Saturday, July 14, 2018

محمد البساطي: كاتب الظلال والآثار المراوغة




منصورة عز الدين

في منتصف التسعينيات قابلت محمد البساطي لأول مرة.
كنت لا أزال أدرس الصحافة في الجامعة، لكن الأهم أني كنت قد قرأت كل كلمة كتبها حتى تلك اللحظة. مدفوعة بحبي لكتابته اقترحت إجراء حوار صحفي معه لنشره في جريدة "صوت الجامعة" التي يصدرها، بشكل غير منتظم، قسم الصحافة بكلية الإعلام.
أعطاني أستاذي رقم هاتف البساطي واثقاً من أن أديباً معروفاً مثله لن يضيِّع وقته الثمين في حوار سوف يُنشر في إصدار لا يسمع به إلاّ مئات من طلبة جامعة القاهرة، لكن المفارقة أن البساطي -لهذا السبب تحديداً- وافق فوراً على تحديد موعد سريع معه.
أخبرني عندما التقيته مع زميل على مقهى "زهرة البستان" أنه متشوق لمعرفة كيف يرى طلبة الجامعة كتابته. وقال، من بين أشياء أخرى، أنه يهتم بحوار كهذا أكثر من اهتمامه بالوصول إلى أكبر الصحف انتشاراً في العالم.
بدا وقتها مندهشاً من قراءتنا له، ومعرفتنا بأدق تفاصيل أعماله، كأن اهتمام القراء غير المتوقعين، يخجله ويجرح تواضعه ورؤيته لنفسه كمبدع بعيد عن الأضواء ودوائر الصخب.
منذ ذاك اليوم البعيد بدأت معرفتي به إنساناً نبيلاً لا يساوم على ما يؤمن به، بعد أن عرفته -قبلها بسنوات قليلة- كاتباً صاحب بصمة فريدة بين أقرانه من جيل الستينيات.
وهي الفرادة التي أكد عليها إبراهيم أصلان حين قال إن البساطي مثَّل جسراً بين "القصة الواقعية التي كانت سائدة قبلنا وبين النقلة التي أحدثناها كجيل".

كتب محمد البساطي عن القسوة بحنان، وعن العنف والوحشة بشاعرية. عوالمه الفنية قاسية موحشة، وعزلة الفرد فيها كأنها قدر لا فكاك منه، لكن هذه العوالم للمفارقة تفيض بعذوبة قلما نجدها لدى كاتب آخر.
كان كأنما يكتب بممحاة، ويعتمد على الحذف أكثر من الإضافة. يهندس أعماله بدقة مفجراً شعريتها عبر الحوار الخفي بين عناصرها. لغته المقتضبة المتقشفة ظاهرياً تحمل شحنة شعرية عالية. كل مقطع مشهد بصري يدفعنا لرؤية صور تتحرك أمامنا كلوحات تشكيلية أو مشاهد متتابعة في فيلم سينمائي. كأن صاحب "صخب البحيرة" يصالح بين الفنون في سرده محملاً الكلمات بإمكانات الصورة واللون والصوت في آن.
احتفى البساطي في كتاباته بالصمت، بما لا يقال، كأنما يدرب القارئ على شحذ تركيزه لمتابعة أدنى خلجات الشخصية الفنية وتعبيراتها وحركات جسدها لأن في هذا يكمن الكثير من مفاتيح العمل.
اختار من الضوء ذاك الضعيف الذي لا يكشف شيئاً، ومن الصوت همسات الليل الخافتة تلك التي تحتاج إلى شحذ حاسة السمع للإمساك بها، ومن الأحداث تلك التي لا ينتبه إليها الآخرون ويظنونها محض لا شيء.
وفي تقديري أنه لم يكتب عن الضوء بل عن ظلاله، لم يكتب عن الصوت بل عن أصدائه في النفس، ولم يكتب عن الحدث قدر كتابته عن آثاره المراوغة وغير الملموسة.

صُنِفت كتاباته في معظمها ككتابة ريف، غير أن الريف عنده ليس كما ألفناه، إذ نجد أنفسنا في كثير من أعماله أمام مكان تخييلي يقف على التخوم بين الواقعي والغرائبي. ما يسم المكان في كتاباته تلك الوحشة والعزلة كأنما هي أماكن منقطعة عن العالم منذورة للنسيان والهجر على حافة الوجود وهامشه.
أبطال البساطي ماكرون لا يستسلمون لعواطفهم، يواجهون أقداراً صعبة وحيوات خالية من الأحداث الكبيرة بلا شكوى أو ضجيج. يقاومون واقعهم الخشن بخشونة مماثلة وبأقل قدر من الحنين أو الانفعال، وفي هذا تحديداً مكمن تفردهم كشخصيات فنية تنحفر في الذاكرة وتدفع القارئ للتفكير مراراً في دوافعها الخفية.

حين كتبت قبل عام في جريدة السفير عن إصابته بسرطان الكبد، راعني ما كتبت بعد نشره. فوجئت وأنا أعاود قراءته أن ثمة فقرة مكتوبة بصيغة الماضي. إحساس يشبه الخيانة تسرب إلى نفسي. كنت كأنما أودعه، بلا وعي مني، رغم أن ظاهر كلماتي وهدفها كان التشبث بأمل شفائه وحثه على البقاء بيننا متحدياً الوحش الذي استوطن كبده في غفلة منه.
لحسن الحظ لم ينتبه إلى هذا وقتها، اتصل بي يشكو ضاحكاً من كم المكالمات الهاتفية التي تلقاها من خارج مصر. بدا طفلاً سعيداً يخجله أن ينال هذا الاهتمام رغم استحقاقه لأضعافه. لحظتها تذكرت دهشته في لقائنا الأول، من أن له قراءً بين طلبة الجامعة، تلك الدهشة التي حافظ عليها دوماً وتمسك بها تمسكه بسخريته الذكية حتى في أصعب اللحظات.
مع رحيل الأصدقاء نشعر أن جزءاً منا قد رحل معهم، تسرب وتلاشى تاركاً الذكريات لتحل محله. هذا ما أشعر به الآن إضافة إلى شعوري بالعجز عن الكتابة عن البساطي كما أرغب، إذ أواجه مشكلة حقيقية في الكتابة عن موت المقربين مني. إزاء موتهم أصاب بخرس لا علاج له. سنوات مضت على رحيل جودة خليفة ولم أستطع الكتابة عنه، وها هو الأمر يتكرر مع رحيل البساطي.. أجد كل الكلام (كلامي تحديداً) مبتذلاً في مواجهة الموت.

نُشِرت في ملحق "نوافذ" بجريدة المستقبل اللبنانية في يوليو 2012.

Sunday, June 17, 2018

منصورة عز الدين: مأوى الغياب






العنوان الفرعي لهذا العمل، من القاصة والروائية المصرية منصورة عز الدين (صاحبة «ضوء مهتز»، «نحو الجنون»، «جبل الزمرد»، وراء الفردوس»، و»أخيلة الظل»)، يشير إلى «متتالية قصصية». إنه، بالتالي، يفتح السرد على امتياز التعدد (في الموضوعات والشخوص والأمكنة والأصوات)، ولكن ضمن التتالي (الذي يحيل، بدوره، إلى صيغة تعاقب غير مشدودة الوثاق، عن سابق قصد فني بارع). لا تكتفي عز الدين بهذا المسار، الشاقّ لتوّه، بل تذهب به إلى منطقة  إسباغ الفانتازيا على متخيلات مكتسية أصلاً بالغرابة؛ في مستويات الشعور والسلوك والتواصل والتفاعل لدى البشر، أسوة بحركة الرموز والمعاني المتلاطمة في عناصر الجماد والكائنات والطبيعة.
هنا فقرات من نصّ بعنوان "أوديسا الفراغ":   
"أول وآخر ما أتذكره أنه في مكان ما في هذا العالم المخاتل كان ثمة جبل وغابة وبحر، وأنني تهت بينها. لا أعرف أصلاً إن كنت أنا الشخص نفسه الذي وقف حائراً للحظات بين الخيارات الثلاثة. أو ربما أنا إياه، لكن هذه الذكرى برمتها محض اختلاق، وسرعان ما ستتلاشى كما تلاشت أمنيتي الحارقة بالانقسام إلى ثلاث ذوات تتجه كل واحدة منها وجهة مختلفة للأخرى، قبل التلاقي عند نقطة ما، والاندماج في كيان واحد محمّل بخلاصة خبراتها ومشاهداتها، حتى إنْ لم يعِ تفاصيل ما مرّت به الذوات المكوّنة له.
فيم كنت أفكر لحظتذاك؟
ربما رجوت أن يكون ما أراه أمامي سراباً، ولهذا فقط بزغ اسم "جنية السراب" في ذهني متحدياً اعتلال ذاكرتي ومتغلباً عليه. صارت تلك الجنية فجأة هاجساً مستحوذاً عليّ. انبعثت أمامي كطيف لا يمل من خلق نفسه وتبديدها قبل إعادة خلقها من جديد. بدا كل ما يخصها ساطعاً في ذاكرتي وسط محيط شاسع من النسيان".

