلا في أحلامها، يجسد مخاوفها من الجنون، ويعبّر عن رغبة مطمورة في أعماقها لاستعادة ذاتها مجسّدةً في نصفها الثاني جميلة، حيث تتقاطع مصائر حياة كل منهما بشكل درامي. فهي ترغب في قتلها في الحلم، لكنها لا تفهم هل يعني ذلك عقاباً لجميلة على نأيها عنها، واختيارها طريقاً مختلفة، أم تعبيراً عن العلاقة الملتبسة بين الحب والكراهية، التي تجمع بينهما. أو لعلها تعبّر في لاوعيها عن رغبتها في ان تصل إلى حيث تريد ان تعيش في فردوس ملون، لا ترى فيه سوى ألوان الطيف.
تلعب الأحلام دورا جوهريا، وهي سمة في اعمال منصورة عز الدين بشكل عام. غير أنها في هذه الرواية تجنح الى الكابوسية أكثر بكثير، بديلا من التناقضات الصارخة التي كانت الكاتبة تضفي عليها، في عمليها السابقين، لمسة من المرح الساخر. تعبّر هنا عن لاوعي مراوغ للراوية سلمى رشيد، وعن إلغاز لما تريد النفس أن تقوله. تلجأ الى اللاوعي الذي يعدّ فقيرا، لأنه لا يمتلك سوى تجميع الصور من أزمنة شتى. فلا يزيد الأمر إلا إلغازا، كما هو شأن الحلم الذي تماهت فيه الراوية مع صورة والدها، فلم يعد واضحا هل هو تعبير أوديبي، أم أن له مغزى آخر.
على كل حال، فإن الأحلام تكفي لإيضاح ان لدى اللاوعي من الدهاء وسعة الحيلة ما لدى رئيس طهاة كسول، مستبدلا أحد التوابل بآخر ليس موجوداً لديه، فيمزج أشد المكونات اختلافا ليصنع يخنة خرقاء، مثلما يعتمد حلمٌ بصورة انتهازية على "بقايا النهار" فيخلط وقائع حصلت خلال الشمس او احاسيس تم الشعور بها اثناء النوم مع صور مستلة من عمق طفولتنا.
تبدو منصورة عز الدين مدركة لذلك تماما، لكنها تجعل من الأحلام متكأ للمسة الغرائبية التي تجدل بها النص من جهة، وتجعل الراوية مهتمة من جهة أخرى بمحاولة فك شفرات تلك الأحلام عبر التفسيرات التي شاعت في التراث العربي، لتكشف بين آن وآخر، لغزا حلميا، وتفك شفرات غرائبيته، بما تجود به التفاسير، وأهمها حلم فقدان الناب التي أدركت منها أنها ترغب في التخلص الكامل، وربما القطيعة مع إرثها العائلي، من الحياة والذكرى، من دون أن تعرف ان هذا القرار ستقابله مخاوف أخرى، تعيش في لاوعيها، وأقوى هذه المخاوف هاجس الجنون.
على عكس الشائع في كتابة التسعينات، يتناول النص عددا من القضايا التي تصور عز الدين تفاصيلها وانعكاساتها على المجتمع الريفي اجتماعيا واقتصاديا في ثمانينات القرن الماضي، وهي قضية تجريف الأراضي، وما استتبعه من تحول صناعي، استلزم تجرد الفلاحين من تربة أراضيهم بإرادتهم، تحت ضغط الجشع، والرغبة في الثراء، حتى لو كان على حساب الأرض التي يمتلكونها وقدراتها الإنتاجية المستقبلية، بكل دلالات ذلك من تغير في القيم، وفي الطريقة التي دمر بها رأس المال الجديد الاقتصاد الزراعي.
يبدو جليا الجهد البحثي الذي بذلته الكاتبة في هذا الصدد، وفي تسمية الأشياء بأسمائها، وخصوصاً النباتات والأشجار والطيور والكائنات، التي يفيض بها الريف، وترتبط في الكثير من الأحيان بالتراث الشعبي والمعتقد، وهذا ما نثرته الروائية ببراعة في ثنايا النص، حيث الأشباح والعفاريت والمعتقدات المرتبطة بالتشاؤم من الغربان والخوف من انتقام الأفاعي، إضافة إلى تراث الحكي الشعبي الذي قدمت فيه لمستها الخاصة من خلال حكاية الطفلة كمونة التي خطفها عملاق، وخبأها في جيب معطفه وانطلق.
هذا الجانب المعرفي لا يخص المؤلفة فقط، وإنما يدلل على النص الذي كتبته سلمى، وأرادت به أن تستعيد ذاتها وذكرياتها. كانت تعتقد أن أحد أبرز مظاهر التحضر، أن تذكر الأشياء باسمائها، وهو أحد دوافعها الى التغير، من بين دوافع أخرى، ربما أحدها، تعلقها بحب شخص ينتمي الى ثقافة غربية، هو ضيا البريطاني من أصول باكستانية، لا لتصبح محررة قصص أدبية في إحدى الصحف فحسب، وإنما لتقترب من النموذجين الأقرب الى وجدانها وتطلعاتها: جميلة ومارغو.
صحيح ان سلمى وجميلة، بتفاصيل حياتهما المتناقضة والمشتركة والمتنافرة أيضا، اقتسمتا، حتى رجلا واحدا هو هشام، ابن عم سلمى، لكنهما تجسدان نموذجين للفتيات المتطلعات الى الخروج على أعراف القبيلة الريفية، من وحي وعي طبقي وثقافة مختلفة، وتكمل كل منهما الأخرى، ربما، بينما تظل بدر ولولاّ النموذجين الأكثر تمردا لأنهما تمردتا على تلك الأعراف وهما تنتميان إلى عمق تلك الثقافة الريفية المتحفظة ذاتها، وهذا مكمن قوتهما الرمزية على رغم أنهما معا لم تحتلا مساحة كبيرة السرد مقارنةً ببقية أبطال هذا النص.
"وراء الفردوس" رواية جديدة، عميقة، ومعرفية، تؤكد سعي جيل التسعينات للبحث عن شخصية خاصة على مستويي الأسلوب والبناء، فيما تأتي الموضوعات متكأ للتعبير عن تلك الأنساق التعبيرية الجديدة، وهذا احد مكامن قوة هذا النص الجميل.
سبق لمنصورة عز الدين إصدار مجموعة قصصية بعنوان "ضوء مهتز"، ورواية "متاهة مريم".

