Thursday, May 26, 2016

حكايات تْشابِك ومفارقاته





منصورة عز الدين

وأنت تقرأ مجموعة "حكايات بين جُعبة وأخرى" للكاتب التشيكي كارل تْشابِك، ستخطر في بالك أسئلة وأفكار كثيرة حول الزمن والكتابة. مثلاً، ما الذي يجعل كاتباً ما ابن عصره فقط وكاتباً آخر عابراً للعصور ومتجاوزاً لزمنه ووطنه ولغته؟
حكايات تْشابِك صدرت لأول مرة عام 1929، ومكتوبة بأسلوب بسيط تقنياً؛ لا حيل ولا ألاعيب فنية أو بنائية، لكن ما يضفي عليها مسحة مقاومة للزمن سخريتها الذكية ورؤيتها الإنسانية بالأساس.
الطرافة هنا سيدة الموقف، والمفارقات الساخرة حاضرة على الدوام. الحكايات، التي تطغى عليها الكوميديا وخفة الظل، حافلة أيضاً بالتأملات والأفكار الفلسفية، كأن تْشابِك لم يكتب حكاياته إلّا ليطرح عبرها تأملاته عن الحياة والناس.
تقرأ، فتشعر أنك أمام كوميديا أخطاء وحماقات من نوع ما. تتذكر المثل اليهودي: "الإنسان يفكر والإله يضحك"، وأنت تنتقل من قصة لأخرى، غير أن الكاتب لا يحوِّل شخصياته إلى كاريكاتير ولا يسخر منها، بل يتأمل حماقاتها بتفهم إنساني موحياً لقارئه، دوماً، بأن الأشياء ليست كما تبدو، كأنما يقول له: أعِد النظر! دقق في التفاصيل! غَيّر زاوية الرؤية، وسترى حينها شيئاً مختلفاً عمّا خرجت به في المرة الأولى.
عنون الدكتور لوبوش كروباتشك، الأستاذ بجامعة تشارلز ببراغ، مقدمته القصيرة للكتاب بـ"كارل تْشابِك وحكاياته البوليسية"! والحقيقة أن الحكايات ليست بوليسية على الإطلاق، وربما لو لم توجِّه المقدمة انتباه القارئ نحو رؤية الحكايات كحكايات بوليسية لما اهتم القارئ بهذا الجانب، ولَنَجَت القصص من هذا التصنيف الضيق والمُبتسِر لها.
صحيح أن في معظمها حادثة أو جريمة، كما أن هناك – على الدوام – رجال بوليس ومحققين وقضاة، لكن الجريمة نفسها ليست بؤرة اهتمام الكاتب، خاصة أن المجرم نفسه مغيَّب في كثير من الحالات. ما يهم تْشابِك هو ما يحيط بهذه الجرائم أو ما قد تمثله له من فرصة للتأمل في سلوكيات البشر وشرورهم الصغيرة. وكثيراً ما تتحول حادثة ما إلى لحظة إشراق للبطل، ففي قصة "اعتداء بهدف القتل"، كانت الطلقة التي اخترقت النافذة الواقعة فوق رأس السيد تومسا مناسبة لإعادة النظر في حياته كلها، فبعد أن قال لمفتش البوليس أنه بلا أعداء، تساءل: "لماذا يطلق عليّ أحدهم النار؟"، ثم بدأ يستدعي كل من أخطأ في حقهم ولو أخطاء عابرة، ليصل في النهاية إلى أن من قد يكرهونه من الكثرة بحيث يصعب حصرهم. هذه الخلاصة احتاجت منه فقط أن يغير زاوية النظر لماضيه، وهذا لم يكن ليحدث لولا الرصاصة الطائشة.
تغيير زاوية النظر هذا يحدث بشكل هزلي في قصة "أسرار الكتابة"، حيث يرسم محلل الخط جنسن صورة مظلمة لزوجة البطل من خلال تحليله لخطها، فيبدأ الزوج – الذي عاش مع زوجته في سعادة لعشرين عاماً - في تفسير أبسط كلماتها وأكثرها تلقائية انطلاقاً من تحليل جنسن المتحامل عليها.
الهوس أيضاً حاضر بقوة في حكايات تْشابِك، فكثير من الشخصيات علاقتها بالأشياء هوسية، من هوس بكشف لغز طبعات الأقدام على الثلج، إلى هوس بالسجادة الفارسية أو بالأقحوان الأزرق أو حتى بتجويد الخبز دون الحاجة لذلك. هوس بشري جالب للابتسامة، التي لن تفارق القارئ طوال قراءته للكتاب، بل قد تتحول أحياناً إلى ضحكة مجلجلة في بعض القصص، مثل قصة "شاعر"، و"إبرة" و"أسرار الكتابة".
"حكايات بين جُعبة وأخرى" لكارل تشابِك عمل جدير بالقراءة والاهتمام، وقد صدرت طبعته العربية مؤخراً عن منشورات المتوسط، بترجمة أنجزها عن التشيكية مباشرة المترجم الفلسطيني برهان قلق.