دار ممدوح عدوان، دمشق ـ دار سرد، بيروت؛ 2018.


نقلاً عن جريدة القدس العربي

Friday, June 15, 2018

مأوى الغياب لمنصورة عزالدين: الانفلات من محددات الواقع المألوف




محمد سليم شوشة

في سرد المجموعة القصصية "مأوى الغياب" للكاتبة المصرية منصورة عز الدين عدد من السمات الفنية المحددة لخصوصية هذا السرد، ويمكن أن تكون في تقديرنا مدخلا للتسلل إلى هذه الغابة القصصية، التي لها مساربها وممراتها وطرقها الخاصة والمختلفة، التي قد تبدو غريبة وغير مألوفة بالنسبة لما هو سائد من إنتاج قصصي راهن. المجموعة القصصية كلها ترتبط بحالة واحدة من التجريب تجعل القصص متقاربة إلى حد بعيد، وإن تنوعت الأحوال التي تقاربها واختلفت من قصة إلى أخرى.

لدينا إجمالا ما يمكن وصفه بأنه حال عامة من الهروب من الواقع والانفلات من محدداته الصارمة، المرتبطة بالمكان والزمان والحدث أو الحوار والعلاقة بالآخر. لدينا دائما ذات تنفلت بدرجة كبيرة نحو المطلق والعام، ويكاد يكون انفلاتها كاملا من الواقعية بمعناها الشكلي، أي أن القصص تدور في عوالم مغايرة من كافة جوانبها لما هو دارج في السرد، فالمكان والزمان والحدث والحوار وغيرها من عناصر القصّ تتجاوز كلها اكتساب العلامات والإشارات المحددة، لواقع معهود أو متفق عليه خارج السرد أو ما يمكن تسميته بالمدرك خارج السرد أو الداخل ضمن المساحة المشتركة من الإدراك بين المبدع والقارئ. فإذا قلنا إن الغالب على كثير من السرد القصصي والروائي أنه يلجأ إلى الاستناد أو الاتصال بالمدرك خارج السرد/الخطاب القصصي، وهو العالم المعهود بأنه دولة معينة مثلا أو مدينة معينة وشوارع معينة، ولو بأسماء غير معروفة وهكذا، فإن السرد في "مأوى الغياب" يختلف عن هذا تماما، فنجد أن النص القصصي أو خطاب المجموعة كلها يصنع واقعه المغاير والمتجاوز تماما لهذا المتفق عليه مسبقا مع القارئ، قبل القراءة والولوج للسرد لتصبح هذه العوالم مطلقة وأكثر تحررا من المحددات الجغرافية أو الثقافية لغاية التركيز على الذات الإنسانية المأزومة، أو فريسة الحيرة وصريعة الأسئلة حيال هذا الوجود بشكل عام. فيمكن القول بأن هذا السلوك الفني أو هذا النمط من تجاوز الواقع في "مأوى الغياب" حقق عددا من الأهداف والقيم الجمالية والدلالية، أبرزها ما ذكرت من الرغبة في التركيز على ذات إنسانية عامة ومطلقة مشتتة، وفي حال من الحيرة من طبيعة هذا الوجود، وتمتلك قدرا كبيرا من الأسئلة وبواعث الدهشة حيال هذا العالم المخاتل أو المراوغ. النقطة الثانية أن هذا الانفلات من محددات الواقع بشكله المعهود والمتفق عليه مع القارئ منح السارد القدرة على أن يحلق بعيدا مع معانٍ كلية وأسئلة وجودية، وقضايا فلسفية كثيرة بقدر كبير من التحرر والأريحية، وكذلك تمكن السرد من مقاربة حال وما وراء الظاهر والغوص مع تعاريج ومنحنيات الشعور وطبقاته الخفية وصلة الإنسان الشعورية تحديدا بعناصر الوجود الأخرى ومحاولة اقتناص لغة الداخل أو اللغة غير المنطوقة وأسئلة الذات لنفسها أو بالأحرى المحاورات الممتدة للذات مع نفسها ومع بقية عناصر الوجود. الناتج الثالث لهذا الانفلات من محددات الواقع الذي حققته المجموعة هو، ارتهانها بقدر كبير من الغرائبية الجديدة أو الواقعية السحرية الجديدة أو غير النمطية، ولهذا فإن النموذج الإنساني الذي يصادفه المتلقي في هذه القصص هو نموذج غرائبي، فهو قد يكون إنسانا عاديا وعصريا وليس فيه شيء لافت في بعض المواضع أو الأحداث من القصة ثم نجده بعدها يملك من المرونة ما يمكنه من أن يكون مثل السندباد أو البحارة في العصور الوسطى أو يمتزج بشخصيات تاريخية معروفة أو غير معروفة أو نجده يقترب فجأة من نموذج أسطوري يصارع عالما مخاتلا ويحاول القبض عليه بإدراكه ووعيه أو يصارع للانفلات التام منه والهرب بشكل حتمي، لكن عملية الهرب تبقى معلقة وغير محسومة أو فاشلة. على نحو ما نلمس في هذا الاقتباس: "بدا العالم من حولي ثقيل الوطأة بسمائه وغيومه وجباله الماثلة من بعيد على جزر لا أعلم إن كنت سأبلغها أم لا. كل شيء كان يجثم على وجودي الذائب ويضغط عليه. تراءى لي الهواء ثقيلا والماء معتما، وكنت أنا خالص الشفافية. الكون كله يخترقني، ينفذ من خلالي ويطوحني يمينا ويسارا. يبعثرني ويتلاعب بي".

 كل عناصر الوجود في عوالم قصص المجموعة جديدة تماما، لا الجبال هي الجبال أو السماء أو البحار أو البشر، كله وجود مخاتل ومراوغ. المكان والزمان واللغة، كلها أشياء متشكلة بالوهم ونابعة من إحساس هذه الذات ومرتهنة بهذه الأحوال الكثيرة والمتغيرة التي تقاربها القصص، ولهذا هي دائما في حال من التبدل والتغير، وكلها أشياء تجعل القارئ غير قادر على توقع ما ستطرحه عليه القصص، فيكون دائما جاهزا للمفاجآت وفي أعلى مراتب التحفز والتشويق. وفي المجموعة كذلك تمتد حال من مناوشة الماورائيات والغيبيات متمثلة في تصورات عن الإله أو القوة الأعلى أو ربة الطلاسم التي تتكرر في عدد من القصص، وهي نموذج للقيمة العليا التي يمتزج فيها السر بالغرابة باللغة المراوغة والمراوحة بين الفهم وغيابه التام. فنكون أمام واقع تم تشكيله على نحو أسطوري جديد، والأسطورة في النهاية هي شكل من التفسير للوجود، أو محاولة تقديم تصور قريب ومتأت للعقل والمنطق الإنساني. والذات الإنسانية التي تسكن هذه القصص أو تعيش عوالمها هي ذات مسكونة دائما بالدهشة والحيرة، وبحثها عن الفهم ومحاولة التفسير لا ينقطع، وهو الأمر الذي يمنح هذه القصص قدرا كبيرا من الحركية والقلق، ويجعلها أبعد ما تكون عن الطمأنينة والسكون.