عن جريدة النهار اللبنانية

Friday, September 21, 2012

كتاب عن الحياة وفاتورتها الباهظة: منصورة عز الدين تكشف أسرار العائلة




الأسلوب الذي ميَّز نبرة الكاتبة المصرية فقد غرائبيّته السينمائية في «وراء الفردوس»، لمصلحة أحلام تجد تفسيرها في التراث الإسلامي

حسين بن حمزة

نقرأ رواية «وراء الفردوس» (دار العين ـــ القاهرة) للمصرية منصورة عز الدين، فنحسّ بأننا نقلب صفحات مجلد عائلي ضخم. فكرة العائلة أو السلالة هي الخيط الذي يضم خرز الشخصيات والمصائر والوقائع كلها تقريباً. الرواية تبدأ من سلمى، القادمة من القاهرة إلى بيت أبيها في القرية، مدفوعةً بحلم رأت فيه أنها تقتل جميلة ابنة عمها المقيمة، مثلها، في القاهرة.

سلمى وجميلة ذريعتان سرديتان لرواية تاريخ طويل ومتشعب لعائلة ريفية ميسورة الحال. الرواية ليست ريفية. الريف حاضر هنا كحاضن واقعي لا كطموح روائي. كذلك فإن شخصيات عديدة فيها تنتقل بين القرية والقاهرة، وبين ماضي العائلة وتقاليدها وبين خياراتٍ الشخصية مؤلمة.

سلمى التي تشرف على صفحة مخصصة لنشر النصوص الإبداعية في إحدى الجرائد، والمتزوجة بـ«ظيا» البريطاني ذي الأصل الباكستاني، تعود إلى القرية لتفتح صندوقاً أودع والدها مفتاحه عندها. قراءة محتويات الصندوق تترافق مع خطين رئيسيين في الرواية: في الأول، تُكشف تفاصيل العائلة وأسرارها أمام القارئ من خلال إعادة سلمى معاينتها. وفي الثاني، نعرف أن سلمى تكتب رواية بناءً على نصيحة من طبيبتها النفسية بكتابة أي شيء يساعد في علاجها. تتحرك الأحداث وفق تقنية رواية داخل رواية، فضلاً عن حضور كثيف للأحلام والحكايات الشعبية في ثنايا الكتابة. الأحلام التي ميَّزت نبرة منصورة عز الدين في مجموعتها القصصية الأولى «ضوء مهتز» تتخلى هنا عن غرائبيتها السينمائية لمصلحة أحلام مفسَّرة في التراث الإسلامي. الرواية مكتوبة من وجهة نظر المؤلفة. سنعرف أن جميلة هي ابنة الخادمة بشرى التي تزوجها العم وطلق زوجته الأولى، وأنها كانت دائماً الوجه الآخر لسلمى. جميلة ترفض الزواج بهشام رغم أنها تفقد بكارتها معه، بينما تتأزم علاقة سلمى بزوجها الذي يتركها ويعود للعيش في مانشستر.