* زاوية "كتاب".. أخبار الأدب.

Thursday, May 19, 2016

ماضي جراس ومزالق السياسة



منصورة عز الدين

حين قرأت ترجمة حسين الموزاني لرواية جونتر جراس "الطبل الصفيح"، وقت صدورها عام 2000، اندهشت كيف تأخرت ترجمة رواية مهمة كهذه إلى العربية كل هذا الوقت! وحاولت تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو سبقت ترجمة "الطبل الصفيح" - الرواية ذات الحمولة المعرفية والفلسفية العالية - ترجمات أدب أمريكا اللاتينية، خاصة أعمال ماركيز، إلى العربية!

كنت مأخوذة بالعمل؛ بسخريته السوداء القاسية، وبشخصياته التي لا تُنسَى، وبالأساس بنكئه جراحاً كانت لا تزال حيَّة نازفة، في الوعي الألماني، دون مواربة أو تنصل من المسئولية الجماعية، ودون تضحية بمقتضيات الفن ومتطلباته.

ثم تضاعفت دهشتي حين تحدثت عن الرواية مع آخرين، واكتشفت أن معظمهم إما لم يستطع إكمال قراءتها أو قرأها ولم تعجبه! دهشة مماثلة يعبر عنها الكاتب والمترجم سمير جريس في كتابه "جونتر جراس ومواجهة ماضٍ لا يمضي"، الصادر مؤخراً عن دار الكتب خان، ويعد مرجعاً مهماً لكل من يرغب في الولوج إلى عوالم الروائي الألماني الكبير، والاقتراب من وجوهه المتعددة المركبة.

غير أن سمير جريس لا يتوقف عند الدهشة والأسئلة، بل يقدم أجوبة نابعة من كتابة جراس نفسها ومن مستوى ترجمات أعماله للعربية، وهو إذ يفعل هذا، يتجاوز جراس، رغم أنه موضوعه وبؤرة اهتمامه، ليتأمل مشكلات الترجمة إلى العربية عموماً، واستهانة دور النشر العربية بدور محرر الترجمة، واستسهالها الترجمة عن لغات وسيطة، كما يستعرض جريس تأملاته الخاصة حول إشكاليات التلقي، وهو يتفحص اللامبالاة التي استقبل بها القراء العرب أعمال جراس، و يتوقف أمام ميل المثقفين العرب إلى التعامل مع جراس كرمز - تقديراً لمواقفه السياسية التي قد لا يفهمون خلفياتها تماماً - عوضاً عن قراءته ككاتب.

لكن أهم ما أثاره الكتاب من أفكار، من وجهة نظري، يتمثل في تأثير السياسة والانتماءات السياسية على موهبة كبيرة حد تشويش رؤيتها أحياناً، بحيث تسقط في مزالق الخطابية والمباشرة، رغم أن صاحبها كان قد قدم في السابق أمثلة مبهرة في الانتصار للفن وتطويع القناعات السياسية لمقتضياته.

أثناء قراءة كتاب سمير جريس عن جراس، لم أتوقف عن المقارنة ورؤية واقعنا الثقافي في مرآة الواقع الثقافي الألماني. لفت نظري مثلاً، أن يصل الأمر بالناقد الأدبي مارسيل رايش-رانتسكي إلى أن يظهر على غلاف مجلة "دير شبيجل" وهو يمزق رواية جونتر جراس "مجال شاسع" كتعبير عن رأيه فيها! يرى جريس محقاً أنه عند هذه النقطة كانت المعركة "قد خرجت من دائرة الأدب والنقد إلى حيز التشهير والتجريح، بل إن البعض اعتبر ذلك "شنقاً علنياً" للكاتب".

لكن من جهة أخرى، ثمة جانب إيجابي للأمر، فعبر هذا المثال وأمثلة أخرى وردت في الكتاب، نكتشف أن الشهرة المبكرة لجراس لم تكن ضمانة لنجاحات نقدية مؤكدة، ففي حالة وجود نقد حقيقي، لا تعد الشهرة ولا المكانة عاصماً لأعمال الكاتب من النقد والتدقيق والتمحيص، المشوب بالتحامل أحياناً، وفي هذا علامة صحية مقارنةً بشيوع المجاملات النقدية عندنا والخضوع لسطوة الأسماء اللامعة بغض النظر عن المستوى الفني لما يكتبه أصحابها.

نقطة أخرى توقفت عندها، هي العواصف التي تعرض لها جراس في الستينيات، بسبب اتهام التيار المحافظ له بالبورنوجرافية والخلاعة؛ والتي وصلت حد أن أصبح جراس "كاتباً إباحياً" بحكم محكمة، ومع هذا لم تُمنع كتبه أو تُسحب من الأسواق.


"جونتر جراس ومواجهة ماضٍ لا يمضي" كتاب مهم، يُعرِّف بأحد أهم كتاب القرن العشرين، ويقدم إطلالة مزدوجة على الثقافتين الألمانية والعربية.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب".