في عدد من قصص المجموعة تبقى الذاكرة رغم نسبيتها أحد أهم محددات الهوية ومعرفة الذات، ولا تتلبس بها الحال ذاتها من المراوغة الكاملة والمخاتلة الدائمة، فهي لها أهميتها وقيمتها وتفرض نفسها دائما، رغم تفاوت الإحساس بها على نحو ما يكون من تفاوت مع بقية مفردات هذا الوجود. وإن كانت الذات الساردة في بعض الأحيان تبدو في حال من الصراع مع الذاكرة التي تشبه وحشا مراوغا يمنح أو يمنع وقت يشاء، وهذه الذات لا تجد سبيلا لمقاربة نفسها أو بقية عناصر الوجود غير التفتيش في الذاكرة، وتلمس العلاقات والروابط بين ما تراه هذه الذات وما تسترجعه الذاكرة. والجميل أن الذاكرة تأخذ أسماء مختلفة تنوع من أشكال حضورها في قصص أخرى، ففي قصة "بحيرة الزئبق" نجد ما اسمها الشاشة الذهنية لنكون هنا، إما ناتجين مختلفين عن أشكال الحضور الأخرى، فالذاكرة هنا في حال من التوهج والصحو المغايرة عن كونها مجرد ثقب أسود، تسميه الذات ذاكرة، أو كونها كائنا مراوغا، ولكن الشاشة كذلك تحمل في دلالة عصرية لتكون لغة السرد هنا تتراوح بين القديم والجديد، أو العصري وتمزج بينهما، وتبقى هذه الشاشة كذلك غير متوهجة، أو في حال صحو دائم وكرم كبير في منح الذكريات والاسترجاعات، لأنها دائما قابلة للانطفاء أو التعطل عن العمل.

وأتصور أن مقاربة سيميائية تقوم على رصد علامات دالة بعينها وترتيبها ومحاولة قراءتها في المجموعة كلها، وعبر كل القصص أو في مجمل الخطاب السردي، سوف تكشف كثيرا من الأنساق الفاعلة في إنتاج القيمة الجمالية والدلالية في هذا السرد، مثلما نجد مع دلالة الذاكرة. وعلى سبيل التمثيل كذلك نجد أن كلمة الجبل بالتحديد حاضرة بقوة، وهي تتراوح بين القدرة على الإخفاء أو الشموخ وأحيانا تكون على النقيض من المعنى الأول، حين يحمل الجبل شيئا عليه مثل القلعة في قصة "قلعة الشمس"، فكلمة الجبل عبر توظيفات قصص مجموعة "مأوى الغياب" لها تكشف عن طاقات دلالية واسعة، تصل إلى حد التناقض أحيانا، بما للجبل من قدرة على إخفاء أشياء وراءه، وحجب الرؤية التي دائما ما يبحث السرد أو يركض وراءها، بينما في حالات أخرى يحمل الجبل الأشياء، فيؤدي دور الإبراز والتوضيح، ويكون دليلا على الشموخ والثبات أو يكون معادلا للحقيقة في نصوعها ووضوحها. الأمر ذاته يتضح في توظيفات كلمات مثل الواحة أو البحر والنهر والأشجار بأنواعها، وكذلك تجليات اللون في هذه المجموعة تكشف عن ثراء كبير وحضور بارز. وقصص المجموعة في الحقيقة لا تقارب الإنسان وحسب على نحو ما هو معهود مع أغلب الكتابات السردية، ولكن بعضها يقارب أحوال عناصر أخرى مثل النهر في قصة "عيون مغلقة على حلم قديم" أو مقاربة الشجرة بوصفها ذاتا مركزية، كما في قصة "شجرة تشبه لؤلؤة"، وهو ما يجعل القصص تطرح حالا من التماهي والتداخل بين الإنسان وكافة عناصر الوجود الأخرى، وهذا النسق البنائي/السردي من التداخل بينها يجعل عوالم قصص المجموعة مفتوحة على حال من الغرائبية والطرافة وتجعل القصص تبني عوالمها الخاصة التي تنفلت بشكل كامل من نمطية الواقع وتركيبته المعهودة، وهو الأمر الذي يؤثر على زاوية الرؤية لهذا الوجود، ويجعل القصص تغوص مع أحوال شعورية جديدة تماما، على نحو إحساس الشجرة مثلا بالمتحركين حولها أو من جانبها من البشر، أو إحساس الشجرة بالأفق ورؤيتها للبحيرة التي خلفها أو أمامها وغيرها من الأشياء المحيطة بها، أو إحساسها بمن يتسلقونها، ليكون القارئ أمام أحوال شعورية مغايرة، ولها وجاهتها أو منطقها الذي يفترض وجودها ويفترض لها القدر الكبير من العناية والأهمية. ولنكون في مواضع كثيرة عبر هذه الغرائبية أمام عوالم تقترب كثيرا من سحرية العوالم، التي أنتجتها غرابة أدب العصور الوسطى، وفق نمط جديد في الإنتاج، فنحس كما لو كنا أمام عوالم وموجودات "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري أو عوالم "ألف ليلة وليلة" وغرائبيتها أو عوالم "الكوميديا الإلهية" لدانتي، فنجد بحيرة تصطاد أو تتربص بكل ما يقترب منها وتقتنصه، ما عدا الطيور فهي تبقى مجمدة في وضع الطيران فوق البحيرة، ليكون هذا الوجود الذي تطرحه عوالم القصص أكثر رحابة من الذات الإنسانية، وينفتح على اصطخاب وتصادم شعوري عام تتداخل فيه كافة هذه الذوات التي تبدو، كما لو أنها كانت مجهولة أو مُهْمَلَة خارج سرد مجموعة "مأوى الغياب". فنجد الواحة في لحظة من قصة "بحيرة الزئبق" هي المعادل للذات أو أن ثمة تماهيا للذات مع الواحة في لحظة اختفائها أو خوائها، مثلما هو حاصل في هذا الاقتباس: "شعرت بانزعاج شديد كأنما الواحة التي لم أبصرها إلا لدقائق ماضيي وهويتي الشخصية، ومن ثم تركني اختفاؤها ضائعا ومشردا ويتيما".

في المجموعة، الصادرة عن داري سرد وممدوح عدوان للنشر والتوزيع، ثمة كذلك نوع من انفتاح القصص على بعضها لتنتج الدلالات والعوالم القصصية، وفق نسق تعاوني أو تأكيدي، فعلى سبيل المثال تطرح إحدى القصص "ربة الطلاسم" التي يبدو حضورها مركزيا في هذه القصة بينما تتكرر في قصص أخرى ليكون هذا التكرار شكلا من القدرة على ترسيخ وجود هذا الكائن المفترض، أو المتخيل أو ناتج الخيال، فيكون هناك شكل من الامتداد للشيء أو للذات المعينة داخل أكثر من قصة، وهو أمر يكسر من حدة غرابة هذه الذات المنتجة عبر الخيال، ويصنع لها هذا الامتداد في الحضور درجة من الألفة والاقتراب التدريجي منها. والأمر نفسه نجده مع تلك البحيرة الغرائبية التي تشل حركة الطيور فوقها، فتتكرر في أكثر من قصة، وهي بحيرة زئبق أو بحيرة مسحورة وغير محددة على نحو أكيد، بل يبقى وصفها على درجة من الانفتاح على المطلق، سواء في ما يخص مكانها أو مرجعيتها، فهي قد لا تزيد عن كونها ناتج الذاكرة المراوغة التي لا تمنح وصفا حاسما لاسترجاعاتها ونواتجها أو لذكرياتها وتصوراتها للأشياء والمواقف المتشابهة، أو التي يستدعي بعضها بعضها وفق نسق التناظر.

