Wednesday, June 19, 2019

حيث السحب منخفضة


منصورة عز الدين


رأى نفسه واقفًا في ساحة مكشوفة مستندًا إلى جدار، وفوق بناية قريبة يتحفز قنّاص مصوبًا البندقية إلى رأسه. شعور مخيف سيطر عليه وأعجزه تمامًا. ظل مسمَّرًا في وقفته لوقت طويل: لا القناص أطلق النار، ولا هو ابتعد عن مرمى القنص.

كل شيء حوله بدا مهتزًا: البناية، القناص، أشجار الحور القريبة، والحائط خلفه.
هو نفسه كان يترجرج كأنه سائل في إناء مرن. استولى عليه دوار مصحوب برغبة في القئ. مرّ بمواقف أصعب في حياته، بل كانت حياته سلسلة من المواقف الأصعب، ومع هذا أحس بانقباض لم يختبره قبلًا، ثم بدأ الدوار ينسحب رويدًا.

راح تأثير الحقنة اليومية. عادةً ما ينتبه بسرعة لبدء الغياب التدريجي لتأثيرها، يشبه الأمر انقشاع بطيء لشبورة صباحية، أو ذوبان مادة صلبة في ماء دافئ.

يتغير موعدها من يوم لآخر. "مجرد حقنة مهدئة." يقول الحارس كمن يخاطب نفسه. يتفحص الذراع بحثًا عن الوريد ثم يفرغ محتويات المحقن فيه، قبل أن يغادر الغرفة سريعًا.
كل مرة يُهيأ له أنه يشعر بخط سير الدواء وهو يسري في جسده جالبًا معه تنميلًا شديدًا. تثقل ردود أفعاله حتى تكاد تنعدم، يغدو غير قادر على رفع يده. ينغلق جفناه رغمًا عنه، ويلف رأسه كدوامة، ثم تنهال الهلاوس عليه. لا بد من أنها هلاوس لأنه يتذكرها بالكاد حين ينتهي مفعول المهدئ، وما يستعيده منها لا علاقه له – في الغالب – بحياته أو ماضيه.

تحمله ضلالاته إلى أراضٍ أخرى. يرى نفسه فوق قمة جبل والسحاب يمر بجواره بحيث يمكنه الإمساك به لو أراد، تزوره غابة أشجارها على وشك التجمد من شدة البرد، وفي بدايتها كوخ صغير - تغطيه من الخارج نباتات متسلقة بزهور أرجوانية وحمراء- ويخرج منه رجل وامرأة منشغلان بنفسيهما عمّا حولهما. كما يجد نفسه مرارًا وقد هرب من مكان احتجازه، وركض نحو الجانب الآخر من التل إلى أن لم يعد قادرًا على الحركة خطوة إضافية، فيقف مُشرفًا على الصحراء الممتدة بالأسفل، يُخيل له أنه يلمح بستان زيتون، على رأسه مقعد يجلس فوقه رجل وامرأة، وأمامهما بئر تمْثُل كحد فاصل بين خضرة أشجار الزيتون الباهتة وأصفر الرمال اللانهائية، ثم يتلاشى الرجل والمرأة والبستان والبئر، ويلحق به الحراس ويقتادونه مجددًا إلى محبسه، تدهشه العادية التي يعاملونه بها كأنه لم يفر منهم، لكنه سرعان ما يتناسى هذا ويستسلم لوهم جديد.

يدفس وجهه في الوسادة، ويغمض عينيه، محاولًا فصل وقائع حياته الحقيقية عن ضلالاته، فلا يفلح.
في الصالة شبه الخاوية، كان أحد الحراس يصرخ، مناديًا زميلًا له بلكنة ريفية خشنة. يتصرفون كأنه غير موجود، مع أنه موقن من متابعتهم لأخفت حركاته، بحث مرارًا عن "كاميرا" مراقبة في غرفته، فلم يجد. خمن أنهم يستخدمون نوعًا متقدمًا. في الصباح يتركون له بضعة أرغفة خبز وقطعة جبن، ووقت الغداء يضعون على الطاولة الجرداء طبق فول أو عدس أو في أحسن الأحوال قطعة لحم يابس مع أرز وفاصوليا تسبح في دهون كثيفة.

غرفته لا تُغلَق من الداخل بترباس، وهم لا يغلقونها عليه بالمفتاح من الخارج، بإمكانه فتحها وقتما يشاء للتجول في البيت أو الخروج للحديقة ذات الأسوار بالغة الارتفاع. والبوابة الحديدية، المغلقة دومًا بإحكام، يحرسها كلبان لا يكفان عن النباح طوال الليل، يجاوبهما عواء ينبعث من بعيد فيصل ضعيفًا. وما عدا هذا، فالصمت راسخ معظم الوقت.

من نافذة غرفته، حيث اعتاد الوقوف محدقًا في الفراغ الخارجي، يمكنه رؤية الحراس الستة: قطعوا شجرتيّ لوز ونظّفوا الأرض، ثم نصبوا خيمة كبيرة، قضوا النهار بكامله داخلها، يثرثرون بأصوات مزعجة، وهم يلعبون الورق. أعدوا شايًا فوق نار، أشعلوها في حطب، جمعوه من الحديقة، وواصلوا حكيهم، من غير أن ينظروا نحوه، أو ينتبهوا لمراقبته إياهم. يستفزه استرخاؤهم وتكاسلهم وتصرفهم كأنهم لا يعرفون من هو، ولا يدركون خطورة احتجازهم له.

يحاول تخيل مستقبله القريب، توقُع أين سيكون خلال عام مثلًا: سيُدفَن في حفرة بالصحراء الشاسعة أسفل التل؟ أم أن هناك بالفعل بئرًا – تجاور بستان زيتون – ستُلقى جثته في أعماقها، حيث الظلمة والبرودة؟ تستحضر تخيلاته رجلًا وامرأة جالسين إلى مقعد قريبًا من البئر المفترضة، غافلين عن أن قاع البئر يحتضن جثة. يطرد الفكرة المزعجة من رأسه. في الغالب سيظل هنا "ضيفًا" على من لا يعرفهم ويتظاهرون بأنهم يجهلون هويته.

 يشغل نفسه بتخيل سيناريوهات عنيفة محتملة؛ لأن هذا وسيلته الوحيدة للهرب من ذكرى صارت بمثابة الإطار لحياته الواعية، ذكرى يد مرتعشة تبحث – بلا طائل – عن قشة تتعلق بها.

وحدها تلك اليد لا ينساها، وحدها لا يقدر "الدواء المهدئ" على تبديد ذكراها، بل يشحذها ويقويها.
يد القائد المرعوبة وهي تتشبث بالكرسي في محاولة للصعود، فيما الجسد يرقد بالأسفل مضرّجًا في دمائه، وطلقات الرصاص تنهمر بلا توقف. لم يمد له يد العون. لم يفعل أي منهم. الرفاق انشغلوا بإخراجه هو سالماً، بينما تُرِك القائد مكللاً بنياشينه ورصاصات حوّلت جسده إلى مصفاة.

رأى المؤامرة تقترب. شعر بخيوطها وهي تُحاك حول القائد. لم يحذره، فحتى لو فعل، ما كان الرجل سينصت، كانت الكلمات ستتطاير حوله، كذرات غبار، فيما يحدق هو منتشيًا، في المرايا العديدة التي تكسو جدران غرفته المفضلة في القصر.

كان بجواره حين سقط. منحته السترة المضادة للرصاص حياةً أخرى، في حين رفض القائد ارتداء سترته، مهونًا من أي خطر محتمل، في ظل عشق الجماهير له.

حماه الرفاق هو، أحاطوا به وسحبوه إلى الخارج. أصبح أملهم الوحيد. في لحظة واحدة، بات القائد جزءًا من ماضٍ نازف، وعبئًا عليهم جميعًا التخلص منه، في ركضهم من أجل النجاة.
خلال آدائه اليمين خلفًا للقائد، رأى بعينيّ ذاكرته، اليد المتشبثة بحياة تنفلت إلى الأبد. تجاهلها مخمورًا بنشوة الحدث، وظنها ستكف عن مخايلته.

يومذاك، صمم على ارتداء حُلّة مدنية، أخذ قرارًا - بينه وبين نفسه - بهجر الزي الرسمي بلا عودة أو ندم. هاجس ما وسوس له بأن الزي المُزَيَّن بالنياشين جالب للموت، بأنه وحده ما نادى القتلة وأغواهم.
خلعه، لكن لم ينزع بقاياه من داخله ولم يرغب في ذلك. من وجهة نظره، لم يكن مجرد رداء، أو علامة على نمط حياة بعينه. كان الحياة نفسها، وجهه ووشم النار على جسده. عهد لا تنبغي خيانته، وتكليف لا تنصل منه.
"لم نخنه حين تركناه لمصيره، ونجونا بحياتنا"!