حضور كثيف للأحلام والحكايات الشعبية

لا تنجو الرواية من حضور هاتين الشخصيتين. نستسلم في البداية لفكرة أنّهما بطلتان وحيدتان للرواية بسبب نفوذهما الملموس والخفيّ في مجرياتها، إلا أن منصورة عز الدين لا تكتفي بالحفر في هذا الموضع رغم ثرائه وقابليته ليكون رواية كاملة. الثراء الموجود في لعبة المرايا المتبادلة بين ابنتي العم اللدودتين يحضر بطرق مختلفة في حياة شخصيات العائلة الأخرى، إذ تُبدي صاحبة «متاهة مريم» مهارة واضحة في توريط القارئ داخل شبكة العلاقات العديدة في الرواية. وإذا كان الروائيون يفكرون بخلق التشويق لأنه استراتيجية ضرورية للقارئ، فإن التشويق في «وراء الفردوس» موجود في قماشة السرد نفسه. تقلِّب سلمى تاريخ عائلتها فنصاب بعدوى عدد من شخصياتها: خالتها لولّا التي حملت جنيناً من مجهول ثم انتحرت بجرعة زرنيخ، الأب رشيد الذي أدار مصنع الطوب الأحمر بمشاركة عمها جابر، والدتها ثريا، الجدة رحمة، العمة نظلة، العم سميح، بدر المجنونة التي يربطها أبوها بجنزير لمنعها من الخروج... لا تروي لنا المؤلفة حكاياتٍ فقط. ثمة طبقات تاريخية واجتماعية تربض تحت الحكايات. نعرف أن السرد محكوم بلذة الكتابة والتأريخ معاً. الشخصيات هي ابنة أزمنة ومنعطفات. السبعينيات والثمانينيات هما الماضي الذي تعود إليه سلمى باحثة عن «فردوس» الدِّعة والطمأنينة. لكن الحنين وحده لا ينقذها من براثن حاضرها. الحياة ـــــ بحسب الرواية ـــــ هي عملية متواصلة لدفع الأثمان الباهظة للعيش.

نُشِرَت المقالة في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 8 سبتمبر 2009

Sunday, September 16, 2012

أساطير العائلة تعيد الابنة إلى الريف


 ناظم السيد

بيروت- 'القدس العربي':

 بعكس الحيّز المكاني الذي جرت وتجري فيه الرواية الحديثة في غالبية نماذجها، فإنَّ منصورة عز الدين ذهبت بروايتها إلى الريف مباشرة. لم ترصد الروائية هجرات الريفيين إلى المدن، تلك الهجرات التي شغلت الرواية والسينما في مصر منذ 'ثورة يوليو' إلى اليوم، بل ذهبت إلى الريف لرصد حياة الناس قبل خروجهم من هذا الريف، قبل احتكاكهم أصلاً بالمدينة. حتى الأبناء الذين ذهبوا للعيش في القاهرة أو طنطا، والذين يشكلون شخصيات محورية في هذه الرواية، لا يتم رصد حياتهم في هذه المدن. تكتفي الروائية من حياة هؤلاء بذلك الجانب الذي يوقظه الريف، أي رصد حياة الطفولة لهؤلاء أو حركاتهم حين يزورون الأهل في مسقط الرأس والمكان الأول للاصطدام بالعالم.
لكن الريف كمكان تجري فيه أحداث الرواية، لا يجعل من هذه الرواية رواية ريفية، لا يضعها ضمن الأدب الذي اشتغل على الريف كقيمة في طريقها إلى الزوال كما في النماذج اللبنانية من مارون عبود إلى ميخائيل نعيمة إلى أنيس فريحة وإميلي نصر الله (أعطي نماذج لبنانية لأن اطلاعي عليها أوسع من التجارب المصرية أو غيرها من التجارب العربية، ولأن الرواية الريفية اللبنانية تشكل مفصلاً اساسياً في الرواية العربية تماماً كالشعر اللبناني الذي استلهم الريف كنوع من الحنين كما لدى شعراء الهجر، وصولاً إلى نتاج الأخوين منصور وعاصي الرحباني على صعيدي الغناء والمسرح). لا، الريف هنا مجرّد ذريعة للسرد، حجة لقول حكاية وتأليف حبكة.
إنه وسيلة القص وليس غايته كما سبقت الإشارة في الأعمال التي جعلت من الريف أيقونة وفردوساً مفقوداً وفكرة عذراء. ما يدلل على أن الريف هنا مجرّد مكان للقص هو أن الحدث الروائي ليس الريف وقيمه الجمالية والطبيعية والأخلاقية والحياتية عموماً، وإنما العائلة التي يجري رصد مصائرها فرداً فرداً من الآباء إلى البنين. العائلة بوصفها حدث الرواية تخرج هذا العمل من تصنيف الرواية على أنها ريفية ولا سيما أن السرد غالباً ما تركز على هذه العائلة وأفرادها كأن السرد يجري في الداخل من غير أن يقيم شأناً كبيراً للبيئة المحيطة إلا ما لزم أو صعب تجاهله (انتحار لولا مثلاً خالة البطلة سلمى بسبب حملها من دون زواج).