 من المهم في ظني تأكيد أن هذه العوالم الغرائبية التي تنتجها قصص المجموعة تأتي في إطار سرد مشهدي مكتمل وواضح للمخيلة، رغم سرعة تحولات الذات من تبديات وتصورات مختلفة، فكأننا أمام ذات أقرب للشبح أو الساحر القادر على تجاوز هيئته إلى هيئات أخرى، وهذه التحولات في الحقيقة تأتي في إطار روح شعرية محفوفة بالمغامرة، وبقدر من التحرر الرومانسي أحيانا حيث تكون حركة هذه الذات من متجول مغامر ومسحور بالوجود إلى راعي ماعز في مناطق جبلية، أو من رسام فنان ونحات إلى أسير مسجون أو فريسة حبيسة أي ظاهرة أو خطر مفاجئ، فكل هذا يأتي في إطار مشهدية مشوقة وسحرية تكسر أفق توقع القارئ على الدوام، وتجعله يتحرك حركات موازية لهذه الذات الجوالة والمفعمة بالحركة. وكل هذا يؤكد على قيمة دلالية تكاد تكون هي الأبرز بين ما ينتج سرد المجموعة من معان، وهو هيمنة الديناميكية على هذا الوجود وغياب الثبات، على أن الطريف وفق ما يطرح السرد من سؤال ضمني عن قيمة هذه الحركية الدائمة، وهل هي ضد المعرفة وضد الوقوف على حقيقة الأشياء وجوهرها أو هويتها؟ أم أن الحركة هي أصل الوجود وهي أكثر ما يبرز حقيقة الأشياء ويجعلها جلية؟ فسؤال الدهشة من هذه التبدلات حاضر بشكل ضمني في كافة القصص، وهو ما يعد إنجازا جماليا لهذه القصص التي استطاعت أن تهمس بأسئلتها، بدون صخب أو مباشرة، حيث كفل هذا الهمس وغياب التصريح مساحة واسعة للمتلقي ليكون شريكا في إنتاج المعنى والتفاعل مع القصص في كل مستويات بنائها، سواء الجمالي وملامح هذه العوالم والتفاعل معها ومع نقلاتها المفاجئة أو مع القيم الدلالية والشواغل والأسئلة المباشرة والضمنية بشكل خاص. وإجمالا يمكن القول بأن سرد مجموعة "مأوى الغياب" يجسد مغامرة مختلفة لذات تركض وراء هويتها المراوغة أو الغريبة، أو التي تستعصي على الفهم وتبحث باستمرار محددات واضحة وثابتة لهذه الذات، وهو ما لا يتحقق أبدا رغم تجسد هذه الذات في موجودات صلبة وأكيدة الحضور في أحيان كثيرة، ومن هنا فإن هذه المغامرة ورحلة البحث عن المعرفة لا تنتهي. 

نقلاً عن جريدة القدس العربي.
14/6/2018

مأوى الغياب لمنصورة عز الدين: الكتابة كخطيئة أصلية



"كان جسدي، حروفي وحركاتي، لغتي وأنفاسي، متوناً متروكة للعابرين"


أميمة صبحي


لنصوص المجموعة القصصية الثرية "مأوى الغياب" تعدد يضعك أمام تفسيرات مختلفة وقراءات متشعبة. اقتبست منصورة عز الدين في بداية المجموعة اقتباساً قصيراً من جاك دريدا، لكنه يلقي بضفافه على كل نصوص المجموعة، يقول: "ذلك أن إله الكتابة هو أيضا، وبتلقائية، إله الموت".

هكذا تلعب الكاتبة مع الكلمات لعبة سردية ممتعة، تكتب ثم تنفض ما كتبته وتحيله إلى موت مؤقت، لتعيد إحياءه مرة أخرى في نص تالٍ. اللعبة هنا ليست ثنائية، بل ثلاثية الأبعاد. يتبدل اللغز الذي حاكته اللغة ما بين الجبل والغابة والبحر أو ما بين العناصر الأرض والماء والهواء في عالم تحكمه ربة الطلاسم وتؤطره الطبيعة. يبدأ العالم كتاريخنا. سديم يستحيل إلى ضباب يتكاثف على مهل وكائن ينفصل عنه شيء ما كأن نواة دقيقة هي جوهره قد هجرته. كبدايتنا عندما نتلمس طريقنا للتعارف على عالمنا الجديد ومحاولة نسج حروف لنكون كلمات تصلنا بالآخر

لتحوت، إله الحكمة ومخترع الكتابة في الميثولوجيا الفرعونية، إهداء خاص وتمدد داخل قصص المجموعة الصادرة مؤخراً عن دارَي "سرد" و"ممدوح عدوان للنشر والتوزيع". تحوت الذي خلق نفسه بقوة اللغة، ترك أرق الكتابة والحكي خلفه. يقدم نفسه هنا كمنقذ من التماهي مع السراب والنسيان. على الرغم من مقاومة ربّة الطلاسم وإقامتها صرحاً بطريقة مخالفة له: "فاللغة قناع، والكلمات فخاخ، والمسميات خديعة"، لكننا نعود للعبة التفكيك مرة أخرى وإحالة كل هذا للموت وعملية الميلاد من جديد. إلا انك ستتمكن من الرؤية شرط أن تكون غريبا "سيجود الحجر بأسراره على الأكثر غفلة عن كل مميزاته، على من سيبقى غريباً أينما حل، فوحده الغريب يقدر على الرؤية".

تقرأ "مأوى الغياب" بروح لاهثة، لكنك لن تصل إلى اليقين على طول الكلمات، وكأن الكتابة هي الخطيئة الأولى، وما تلاها هو محاولة تصحيح وطلب الغفران. فالزمن سائل لا يمكنك القبض عليه "لم أدرك ما الزمن، كما لم أعرف من أين واتتني هذه المفردة". نسير ونسير مع الشكوك ولا نصل لأصل الأشياء. شخصيات بلا أسماء، تبحث عن كينونتها وأصلها في أعمق ما قد تصل إليه، فتحيل هواجسها إلى العناصر الأولية التي كونتنا وشكلت ماهيتنا. تبدو لي كقصة الإنسان منذ بدء الخليقة وتصوير عذاباته وانتقالاته بين حالات متعددة ومتشعبة قد تختلط بروحه ذاتها. فيبدو العالم وكأنه اختراع طازج اخترع للتو داخل عقل كاتب يجتهد ليجد الكلمات المناسبة. سماء تظهر وتختفي وصخرة معلقة في الهواء يتسرب منها شلالات تخيف بحارة عابرين على حافة العالم، تتجسد لهم أينما اتجهوا وحين يئسوا قرروا الاتجاه نحوها متوقعين أنهم هالكون، لكنهم فوجئوا بأنها وهم وعبروا من خلاله كما يعبرون بهواء. تقول منصورة "كلما صعدت للأعلى غامت رؤيتي للعالم. خيل إلى أن الأبعاد والظواهر الجغرافية يعاد تشكيلها. فالبحر في الأسفل ليس هو البحر، والغابة ليست بغابة، والسماء تختلف عن كل تخيل ممكن لها". كلما اقتربت، ابتعدت، في مطاردة لسراب لن تصل إليه أبدا.

يتملكنا هاجس المراقبة على طول المجموعة. فالشخصيات مراقبة كما إنهم يتلصصون على بعضهم البعض وعلى أنفسهم "أشعر أن هناك من يراقبني، من يقترب مني" أو "أكثر ما يضايقني إحساسي أنها تراقبني وتعد عليّ أنفاسي". كما أنهم يراقبون محيطهم فيجدون جلبة غير مرئية لا يمكن تحديد كنهها ولا مركز انبعاثها. تتلاشى الطرق والمدن من خلفهم على الرغم من اتخاذهم لها سبلا للوصول لبقعة معينة. فتتقلص العوالم في زئبقية غامضة.

تنفتح مغاليق السرد قرب النهاية كاشفة عن قطع اللغز الذي جمعت الكاتبة أجزاءه على طول المجموعة. في قصة "لا فريسة ولا صياد" تقول الشخصية "كانت كل قطع اللغز مفرودة أمامي وفي متناول يدي ومع هذا فاتتني الخلاصة البديهية الكفيلة بأن تقودني إلى سري الغائب عني". حيرتها وراء كينونتها خيلت لها أن البنايات طافية في الهواء لا راسخة فوق الأرض، فاعتقدت أنها أوهام بصرية. تبحث عن صورتها الحقيقية في انعكاسات الجداول والأنهار، لكنها تجد وجهها يرمقها من الأسفل فتفكر في إلقاء حجر ليختفي وجهها خلف دوامات المياه المتحركة وتتأكد إنها الأصل وليس انعكاسا.

تتلاعب ربة الطلاسم بذاكرتها كأنها تلهو ككل الآلهة العاطلين عن العمل فترى نفسها امرأة فوق جبل أو رجلاً تائهاً داخل غابة أو مبحراً في سفينة. حتى تفيق من نوم عميق أو موت مؤقت، يُعاد ميلادها من جديد في ظل تجويف حجري وهاجسها الأوحد هو الهبوط إلى سفح الجبل. إنها النهر حيث بدأت الحياة وحيث ستنتهي.