كان يردد بصوت مجروح، ما إن يبدأ مفعول الحقنة في السريان، مبررًا مسلكه هو والرفاق بأن القائد، في تلك اللحظة، كان رجلًا ميتًا حتى لو لم تغادره الروح بعد. وبالفعل، بالنسبة لهم، مات القائد قبلها بسنوات، حين تخلى عن الحذر، وغرق في مراياه الخاصة.  

في سنواته الأولى خلفًا للقائد، عاهد نفسه على ألّا يكونه، ألّا يفعل أي شيء يقربه منه. بالغ في محو كل ما يُذَّكِّر به.
هجر المرايا لكنها لم تهجره. رأى وجهه منعكسًا في كل شيء، في الصور بالشوارع، في وجوه حاشيته، في الجرائد وفي العيون الخائفة في مواجهته. كل الأشياء أضحت مرايا تعكس صورته.

***
راقدًا في فراشه، يتخيل مسار سريان الدواء في جسده، فيبدأ عالمه في الاهتزاز والتأرجح، تواجهه شاشة تليفزيون صورتها بالغة التشوش، وينبعث منها وشيش مزعج، تعيده إلى انقطاع البث التليفزيوني يوم الاغتيال. لطالما أعاد مشاهدة مشهد القتل. قبل انقطاع البث، رأت الملايين القائد غارقًا في دمه، ويده اليائسة تحاول التشبث بقشة الحياة دونما طائل، ومع هذا حبس الجميع أنفاسهم غير قادرين على تصديق أن الموت بإمكانه قطفه كغيره من الفانين.

خيم صمت ثقيل منذر بالأسوأ. خلت الطرقات، وهجر الناس المقاهي في غضون دقائق. كانت العربات تكاد تطير في الشوارع. يتسابق ركابها من أجل العودة لبيوتهم، وإغلاق أبوابها عليهم.
شُدِدَت الحراسة على المنشآت والمؤسسات الحكومية. ضباط قوات خاصة بملابس سوداء أشهروا الكلاشينكوفات في كل مكان. قناصة تمركزوا في أماكن مختارة بعناية. احتلت المدرعات الميادين ومداخل المدن الكبرى.

ثم بدأت التفجيرات. بعد هدوء مميت دام ليومين، في اليوم الثالث بعد الاغتيال، نُفِذت العملية الأولى. عربة مفخخة انفجرت في ميدان رئيسي بالعاصمة. عشرات القتلى وأضعافهم من المصابين. لم يكن يمر يوم دون تفجير في مكان ما. هوجمت أقسام الشرطة ومديريات الأمن، حُرِقَت مقار حكومية، وكان لا بد من مواجهات مع المتمردين في جنوب البلاد.

كان الرفاق على أعصابهم، خائفين من أن تخرج الأمور عن السيطرة، لكن رباطة جأشه كانت معدية. من تعاملوا معه عن قرب، في تلك المرحلة، كانوا شبه موقنين من أنه ينتشي أكثر كلما ازدادت الفوضى، كأنه بصدد لعبة يتضاعف إغراؤها كلما تعقدت. كان يعد المسرح لإطلالته الأولى من موقعه الجديد: موقع المُنقِذ.

يدفس وجهه في الوسادة، فيرى نفسه يلقي خطبة فوق أنقاض مديرية أمن سُويت بالأرض في انفجار أخير، يتحدث عن فرض قانون الطوارئ، ويقسم أن يثأر ممن اغتالوا القائد، وهددوا استقرار البلد وأمنه. يبصر معتقلات امتلأت  بالمساجين، ومتمردين أُعدموا رميًا بالرصاص في الميادين العامة، وأُجبِر أهاليهم على دفع ثمن الذخيرة التي قتلت أبناءهم.

يستدعي تنقله بين المدارس ورياض الأطفال كي يتأكد بنفسه من أن التدريب على الرماية صار مادة دراسية، يُشترَط النجاح فيها بتفوق من أجل التخرج، لتجهيز أجيال من القناصة ومحترفي الرماية. أجيال مهنتها المراقبة والانتظار استعدادًا للقنص، ويرى أفرادها العالم عبر مناظير بنادقهم، ثمة وسيط يلوِّن رؤيتهم لما حولهم ويرسم ظلالها.

يستعيد خُطبًا أسبوعية حرص على التطرق فيها لكافة الشئون الحياتية للناس. كان يحلو له حكي جوانب من المعارك التي خاضها، حواديت وطُرف عن أيام حصار فرقته في حرب بعيدة، أو تيهه في الصحراء بعد نجاته وحده ذات مهمة خطرة. تفاصيل يمررها بين ثنايا كلامه فيبدو كمن يحكي لأصدقاء قدامى عمّا حدث في غيابه عنهم، لكن كان لها مفعول السحر ضد معارضيه. كان كأنما يقول: "من هؤلاء؟ أين كانوا وقت كنا نقامر بحياتنا من أجل البلاد؟ في الخنادق غرقنا في الظلام بلا همسة قد تدل الأعداء علينا، زحفنا في الصحراء، ودفننا أشلاء رفاقنا. والآن يأتي هؤلاء الخونة والمأجورون كي يرطنوا بكلمات لا يفقهون معناها. لو أُتيحت لهم نصف فرصة لتحولوا إلى غوغاء صارخين ومثيري شغب ينشرون الفوضى والخراب".

وقتذاك لم يخطر بباله أن "الخونة والمأجورين" لن يكون لهم علاقة بنهايته. وأن نارًا، اشتعلت قبل سنوات، وأتت على القائد، ستواصل التهام آخرين.

***

في ساعات الفراغ الممتدة، كان يستغل خلو جسده من المادة المهدئة في محاولة تخيل ما يحدث بالخارج. هل استتب الأمر لرفاقه، رفاقه السابقين وأعدائه الحاليين بالأحرى؟ أم أن المحرقة مستمرة، والبيت أعلى التل في انتظار نزيل جديد قريبًا؟

لكن، لا. من الغباء لم شمل أكثر من ثعلب محنك في مكان واحد حتى وإن كانت ثعالب فقدت سطوتها. مؤكد أن هناك بيوتًا أخرى شبيهة، أو سجونًا سرية لأصحاب المقام الرفيع.

ذات ظهيرة حارة حدث أمر ظنه يجيب على تساؤلاته. وصلت عربة تحمل طاقم تصوير تليفزيوني: مخرجًا بلحية مشعثة وشعر طويل ونظارة شمسية تأكل نصف وجهه، ومصورًا عصبيًا بوجه شحيح التعبيرات.
الاثنان يتصرفان بحرفية عالية ويبدوان كعميلين سريين أكثر من كونهما مخرجًا ومصورًا. المخرج تحديدًا يتعامل بسلطة واضحة وفي عينيه نظرة هازئة على الدوام.

أدخل الحراس "ضيفهم" إلى غرفة بها دولاب ملئ بملابس فاخرة، حددوا له أي حلة سيلبس، واختاروا أدق الإكسسوارات المصاحبة من منديل حريري وربطة عنق باريسية. كانوا قد حلقوا له ذقنه وهذبوا شعر رأسه في الصباح دون إخباره بالسبب. اجتهد الماكيير، الذي ظهر فجأة بعد أن ظل بعربة التليفزيون لآخر لحظة، في إخفاء آثار عدم النوم والهالات السوداء تحت عينيّ "المُنقِذ". يكاد الأخير يقسم أنه لمح ارتعاشة يد الماكيير وهي تقترب من وجهه، كان الرجل يتهرب من النظر في عينيه وأصابعه تتحرك بتردد وارتباك على البشرة الداكنة.

أعطاه قائد الحرس خطبة جاهزة، وطلب منه قراءتها، والتدرب على إلقائها. سنواته السابقة جهزته للمهمة جيدًا. يعرف متى يعلو صوته محتدًا مهددًا، ومتى يرتجل تعليقًا شارحًا لفقرته السابقة بعامية حاذقة. دقق المخرج كثيرًا في الأجزاء المرتجلة، أو شبه المرتجلة لأنها مكتوبة أيضًا، إذ ليس مسموحًا له بالخروج عن النص. عليه فقط إقناع مشاهديه بأنه يرتجل، بأنه ذاته القديمة: "المُنقِذ" الذي عرفوه وخافوا منه وكان لسنوات المتحكم في مصائرهم، ومحدد درجة الظلمة في كوابيسهم.