Thursday, May 12, 2016

آورا: قصيدة قوطية






منصورة عز الدين


في روايته القصيرة البديعة "آورا"، وعبر اللجوء إلى ضمير المخاطب، ينجح كارلوس فوينتس في وضع مسافة مطلوبة بين قارئه وبين شخصياته؛ مسافة تكرِّس حس الغرابة وتوحي للقارئ بأنه يتابع مشاهد تتالى أمامه على سطح مرآة يكسوها بخار الماء، ما يسم العمل بملمح شبحي يتلاءم مع جوه الملتبس.

في "النوفيلا"، الصادرة عن قطاع الثقافة بأخبار اليوم بترجمة لصالح علماني، يقترن الحب بالموت والشباب بالشيخوخة على نحو فاتن، ويخطو فوينتس على حافة أدب الرعب والتشويق دون التنازل عن شعرية اللغة والعالم.

يقرأ فيليبه مونتيرو إعلاناً يطلب مؤرخاً شاباً لآداء مهمة مقابل مبلغ مرتفع، يبدو الإعلان كأنه موجه له شخصياً، فيقرر – في النهاية - الذهاب إلى العنوان المذكور، حيث السيدة كونسويلو؛ أرملة جنرال رحل قبل ستين عاماً، وابنة أختها الشابة "آورا"، ويعرف أن المهمة المطلوبة هي تدقيق مذكرات الجنرال الراحل وإعدادها للنشر.

بنعومة شديدة يسرِّب لنا فوينتس منذ جملته الافتتاحية، أن ثمة غرابة ما تكتنف المسألة برمتها، فمن المفترض أن مركز المدينة القديم غير مأهول بالسكان، والبيت شبه مظلم دائماً باستثناء أضواء مخاتلة تتلاعب بوعي البطل. في الأركان تسرح الفئران، وعبر كوَّة في الحائط يراقب فيليبه قططاً تلتهم النار أجسادها، في الحديقة الخلفية!
وحين يلتقي بالعجوز كونسويلو لأول مرة ويمد يده نحوها، لا يلمس يداً أخرى، بل أرنبها الأليف "ساغا"، فنتهيأ لفكرة أنه على وشك ملامسة الوهم، وملاحقة سراب ما.

ينتبه فيليبه إلى محاكاة "آورا" لحركات السيدة كونسويلو، كأن الأولى مجرد انعكاس للثانية في مرآة سحرية تمحو أثر الزمن وتعيد الشباب، لكن لاحقاً ثمة ما يشير إلى أن آورا قد تكون المرآة نفسها لا مجرد انعكاس يخلِّد وهم الشباب والجمال لدى العجوز المسكينة: "آورا سجينة كمرآة". كما أننا في لحظة ما، لا نقدر على تمييز أي المرأتين الأصل وأيهما الانعكاس في لعبة المرايا البارعة هذه، فحين تذبح "آورا" جدياً وتسلخه، يُفاجَأ فيليبه بأن العجوز، في غرفتها، تحاكي حركات الشابة، كأنها تسلخ حيواناً لا مرئياً.

تيمة القرين مركزية في كتابات فوينتس عموماً، وهي هنا لا تتوقف عند المرأتين، ففيليبه حين يرى الصور القديمة للعجوز وزوجها الجنرال، لا يكتشف فقط أن المرأة في شبابها هي نفسها آورا، بل يُفاجَأ  بالتدقيق في وجه الجنرال بأنه ينظر إلى نفسه في مرحلة عمرية متقدمة!

هذا الاكتشاف المدوِّخ يمنح جملة: "ستتعلم الكتابة بأسلوب زوجي." - التي قالتها كونسويلو له في البداية – دلالات أخرى: سيحل زوجي فيك! أو أنت هو، وهو أنت! هو الغائب؛ الحاضر دوماً حتى على مائدة الطعام المعدة، باستمرار، لأربعة أفراد لا ثلاثة، كأننا أمام مربع لا نرى سوى ثلاثة من أضلاعه.

في "آورا" يوجه فوينتس، الكاتب الإندروجيني بامتياز، صفعة لأسطورة الرجل المهيمن؛ فالمرأة هنا تسيطر على خيوط اللعبة، أما الرجل فمُتحكَّم به، عالق في فخ لا يفهم أبعاده. لذا من الطبيعي أن يبدأ الكاتب المكسيكي عمله باقتباس من جول ميشليه، يقدم المرأة باعتبارها "أم التخيل، أم الآلهة".


ربما تكون "آورا" أجمل عمل أدبي مكتوب بضمير المخاطب، كما أنها تُذكِّر - على نحو ما - برائعة كاواباتا "منزل الجميلات النائمات"، إذ رغم اختلافات لا تُحصى بين العملين، تجمعهما الرهافة نفسها، والدخول إلى بيت لا يشبه غيره، وثنائية الشباب في مواجهة الشيخوخة، كما أن كلا العملين أشبه بقصيدة موجزة ومحكمة؛ وإن كانت "آورا" قصيدة قوطية تخطف الأنفاس!