سلالة ومصائر

إذاً، تعيد منصورة عز الدين في 'وراء الفردوس' تأليف حياة عائلية تفرقت بالزواج والإنجاب ومشاغل الحياة والعمل وتبديل أماكن العيش وتراكم الزمن. من السهل القول إنها سيرة ذاتية تعيد فيها المؤلفة سرد حياة عائلتها. لكن سهولة كهذه يجب ألا تغري الناقد أو القارئ في ظل غياب معطيات حياتية عن المؤلفة. لهذا من الأسلم تناول الرواية على أنها عمل متخيل مستقل عن حياة الكاتبة حتى لو تقاطعت أحداث معينة مع حياة الكاتبة، غير غافلين عن عبارة فلوبير الشهيرة 'مدام بوفاري هي أنا'، مقابلينها بشغل رولان بارت على الشخصية الروائية، معتبراً أن 'الكائن في الرواية هو كائن نصي'. والحال، فإن عز الدين تسرد سيرة عائلة من خلال سلمى ابنة رشيد التي تزور بيت أهلها لتبدأ عملية مراجعة لتاريخ العائلة، من العم جابر الذي بنى مع والدها مصنعاً للطوب الأحمر، قبل أن تقرر الحكومة إغلاق مثل هذه المصانع، فأبدله بمصنع للطوب الطفلي، والعم سميح المشكوك في نسبه إلى أبيه بحسب ما توحي الرواية، وهو الأقل ثروة بين أشقائه، والعمة نظلة التي تزوجت ولم تفقد بكارتها فعادت إلى بيت أهلها لتمضي بقية حياتها في بيت شقيقها رشيد عاشق الشرب والنساء والإسراف واللهو، والخالة لولا التي حبلت من شخص مجهول وانتحرت بالزرنيخ، وصولاً إلى حكمت طليقة العم جابر الذي تزوج بدلاً منها بشرى زوجة خادمه صابر الذي قضى في معمل الطوب (إضافة إلى الجدة رحمة، والخالة أنوار، والخال مصطفى الذي تزوج من امرأة ثرية تدعى نهاد تخجل من حياة الريفيين، وظيا زوج البطلة سلمى وطليقها لاحقاً وهو بريطاني من أصل باكستاني). ثم هناك الجيل الثاني من العائلة أي هيام أخت سلمى التي تزوجت رجلاً يعمل في قطر ولبست العباءة، وخالد شقيق سلمى الذي راح يميل للتدين كرد فعل على سلوك والده، وأنوار الشقيقة التي تحضر في الرواية بلا أي صفة أو حياة، وهشام ابن العم جابر والذي نام مع جميلة صديقة سلمى منذ الطفولة وقرينتها إذا صحَّ الوصف، والتي تشكل مع سلمى بطلتي الرواية، سلمى التي تلعب دور حافظة الأحداث وراويتها ومؤولتها وحاملتها على معانيها المتعددة، وجميلة ابنة الخادمة بشرى (زوجة العم جابر لاحقاً) والخادم صابر الذي تمزق لحمه في مصنع الطوب. تلعب جميلة دور البطلة الظل. إنها ضمير سلمى وصوتها الباطني وهاجسها ومطاردتها ومحتلة الجزء العميق من لاوعيها.

تقصّي الأحلام

توظف سلمى في 'وراء الفردوس' الأحلام كمادة روائية أساسية. نحن أمام شخصيات تحلم وتعيش أحلامها ثم تحلم بما عاشته حقيقة. الحلم هنا مادة السرد وذخيرته. لهذا يتوسّع عالم الحلم في الرواية ليشمل الخرافات والأساطير الريفية من أرواح وجن، كما يشمل أغاني شعبية يرددها الصغار عادة، من غير إهمال علم النفس الذي يحضر من خلال جلسات العلاج التي خضعت لها سلمى لدى طبيبة مختصة. سنكتشف مع توالي السرد أننا أمام عالم يختلط فيه الواقع بالحلم. سيظلُّ هذا الاختلاط يتنامى ليبلغ أخيراً ذروته: هل فعلاً ما جرى كان يجري حقيقة أم أنه مجرّد تهويمات تحدث في رأس البطلة سلمى. إن استخدام الحلم والأساطير والحكايات وعلم النفس في الرواية شكلت أقنعة وأدوات أتاحت للروائية التأليف والإنشاء بدل الأرشفة والتوثيق. أتاحت لها إجراء هذه المسافة عن الواقع.
قد تكون 'وراء الفردوس' من الأعمال الروائية القليلة التي تنتجها امرأة من غير أن تخضع لهذا الشرط. ليس في الرواية تلك الأنا النسوية التي تشكل عادة بؤرة السرد ووسيلته وغايته. ليس هناك أيديولوجيا نسوية تتصدّر العمل الأدبي وتعميه أحياناً. لا يعني هذا أن المرأة ليست حاضرة كقيمة اجتماعية أو إنسانية. بالعكس. لكن حضوراً كهذا لا يختلف كثيراً عن حضور الرجل. مثلاً، انتحار الخالة لولا لا يختلف كثيراً عن موت الخادم صابر، وتديّن الشقيقة هيام لا يختلف عن تديّن الشقيق خالد، وتخلي هشام لا يختلف عن تخلي جميلة. هكذا فإن الحياة تقسّم حوادثها على الذكور والإناث بالتساوي، بعيداً عن موقع الرجل وموقع المرأة في مجتمع شرقي وريفي أيضاً.
كذلك تلفت لغة صاحبة 'ضوء مهتز' و'متاهة مريم' في هذه الرواية. إنها لغة سردية في المقام الأول، بعيدة عن البلاغات الشعرية والجمــاليات الإنشائية.
لغة بسيطة، سهلة، مباشرة، يأخذ فيها الحكي (من حكاية) مساحة واسعة، مثلما يشكل الحوار فيها ميزة المتكلمـــين وطبقاتهم وصفاتهم وثقافتهم. إنها لغة منضبطة عاطفياً: دراما بلا تراجيديا، وألم بلا تفجّع.