أصبح حضور طاقم التصوير التليفزيوني مألوفًا. مرة شهريًا. يصورون خلالها أربع خُطب، وأحيانًا يجيئون في غير موعدهم، متعجلين مرتبكين، لتسجيل كلمة سريعة. فيفهم أن حدثًا طارئًا قد استجد. يجهد عقله في محاولة استنتاج ماهية هذا الحدث دون طائل، فحوى الخُطب يخبره بأن ثمة اضطرابًا هائلًا بالخارج، وأن رفاقه القدامى ما زالوا في حاجة إليه، أو للدقة مازالوا في حاجة لخيال المآتة المتوعد في الخُطب التليفزيونية المُسجلة. يتساءل متى سيتحول إلى "كارت" محروق في أعينهم؟

مع الوقت، باتت النظرة الهازئة في عين المخرج تضايقه، لا يفهم مبررها، ولا يعرف إن كانت موجهة نحوه، أم قناعًا لا غنى للرجل عنه، لكنها كثفت شعوره بمأساوية وضعه، بأنه صار ممثلًا هزليًا أو دمية بلا قدرة على اختيار كلماتها الخاصة، أو تحديد ما يدخل جسدها من طعام أو دواء.

تأكد هذا الشعور حين فقدت نصوص الخُطب الاتساق، وأضحت "إسكتشات" يخاصمها المنطق. بدأ يتلجلج غير واثق مما يقوله، ولا بأي نبرة عليه النطق به. توقف مرات، غير عابئ بغضب المخرج ولا باحتجاجاته، إلّا أن ظهور الحراس، ببنادقهم ونظراتهم المهددة، كان يدفعه لاستكمال التصوير.

تغادر عربة التليفزيون، فيلجأ إلى غرفته. يحاول تناسي كل ما يخص الخُطب المتناقضة، فالتفكير فيها لن يقوده إلى شيء. لا علامات ترشده إلى ما يجري في العالم خارج هذا البيت، ولا إلى سبب احتجازه فيه، بات حتى غير متأكد من هوية من اختاروا له هذه النهاية.

لا دليل على ماضيه، سوى ارتعاشة يد الماكيير، وهي تقترب من وجهه. ولا ضمانة لحاضره، سوى بانغماسه في أداء دور لا يدرك أبعاده. حرص لاحقًا على نيل رضا المخرج، أو على الأقل تجنب غضبه. تجاهل نظرة السخرية في عينيه، ولاحظ أن الرجل كأنما يمنع نفسه بالكاد من التفوه بما قد يزيح بعضًا من الضباب العالق في الأجواء.

"يللا يا بطل!" عبارة يكررها المخرج، لحثه على التجويد. النبرة المغلفة بالهزل، كانت تبعد مفردة "بطل" عن ميادين القتال وساحات المعارك، وتلقي بها في ملاعب الطفولة، فلا يسع "المُنقِذ" إلّا رؤية نفسه طفلًا مترب الوجه، يلعب كرة القدم مع أصدقاء طفولته، وينتظر هتافات التشجيع. وجهه المترب القديم ذاك، يكون آخر ما يراه قبل نومه كل ليلة، مصحوبًا بعينين يغمرهما الاستهزاء، ويد مدماة تستميت للتشبث بأي شيء.

وكما أشرق طاقم التليفزيون فجأة في أفق حياته، غَرَب عنها مجددًا دون تحذير. لم يخبره أحد أن تلك كانت آخر مهامهم. في موعدهم الشهري المفترض، استيقظ من نومه مبكرًا، جهز نفسه نفسيًا لجمود المصور، وتكاسل المخرج الهازئ، وتوتر الماكيير وهو يتعامل مع بشرته. مرت الساعات، وهو في غرفته. لا صوت ينبئ بوصول عربة التليفزيون، لا أوامر له بارتداء بزة مختارة بعناية، ولا أوراق مطلوب منه التدرب على إلقائها. فقط أحضر له أحد الحرس، في الصباح، رغيفين وبيضة وشرائح جبن رومي وثمرة طماطم، ثم تشاغل الجميع عنه، بجلستهم المعتادة على كليم صوفي في الخيمة بالحديقة، يلعبون الورق ويدخنون السجائر بشراهة.

وقت الغداء، راقدًا في فراشه، بدأ يتأقلم مع فكرة أنه سيقضي اليوم وحده. التهم طبق الفاصولياء الغارقة في الدهون، دون أن يعي طبيعة ما يأكله بالضبط، وأجهز بعدها على طبق الأرز وقطعة اللحم، ثم عاود الرقاد. نام وأفاق مع حلول المساء. لم يسأل قط عن سبب غياب المخرج وفريقه، لأنه لو سأل لما اهتم أحد بالرد عليه. لو حدث وخاطب أحد أفراد الحراسة لا ينظر إليه ولا يجيبه، يتجاوزه كأنه هواء. لا يوجهون إليه أي كلام، يتكلمون عنه بضمير الغائب، ويكررون الإشارة إليه بـ"المُنقِذ" كأن اللقب يسليهم. لم يتخيل من قبل أنه سيفتقد المخرج. رغم معاملته له كطفل بليد، ونظرته إليه كمن يراقب فأرًا في مصيدة، كان الوحيد الذي يوجه له كلمات مباشرة، حتى لو كانت أوامر وتعليمات.

***

في اليوم التالي، تلقى تعليمات مخالفة. أو للدقة تلقاها حراسه، ولم يكلفوا أنفسهم عناء إخباره بها. اقتادوه عبر الحديقة بأشجارها المتشابكة، ساروا به لمسافة غير عابئين بالأغصان وهي تخدش وجوههم وأذرعهم أو تعرقل سرعتهم. كانوا يسحبونه كما لو كان جوالًا عليهم جره خلفهم، وكي يقلل من مهانة قبضة أيديهم عليه، حاول تسريع حركته، فأي مقاومة ستكرس حالته كسجين، كحيوان يقاد إلى المسلخ.

امتدت الأشجار لمساحة لم يكن يتخيلها، انشغل بالنظر للعشب المبلل قليلًا. من بين المسافات الضيقة بين قمم الأشجار، انسكب ضوء النهار داخل الغابة المصغرة مُشَتَتًا ومُشَرَّبًا بغلالة قاتمة من ظلال الأوراق والأغصان.

وصلوا أخيرًا إلى نهاية الأشجار، مروا من باب، يتوسط سورًا بالغ الارتفاع، وأغلقوه خلفهم، خرجوا إلى ضوء النهار في ساحة واسعة مسوَّرة، أعلى السور أربعة أبراج مراقبة في كل منها قناص في وضع الاستعداد.

التقطت عيناه الخبيرتان أدق تفاصيل المكان: وضعية كل قناص من الأربعة، زاوية التصويب المثالية، ومسحة الترقب المخيمة على الساحة كغيمة منذرة بمطر غزير.

شعر بالأسف لأنه غير قادر على التقاط تعبيرات وجوه القناصة من هذه المسافة. فوهات البنادق موجهة إلى جسده والحراس ابتعدوا عنه وغابوا مرة أخرى خلف الباب المؤدي إلى الغابة المصغرة.

في ركن من أركان الساحة المستطيلة، وقف بعادية شخص ينتظر في محطة أتوبيس. ثمة ترقب وملل ونفاد صبر، لكن لا وجود بداخله للخوف أو الرجاء. تمنى ألّا تخونه يده، عند النهاية، بارتعاش متوسل ويائس، في محاولتها للقبض على بقايا حياة هاربة.

مرت الدقائق ثقيلة. انشغل بتخمين من أي اتجاه ستأتيه الطلقة الأولى، وتساءل – في سره - إن كانت زوجته ستُجبَر على دفع ثمن ذخيرة البنادق الأربع. في طلعة أولى أمطر القناصة الساحة بطلقات متتالية. باغته الصوت الأشبه بقذائف صاروخية. لا معنى للعب بأعصابه على هذا النحو، إلّا إذا كان الحدث بكامله يُصوَّر لإمتاع آخرين، لم يعد واثقًا أنهم رفاقه السابقون. استمات للتماسك في إطلالته الأخيرة على العالم. 

أغمض عينيه، فغمره مشهد قديم، كأنه من حياة أخرى، ويخص شخصًا غيره. في عشرينياته، وخلال إجازة من وحدته العسكرية، يجلس في مقهى يطل على النهر. السماء غائمة، الجو بارد ومياه النهر رمادية. على الشاطئ الآخر "دهبيات" بألوان باهتة تنكسر المياه على هيكلها من أسفل. من خلفها وفي المسافات بينها أشجار نخيل وفيكس وبضع شجرات موز مثقلة بثمارها، ومرسى مطلي بأخضر داكن. قارب أبيض بإطار أحمر حائل، مرفوع فوق رصيف نهري، وخلفه النخلات وأشجار الموز، فيبدو كتفصيلة ديكور أكثر منه قاربًا في طور التجديد والإصلاح.

الكوبري الحديدي الواصل بين ضفتي النهر يعبره قطار سريع، صوته كطلقة مدوية، وسارينة إسعاف ترد عليه، فتشوِّش عليها أبواق سيارات وضجيج مكتوم لمحركات قوارب تمر من وقت لآخر. ومن الطاولات المجاورة يأتي قرع كؤوس وأدوات مائدة وثرثرات متداخلة. على الضفة التي يقع فيها المقهى، كان ثمة غراب يُحلِّق فوق مراكب راسية يهدهدها الماء على مهل.