زاوية "كتاب"- أخبار الأدب.

Wednesday, May 11, 2016

The Uncanny Reader







Rebecca Nesvet


The vashta Nerada, detectible only as the dread doppelganger of one's shadow. The leaden Maltese Falcon, taunting its absent double's coveters on both sides of the grave. The tell-tale heart. These are not merely monsters, motifs and Macguffins, they are uncanny. Strange, eerie, unnerving, and yet quotidian, it's the storytelling that envelops them that creates the sense of unease, the horrific recognition, the solution to the mystery - or its opening salvo.

The uncanny doesn't always permeate the crime genre, but when it does, it takes over: 'a kind of viral strain' more than a 'genre', as Marjorie Sandor, puts it. Sandor's new anthology, THE UNCANNY: STORIES FROM THE SHADOWS, draws together examples of this strain from a variety of genres, ranging from the eighteenth-century European Gothic to nineteenth-century realism, the crime story, and even the postmodern fable. Sandor's global selection of stories will inform, delight, and, yes, unnerve both seasoned aficionados of the uncanny and those who need Sandor's short etymology and history of it.

For the reader new to the uncanny, Sandor provides accessible, engaging translations of seminal works including Ernst Theodor Amadeus Hoffmann's 'The Sand-man' (inspiration for The Cabinet of Dr. Caligari and textbook example of the doppelganger) and Anton Chekhov's 'Oysters'. Classic horror writers such as Poe and Shirley Jackson make appearances, but not with their most canonical works. Instead, we confront Poe's 'Berenice' and Jackson's 'Paranoia', both unjustly neglected by anthologists, as well as H. P. Lovecraft's engaging 'Music of Erich Zann', which shows Lovecraft at perhaps his least misanthropic and xenophobic. (Don't think too hard about Zann's ethnicity.)

A few key authors seem to have been left out. Sandor cites James Hogg (The Private Memoirs and Confessions of a Justified Sinner, 'The Mysterious Bride') in the introduction, but includes no fiction by him. Mary Shelley is absent. However, several of her most neglected and imaginative short stories fit the bill, among them the doppelganger-fable 'Transformation', the time-travel fragment 'Valerius, the Reanimated Roman', and 'The Mortal Immortal', which squarely confronts, via magic and metaphor, the uncanniness of aging and of the aged woman to the young man. Eerie, succinct Jorge Luis Borges is not there, nor is Victor Séjour, the first African-American to have a short story published. That story, 'Le Mulatre (The Mulatto)' examines in horrific terms the uncanny bond between a slave and master who are, as they all too often were, alienated son and father.

If these are significant omissions, Sandor more than makes up for them by introducing readers to a world of lesser known but mainly brilliant commanders of the uncanny, in intellectually accessible and respectful translations. In general, the translations of this anthology's non-Anglophone writers include few foreign terms and no deliberate exoticism, with the effect that the only alienation involved is the uncanny elements. This is fantastic, because it lets the translated authors shine - arguably, brighter than the Anglophone ones. This reader's favorite discoveries are by the postmodern Egyptian writer Mansoura Ez Eldin. A journalist and novelist, she contributes 'Gothic Night', a tale that's almost a prose poem, told in the very Gothic convention of deliberate fragmentation, which completely belies its apparently self-explanatory title. It's also a fable with more than one interpretation. It rises to mythopoesis, and makes this reader want very much to read Ez Eldin's award-winning novels, not all of which have yet been translated into English. Uruguayan Felisberto Hernández is also helpfully included, not only for the brilliance of his Kafkaesque tale 'The Usher', but because he is, as Sandor points out, a major influence upon writers ranging from Italo Calvino to Gabriel Garcia Márquez. Another highlight, Zambian C. Namwali Serpell's 'Muzungu' critiques the alienation from self, culture, and family of a young African girl raised in her continent by white functionaries. In this story, nothing is more uncanny than colonization and its ghostly aftereffects, and no power is more supernatural than that of language. These are observations that THE UNCANNY READER proves true, over and over.


THE UNCANNY READER
by Marjorie Sandor, ed.
St. Martin's Griffin, March 2015
561 pages
$21.99
ISBN: 1250041716


§ Rebecca Nesvet is an Assistant Professor of English at the University of Wisconsin, Green Bay. She specializes in nineteenth-century literature.


June 2015

Via: reviewingtheevidence.com


Sunday, May 8, 2016

عيون محدقة في الفراغ





 منصورة عز الدين


أهو موجود حقاً؟ ذلك الولد الذي قابلته خمس مرات على الأكثر وأحادثه تليفونيا مرة كل أسبوع. أحرص على وضعه في ركن قصي من ذاكرتي، وأتحدث عنه كما أتحدث عن شخصية قصصية، وأرتعب حين يذكرني أحد معارفه بوجوده الواقعي.