وتواصل الكاتبة لعبتها الجادة المحرضة على القراءة في "من خشب وهلاوس"، تقول الشخصية "كنت أقطع الأشجار حين داهمني ذلك الشعور لأول مرة... شعرت أنني مخلوق من الخشب". هكذا يمارس رجل فعلاً اعتيادياً ربما مارسه بشكل يومي منذ الأزل لكنه نفذ لعمق روحه واستطاع الولوج للرائحة الطازجة الفاتنة، فشعر أخيرا أنه في موطنه. على عكس العنصر المائي، هنا الذاكرة حاضرة رغم قدمها. شجرة عجوز ترمز إلى الأرض ذاتها، الأم التي تطعم وتهتم بالبشر، فيقدم الطعام والشراب لرفيقيه قبل اختفائهما. كما يتذكر كل شيء، القصف، القنابل، والانفجارات المتتالية والزلازل. مسكون بأنقاض وصرخات فزع وجثث ملقاة في الشوارع.

يتحد مع تحوت ويغرق نفسه فيه. ويستعيض عن فقدان صوته بالتدوين فيخط آلاف الكلمات في اليوم بلغة اخترعها بنفسه ويسجل على جسده التاريخ. واقفا يتأمل أفقاً لا يبوح بشيء وسماء غائمة على الدوام "لم يعد الدوار يضايقني، تأقلمت معه". يقول "ما أكتبه يخيفني لأنه يثبت كل ما رأيت من أهوال، يحييه ويكرره بلا نهاية... أتذكر الشوارع الخاوية والبيوت المهدمة وآثار الحريق على المباني العامة. في الأيام الأولى كان المشهد صاعقاً ثم بدأت اعتاد عليه بحيث تكاد الحياة السابقة عليه تخبو من ذاكرتي وكلما أنطفأت، ازدهر الخراب بداخلي". لكن حتى تلك الشجرة العجوز الصلبة لا تصل أبدا لليقين وتتشكك فيما تراه، تتساءل أهو الصواب؟ وكيف تعرف أن رؤيتها للواقع هي الأقرب للحقيقة والجوهر؟

وفي "طلسم أخير" تستمر ربة الطلاسم في خداعنا. تتلون وتغير ماهيتها فتقول إنها اختارت الحجر لكنها أقرب إلى اللامرئية، تضيف "كان جسدي حروفي وحركاتي لغتي وأنفاسي متونا متروكة للعابرين... كنت فكرة خطرت للحجر وتسربت منه إلى العالم المحيط به". تنفتح على براح الكون ولا تكف رأسها عن الدوار عندما تشعر بالقيد. فراغ لكنها ليست فارغة إنما مليئة بالحياة. تخاف من قصف ما، وتجري في الدهاليز مختبئة وتخاف من فئران تشاركها وتنقل المخطوطات والوثائق المهمة إلى القبو.

تقول إنها تحب السيرك والسحرة وقد تحولت هي نفسها إلى ساحرة ربما اخفت كتاب "ألواح الزمرد" المنسوب لتحوت داخل متونها. كانت تنبهر بألاعيب السحرة وما أن تبدأ فقرة الساحر تتماهى معها بكيانها كله، ويسلب لبها سحر إخفاء الخداع كما صارت تجيده تماما. وتحيل كل هذا الدمار للساحر الذي استطاع قراءة عقلها وعرف إنها كتبت "ربة الطلاسم" في ورقة اخفتها عنه. "خيل إلي أنني لو نجحت في تضليل الساحر لما تمكن أحد اقرانه من إخفاء عالمي القديم... منذ ليلة الغارات رفضت سكنى البيوت، وتواءمت مع العراء". "ارتحلت مع الريح على طريق مهجور... لبرهة شعرت بالتحرر من أسر الحجر. عدت أثيرية من جديد".

إنها صاحبة الألف وجه، ربما تكون الشخصية الوحيدة التي تعرف منذ البداية كينونتها وتتلاعب بها وتتلون وتقدم السراب للعالم بخبث لتستمتع بالهواجس والشكوك التي تدور حوله. إنها الربة المعاقَبة المنفية التي لا تعبأ بشيء ولا تكترث للذاكرة. رفضت التدوين والكتابة ولم تنحن لتحوت. ربما ذهب عقلها خلال انتظارها بين الصخور وركودها في الطرقات الترابية بين بساتين الفاكهة، تقول إنها والنار شيء واحد وتغرق في الهلاوس والأسى. فقدت إحساسها بالاتجاهات وتعطلت بوصلتها الداخلية، لكنها لا تكف عن هدم بنائها وإعادة البناء في صيرورة دائمة وتعدد لا نهائي "بحيث أبدو كمهلوسة تنقض ما سبق وغزلته، كملتاثة سحبت العالم معها إلى مستنقعات الجنون".

الثلاثة تائهون بطرق مختلفة، تسيطر عليهم الهلاوس ولا يقتربون إلا ليبتعدوا من جديد. وكأن الغرق في الفوضى هو الطريق الأمثل للتعرف على ذواتنا والاستمرار في المزيد منها؛ "كنا في حاجة إلى التيه كي نعرف، والآن وقد فعلنا، لن يفيد الانتقال من مكان لآخر، فكل الأماكن سواء".

نقلاً عن جريدة "المدن" الإلكترونية.
7 /4/2018

Saturday, May 12, 2018

راوٍ في عالم متلاشٍ يتقمص أشكال الكائنات وطقوس حيواتها








كتاب "مأوى الغياب" يتناول صراعا ديناميكيا بين لغة عقلانية ومؤسساتية تشكل هيولى العالم، فيما يبشر غياب اللغة بالانهيار عبر توظيف أسطورة تحوت، مخترع الكتابة.


السبت 2018/04/28

عمار المأمون



تشير علامة التجنيس في كتاب “مأوى الغياب” للكاتبة المصرية منصورة عزالدين إلى أنها متتالية قصصية تتألف من خمسة عشر نصا أو قصة، تجمعها موضوعة الصراع بين اللغة وغيابها، وكأن عزالدين تكتب عن أثر يمّحي بمجرد تكونيه لغويا، أشبه بسوء اقتباس عن أصل متخيّل.
يتناول الكتاب، الصادر هذا العام عن داري “سرد” و”ممدوح عدوان”، صراعا ديناميكيا بين لغة عقلانية ومؤسساتية تشكل هيولى العالم، فيما يبشر غياب اللغة بالانهيار عبر توظيف أسطورة تحوت، مخترع الكتابة وإله الحكمة المصري، وصراعه مع ربة الطلاسم، فالأخيرة تغوي مريديها إلى عوالم تختفي ضمنها حقيقة الكلمات، وتتلاشى العلاقات النحوية بينها لتبقى الذات حبيسة الأوهام والتخيّلات.



تشترك الأساطير المرتبطة بالخلق والتكوين، سواء في الديانات الوثنية أو الإبراهيمية، بعلاقتها الوثيقة بالكتابة، وباللغة بوصفها مفتاحا للوجود. ليأتي بعدها التدوين بوصفه انتصارا للعقل وأساس أي نظام للموجودات، إلا أن الرواية تحضر ضمنه، بوصفها بحسب بعض نظريات الألسنية المعاصرة “كلاما غير جدّي”، وخيالا لا تأثير له في العالم، لكن هذه اللاجدية، هي ما تكسب الرواية قدرتها على خلخلة يقين العالم ولغته المنطقية، أشبه بلغة ضد “اللغة”، تختبر حدود المعنى، وتكشف عمّا أغفلته تقنيات التوصيف الرسمية.