يعرف أن الرصاصة التي ستقتله لن يسمع صوتها، لكنه لم يتخيل قط أن يكون صوت قرع كؤوس زجاجية وأدوات مائدة وثرثرات بلا معنى، هو ما سيحتل ذهنه، بينما ينتظر مصيره ملتصقًا بالحائط، قبل أن يتهاوى مرتميًا على الأرض.

لم ينتبه إلى الطيور الفزعة، وهي تهجر أعشاشها على الأشجار القريبة، مكونة سربًا مرتبكًا هائجًا، لا يعرف إلى أين يفر، ولا مِمَ بالضبط! لكن بينما تبتلعه الظلمة تراءى له جناحا غراب يرفرفان فوق مراكب راسية على ضفة نهر.


 فصل من رواية "أخيلة الظل".. دار التنوير 2017*

Friday, April 5, 2019

طيف ألكسندر ولف: رواية معلنة وأخرى مضمرة





منصورة عز الدين


أجمل ما في رواية "طيف ألكسندر ولف"، الصادرة مؤخرًا عن دار الكرمة، ما لم يكتبه جايتو جازدانوف، ما ترك بعضه يلوح "كباقي الوشم في ظاهر اليد"، أو كسر حميم يبخل على قارئه به. هنا ثمة رواية مكتوبة ببراعة ورواية أخرى مخفية باستثناء طرف منها مشار إليه برهافة كي يُبقي القارئ وخياله أسيرين للعمل بلا انتهاء.

الرواية الأولى المروية لنا على امتداد صفحات الكتاب هي تلك الخاصة بالراوي وعلاقته الملتبسة بألكسندر ولف من جهة، وحبه ليلينا نيكولاييفنا من جهة أخرى دون أن يتقاطع هذان الخيطان ظاهريًا، والرواية الثانية المضمرة والمتوارية في ثنايا السرد هي تلك الخاصة بما نستنتجه عن طبيعة العلاقة التي جمعت بين ألكسندر ويلينا قبل أن تتعرف الأخيرة على الراوي، فمع آخر صفحات الرواية نتأكد من صحة استنتاجنا أن الحبيب السابق الذي حكت عنه يلينا للراوي هو ألكسندر ولف نفسه، لكن مع المشهد الأخير ينمو بداخلنا كقراء تساؤل مثير للخيال عن سبب رغبة ولف في قتل يلينا: هل لمجرد الانتقام منها لأنها هجرته؟ أم أنه رفع عليها السلاح فقط لإرهابها ودفعها للعودة إليه؟ أم أن هناك الكثير من المسكوت عنه مما لم تبح به يلينا لبطل الرواية؟!

تشكل الأجوبة عن تلك الأسئلة العمود الفقري للرواية الثانية المفترضة، تلك التي نجح الكاتب الروسي في إثارة خيالاتنا بلمحات منها، مفضلًا عدم الكشف عنها بشكل كلي، وبهذه الحيلة رفع عمله إلى مستوى أعلى من تلك الأعمال التي يصر كُتَّابها على عدم ترك أي تفصيلة لخيال القارئ.

تبدأ "طيف ألكسندر ولف" بمشهد مواجهة بالسلاح بين الراوي وألكسندر ولف، خلال الحرب الأهلية الروسية، دون أن يعرف أي منهما هوية الآخر. يظن الراوي أنه قتل خصمه، وتصاحبه ذكرى جريمته هذه طوال السنوات اللاحقة، حتى يقرأ كتابًا يحتوي على قصة تسرد تفاصيل المواجهة كما جرت بالفعل، فيعرف الراوي أن الكاتب هو خصمه نفسه، ويسعى للوصول إليه.

وتنتهي الرواية بمواجهة أخرى بين الرجلين، ينجح الراوي خلالها في قتل ولف دفاعًا عن يلينا، لتكتمل الدائرة ويقابل ولف موته مرة ثانية وأخيرة، بعد أن عاش منتظرًا إياه منذ لقائه الأول به.

ومع الكلمات الأخيرة في الرواية، سيفهم القارئ ما قاله ولف ليلينا من أنه محكوم بالموت بشكل مضاعف، فهو أشبه بالسجناء الذين يُطلق سراحهم يومًا أو يومين على أن يعودوا مجددًا إلى السجن بنهاية المدة، "لقد أُطلق سراحي لبعض الوقت؛ ولكن لا يمكنني التفكير ولا العيش مثل الجميع، لأنني أعلم أنهم بانتظاري."

عاش ولف منتظرًا موته، منذ أن تخطاه الموت في المواجهة الأولى، واثقًا من أنه سيعود لحصده بعد أن منحه بضع سنوات إضافية. وفي هذا يشبه نفسه بأسطورة فارسية عن البستاني والموت، حيث يتجلى الموت للبستاني وهو يعمل في الحديقة، فيفزع البستاني ويفر إلى أصفهان هربًا من الموت، فيما يندهش الموت لأن المكتوب في كتابه أنه سيلقى البستاني ليلًا في أصفهان.

تلك الأسطورة المذكورة عرضًا على لسان ولف من المفاتيح الأساسية لفهم هذا العمل الجامع بين التقاليد السردية الأوروبية الحديثة والحكمة الشرقية القديمة في رباط لا ينفصم. فنظرة جايتو جازدانوف الفلسفية تدين للحكمة الشرقية أكثر مما تدين للمدارس الفلسفة الغربية من وجهة نظري. كما يتسم أسلوبه بذكاء السرد ودقة الوصف بطريقة مبتكرة وغير تقليدية، والقدرة على طرح أسئلة فلسفية عميقة في طيات السرد والحوارات بين الشخصيات، وعلى رسم شخصيات لا تُنسى خاصة شخصيات يلينا وألكسندر وفلاديمير.

من ناحية أخرى، تقترح الرواية على قارئها، بشكل غير مباشر، سؤالًا مفاده: هل يمكن الكتابة عن القدر دون الكتابة بالتبعية عن دور المصادفات في توجيه الإنسان نحو مصيره الخاص؟

الإجابة المستخلصة هنا أن هذا غير ممكن، وهو ما ذكرني برواية "هومو فابر" للكاتب السويسري الكبير ماكس فريش. فمثل "هومو فابر"، تتناول "طيف ألكسندر ولف" "تيمة" القدر، ومثلها تلعب المصادفة الدور الأبرز فيها في توجيه دفة السرد دون أن يضعف هذا من الحبكة أو يسرِّب إلى القارئ أي إحساس بلامنطقية سلسلة المصادفات المتتالية. تتفق الروايتان، المختلفتان جذريًا لجهة القصة والأسلوب، في أن كليهما أقرب إلى مأساة إغريقية، المصائر القاسية لأبطالها محددة سلفًا، والنهايات مقررة بلا أمل في مراوغتها منذ لحظة البدء.

لكن إن كان فالتر فابر في رواية فريش يؤمن إيمانًا راسخًا بالعلم الحديث وبامتلاك الإنسان لمصيره، ويسخر من كل ما حوله (في بداية الرواية على الأقل؟)، فإن ألكسندر ولف في المقابل يؤمن بسطوة القدر ويتقبل صروفه بل يعيش منتظرًا إياها بحس رواقي لا تشوِّش عليه أي بادرة تمرد أو شك.

في النهاية، تبقى الإشارة إلى الترجمة المتميزة للمترجم السوري هفال يوسف وإلى الدقة التحريرية التي تميز إصدارات دار الكرمة.

* نقلًا عن جريدة أخبار الأدب.

Tuesday, March 19, 2019

أخيلة الظل.. بين مرايا السرد وكسر الإيهام




إنجي همّام


"تخيلوا معي مقعدا خشبيا في الباحة الأمامية لبيت على ضفة "الفلتافا" قريبا من جسر تشارلز."
بهذه العبارة تبدأ منصورة عز الدين روايتها "أخيلة الظل" (دار التنوير.. 2017)، وهي تضع منذ الكلمة الأولى "تخيلوا" عقد قراءة ستمضي بنا معه رحلتها كاملة، لا يتوقع القارئ من هذه البداية كم الألعاب التي سنعيش معها أو بالأحرى سنلعبها مع الكاتبة، إذن فعتبات النص تستدعي قارئا متواطئا أو مُشاركا في بنية السرد بشكل أو بآخر، وكذلك هي تظل تكسر إيهام القاريء ثم تعود لتُدخله في عالم الوهم والحكي من جديد ولا تلبث في بدايات معظم الفصول أن تعود لكسر هذا الإيهام عندما تضعنا أمام كلمات من قبيل "تخيلوا" ، "لنفترض"، "علينا تذكر أن" فمثل هذه العبارات تُخرج القاريء من حالة الإيهام لتذكره بين فصل وآخر أننا أمام لعبة وهمية ليس إلا.