أتأمل الجدران العارية لحجرتي الضيقة، وأختلس نظرات قلقة للمرآة، ثم تتجه يدي بلا وعي للهاتف، أرفع السماعة، وأضغط على سبعة أرقام أحفظها جيداً، أُطمئن نفسي بأن ما من صوت سوف يرد، لكن ابتسامتي تتلاشى، وأكاد أتوقف عن التنفس حين يأتيني صوته بلكنة أقرب للسوقية:
-         آلو.
-         ..............
-         آلو.. آلو.
-         .............
-         رد يا حمار!

في فندق أربعيني بوسط البلد رأيته مع مجموعة من أصدقائي، قال إنه يعرفني منذ وقت بعيد للغاية، وإنه ينتظرني منذ أن سمع باسمي، وابتسم بغموض، فعرفت أن ثمة قصة غريبة تنسج خيوطها، وشعرت بخوف من الثقة التي يتحدث بها.. تلك الثقة التي تبدو وكأنها تنبع من امتلاك الغيب.

الولد الذي انتظرني طويلا، أخبرني أن لي عينيّ نمرة متوحشة وعقلية قناص، فتذكرت صورة النمر التي أهداها لي أبي في عيد ميلادي التاسع، وتمرينات التصويب ببندقيته القديمة.
بعد دقائق انسحبت والولد. سرنا في الشوارع وأنا أحمل باقة ورود حمراء اشتراها لي، بينما يحكي هو عن لحظات رائعة عاشها وأخرى يتوقعها. كنت أشعر بخفة لا نهائية، واشتهي الرقص تحت الأضواء في ميدان واسع خالٍ تماماً، لكنني حين نمت وحدي في آخر الليل، حلمت به واستيقظت صارخةً، ولم أبح لأحد بما رأيت.

(في شارع أعرفه جيداً، أجلس بمقهى قديم، أحتسي قهوتي، ويدي ملطخة بالدماء، وفي شقة بالبناية المقابلة أراه يرقد غارقاً في دمائه، وببرود قاتل محترف كنت أنتظر قدوم الشرطة.
في مرة أخرى رأيت حبلاً غليظا يلتف حول عنقي ورجالاً يرتدون السواد يرمقونني بكراهية فيما تتابعني عيناه بلا أي تعبير).

كان يقف في منتصف المسافة بيني وبين النوم.. بيني وبين البنت التي أعرفها بنظراته الغامضة وابتسامة متشفية لم أخبرها فيه من قبل. يأتيني في الأحلام بصراخ، وبقع دماء تتسع، وخناجر تطير باتجاهي في الفضاء بيننا.

بعد أن رأيت نفسي مراراً في ذلك المقهى القديم، قررت أن أبحث عنه، ووجدته بالفعل في شارع 26 يوليو ببولاق أبو العلا، وهالني التطابق بينه وبين تخيلي له.
اعتدت التردد على المقهى يوميا بعد الانتهاء من عملي، ومراقبة شرفة بعينها في الطابق الثالث من البناية المقابلة، وكنت على يقين من أن الولد غير موجود فيها لسبب بسيط هو أنه يسكن في حلوان، وكان هذا هو الشيء الوحيد الذي يمنع عني الجنون الذي كنت أقف على حافته. مرات عديدة قررت أن أمتنع عن الاتصال به هاتفياً، ولأسباب مبهمة كنت أعجز عن تنفيذ قراراتي، كأن هناك شيئاً خفياً يدفعني إليه، وليس عليّ إلا الطاعة والامتثال لمصير محتوم.

أسمع صوته الناعس، وأتصنع حوارات عادية كالتي تدور بين الأصدقاء، يجيبني بهدوء، فأردد لنفسي أن ليس ثمة ما هو غير طبيعي، وأن الأمر لا يخرج عن كونه علاقة تقليدية من تلك التي تربطني بآخرين.

يحكي الولد عن أمه وأخته وخلافاته مع أبيه، وعندما أشعر أنني على وشك التعاطف معه أنهي المكالمة بكلمات باهتة فراراً من تورط محتمل معه في مشاعر من أي نوع.
كثيراً ما اتصلت به لأجد أن لا أحد يرد، فأبتسم بظفر، وأقول إن كل ما سبق كان أوهاماً، وكي أؤكد رأييّ هذا أداوم على الاتصال إلى أن يهدم فرحتي بصوته الذي لم يتخلص بعد من أثر النوم. ينطق باسمي قبل أن أتكلم، دفعني هذا إلى الاعتقاد بأنني الوحيدة التي تتصل به هرباً من اعتقاد آخر كان يلح عليّ بأنه يعرف مواعيد اتصالي به حتى قبل أن أقررها أنا، وأنه يعلم كل ما أفكر به، بل ربما هو الذي يدفع هذه الأفكار لعقلي.