نُشِرَت المقالة في جريدة "القدس العربي" في سبتمبر 2009.

أهو الفردوس حقاً؟!


د. شيرين أبو النجا

كأن تشريح الذات بلا هوادة، عبر تحليل مفردات اللاوعى الانساني ـ ذلك الجانب المظلم المخيف ـ كان منذ البداية الهاجس الروائي الذي يسيطر على منصورة عز الدين. فقد بدأت تستكشف الطريق لذلك الجانب المختبىء البعيد في محموعتها القصصية «ضوء مهتز» (2001) ومن ثم وضعت الأساس في روايتها الأولى «متاهة مريم» (2004)، تلك الرواية التي قامت فيها مريم بقتل قرينتها أملا في الخلاص من ذلك الهاجس، إلا أنه مع كل جريمة قتل ترتكبها (أو بالأحرى تكتبها) منصورة يعود ذلك اللاوعى إلى احتلال المشهد بأكمله، مراوغا للواقع بكل وعيه المادي الثقيل والمثقل بآخرين، مفارقا له وأحيانا ساخرا منه. إذا كانت مريم بحثت ـ حتى أضناها البحث ـ عن مخرج لمتاهتها في السراية فإن سلمى في «وراء الفردوس» (دار العين، 2009) تحاول أن تتجاوز درجات السلم الثمانية للبيت الكبير، في محاولة لتثبيت صورة الفردوس المليء بأزهار الخوخ والخالي من أى طبقات اجتماعية كما تذهب الحكاية الصينية، ولأن الفردوس في هذا العالم المادي مفقود يقينا، فإنها تتجاوز الفردوس لتصل إلى ما ورائه رغما عنها. وبكل دلالات الاختباء التي يحملها ظرف "وراء" ينقب اللاوعى المختبىء عن مفرداته بنفسه، وكأن الذات قد انشطرت إلى قسمين، قسم يراقب ويسرد، والآخر ينقب بهيستيريا عن مكنونه لتخرج رواية "وراء الفردوس". 

يبدو البحث في مكنون اللاوعى هاجس أدبي انساني يتملك الكتاب بشكل عام، لكن القليل منهم هو الذي يتمكن من طرح مفرداته للقارىء بسلاسة عبر بنية روائية محكمة تنهل من كل عناصر العمل بشغف حتى يستحيل فصل مفردات اللاوعى المطروحة عن تلك الشخصيات في تلك الأماكن بتلك الأفعال. فتتحول الشخصيات في حركتها داخل النص، وبالتالي السرد، إلى منظومة ترمز إلى حركة اللاوعى الدائمة وتفاعله مع الواقع الثقيل. بذلك يأتي المشهد الأول محملا برمزية تؤطر الرواية بأكملها، في قرية بدلتا النيل قريبة من مدينة طنطا تنزل سلمى رشيد سلالم البيت "كنمرة هائجة"، "يتبعها خادم يرزح تحت ثقل الصندوق الخشبي الضخم الذي يحمله" (ص 7)، ثم "سكبت قليلا من الكيروسين على الصندوق، وأضرمت فيه النيران دون ذرة من تردد" (ص 8). قررت سلمى حرق الصندوق الذي يحوي كل الأوراق التي تركها الأب رشيد اعتقادا منها أن الهدم الكامل يولد بناء جديدا فقد "كانت تراقب الصندوق وهو يتآكل كأن حياتها هى معلقة بفنائه وتآكله.. يتآكل أمامها رشيد، سميح، جابر، رحمة، ثريا، جميلة، هشام، ولولا ويحترقون. تحترق هى معهم كى تبدأ من جديد بروح شابة وذكريات أقل ألما" (ص 8). 