"كاميليا" كاتبة مصرية و"آدم" كذلك كاتب ولكنه أمريكي، يلتقيان صدفة للمرة الأولى أمام متحف "كافكا" بمدينة براغ، بدون سابق معرفة يشتبكان في حديث يتخلص فيه كل منهما من أثقال ترزح على صدره، ولكنه لا يتمكن من البوح بها لقريبين منه، كان من المناسب جدًا أن يكون البوح موجهًا لغريب لن يلتقي به أي منهما ثانية كما افترض كلُ منهما ذلك. يتحدث آدم عن جدته الشرق أوسطية الناجية من مذبحة قديمة لا يعرف عنها الكثير، والتي هربت بدورها مع جده البحار اليوناني لأمريكا بعد قصة حب.

أما "كاميليا" فتبدأ بحديث عن حلم يراودها بهذه المدينة وأنها حينما أتت وجدتها كما كانت في أحلامها بالضبط، داخل حلمها كانت تكتب قصة عن كاتبة روسية وعازف بيانو لم تمنحه جنسية محددة، مع التقدم في القصة نجد أن الكاتبة الروسية وقد اتخذت اسم أولجا تعيش بالفعل مع عازف بيانو يُدعى ساندور يتأمل أصابعه التي كفت عن العطاء، ونرى أولجا الروسية تتخيل كاتبًا من سياتل يدعى آدم يقابل مصادفة أمام متحف "كافكا" كاتبة مصرية تدعى كاميليا، لكنها ترفض الكتابة عنهما لأنها لم تعد مؤمنة بجدوى الكتابة، يتداخل الحكي طيلة زمن السرد، فلا نعرف من يحكي عن من ومن يحلم بمن ومن يتخيل من، ما هي الحقيقة وما هي الخدعة!

كعادتها منصورة عز الدين تتجول ما بين الواقعي والوهمي "أو بين واقع الشخصيات و أحلامها" وتمرح بين الأماكن المتعددة، معتادة السفر بأبطالها أو بطلاتها بمعنى أدق بين الأزمنة والأماكن، بين عالم المتخيل وعالم الواقع، فتجربة عز الدين الإبداعية وبالرجوع إلى رواياتها  تحديدًا "متاهة مريم، وراء الفردوس، وجبل الزمرد"، سنجدها تستند بشكل كبير على عالم المُتخًيل، خيالات أبطالها، أحلام مناماتهم ويقظتهم اليومية والقديمة أيضًا جزء من هذا الإبداع ، وعيهم قد يكون أقل حضورًا من لاوعيهم الذي يُسهم بشكل كبير في تشكل أحداث ما نقرأ، أما في "أخيلة الظل" فإن المغامرة أكبر، لم تكن المراوحة بين ما هو واقعي وما هو متخيل مستندة للاوعي الأبطال كما اعتادت عزالدين، بل كانت تلك المراوحة لعبة مُحكمة الصنع ما بين السارد  والمتلقي، ما بين عدة رواة لا نعرف أيهم أصل وأيهم حيلة إبداعية أو مرآة سردية، ولكن علينا المتابعة بكامل الانتباه لفك شِفرة هذه اللعبة المشوقة، فتجولها ما بين الواقعي والوهمي، وبين أزمنة وأمكنة واقعية وأخرى اعتبارية، جعلها هنا تتفوق على نفسها، حتى أنها تُربك القاريء، فهي تجوب التاريخ ذهابًا وإيابًا مارة بمناطق جغرافية متباعدة وأحداث جسيمة من عينة الحروب والمذابح، كل ذلك من خلال قصص إنسانية خاصة يطغى عليها الخيال أكثر من الواقع، إلا أنها تحمل في طياتها بذور وقائع تاريخية هامة ومؤثرة، يمكننا القول أنها تعيد كتابة التاريخ بمنظور أدبي خاص، أو تتناول تلك المناطق الإنسانية التي لا نجدها في كتب التاريخ بل لا يتحدث عنها في مثل تلك الفترات الحرجة، كالحروب والثورات والاضطرابات سوى كتب الأدب وشخوصه الخيالية منها والواقعية.

سيجد القاريء نفسه مسافرًا بين حديقة تطل على متحف "كافكا" في مدينة براغ، وأخرى تطل على دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، وثالثة في بيت أمريكي بسياتل تحاوطها الورود، وأخرى في أحد أحياء القاهرة العريقة في زمن آخر تطل على حديقة مزروعة بأعشاب عطرية وخضروات متنوعة، سيجد نفسه يتتبع خطوات ناجية من مذبحة قديمة منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وناجية أخرى من عقد وضغوط مجتمعية، وثالثة تحاول النجاة من كابوس طفولي حاصرها سنوات طويلة.
شخصيات الرواية: كاميليا، وآدم، وأولجا، وآميديا، وروز، وساندور، وفلاديمير، وكذلك؛ فريدة ومنير،  ودولت، ومجدي، شخصيات عديدة تنتمي لمحطات زمانية ومكانية مختلفة داخل السرد، فتحيلك الرواية لماضٍ بعيد لا يمكن لقاريء اليوم أن يكون قد عاصره أو حتى عاصر من عاصره، قبل قرن أو يزيد من الزمان، كما تحيلك إلى أكثر من ماضٍ قريب من اليسير عليك التعرف أكثر عن تفاصيله وخلفياته.

الرواية التي لا توغل بالقاريء في عالم السياسة وتفاصيلها الثقيلة الموجعة، لا توليها ظهرها كُلية بسهولة، بل تُلقي السياسة بظلالها بين ثنايا السرد، فنتعرف على العديد من ضحاياها في أكثر من عصر وأكثر من بلد.

فنجد أن الفضاء الزماني والمكاني أيضا مرتبكان أحيانًا ولا يعبران عن تواريخ ووقائع بعينها بقدر ما يعبران عن رموز واسقاطات على بشاعات وقائع تكررت في أكثر من مكان وزمان.

"ربما كان في درسدن وقوات الحلفاء تمطرها بالقنابل شديدة الانفجار، أو في بغداد بينما تُدك بصواريخ كروز وتوما هوك الجاهلة بهول ما تفعل، أو في مدينة مخترعة لحظة فنائها. لا يهم اسم مدينته أو موقعها، فكل المدن المنكوبة أثناء تعرضها لخطر الزوال، مدينة واحدة."

فها هو السارد على لسان آدم أو بقلمه "حيث كان يكتب رسالة لكاميليا" يتحدث عن لحظة بالغة العنف والأذى ولا يعنيه أين ومتى كانت بقدر ما تعنيه مشاعره ومخاوفه.

يظل الفضاء الزماني في حالة غدو ورواح بين عصور عديدة – وليس لحظات فقط- بشكل غير متسلسل بل وغير منطقي، فالزمان لا يعني الشخصيات "الرواة" عند الحكي، هو مجرد لحظات تطغى بقوة تأثيرها في لحظة معينة لا علاقة لها باللحظة الآنية التي تعيشها الشخصية، فكاميليا تستحضر لحظات تخصها قبل سفرها لبراغ بعدة أسابيع وهي جالسة أمام متحف كافكا، كما تستحضر طفولتها، في سياتل بعد ذلك بعام، وتستحضر أيضا لحظات شبابها الأولى وتجاربها الغرامية بتداخل متقن يعتمد على تأثير تلك اللحظات عليها بلا تسلسل يعتمد على المنطق إلا منطقها الشعوري الخاص، وهكذا جميع الشخصيات، ذلك الفضاء الزماني المشتبك الذي يتطلب من القاريء يقظة وحرص دائمين حتى يتمكن من فك خيوط تشابكه للوصول إلى زمن الحكاية واستخلاصها من داخل زمن الخطاب.

لا يختلف الوضع بالنسبة للفضاء المكاني، فهو الآخر متداخل ومرتبك وغير هام كثيرًا بالنسبة للشخصيات نفسها، فالرواة يستدعون أماكن عديدة تتداخل في وعيهم في لحظات بعينها، تحت تأثيرات نفسية وشعورية ربما تكون غير واضحة للقاريء دائما، فآدم "على سبيل المثال الذي قرر الكتابة لكاميليا يحدثها في رسالة قصيرة عن أماكن كثيرة معظمها متخيل وافتراضي وما يعنيه من كل ذلك هو تأثيرات المكان عليه أو دوره ككائن حي فيها، فهو يشعر أنه قد عاش العديد من الحيوات السابقة في العديد من الأماكن لم يكن فيها جميعًا رجلًا بل لم يكن فيها جميعًا إنسان.