في منتصف مكالمة ما قلت دون مقدمات:
-         تعرف "أم قويق"؟
-         أيوه.. دي نوع من البوم.
-         جدتي كانت بتقول إن "أم قويق" لما تصرخ بالليل بتبقى عايزة تشوف دم إنسان، ولما ده بيحصل، بتسكت وتسيب المكان لمكان تاني. تعرف بأه إن فيه "أم قويق" ساكنة على شجرة جنب شباك أوضتي، وكل ليلة من واحدة لاتنين تبدأ تصرخ.
-         لا يا شيخة؟
-         والله.. من 5 شهور بالظبط، يعني من أول ما عرفتك.
-         إيه اللي بتقوليه ده؟ ويا ترى على كده عايزة تشوف دمي ولاّ دمك؟
قال جملته الأخيرة بتلقائية شديدة وهدوء مرعب، فتراجعت قائلة:
-         إنت صدقت ولا إيه؟ دا أنا كنت باشتغلك.
-         ما أنا بأقول إيه اللي حصل لك ما كنتِ عاقلة.

تعلمت ألاّ أتكلم أبداً عما يدور في ذهني خوفاً من أن يزداد رعبي من كلمات قد يقولها بعفوية ودونما قصد. على رغم مكالماتنا الهاتفية الطويلة، التقينا مرات قليلة جداً تحدث بالصدفة، نتعامل خلالها بحذر وقلق شديدين، ويسعى كل منا لإنهائها بسرعة كأننا شخصان آخران، أو كأن هناك اتفاقاً ضمنياً على قواعد محددة للعب.

كنت أهرب من حقيقة وجوده الفعلي أمامي، فعبر الهاتف كان يمكنني الارتكان لاعتقاد خافت بعدم وجوده، أما وأنا أراه أمامي يعد هذا الاعتقاد ضرباً من الجنون. آخر مرة التقيته فيها كانت مصادفة أيضاً بميدان مصطفى كامل بوسط البلد، سلّم عليّ فقط وغادرني مسرعاً كأنه مطارد من أشباح لا مرئية.
وقفت لبرهة في الميدان وكان أمامي عدة شوارع، اخترت أحدها لأعبره. في لحظة ما وجدت نفسي في شارع غريب عليّ خالٍ من العابرين، وبدت بناياته أكبر مما ينبغي.

في الحال قفز وجهه إلى ذهني وفكرت لأول مرة في أن ثمة شيئاً ما غير بشري في نظرته، تسارعت دقات قلبي وعدوت بأقصى سرعة أقدر عليها. كنت أشعر أن عيوناً مرعبة تحدق فيّ من الخلف.. أصبح الشارع طويلاً لدرجة أنني بلغت نهايته بعد أكثر من ساعة، وخلافاً للمنطق وجدتني أمام تمثال مصطفى كامل الذي بدأت رحلتي من أمامه.

في تمام الواحدة بعد منتصف الليل كنت قد وصلت لموقف عبد المنعم رياض، انتقلت عيناي بين المنتظرين فلم ألمحه. ركبت الميكروباص، ونظرت من النافذة، لم أفق إلا على لكزة جاري وهو يحثني على دفع الأجرة، ناولتها له دون أن أراه، بعد دقائق نظرت نحوه فوجدت ملامح غاية في الحدة وعينين مخيفتين تحدقان فيّ. استجمعت كل ما تبقى داخلي من شجاعة كي لا تنكسر نظرتي أمام العينين شديدتي التركيز والعمق.

فجأة صرخ في السائق "على يمينك"، ونزل من العربة بسرعة، وسار في الاتجاه المعاكس، بينما أخذت في الارتعاش، وأثناء النوم حلمت بعيون كثيرة ملتهبة مصوبة نحوي، بينما أرقد عارية على فراشي غير قادرة على النهوض رغم محاولاتي المستميتة.


في الصباح التالي، لم أذهب إلى عملي، وضعت سكيناً حادة - كنت قد اشتريتها منذ فترة - في حقيبتي وخرجت.

* قصة قديمة من مجموعتي القصصية الأولى "ضوء مهتز" - دار ميريت - القاهرة - 2001.