الانعتاق من الأنا


نقرأ في النص الأول بعنوان “مدينة هالكة” عن تضاريس اللامكان، وشخص معلق أعلى صخرة حيث تلاشى العالم متروكا هناك على حافة السقوط، وكأن هذه الصخرة والخراب من حولها، هما أول اليقين وبعده تبدأ مفاتيح الشك، لندخل عوالم الخيال، وكأننا في جغرافيات ترابها كل نص مكتوب، كان أدبيا أم لا.
هذه العوالم تجمع كل من مارس فعل الكتابة، ليحضر وكأنه ارتقى أو سقط إلى عالم أساسه جوهر لغوي مشكوك في حقيقته، في ذات الوقت تنبع عنه كل النصوص لتصبح الأنا آخر معجونا بذوات بالآخرين، فما شهده المرء وحفظه لغويا، يتداخل مع مدن الآخرين وعجائب الأرض التي ابتكروها، ملتحما بشكل عضوي مع كلماتهم ووعيهم اللغوي.
تمّحي ذات الراوي إثر وعيه بمكوناتها اللغوية ويتفكك إدراكه لهذه الذات تدريجيا، ليغدو متحولا، لا ضابط له سوى إدراكه للتحول، هو يتقمص أشكال الكائنات وطقوس حيواتها، ينقسم مع خلاياها ثم يعود إلى فراغه، يتحرك في مساحات لا يمكن ضمنها تحديد جوهره، فكلما وصفَ لغويا تلاشت بصيرته.
تحضر ضمن التحولات السابقة ربة الطلاسم، تلك التي رفضت هبة الإله تحوت اللغوية، ووظفتها ضده، فتمائم اللغة وطواسينها تشكل المساحات التي تخلخل الوعي اللغوي، وتفتح الأبواب إلى عوالم الربّة التي تحل في الكائنات والعناصر، ثم تغيب خاطفة معها عقول من يريد الوصول لها، وكأنها توحي لمريديها بالأوهام، وتنادي راء تغيب ذاته، وينحل في ذوات الأشياء والعناصر والأفراد عله يلتقط أثرا لها.
نقرأ في الكتاب عن مرجعيات من الواقع إلى جانب تاريخ اللغة ذاتها، ونتلمّس عوالم تشابه ما نعرفه أو ما نسيناه، لتتضح لنا في النهاية العلاقة بين الواقعي والمتخيل، فالثلاثة الذين نقرأ عنهم ونحاول فهم تهيؤاتهم، أسرى النسيان ذاته، أشبه بضحايا ساحر، يحاولون جعل خدعته تنطلي عليه، هم ذوات تتلاشى وتتداخل، ضمن رواية أشبه ببديل عن العالم، أو قرين لا يتكرر. أما الرائي، ذاك تتلاعب به ربة الطلاسم، يكتشف أنه أضاعها، ليغدو التيه رحلته للبحث عن ذاته، لا عن مدائن ربة الطلاسم وتكويناتها، إذ يقول “أكافح كي أنسى، غير أن ذاكرتي تبقى حية نابضة، أحسد رفيقي أحيانا “هو على تغييبه المتعمّد لعقله، وهي على هلاوس فطرية تلغي الواقع، وتفصلني عنها”.

الذاكرة كنص

تحيلنا الرواية إلى الذاكرة الفردية، بوصفها حضورا لغويا، يمكن التلاعب بمفاهيمها عبر اللغة التي تكوّنها، فهل الذاكرة حقا وليدة خبرة جسدية معيشة، أم أنها مجرد تكوينات تنتمي إلى اللغة ومعانيها، هذه العلاقة الهشة مع الذاكرة، تبيح وباء المخيلة، فكل ما هو نصي قابل للتخيّل، أما الفراغات التي تحويها الذاكرة، فيمكن ملأها بالخيال، ليغدو الأخير واقعيا، كون اللغة وألاعيبها/الذاكرة هي ما تولد الأحاسيس والمعتقدات والأفعال، وهذا ما نقرأه، إذ يشك الراوي في ما يراه دوما، هل هو ملكه، أم يعود إلى نص آخر، كتب في مكان ما، أم لذاكرة ربة الطلاسم، فإيمانه ويقينه تلاشيا، ليبقى أسير الشك، مسائلا خبرته الشخصية، أكانت حقيقة أم مجرد كلمات مرصوفة محكومة بنبضات المخيلة.
تحاكم الرواية الكتابة بوصفها قيدا وانزياحا عن الغياب، مبشرة باللاحضور الكلي، كما في النزعات الدينية أو الرومانسية، والتي ترى في الكلمات مجرد ألاعيب ومحاولات قاصرة، لا ينتصر عليها سوى الصوت، بوصفه ضد التاريخ، كونه غير قابل للتدوين، ففي اللحظة التي تتشكل فيها الأحرف، تتلاشى الحقيقة وتنمو الحكاية التي لا يقين فيها. فإن كانت الكتابة أداة الحكمة، فالصوت أداة للتحول، ومعه لا تكرار أو بنى ثابتة، والكل مهددون بالسقوط من أعلى صخرة المصير، أما التدوين فليس سوى مجرد ألاعيب لهندسة الوقت الثابت، لنفي الصوت الصرف، هو محرك الزمن نحو اللانهاية، حيث لا كلمة ولا صدى.

نقلًا عن جريدة العرب الدولية.

Thursday, May 10, 2018

مأوى الغياب: لحظات الانشقاق والتحول في بنية الكتابة الأولى






 د. محمد سمير عبد السلام

تتضاعف الفضاءات التصويرية، والعلامات في المتوالية القصصية مأوى الغياب للروائية المصرية المبدعة منصورة عز الدين؛ وقد صدرت عن دار ممدوح عدوان للنشر بسوريا، ودار سرد 2018؛ فالنص السردي هنا يستنزف بنيته الذاتية، وينتقل إلى الكتابة بمدلولها الواسع، ويحمل النص الإشارت إلى بكارة تشكل الكتابة الأولى في رمزية استعادة تحوت، ثم يحتفي بإشارات التحول، والصيرورة الإبداعية للعلامات في خطاب شخصية ربة الطلاسم؛ فالكتابة هنا تشبه ديناميكية الحياة، والآثار الجمالية للوجود، والغياب، دون مركز.
وتومئ الساردة إلى عالم تصويري افتراضي يجمع الكتاب، وبعض شخصياتهم الفنية؛ مثل بورخيس، وكافكا، وكالفينو؛ وكأن مثل هذه العوالم الجمالية الاستعارية، تمهد لتجاوز مدلول الخصوصية في الكتابة، وتنتقل إلى المستوى الكوني / الجمالي فيما وراء الإدراك الذاتي للنفس، والعالم؛ وكأن هوية الساردة ستصير قيد لعبة حلمية في تداعيات الكتابة، واتساع مجالها الرمزي والتصويري في آن؛ وتذكرنا تلك العوالم الافتراضية الأولى بتضاعف النسخ في مكتبة بابل عند بورخيس، ومراوحتها بين المحدود، واللانهائي، أو السرمدي، وإن كان تضاعف العلامات عند منصورة عز الدين، يسعى لتفكيك بنية الغياب من داخل لعبة الكتابة، وصيرورتها، والتباسها السحري بالتشكيلات، والرموز التي يتداخل فيها الشخصي، باللاشخصي، والكوني.
هل تبدو الكتابة هنا انشقاقا مستمرا عن الأصل؟ أم عن مركزية تصور البدايات؟
إنها تبدو مثل لعبة أنثوية، تقوم على أخيلة المياه، ومقاومتها للتحديد؛ وهي تتجلى كتموجات من المجالات الاستعارية الجزئية المتداخلة المتجاوزة للغياب من جهة، أو كحفر مستمر للأثر الجمالي، يأتي مصحوبا بمتعة مستمرة لبدايات ذات نهايات مؤجلة؛ فمقاومة النهايات – في النص – تتجلى كرد فعل لعبثية التدمير، وآليته في المشهد الأرضي الصاخب؛ وكأن استراتيحية التحول التصويري تكمن في العمق الدلالي لبنية الغياب نفسها.
ويقوم النص أيضا على لعبة تداخل الأصوات، وتعدديتها بين أخيلة كل من الأنا، والآخر؛ فحضور الأنا قد يبدو كأثر جمالي نسبي في وعي الآخر، وأخيلته؛ ومن ثم يؤكد النص النزوع ما بعد الحداثي لتجاوز بنية الذات، والتباسها بالصور الحلمية، وبأخيلة الآخر / المحتمل.
وتقوم الرؤية السيميوطيقية للعالم الافتراضي الجديد – عند منصورة عز الدين – على التأثير الجمالي التأويلي لتشكيل / المثلث؛ وحدوده الغابة، والجبل، وبحر الأخيلة؛ وتبدو مثل هذه العلامات الثلاث كمحاكاة ساخرة ما بعد حداثية لصخب العالم، والتعالي الروحي الصوفي، والصيرورة الإبداعية للأخيلة التي تقع بين وعي الذات، وما يتجاوزها؛ فالجبل يقترن بفراغ إبداعي متعال، والغابة تشير إلى وجود صاخب تمثيلي؛ أما البحر فيبدو افتراضيا، ويقع بين الوعي، وأخيلة العالم، وتجدد الكتابة الأولى في صيرورة لانهائية محتملة.
وتومئ عتبة العنوان / مأوى الغياب إلى التعددية الدلالية لبنية الغياب؛ فالمأوى الافتراضي الذي اقترن بعوالم الكتاب الخيالية، صار فضاء تصويريا صاخبا في عمق الغياب، وأخيلة التدمير، وقد يشير إلى تجاوز الذاتي في الصور التأويلية المتخيلة المقاومة لمركزية الهوية، وخصوصيتها؛ فقد رأى السارد نفسه طفلا يلعب بين جدران متهدمة، أو رجلا يحفر، ويسوي الأرض ثم يعاود الحفر في العوالم الحلمية، وقد يرتبط الغياب بصيرورة الدوال، والتشكيلات التصويرية قبل تشكل المعنى، وربما في تجاوز المعنى نفسه في وفرة الصور، ولا مركزية تشكلها، واستحالة تحديدها، أو تأويلها.