حتى أنه يقول متحدثا عن نفسه: "لكن أفضل شذرات حيواته السابقة تلك الموحية له بأنه كان دودة قز يومًا ما، يتخيل نفسه دودة نهمة في براح من أوراق التوت الشهية، يلتهم الوريقات حتى لا يعود قادرًا على التنفس، ثم ينسج شرنقة من خيوط الحرير يختفي بداخلها، يا للهشاشة والجمال، وحده في دفء الشرنقة وظلامها ينتظر أن يختار له القدر أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ينبعث من شرنقته فراشة حرة قصيرة العمر تشتري حياتها بتدمير ما نسجته من جمال حريري، أو يسبقه صانع حرير ويغرقه وهو داخل شرنقته لا يزال، في ماء ساخن كي يتخلص منه وينقذ الخيوط الثمينة من التدمير. أي فداحة و أي بهاء متوارٍ خلفها!"  
وهكذا فإن الفضاء المكاني يتشكل لدى الأبطال بشكل يطغى عليه الخيال أو المتخيل بدرجة غير مألوفة، أو أن ذلك الفضاء جزء من أحلام بعيدة غير واضحة الملامح في كثير من مقاطع السرد، وإذا تحرينا الدقة فنحن أمام نوعين من الفضاء المكاني أو تشكله داخل السرد، فالأماكن التي ترتادها الشخصيات أو تتواجد فيها، قد يتحدث عنها الراوي بوضوح ودقة وتفصيل في بعض الأحيان مثل وصف بيت "آدم وروز" وحديقتهما على لسان "كاميليا" أو وصف فيلا "فريدة" كذلك على لسان كاميليا، أو بعمومية وتجريد مثلما سبق وأشرنا على لسان آدم في وصفه للمدينة التي ضربتها القنابل أو وصفه لتلك العوالم المختلفة التي يشعر أنه قد عاش فيها حيوات سابقة.

أما عن الخلفيات الاجتماعية لهؤلاء للشخصيات فهي متنوعة وإن كان من اللافت للنظر انتماء معظم الشخصيات لعالم الفن، أو على الأقل الانسحار بهالته، "فآدم، وكاميليا، وأولجا" ينتمون لعالم الكتابة، بينما "ساندور" لعالم الموسيقى و"فلاديمير" لعالم الفن التشكيلي، هذا الحضور الطاغي للفنون وتأثيراتها المنعكسة داخل السرد، ليس فقط عن طريق انتماء الأبطال لهذا العالم ولكن أيضا بحضور مباشر في لغة السرد التي تحيلنا لعالم الموسيقى والفن التشكيلي والسينما أيضا، فلدينا هنا دولت المسحورة بعالم السينما القديم والتي سمت ابنتها على اسم ممثلة أربعينية فاتنة، فقط لأنها كانت مسحورة بعلاقتها بأحمد سالم فتى أحلامها وأحد نجوم سينما الأربيعينات.
مع كل هذا الزخم الزماني والمكاني والشخوصي "تعدد الشخصيات" إلا أننا نظل أمام حكي مكتمل وبناء محكم، فنحن أمام عالم متداخل زمانيًا ومكانيًا، ولكننا أيضًا إزاء كاتبة استطاعت السيطرة الكاملة على حكيها المتشظي لتجمعه مرة بعد أخرى بمشاركة قاريء يقظ، فعقد المشاركة بين القاريء والكاتبة الذي أبرمته معه منذ كلماتها الأولى هو شريطة أساسية ومستمرة باستمرار السرد، فالسرد هنا، وبرغم تعدد خطوطه -حوالي أكثر من عشرة خطوط- إلا أنها جميعا تمضي واحدًا تلو الآخر في تناغم وتناسق لا يُرى بسهولة ووضوح ولكن يتم إدراكه في نهاية الأمر، فالمؤلف الضمني لا يغفل أحد الخطوط أو يتركه معلقًا أو ضائعًا وسط أحداث تخص خطوط أخرى، بل الجميع يوضع مكانه في فسيفساء السرد التي كان مُعد لها جيدًا عند التخطيط لكتابة الرواية وهو ما نرى إنعكاسه عند إتمام القراءة.

الرواة داخل السرد كثر، فقد تعددت أصوات السرد، أما عن الراوي فهو ليس ما يبدو في تلك الأحجية المحيرة، بل هو كما أتصور راوٍ عليم يكتب عن كل تلك الشخصيات بخطوط متداخلة ولكن ببناء محكم، فتلك الألعاب إنما هي لمراوغة الخيال، أما عن البناء السردي فيسيطر عليه مؤلف ضمني واعٍ بما يفعله، ولهذا أرجح  تصور أن هناك راويًا عليمًا يجمع كل هذه الخطوط المتشعبة من خيالات أولئك الرواة، سواء منهم من كتب أو تخيل أو حلُم بأي من هذه الأحداث، فنحن لا نعرف هل "كاميليا" هي التي حلُمت "بأولجا وساندور وفلاديمير"أم أن "أولجا" هي التي تتخيل "آدم وكاميليا وآميدا"، هذا غير كثير من الأحداث لا نعرف تقييم من هو راويها على وجه الدقة، فعلى سبيل المثال، نجد في رواية كاميليا عن زيارتها لبيت آدم وروز، حكاية تتعلق بكابوس واقعي وآخر داخل أحلام "روز"، روز زوجة آدم التي لم تتحدث كثيرًا لكاميليا بينما سيطر عليها الفضول تجاهها، ورغبة في التعرف على تلك الشرق أوسطية التي سمعت عنها من زوجها "آدم" ورسمت لها صورة ما في مخيلتها، ونحن مع "كاميليا" في زيارتها "لآدم وروز" نعرف عن  "روز" الكثير من ما لم تقم بالبوح به "لكاميليا"، فمن أين لها أن تعرف، نحن نعرف تلك الأحداث الخاصة "بروز" من خلال عرض عقلي من مخيلة "روز"، تستحضر فيه أجزاءً من طفولتها وكذلك أجزاء من أحلام مزعجة تطاردها، وهذا على سبيل المثال، لذا فأنا أرجح فكرة الرواي العليم الذي يمسك بخيوط اللعبة جميعها ويسد ثغرات السرد التي لا نعرف من هو راويها على وجه اليقين.

أما عن وظيفة الرواي أو الرواة فهم يقومون بوصف مشهدي ويعتمدون هذه الحالة أو الوظيفة السردية أكثر من غيرها لسرد الأحداث في عالم الواقع وعالم الحلم والمتخيل، فحتى العوالم الباطنية والمقتطعة من لا وعي الشخصيات أو مناطق شطحات خيالهم فإن السرد يتناولها عن طريق الوصف المشهدي للتعبير عن كل ما يعتمل داخل الشخصيات وخارجها.

وعن اللغة فقد جاءت عاطفية مشحونة بدفقات من الألم والحب والبغض والحنين إلى الماضي والهرب والخوف منه أيضًا، وكذلك كانت شاعرية في كثير من المقاطع "الأرض مختبئة تحت طبقات وطبقات من الجليد، والأشجار متشحة بالبياض، لم يبصر في حياته شيئًا أجمل من منظر الثلوج المتساقطة من السماء، حبيبات بيضاء بالغة الرهافة والرقة، يظل يراقبها وهي تغطي كل شيء، فيشعر بأسى لا يفهم سببه ولا مغزاه، يرسخ تساقط الثلوج وحدته حتى لو كان وسط المئات، ومع هذا أو ربما بسببه يعتبره الشيء الأحب إلى قلبه".

نلاحظ كم المشاعر التي ترتبط لدى الشخصية بحلول طقس معين وكيف عبرت الكاتبة بلغة مفعمة بالأحاسيس عن مجرد لحظة تمر بها إحدى الشخصيات، وقد كان الحال بهذا الشكل داخل السرد، فاللغة تعبر عن مكنون الشخصيات بمنتهى الدقة وبأسلوب تسيطر عليه المشاعر، كما انعكست فيها روح الفنون المختلفة ونفسيات أولئك الفنانين – فكثير من الشخصيات ينتمي لعالم الفن- التي تتميز بحساسية واضحة، كل هذا انعكس على لغة السرد فكانت ذات زخم شعوري وإبداعي واضح، حتى تلك الشخصيات التي لا تنتمي لعالم الفن، فقد تم التعبير عنها من خلال كاتبات مبدعات أو من خلال خيالهن الشاعري ما أعطى بعدًا شعريًا واضحًا على اللغة.

في النهاية أعتقد أن هذا الحكي المرواغ وتلك الحيل السردية يهدف من خلفها المؤلف الضمني لطمس فكرة الحقيقة المطلقة، ليس ذلك هدفًا لذاته بل وسيلة لإصباغ كل الأشياء بالنسبية، وإبداء عدم أهمية الكثير من الوقائع والأحداث الكبرى مقارنة بالتفاصيل الصغيرة، تلك التفاصيل التي ربما تغرق في ظلال التهميش واقعًا، والتي قد تكون من القوة والأهمية أكثر من غيرها، وهنا يأتي دور الفن في البحث خلف التفاصيل الصغيرة والأحداث المهمشة، التي تخص الإنسان الفرد أكثر مما تعني المجتمع، فالمؤلف الضمني هنا يحيلنا لعالم من التجريد على مستوى المضمون، حيث تكون الأماكن والتواريخ غير ذات أهمية، ويبقى الإنسان ومعاناته المتكررة في مختلف الأزمنة و الأماكن .