Thursday, May 5, 2016

إعادة المجد لفكرة عابرة



منصورة عز الدين

"إنها واحدة من مهمات القصة: أن تعيد حكاية العالم على نحو يليق بأحلامنا." هذا ما كتبه الكاتب العراقي لؤي حمزة عباس في مقدمة كتابه "حامل المظلة.. قصص وحكايات" الصادر عن دار ميزوبوتاميا.
وفي "الكتابة.. إنقاذ اللغة من الغرق" كان لؤي قد أشار إلى الكتابة بوصفها تغييراً للعالم؛ أي تلاعباً بمكوناته وإضفاء رتوش ولمسات تحوله إلى آخر سحري أو حلمي مفارق لأصله الواقعي دون أن يكون منبت الصلة به بالضرورة.
هاتان الإشارتان إلى الكتابة كإعادة حكاية العالم وكتغيير له من المفاتيح الأساسية لفهم عالم لؤي حمزة عباس وللاقتراب من رؤيته للفن في علاقته بالواقع.
لا يدَّعي صاحب "مدينة الصور" أنه يخترع عالماً موازياً، ولا يستعرض على قارئه بألعاب وحيل مبالغ فيها، بل يوهمه بأن ما يقوم به بسيط وعابر؛ مجرد تلاعب بمكونات الواقع ومفرداته.
قصص ونصوص "حامل المظلة" واقعية تماماً في معظمها، ومع هذا تشوبها مسحة مفارقة للواقع، ثمة غرائبية ما يصعب الإمساك بمصدرها، إذ تحافظ على غموض ومراوغة يليقان بالفن.
بعض القصص تزيد فيها المسحة المفارقة للواقع مثل قصة "القرية" التي أراها واحدة من أكثر قصص الكتاب تميزاً، وقصة "يتنقل في الليل"، وبعضها يقترب من منطق الحكاية في البساطة والتجريد، ما يوضح للقارئ سبب اختيار المؤلف "قصص وحكايات" عنواناً فرعياً لمجموعته.
في "حامل المظلة" نجد أنفسنا أمام نزيل فندق يجلس إلى مائدته المعتادة في ركن المطعم لمراقبة حركة النُدّل والتدقيق في وجوه النزلاء حتى حفظ طبائع كل منهم. ورجل تتلخص وظيفته في مرافقة نزلاء الفندق، حاملاً المظلة لهم، في المسافة بين الرصيف ومدخل الفندق، وعواد العامل في سينما نادي الميناء. تتعدد الشخصيات والأفكار، ويظل لؤي حمزة عباس محافظاً على نبرته الخافتة، مؤمناً بدور الكتابة في "إعادة المجد لفكرة عابرة".
الكاتب، في حالته، متقمص لروح العالم، هكذا يمكنه أن يكون حبة رمل وسمكة في نهر و"طائراً محلقاً ينظر للنيران البعيدة تومض وتختفي." أو كما كتب قبلاً: "قرناً بعد قرن لم أكن غير كرة المعدن النارية تُصبُّ على مهلٍ لترمى بالمنجنيق على الأسوار. قرناً بعد قرن لم أكن غير السور والمنجنيق."
على النحو نفسه كان الرواي في قصة "أعمى بروجل" هو أعمى بروجل وعميان بروجل لم يكونوا سوى بروجل نفسه.. الفن، وفق هذا المعنى، هو أن يصير الفنان آخرين؛ أن تصير الذات آخر.
ويشبه هذا، على نحو ما، ما سبق وأشار إليه لؤي في "الكتابة.. إنقاذ اللغة من الغرق" من محو الكتابة للكاتب، من إزاحتها لحضوره لصالح حضورها. والحقيقة أن كتاب "الكتابة..." يعد المفتاح الأهم في فهم عوالم لؤي حمزة عباس، كما أن العلاقة بينه وبين "حامل المظلة" متينة ومتشابكة بحيث يبدو الكتابان على اختلافهما مكملين لبعضهما بعضاً.
في كتابة حمزة عبّاس، نشعر أن الحرب ماثلة دوماً في الخلفية حتى لو لم يشر الكاتب صراحةً إليها، لكنها ليست الحرب المألوفة بأهوالها ومآسيها، بل تمثُل كفكرة عابرة، بحيث لا نرى نيرانها المستعرة، بل ظلها الأشد خفوتاً وأثرها في النفوس.

التأثيرات الطاوية والبوذية ماثلة، دوماً، في نصوص لؤي حمزة عبّاس، كما تلوح آثار مدن إيتالو كالفينو اللامرئية بين ثنايا نصوص "الكتابة.. إنقاذ اللغة من الغرق" وتخايلنا من بعيد في غير نص من نصوص "حامل المظلة"، غير أننا هنا لسنا أمام تأثر بليد، بل حوارية إبداعية خلّاقة، تذكرنا بأن صاحب "إغماض العينين" هو أحد أهم كتاب القصة المعاصرين.

الحلقة الأولى من زاوية جديدة أكتبها في "أخبار الأدب" بعنوان "كتاب".

Friday, April 29, 2016

مارين


منصورة عز الدين

إلى مارين يونكلاوس.. هناك في دوسلدورف


أشاحت مارين بوجهها بعيداً مني، واستدارت مغادرةً. كدت أتشبث بمعطفها الرمادي الطويل، كطفلة تتشبث برداء أمها. تغادرني مارين ببطء، وعيناي تتعلقان بها أكثر. وصلتُ إلى مدينتها الغريبة اليوم فقط، ومن المفترض أنها الشخص المكلف باستقبالي وتوصيلي إلى الفندق المخصص لإقامتي، غير أنها تطلعت في وجهي للحظات ثم ابتعدت من دون أن تنطق بكلمة واحدة. كنت في محطة قطارات فخمة، نظيفة، ومزدحمة، والناس من حولي يتحادثون بلغة لا أفهمها ويتحركون بسرعة. لم أجد بداً من جر حقيبتي الصغيرة خلفي على الأرضية المصقولة لمحطة القطار، والسير في الاتجاه نفسه الذي سارت فيه مارين منذ قليل. أخذتُ أتبعها بوجل، وجسدها يتقافز مبتعداً تائهاً بين الجموع. أكاد أركض، بينما تحافظ هي على خطوها البطيء، ورغم هذا لا تتضاءل المسافة بيننا.