يؤسس هذا المشهد للسردية كاملة بشكل مفارق تماما، في حين تحاول سلمى التخلص من ماض طويل محمل بذكريات أليمة وبصور سلبية عن الذات في مواطن الاخفاق يتحول الصندوق المحترق إلى صندوق باندورا الذي يخرج منه التاريخ كاملا: تاريخ العائلة، تاريخ الحب، تاريخ الجسد، تاريخ الحراك الطبقي داخل القرية ومن القرية إلى المدينة، تاريخ تحول تلك القرية من الزراعة إلى الصناعة، تاريخ التربة الزراعية التي تم تجريفها لصالح الثروة السريعة، تاريخ الجنون، تاريخ الكتابة...كل التاريخ الذي تحاول سلمى أن تتخلص منه عبر انشاء الفردوس الخاص بها. ينفتح الصندوق على كل الذكريات، وهو ما يحوله إلى تقنية موظفة بشكل بارع تدفع كل اللاوعى إلى الاعلان عن نفسه، وهو الاعلان الذي يضع سلمى على الحافة بين الواقع والحلم. تتخذ تيمة الحلم مكانا رئيسا أيضا في الرواية، إذ تحاول سلمى التحرر من الذكريات عبر الأحلام، وتحاول تعويض الواقع الثقيل في الأحلام كذلك الحلم الذي رأت نفسها فيه تقتل جميلة صديقة الطفولة بدم بارد، لتجد جميلة تقف أمامها في الواقع بعد فترة وجيزة، وهى تستشف ما سوف يحدث في الأحلام أيضا كالحلم الذي فسرته لها عمتها نظلة فيما يخص ضياء زوجها.

تعيش سلمى بكل وجدانها في الأحلام، وتستعين على تفسيرها بأشخاص عارفين أو بكتب متخصصة، وهو الانغماس الذي يرمز إلى طرد للواقع سعيا لانشاء ماوراء الفردوس. الا أن هذا الانغماس في الحلم الذي يجعلها منفصلة تماما عمن حولها (تزداد حدة الانفصال بسبب شعور البارانويا الذي يوهمها أنها خارج المنظومة الاجتماعية والعائلية) مع تعملق الذكريات التي لم تحترق مع الصندوق يجعل سلمى تكتب في خواطرها: "أسير في الشوارع المكدسة فلا أرى شيئا. لا أبصر البلد التي شابت فجأة لأنني مشغولة فقط بذلك الجنون الذي ينمو بداخلي ومتوحدة تماما معه. أشعر أني أعيش يوما واحدا يتكرر بلا نهاية، أنا في حالة dejà vu دائمة.....أغمض عيني فأرى عوالم أخرى، أبصر عالما متوهجا، أشجاره حمراء ونباتاته كذلك، بحاره وسماواته خضراء بدرجات متفاوتة، اللون الأزرق فيه هو مجرد ظلال للونين السابقين. هو فردوس ملون كما أسميه، أهرب إليه فأخرج من ذاتي وخيباتي، أصير أخرى، لا يربط بينها وبين شخصيتي الحقيقية أقل القليل" (81 ـ 82).

يزداد هروب سلمى عبر تركها لذاتها في الفردوس ومحاولة إعادة صياغة الآخر. مرة أخرى تنجح الكاتبة في دمج الرمز بالسرد. تعمل سلمى محررة في جريدة أدبية، و "كانت لا تجد أى صعوبة في التدخل في نصوص الآخرين، غير أنها حين حاولت فجأة أن تشرع في كتابة رواية خاصة بها، وجدت نفسها في مأزق حقيقي" (86). بدأت تسلي نفسها "بتحريف وتشويه قصص الآحرين" (87)، فأرادت أن تكتب رواية عن عائلتها من هذا المنظور: منظور فني يراقب. كانت هذه هى مشكلة سلمى، ترى الأشياء والبشر من منظورأحادي البعد، منظور يصور لها ما تريد، وهو ما يظهر بعد ذلك في حكى جميلة عن نفسها.