وبهذه الحيل التجريبية تضعنا الكاتبة أمام فسيفساء سردية لم يتم جمع أجزائها بعد، لنقوم مع المؤلف الضمني بعملية جمع الأجزاء، فنلاحظ تارة ونشارك أخرى في جمع أشلاء الحكايا المبعثرة بين عدة ساردين لا نعرف من منهم الأصل ومن منهم ظل للحقيقة المتوارية خلف ألعاب السرد التي تستمر حتى آخر سطور الرواية ناسفة كل ما قد قامت ببنائه طوال زمن الخطاب، فالأحداث والتفاصيل الصغيرة والدفقات الشعورية والأفكار الغير معتادة، هي جوهر الحكي بعيدًا عن ماهية السارد وهل هو أصل أم ظل في كل حالة من الحالات. وعلى أية حال فنحن أمام تجربة روائية مختلفة وملفتة نقديًا وإبداعيًا تستحق ولوج عالمها والبحث في جماليات الشكل والمضامين التي انطوت عليها.
نقلًا عن جريدة "القاهرة".. نوفمبر 2018.

Saturday, November 10, 2018

منصورة عز الدين: متاهات السرد



سومر شحادة

السبت 13 تشرين الأول 2018

تسعى الكاتبة المصرية منصورة عز الدّين في المتتالية القصصية «مأوى الغياب» («دار ممدوح عدوان» و«دار سرد») إلى تفكيك علاقة غامضة ومعقدة بين اللغة باعتبارها حاملاً لأنين عام، وساردها باعتباره حشداً من آخرين. تجيب عن تساؤلات شتى: كيف يتفاعل الكاتب مع نصهِ؟ وكيف يغيب خلفَ أدواته الإبداعية لينضج باللغة أو عبرها؟ 

يُنشِئ عقلٌ «مولع بالتيه» مدينة مشيدة من الكلمات، سكانها كتّاب متألمون وحالمون، أصحاب عقول مراوغة وذاكرة انتقائية تجنح لما صنع بالخيال، يحدس سكان هذه المدينة ببعضهم البعض، وكانوا قد اختبروا هلع مدنٍ هالكة وواقعية. تصنع عز الدّين لأولئك ملجأً وهمياً، بلا ماضٍ، لأنّه «لا يتقدم إلا بمحو ماضيه». ما جعله لا ملجأً وهمياً فحسب، بل ملجأً آنياً يُعزّز بصورة دائمة من خلال كتابة متواصلة، عبر ظلال كلمات وتأويلات وانفعالات مع نصوص، لتبدو الكائنات التي حشدتها عز الدين مصابة بما يمكن تسميته عوزاً للكتابة.
فهي من غير الكتابة مجرد «كائنات ناقصة». تبتكر كائنات عز الدين ذواتها على نحو مؤلم ومجازي، ثم تشكل عالماً ينبع من هذه الذوات، عالماً يصعب لحاق وهجهِ، رغم كونه انقطاعاً عن أي تصور مألوف للعالم، إلا أنّ الواقع يطلّ في صور معذبة وموحية ومكثفة، فيما روايات وملاحم قديمة تشكل المرجعية الأولى للتصورات كافة. إلا أنّ واقعاً مهدوراً يشف من بين الصفحات، نلمحهُ في مشهد شخص يُقتَل وهو يهتف بحياة الآمر بقتلهِ، في موت لا يرقّ أمام توسلات الحياة في عيون الأطفال، ومشهد رجال ونساء يتشبّثون بجذوع الأشجار علّها تنقذهم من جوع وعطش يفتك بهم، وفي امرأة بائسة فقدت أبناءها تحت الأنقاض. بهذا أنعشت عز الدين كثيرين في كيان واحدٍ؛ تحركه رغبة مؤرقة بمرافقة «المتروكين». بالتالي، نجد كتابتها استدعاءً لتاريخ جمعي غائم. إذ تستخدم الكتابة أداةً لترميم «حطام الأحداث والبشر». تنفي وجود جغرافيا بريئة من الفجائع، وتمنح نصوصها لأصوات تتردد في أصقاع الخوف والاغتراب والذهول. تضمر النصوص مشقة عقليّة لكائن متعدٍ على أدوار ما يحيط بهِ، يعاني من حساسية بالغة تدفع بهِ إلى أن يُنطِق الأشياء، يتنوع ويتعدد بتعدد الرؤى التي يرميها على الوجود، كأنّ في ذلك تأكيداً على «تلاشي الذات» في ذوات العناصر وفي آفاق المخيلة. إذ يخلق خصوماً ويَدّعي نشوب معارك بينه وبينهم، تتداخل هيئات افتراضية حداً يقود الكائن إلى التعثر في ذاتهِ، حد ضياع الحدود والتماهي مع خصومِ افترضهم ثمّ سرق ملكاتهم. عبر سلسلة اختلاقاتٍ مرتبطة بعملية الكتابة ذاتها، بدت الكاتبة كأنها تسعى إلى جعل واقعها الغريب حياً ومثيراً؛ تشيّده بتسميات ثمّ تملأ هذه التسميات بالمعاني وتمنحها وظائف تركيبية متصلة. هكذا تتوالى القصص وتتوالد من بعضها. تنقل «الرائي» بين واحة التيه وقلعة الشمس ثم تظهره في ظلال حلمٍ قديم، وتحاول باستخدامه فهم المبدع، الذي لا يأبه بتقييم الآخرين لهُ، ليظهر بصيغة معزولة، يلتحم بموضوعهِ، وينتمي بشكل كامل إلى اللغة. يتساءل القارئ حيال الشقاء الذي يسم عوالم الكاتبة، متذرعةً بالشك، ومأخوذة بالتضليل، يجد القارئ نفسهُ أمام تهيؤات وخداع ماكر، يبحث عن عالم يشبهه، لتخرج عز الدين أحاديث عن أناس منذورين للغياب، عن قتلى وعن غرباء. عبر هذه المناخات، يصبح هذا اللجوء اللغوي العسير مفهوماً، ويتوضح للقارئ أنّ كلّ ما يجده ما هو سوى قالبٌ صلدٌ ومتلبّد ابتدعته الكاتبة، كي تحكي أفكارها عن الكتابة والناس، عمّا تراه وعما يتسرب إليها من قراءات وذكريات مبهمة. وفي سعيها، كانت تواري الحياة ثمّ ترتّد لإظهارها وإخراجها من «ممالك الفناء».


هكذا راحت الكلمات تظهر وتتعاقب إمّا على شكل هاوية أو مرساة. تحاول عز الدّين في قصة «ربة الطلاسم» تفسير الألغاز التي تراكمت انطلاقاً من هذه التسمية. تظهر ربة الطلاسم الربة «الآبقة الخطّاءة» التي تنتظر «رائياً حقيقياً» يخلصها من متاهات السرد العصيّة. إنّ اقتفاء آثار ربة الطلاسم هو خلاصة الرحلة التي تمثلها المتتالية القصصية. وعبر هذه الملاحقة التي لا تتم سوى بمحو الأثر، والانتماء إلى ما تصوغه الكلمات، وإلى ما تجترحه المخيلة على نحو أكثر جمالًا من أية حقيقية مجسدة، ترشح تلك الروح الواحدة التي تبحث عن كمالها. روح تسعى إلى التعرف إلى ذاتها لا إلى إصلاح العالم في غمرة شعور عام بالخسارة. 


أرادت عز الدّين تعتيق غربتها من دون كلل، وأرادت من الكتابة أن تكون «تغييباً للصوت» في فضاء لا سبيل للتيقن من شيء فيهِ، ليصبحُ «الطريق الموصل لكل ما هو جوهري في الكون يمر عبر التحديق في الداخل». تخبر القارئ أنّ «اللغة قناع، والكلمات فخاخ والمسميات خديعة» وأنّ الأحداث والتحولات تحدث داخل الوعي، لتقتصر الكتابة على سحر الإخفاء، فالجميع يهرب من أفكاره إلى عوالم الآخرين، كأنّ عز الدين وهي تكتب عن الربة المستحيلة، كانت تدفع بصورة تلك المرأة التي تقبع في القبو خائفة إلى الغياب في مأوى من الخيال والوهم والعزاء.

نقلاً عن ملحق كلمات، جريدة الأخبار اللبنانية.