عبرنا شوارع، ميادين، حدائق، ومقابر، محافظتين على المسافة نفسها، والجموع ذاتها تكاد تحجب جسد مارين الصبياني النحيل عن ناظريّ. بقى خوفي وقلقي وإن كنت نسيت السبب الداعي لهما، أصبحت ملاحقة مارين والحرص على ألاّ تغيب عني هما الهدف الذي ينحصر فيه وجودي.

تلكأتْ مارين قليلاً ثم اتجهتْ نحو باب خشبي ضخم لبناية عتيقة على يمين الشارع فتركتُ حقيبتي وعدوتُ بأقصى ما أستطيع كي ألحق بها. دفعت الباب، وولجتْ إلى الداخل المزدحم بهدوء، وأنا في إثرها. فوجئتُ بالبار المعبّق برائحة التبغ والكحول. موسيقى غامضة انبعثت بقوة، ورجال ونساء سكارى، بعضهم يقف بين الطاولات، والبعض الآخر جالس إليها، يغنون بأصوات متنافرة وإيقاع بليد، ويضحكون ثم يواصلون الغناء.

كان المكان منقسماً لجزأين بينهما ممر طويل مشت فيه مارين كأنما لا تسمع الغناء المزعج ولا الموسيقى الغامضة. سرتُ خلفها محاولةً تحاشي الأيدي التي تمتد من الجانبين لجذبي كي انضم للسكارى المغنين، هززتُ رأسي لمن يرفعون كؤوسهم كأنما يحيونني، وأنا أتبع مارين وقد شعرتُ أن الممر طال أكثر مما ينبغي وأن الإضاءة تخفت كلما تقدمنا إلى الداخل.

كنتُ كمن يسير بصعوبة عبر أكوام من القطن الأبيض، غير أن مارين، في بعدها عني وعدم انتباهها لي، كانت تتحرك بخفة رغم سيرها بالبطء نفسه كأنها تقيس خطوتها بميزان حساس، يساعدها في جعل كل خطوة نسخة متطابقة من التي تسبقها من دون أدنى انحراف.

فجأة أسلمنا الممر الطويل خافت الإضاءة إلى باب أخرجنا للشارع من جديد. كان شارعاً مختلفاً عن كل الشوارع والطرق التي سرنا فيها، كأننا انتقلنا إلى مدينة أخرى أو نسخة أبهت من المدينة الأولى. ثمة ضباب خفيف يخيّم على كل شيء حولنا. الجموع ذاتها عادت تحجب مارين عني، فحاولتُ الصراخ مناديةً باسمها، لكنّ صوتي لم يطاوعني، أخذ اسمها يتردد في عقلي دون أن يخرج صوتي. اكتشفت عدم قدرتي على النطق، وانتبهت لأول مرة إلى أنه منذ خروجنا من البار المعبّق بروائح التبغ والكحول، لا وجود لأي صوت على الإطلاق: لا وقع لخطانا، لا زقزقة لأي طيور محتملة، ولا وشيش يحمله الهواء. صمت راسخ سيطر على الفضاء الذي نتحرك فيه.

ثم بدأت رائحة خفيفة تتسلل إلى الهواء، قبل أن تتزايد كثافتها تدريجياً، رائحة هجين من عبير الصندل وزهر الليمون والبرتقال والياسمين ممزوجة بروائح أخرى لم أستطع تحديدها، وإن كانت أورثتني شعوراً مبهماً بضيق ضاعف منه ازدياد الضباب لدرجة أخفت كل الأشياء عني باستثناء طيف مارين المستمر في خطوه الأبدي. 

خطر ببالي أن أتوقف عن تتبعها، لكني لم أجرؤ على ذلك. سرت خلفها كالمنومة. انقشع الضباب بشكل مفاجئ، وإن ظلت الرائحة الهجينة. ومرة أخرى عبرنا شوارع وميادين، حدائق ومقابر محافظتين على المسافة نفسها بيننا. ثابرت مارين على إيقاعها ذاته وأنا خلفها أرقبها ولا أرى سواها. بحركة هادئة طوّحت رأسها في الهواء مستديرة نحوي من دون أن تنظر فعلياً إليّ، ثم عادت لخطوها العابث غير المبالي بي. لم تستغرق التفاتتها إلا ثوانيَ معدودات لكنها كانت كافية كي أبصر في وجه مارين الشاحب قلقي، وفي تعبها إرهاقي وخوفي.

مارس 2010
قصة من مجموعة "نحو الجنون".. دار ميريت 2013.