*بكارة تشكل الموجودات في كتابة تحوت:

تجمع كتابة تحوت – في مأوى الغياب – بين الرغبة في التوثيق، والتسجيل، وبكارة التجسد التصويري الأول للعالم؛ وخاصة في الوعي بعلامة المرآة التي تشير إلى مبدأ التضاعف التصويري من داخل النزوع إلى التوثيق؛ فالنسخ والتشبيهات كما هي في تصور بودريار، تتجلى داخل التشكل الأول للمرآة التي تستنزف كلا من الامتلاء بالحضور، والفراغ معا.
وتذكرنا مثل هذه الإشارت إلى التجسدات التصويرية بتصور دريدا الواسع عن الكتابة الأولى، وتجاوزها لمدلول اللغة في كتابه في علم الكتابة؛ إذ يرى أننا كنا نطلق كلمة لغة على الفعل، والحركة، والفكر، والوعي، واللاوعي، والخبرة، والانفعال، ولكن نميل الآن أن نطلق كلمة كتابة على كل هذا، وعلى أشياء أخرى؛ فثمة كتابة أبجدية، ورمزية، وتصويرية، وموسيقية، ونحتية، ويؤكد أن المدلول يؤدي وظيفة الدال، ويقع من جديد في لعبة الإحالات. (راجع، جاك دريدا، في علم الكتابة، ت: أنور مغيث، ومنى طلبة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط2، 2008، ص 66، 69).
تتجاوز الكتابة – عند دريدا إذا – النسق اللغوي، وتميل إلى الأداء الذي يقع في قلب الوجود، وصيرورته التمثيلية الرمزية المحتملة، ونسخه التي تقع في لعبة الدوال.
هكذا تبدو تجسدات المرآة التمثيلية انشقاقا عن بنية التوثيق في الكتابة الأولى في نص منصورة عز الدين؛ فهي مفتتح للعبة الإحالات التمثيلية، والتصويرية المحتملة.
كما تؤكد كتابة تحوت – في النص – مدلول المكمل / الزيادة عند دريدا في ازدحام الوعي بوفرة الصور، والمشاهد، والشخصيات؛ وكأن الموجود يشيل إلى تضاعف محتمل للنسخ والتشبيهات من جهة، وإلى الالتباس الأول بالنظير التشبيهي الجمالي المحتمل في صيرورة الكتابة المكملة من جهة أخرى.

*التشكيل السيميائي للفضاء الافتراضي المثلث:

يتشكل العالم الافتراضي الخيالي للسارد من تكوين المثلث الذي يقع بين العالم الداخلي، والمجال الكوني، ورمزيته، والعالم الفني الجمالي؛ يقول السارد:
"لاحظت أنني في بقعة مثلثة الشكل؛ أحد أضلاعها يستند إلى جبل شاهق، والضلع الثاني يقود إلى غابة ممتدة، وحين وصلت إلى حافة الضلع الثالث، اكتشفت أنه يطل على بحر خيالاتي الهائج". ص 28، ثم يومئ السارد إلى صخب الغابة، وذاكرتها الحديدية الكونية، وأثرها الباقي كوشم النار فيمن يهتم بأمرها أو يتجاهلها، بينما بدا البحر داخليا، أو كتأويل أنثوي للوجود، واقترن الجبل بالفراغ المتعالي الروحي.
ويتجلى الفضاء السيميائي الافتراضي للمثلث – في المتوالية بصورة تجمع بين الكثافة الرمزية الكونية، والتأويل الإبداعي الخيالي، أو الاستعاري للعالم؛ فالمثلث ينفتح بصورة دائرية على الداخل، ويرمز لما يستنزف الداخل نفسه باتجاه الكوني الفسيح، وباتجاه العمق الكامن في صيرورة الكتابة الأولى؛ وكأنه مثلث إبداعي يتشكل دائما من تموجات المياه الخيالية، ومن صخب الفراغ، وأطياف الفن.
ويرى كاندنسكي في كتاب عن المكون الروحي في الفن أن المساحة المتسعة من المثلث تتضمن تحركا خفيا نحو الأمام، وإلى أعلى؛ وتمثل قمته رجلا متفردا وحيدا، يحمل الكآبة والغموض مع البهجة.
(Read, Kandinsky, Concerning the spiritual In Art, Translated by Michael T. H. Sadler - semantikon.com, P 13). 
هكذا تتضمن رمزية المثلث – عند كاندنسكي – ديناميكية، وتناقضا إبداعيا داخليا؛ وهو ما يؤكد تأويلاته المائية الخيالية عند منصورة عز الدين؛ وهو – في المتوالية – يجمع بين الاتساع الكوني، والرمزية المجردة التي تستعصي على التحديد، والاختزال.

*أخيلة المياه كمؤولات للذات والعالم:

يبدو الكون كله مائيا في وعي السارد، ويتداخل في تموجاته الجسد، والفراغ، والعلامات الكونية؛ ويذكرنا بطاقة الأنيما الأنثوية عند باشلار؛ إذ يشير في شاعرية أحلام اليقظة إلى نفورها من الحوادث، واتصالها بالتأملات الشاردة للمياه خاصة. (راجع، باشلار، شاعرية أحلام اليقظة، ت: د. جورج سعد، المؤسسة الجامعية للدراسات، والنشر ببيروت 1991، ص 63، 64).
يربط باشلار – إذا – بين طاقة التأملات في حلم اليقظة، وأخيلة المياه الأنثوية؛ وسنجد أن التأملات الإبداعية الشاردة في كتابة منصورة عز الدين صارت تحمل صخب الصيرورة الكونية، وتضاعفها الاستعاري المحتمل بين الفضاءات الداخلية، ودينامية مفاهيم الوجود، والحياة، والموت، والغياب، والانتشار الإبداعي المستمر للعلامات، والأصوات، والشخصيات الفنية معا؛ فالكون أصبح مجموعة تموجات تقاوم التحديد الزماني، وتعيد تشكيله فنيا؛ ويؤكد هذا التصور توحد المجالات التشكيلية بين السارد، والتجسد الجمالي لتصميم القلعة؛ إذ شعر بدهاليزها، ونوافذها في عالمه الداخلي؛ لقد صار تكوين الذات سورياليا مرنا، أو صار كتأمل في حلم يقظة استبدالي؛ ومن ثم صار الجسد نوعا من الكتابة التشكيلية التصويرية المعمارية؛ فالتجسد يموج كمادة قيد التحول الإبداعي المستمر.