Saturday, July 14, 2018

محمد البساطي: كاتب الظلال والآثار المراوغة




منصورة عز الدين

في منتصف التسعينيات قابلت محمد البساطي لأول مرة.
كنت لا أزال أدرس الصحافة في الجامعة، لكن الأهم أني كنت قد قرأت كل كلمة كتبها حتى تلك اللحظة. مدفوعة بحبي لكتابته اقترحت إجراء حوار صحفي معه لنشره في جريدة "صوت الجامعة" التي يصدرها، بشكل غير منتظم، قسم الصحافة بكلية الإعلام.
أعطاني أستاذي رقم هاتف البساطي واثقاً من أن أديباً معروفاً مثله لن يضيِّع وقته الثمين في حوار سوف يُنشر في إصدار لا يسمع به إلاّ مئات من طلبة جامعة القاهرة، لكن المفارقة أن البساطي -لهذا السبب تحديداً- وافق فوراً على تحديد موعد سريع معه.
أخبرني عندما التقيته مع زميل على مقهى "زهرة البستان" أنه متشوق لمعرفة كيف يرى طلبة الجامعة كتابته. وقال، من بين أشياء أخرى، أنه يهتم بحوار كهذا أكثر من اهتمامه بالوصول إلى أكبر الصحف انتشاراً في العالم.
بدا وقتها مندهشاً من قراءتنا له، ومعرفتنا بأدق تفاصيل أعماله، كأن اهتمام القراء غير المتوقعين، يخجله ويجرح تواضعه ورؤيته لنفسه كمبدع بعيد عن الأضواء ودوائر الصخب.
منذ ذاك اليوم البعيد بدأت معرفتي به إنساناً نبيلاً لا يساوم على ما يؤمن به، بعد أن عرفته -قبلها بسنوات قليلة- كاتباً صاحب بصمة فريدة بين أقرانه من جيل الستينيات.
وهي الفرادة التي أكد عليها إبراهيم أصلان حين قال إن البساطي مثَّل جسراً بين "القصة الواقعية التي كانت سائدة قبلنا وبين النقلة التي أحدثناها كجيل".

كتب محمد البساطي عن القسوة بحنان، وعن العنف والوحشة بشاعرية. عوالمه الفنية قاسية موحشة، وعزلة الفرد فيها كأنها قدر لا فكاك منه، لكن هذه العوالم للمفارقة تفيض بعذوبة قلما نجدها لدى كاتب آخر.
كان كأنما يكتب بممحاة، ويعتمد على الحذف أكثر من الإضافة. يهندس أعماله بدقة مفجراً شعريتها عبر الحوار الخفي بين عناصرها. لغته المقتضبة المتقشفة ظاهرياً تحمل شحنة شعرية عالية. كل مقطع مشهد بصري يدفعنا لرؤية صور تتحرك أمامنا كلوحات تشكيلية أو مشاهد متتابعة في فيلم سينمائي. كأن صاحب "صخب البحيرة" يصالح بين الفنون في سرده محملاً الكلمات بإمكانات الصورة واللون والصوت في آن.
احتفى البساطي في كتاباته بالصمت، بما لا يقال، كأنما يدرب القارئ على شحذ تركيزه لمتابعة أدنى خلجات الشخصية الفنية وتعبيراتها وحركات جسدها لأن في هذا يكمن الكثير من مفاتيح العمل.
اختار من الضوء ذاك الضعيف الذي لا يكشف شيئاً، ومن الصوت همسات الليل الخافتة تلك التي تحتاج إلى شحذ حاسة السمع للإمساك بها، ومن الأحداث تلك التي لا ينتبه إليها الآخرون ويظنونها محض لا شيء.
وفي تقديري أنه لم يكتب عن الضوء بل عن ظلاله، لم يكتب عن الصوت بل عن أصدائه في النفس، ولم يكتب عن الحدث قدر كتابته عن آثاره المراوغة وغير الملموسة.

صُنِفت كتاباته في معظمها ككتابة ريف، غير أن الريف عنده ليس كما ألفناه، إذ نجد أنفسنا في كثير من أعماله أمام مكان تخييلي يقف على التخوم بين الواقعي والغرائبي. ما يسم المكان في كتاباته تلك الوحشة والعزلة كأنما هي أماكن منقطعة عن العالم منذورة للنسيان والهجر على حافة الوجود وهامشه.
أبطال البساطي ماكرون لا يستسلمون لعواطفهم، يواجهون أقداراً صعبة وحيوات خالية من الأحداث الكبيرة بلا شكوى أو ضجيج. يقاومون واقعهم الخشن بخشونة مماثلة وبأقل قدر من الحنين أو الانفعال، وفي هذا تحديداً مكمن تفردهم كشخصيات فنية تنحفر في الذاكرة وتدفع القارئ للتفكير مراراً في دوافعها الخفية.

حين كتبت قبل عام في جريدة السفير عن إصابته بسرطان الكبد، راعني ما كتبت بعد نشره. فوجئت وأنا أعاود قراءته أن ثمة فقرة مكتوبة بصيغة الماضي. إحساس يشبه الخيانة تسرب إلى نفسي. كنت كأنما أودعه، بلا وعي مني، رغم أن ظاهر كلماتي وهدفها كان التشبث بأمل شفائه وحثه على البقاء بيننا متحدياً الوحش الذي استوطن كبده في غفلة منه.
لحسن الحظ لم ينتبه إلى هذا وقتها، اتصل بي يشكو ضاحكاً من كم المكالمات الهاتفية التي تلقاها من خارج مصر. بدا طفلاً سعيداً يخجله أن ينال هذا الاهتمام رغم استحقاقه لأضعافه. لحظتها تذكرت دهشته في لقائنا الأول، من أن له قراءً بين طلبة الجامعة، تلك الدهشة التي حافظ عليها دوماً وتمسك بها تمسكه بسخريته الذكية حتى في أصعب اللحظات.
مع رحيل الأصدقاء نشعر أن جزءاً منا قد رحل معهم، تسرب وتلاشى تاركاً الذكريات لتحل محله. هذا ما أشعر به الآن إضافة إلى شعوري بالعجز عن الكتابة عن البساطي كما أرغب، إذ أواجه مشكلة حقيقية في الكتابة عن موت المقربين مني. إزاء موتهم أصاب بخرس لا علاج له. سنوات مضت على رحيل جودة خليفة ولم أستطع الكتابة عنه، وها هو الأمر يتكرر مع رحيل البساطي.. أجد كل الكلام (كلامي تحديداً) مبتذلاً في مواجهة الموت.

نُشِرت في ملحق "نوافذ" بجريدة المستقبل اللبنانية في يوليو 2012.

Sunday, June 17, 2018

منصورة عز الدين: مأوى الغياب






العنوان الفرعي لهذا العمل، من القاصة والروائية المصرية منصورة عز الدين (صاحبة «ضوء مهتز»، «نحو الجنون»، «جبل الزمرد»، وراء الفردوس»، و»أخيلة الظل»)، يشير إلى «متتالية قصصية». إنه، بالتالي، يفتح السرد على امتياز التعدد (في الموضوعات والشخوص والأمكنة والأصوات)، ولكن ضمن التتالي (الذي يحيل، بدوره، إلى صيغة تعاقب غير مشدودة الوثاق، عن سابق قصد فني بارع). لا تكتفي عز الدين بهذا المسار، الشاقّ لتوّه، بل تذهب به إلى منطقة  إسباغ الفانتازيا على متخيلات مكتسية أصلاً بالغرابة؛ في مستويات الشعور والسلوك والتواصل والتفاعل لدى البشر، أسوة بحركة الرموز والمعاني المتلاطمة في عناصر الجماد والكائنات والطبيعة.
هنا فقرات من نصّ بعنوان "أوديسا الفراغ":   
"أول وآخر ما أتذكره أنه في مكان ما في هذا العالم المخاتل كان ثمة جبل وغابة وبحر، وأنني تهت بينها. لا أعرف أصلاً إن كنت أنا الشخص نفسه الذي وقف حائراً للحظات بين الخيارات الثلاثة. أو ربما أنا إياه، لكن هذه الذكرى برمتها محض اختلاق، وسرعان ما ستتلاشى كما تلاشت أمنيتي الحارقة بالانقسام إلى ثلاث ذوات تتجه كل واحدة منها وجهة مختلفة للأخرى، قبل التلاقي عند نقطة ما، والاندماج في كيان واحد محمّل بخلاصة خبراتها ومشاهداتها، حتى إنْ لم يعِ تفاصيل ما مرّت به الذوات المكوّنة له.
فيم كنت أفكر لحظتذاك؟
ربما رجوت أن يكون ما أراه أمامي سراباً، ولهذا فقط بزغ اسم "جنية السراب" في ذهني متحدياً اعتلال ذاكرتي ومتغلباً عليه. صارت تلك الجنية فجأة هاجساً مستحوذاً عليّ. انبعثت أمامي كطيف لا يمل من خلق نفسه وتبديدها قبل إعادة خلقها من جديد. بدا كل ما يخصها ساطعاً في ذاكرتي وسط محيط شاسع من النسيان".

دار ممدوح عدوان، دمشق ـ دار سرد، بيروت؛ 2018.


نقلاً عن جريدة القدس العربي