للوهلة الأولى تبدو جميلة وكأنها الصورة المناقضة لسلمى، الا أنه بالتمعن في لاوعى جميلة يدرك القارىء أنها تنويعة مختلفة على شخصية سلمى، ربما تكون كل الشخصيات في العمل ليست الا تنويعات لنفس الفكرة: الهروب أو البحث عن الفردوس المفقود. جميلة هى ابنة صابر العامل الذي وهب حياته اخلاصا لرشيد وجابر في مصنع الطوب، وهى صديقة سلمى الحميمة، وهى أيضا ابنة بشرى التي شقت ملابسها يوم علمت بخبر موت زوجها فاشتهاها جابر وتزوجها، مفضلا إياها على زوجته حكمت التي طلبت الطلاق إثر هذه الزيجة. وهى أيضا جميلة التي وقعت في حب هشام ابن جابر ثم اكتشفت أنها لم تكن سوى علاقة عابرة في حياته مما ساهم في احساسها بالدونية. أرادت أن تهرب من حياتها السابقة، لم تبحث عن ما وراء الفردوس مثل سلمى، ولم تنغمس في الحلم، بالرغم من أنها "كانت ترغب فيما يشبه الانتقام، غير أن انتقامها لم يكن يعني الحاق الضرر بالآخرين، إنما فقط الارتقاء بنفسها، كى تصبح أفضل منهم. كانت غاضبة ومهانة. وعرفت جيدا كيف تحول غضبها إلى طاقة دفع للأمام" (214 ـ 215). أرادت جميلة أن تنسى ما فعلته بها الفروقات الطبقية، التي جعلتها "شخص غير مرئي، فائض عن الحاجة، ودخيل على عائلة قوية مترابطة"، عكس سلمى التي "لم تكن في حاجة لاثبات شىء سواء لنفسها أو للعالم المحيط بها" (214). انطلقت جميلة إلى الأمام مخلفة ورائها كل الماضي ـ الذي لم تنساه ـ وأنجزت كل ما كان يتعين على سلمى فعله. في حين هربت جميلة في تحقيق الذات هربت سلمى في الهوس بالذات ومحاولة تصوير الآخر، أو بالأحرى تشويهه.

كل نساء "وراء الفروس" يبتدعن وسائل للهروب (أم مقاومة؟) من ذواتهن أو من أجسادهن، طبقا لما يلائم المنظومة الذكورية التي يترأسها رمز الأب. وإذا كانت سلمى قد أخفقت في هذه المحاولة بكل الأشكال ـ حتى أن جسدها فرض ارادته ودمر زواجها ـ و "في أعماقها لم هناك سوى جحيم من الأفكار المتضاربة، والتخيلات والهواجس التي لا تستطيع التفريق بينها وبين حياتها الواقعية" (219)، فإن بعض الأخريات قد نجحن في الهروب ووجدن لهن موقعا مرضيا عنه في عالم العائلة الصغير عبر توظيف كافة وسائل التعايش والتواطؤ. فالعمة نظلة مثلا التي لم تدع زوجها يقترب منها هربت إلى عالم الشيخة شمس وحفظت القرآن وهو ما وفر لها مكانة اجتماعية، أما بشرى ـ والدة جميلة ـ التي اعتقدت يقينا أن صابر ـ زوجها الذي قضى في مصنع الطوب الأحمر ـ يأتيها مع كل قمر مكتمل، كان من الطبيعي أن يحل جابر محله في ليلة مشابهة، وإن ظل طيف زوجها يظهر بين الحين والآخر، حتى أنه توقف عن الظهور لجميلة التي أسلمت جسدها لهشام ولم تبال بسطوة الأب، أما لولا ـ  شقيقة ثريا وخالة سلمى ـ فقد انتحرت بشرب الزرنيخ بعد أن ظهر بطنها ولم تعلن اسم الرجل (تلمح الكاتبة أنه قد يكون رشيد والد سلمى)، وفيما يتعلق بهيام ـ شقيقة سلمى ـ فقد أعادت انتاج المنظومة الذكورية عبر التنكر لذاتها الأنثوية التي كانت عليها وفقا لرغبة الآخرين، كانت تمثل صورة المرأة الملاك الشهيرة في الأدب الفيكتوري. يرتبط فعل ورد الفعل الجسد الأنثوي بالأب الحاضر الغائب، وفي حين تتوافق كل النسوة معه ـ كل بطريقتها ـ تبقى سلمى خارج المنظومة تماما: جامحة مثل والدها رشيد.

سلمى "لم تعد راغبة في الحكى أو الكلام الذي طالما أحبته وانحازت له ضد الصمت. تكتفي فقط باغماض عينيها والتحليق في ملكوت خاص. صارت تغمض عينيها كثيرا. تغمضهما فتغرق في فردوسها الملون بألوان قوس قزح" (218). الا أنها في هذا الملكوت ـ وراء الفردوس ـ لم تتمكن من التخلص من آثار انفتاح صندوق باندورا، فمع كل تلك الأحكام التي أصدرتها على الآخرين، ومع كل ذلك الاستسلام لرثاء الذات، ومع كل هذا الجنون الكامل الذي يسعى إلى الانسلاخ عن كل ما حوله اعتقادا أنه طريق النسيان، تبقى سلمى أسيرة نفس الفكرة: الهروب.

في كل ما حكته سلمى لطبيبتها النفسية (وربما لذاتها) لم تذكر حكاية "بدر الهبلة" (وهى نموذج متوافر في كل قرية مصرية تقريبا) المتخلفة عقليا، والتي يقيدها والدها بالجنزير الحديد في السرير الضخم خوفا عليها من أى اعتداء جنسي من هؤلاء الذين قد يستغلون جنونها. كان جل هم بدر هو أن تغافل والدها وتفك الأصفاد الحديدية بمساعدة جابر، وهو ما كانت تنجح في فعله حتى اختفت تماما عند زواج بدر ببشرى، الفعل الذي اعتبرته خيانة لها. من كل هذه الذكريات المزدحمة لا يبقى الا قصة بدر الهبلة على لسان سلمى حين تفيق من الحادث الذي وقع لها. وبالرغم من أنها كتبت الرواية التي كانت تسعى جاهدة لانجازها، وسلمت نسخة منها لجميلة، الا أن الأصفاد الحديدية التي تكبل عقل وروح سلمى تبقى مستعصية على كل تلك المراوغات، فلا يبقى بعد الحادث الا ذكرى "بدر الهبلة" ومحاولتها الدؤوب في التخلص من قيودها وهو ما يتوازى مع محاولة سلمى أن تكتب عن عائلتها وأن تنأى بعقلها عن الذكريات.

تبدأ "وراء الفردوس" من الذات التي تحاول أن تنسلخ وتنفصل عن واقعها (ماضيها وحاضرها) وتنتهي بالذات الراقدة بدون حراك في سرير بمستشفى وهى لا تزال غارقة في هوس التخلص من القيود، "وجدت نفسها مشدودة إلى سرير معدني بارد في غرفة ضيقة مشبعة برائحة الأدوية والمطهرات" (221). تبدو سلمى في النهاية وكأنها تنويعة أخرى على شخصية "بدر الهبلة"، مما يجعل الرواية تنتهي بشكل مفارق، وبشك عما إذا كان ذلك المكان وراء الفردوس هو النعيم أم النار. فمحاولة الوصول إلى ما وراء الفردوس تشبه محاولة العودة إلى مرحلة العقل الخالي من أى انطباعات أو ذكريات أو تاريخ أو حتى معرفة، وهو المعروف فلسفيا باسم "تابيولا رازا"، ولم يكن سوى افتراض فلسفي بحت. ربما يتجلى جنون سلمى في سيطرة هذه الفكرة عليها، وقيامها بتطوير صورة ذلك الفردوس المنعزل، وهو ما يجعل النهاية ـ "عندما فوجئت بجسدها كأنما يطير في الهواء قبل أن يسقط مرتطما بالأرض" (221) ـ مشهدا حرفيا. فسلمى التي ظلت تحلق في ملكوتها الخاص كان لابد أن عود للأرض ولو بهذه القسوة، وهو ما يجعل وراء الفردوس مكانا وهميا يتخذ منه العقل تكئة للهروب من المواجهة: مواجهة الواقع المادي الثقيل وقبول وخز الألم.

نُشِرَت المقالة في مجلة "الكلمة" في سبتمبر 2009

Friday, September 14, 2012

Nabil Shawkat on Beyond Paradise



By: Nabil Shawkat

The National, March 2, 2010


Mansoura Ez Eldin knows her way around the land of dreams. In her short novel Beyond Paradise (Wara al-Firdaws), she packs enough imagery for a three-volume work. Her power of imagination is such that sometimes, while reading her novel, I wished that she would drop some of the subplots and forget about some of the side characters. But even as the thought went through my mind, I enjoyed every sketch and every little dream. In a detailed, compact and colourful style, she tells the story of two friends, Salma and Gamila, living in the Egyptian countryside in the 1980s. Gamila, the poorer one, rises from poverty to become a respectable academic, while Salma, the more affluent one, finds herself in an unsuccessful marriage and decides to seek salvation through writing. This is perhaps a reference to Ez Eldin's own life, for she used to sit near the bed of her dying mother and pretend to write simply because her mother took pride in her daughter's career. Born in 1976 in a small village on the Nile in the Delta, Ez Eldin got a job with the prestigious Akhbar al-Adab (Literature News) upon her graduation from the Mass Communication College at Cairo University in 1998. Her first book was a collection of stories called Daw' Mohtazz (Flickering Light) that came out in 2001. Her first novel, Matahat Maryam (Maryam's Maze), won her wide recognition and has been translated into English. "Even when I am too busy at the paper, I write down notes, ideas, and sketches for whenever the time allows, and I work on those later," she said in response to written questions. "I write in my room on a laptop. I cannot work in coffeehouses. "I wrote a major part of my first novel, Maryam's Maze, holding my baby in my left hand while I typed with my right. Sometimes I put her in her crib to play while I wrote, and when she cried I stopped. "I use mythology and dreams for purely aesthetic reasons. Our literary tradition is rich with artistry. Take, for example, The Interpretation of Dreams (Tafsir al-Ahlam) by Ibn Sirin, a work that I greatly admire. It is full of poetic interpretations of dreams. Also, our oral history is stunningly beautiful."