*الصوت التمثيلي، وتعددية الخطاب:

تقوم متوالية مأوى الغياب لمنصورة عز الدين على مواصلة التجريب في بنية الصوت السردي، وفي تعددية الخطاب، وتداخلاته بين الشخصيات التي تقع بين عالمي الأنا، والآخر، كما يرتكز الخطاب على التجريب في التبئير الداخلي المتنوع وفق تعبير جينيت؛ إذ نعاين مجموعة من الأصوات التي تتصل بأصوات أخرى مكملة، أو مخيلة لأساطير، أو شخصيات إبداعية وليدة الرؤى الإنتاجية في تداعيات الكتابة؛ مثل صوت سارد / كاتب يعايش عوالم افتراضية للنصوص، والكتاب، وصوت الأنثى التي تعاين عبثية التدمير، وبزوغ عوالم الكتابة الاستعارية في المشهد الكوني، ونعاين صوتا تمثيليا متخيلا لتحوت، أو إعادة تشكيل لصوته الاستعاري في زمن آخر، ثم يتجلى صوت ربة الطلاسم التي تبدو مكملا مختلفا لتحوت، ويرتكز خطابها على الصيرورة الإبداعية للدوال، وتجاوز المنطق المحدود، والانفتاح على معرفة غنوصية مثلما تحدثت عن رؤيتها لذاتيتها التي تقع بين الأسطورة، وتحولات الكتابة، وانشقاقها المستمر عن المدلول الأول، باتجاه انفتاح الصور، والتأملات التصويرية.
         
نُشرت المقالة بجريدة الحياة. 

Saturday, March 17, 2018

إفلات الأصابع: الوقوف على حافة القيامة






منصورة عز الدين


"فتحت رواية "إفلات الأصابع" لمحمد خير لإلقاء نظرة سريعة عليها، ففوجئت بأنني في الصفحة الأربعين منها في غمضة عين. بحر رمال إبداعي، على ما يبدو".
كان هذا ما كتبته على صفحتي في الفيسبوك حين بدأت قراءة الرواية الصادرة مؤخراً عن دار الكتب خان، وما يعبر بالفعل عن إحساسي الأولي بها، إذ ثمة غموض آسر في صفحاتها الأولى يسحب القارئ بنعومة إلى عالمها وإيقاعها المتمهل، حتى وإن لم يلتقط (أي القارئ) للوهلة الأولى كل ملامحها، أو لم يفطن تماماً إلى الروابط بين فصولها وشخصياتها، إذ أن هذه الروابط مرجأة عمداً، ولا تتضح إلا تدريجياً.

تتناص الرواية مع قصة الخضر والنبي موسى، لكنه تناص رهيف مراوغ. فكما في العلاقة بالقصة القرآنية، نجد أنفسنا أمام طرفين؛ بحر وسيف، أحدهما يعرف أكثر ودوافعه للرحلة كلها غير مصرح بها وخافية على الطرف الآخر الباحث عن فهم ما يحدث والمندهش من معظم ما يمران به. في الرواية أيضاً يُقدِم بحر على جريمة قتل مثلما قتل الخضر الغلام المولود لأبوين صالحين، لكن وللمفارقة، جريمة بحر تقرِّبه لشخصية موسى حين قتل شخصاً واضطر للهرب، أكثر مما تقربه من شخصية الخضر الذي تتوارى الرحمة لديه خلف قناع يبدو للآخرين أقرب إلى القسوة.

وكما لعب البحر دوراً محورياً في القصة القرآنية، نجده في الرواية مركز العالم، كما نكتشف قرب نهايتها أنه المحفز على بدء الرحلة كلها من الأساس؛ فقد كانت العروسة الخشبية "سمنّوس" التي جلبها موج المد إلى تحت قدمي "بحر" في جلسته على الشاطئ الأوروبي أشبه بعلامة عليه اتباعها: "أمسكت "سمنّوس" وتأملتها ومن خلفها كان الضوء الأحمر يصعد من الأفق وراء البحر، ونظرت إلى ما وراء الموجات الأولى وفي الأزرق رأيت شيئاً يتخبط في الماء، وسمعت الصوت الهادر لزورق بخاري من لنشات شرطة البحرية يتجه نحوه، ولم أستطع من مكاني أن أرى كنه الجسم الذي رفعوه، لكن سرعان ما اتضح أن ذلك الجسم أياً كان، كان مجرد بداية، فقد امتلأ الماء بالأجساد فجأة، صارت تصعد من داخله إلى أعلاه كالفقاقيع، وصار المد يجلبها إلى الشاطئ رويداً رويداً، وإن لم تكن العروسة الخشبية قد أكدت لي شيئاً، فقد ملأتني رائحة أكدت لي كل شيء، وأعادتني الألوان المتناثرة إلى ما كنت قد نسيته، ومنحتني الإشارة الأولى لعودتي هذه، لرحلتي إلى هنا".

يمكن الاستطراد في تعداد نقاط تلاقٍ أخرى بين صحبة يوسف وبحر وبين رفقة موسى والخضر، غير أن الأهم من ذلك التأكيد على أن العلاقة بين بطلي "إفلات الأصابع"، بل والرواية بأكملها مفتوحة على تأويلات عديدة، وربما لم لو تشر كلمة ظهر الغلاف إلى الشبه بين رحلة النبي موسى مع الخضر ورحلة سيف مع بحر، لما انتبه كثيرون إليه ولما بحثوا عن نقاط التشابه، التي رغم سهولة تلمسها، يمكن رؤيتها في ضوء آخر لو أسلمنا أنفسنا للقراءة دون الانشغال بالمقارنة.
***
اختار صاحب "سماء أقرب" لعمله الجديد أن يسير الحكي فيه على هيئة خطين سردين متوازيين في البداية قبل أن يتقاطعا، أو بالأحرى خط سردي أساسي هو ذلك الخاص بسيف وبحر وما يتعلق بحياتيهما ورحلتهما، وخط آخر يتفرع ويتوزع على باقي الشخصيات وحكاياتها التي ستبدو مشتتة في البداية، رغم جماليات كل منها كنص منفصل، ثم تلتئم خيوطها وتُغزل معاً في النهاية لتمنحنا الرواية بعض أسرارها، وليس كلها، إذ يظل الكثير منها في موضع الاحتمال والتساؤل، لدرجة قد تدفع القارئ لإعادة القراءة مجدداً بحثاً عن علامات مخفية أو مفاتيح متوارية قد يكفل اكتشافها إضاءة بعض ما حرص الكاتب على تركه في حيز الظلال واللاوضوح.

من ناحية أخرى، ينجح خير في تقديم عالم مفارق للواقع عبر تفاصيل كاملة الواقعية، أو على الأقل يمكن ردها للواقع بسهولة. نستشعر أحياناً أن ثمة حذراً ما من التوغل في الغرائبية، أو مسافة محسوبة يبدو الكاتب حريصاً على وضعها بينه وبين الغرائبي والفانتازي، لكن في مقابلها مسافة أخرى تبعده عن الواقعي المعتاد، إذ أن الكتابة هنا ليست مجرد انعكاس للواقع، إنما تضفير لتفاصيله بطرق غير متوقعة بحيث نجد أنفسنا في نهاية المطاف في فضاء حلمي يحضر فيه طرف مما عايشناه، لكن بعد أن اشتغلت عليه يد الفن فحولته إلى خلق جديد ينطوي على جوهر أصله الواقعي مع حمولات التخييل والمجاز المفتوحة دوماً على ما هو أبعد من الواقع المحدود.

لا يدعي المؤلف هنا أنه يكتب عن الثورة، إذ لا تكاد ترد هذه الكلمة على امتداد صفحات الرواية، ومع هذا فالثورة حاضرة وقد استحالت خلقاً مجدولاً من جدائل الحلمي المراوغ والواقعي الرهيف المتجاوز لها ليشمل أي حدث مزلزِل. على المنوال نفسه يمثُل القمع والقهر بأكثر الصور خفوتاً وتأثيراً، عبر آثارهما على الوجدان بعد مضي زمن القمع بسنوات، فتجربة الاعتقال القصيرة طبعت حياة "بحر" بعدها بطابعها، وأورثته شعوراً دائماً بالتهديد وعدم الاستقرار: "تمحورت حياتي حول صيغة واحدة لا يمكنني بدونها أن أتنفس: أن أستطيع المغادرة في أي وقت، دون أن أشعر بأنني تركت شيئاً ورائي، وظيفة، ملكاً، شخصاً، أو حتى صفحات كتاب".

هكذا عاش بحر بحقيبة صغيرة جاهزة خلف الباب في كل مكان أقام فيه، واكتفى بقراءة الكتب صغيرة الحجم، وأكل المقبلات والأطباق الجانبية بدلاً من الطبق الرئيسي. أي أنه عاش حياة عابر السبيل المُطارَد والمهدد دوماً.
شخصيات الرواية والحكاية الخاصة بكل شخصية، مرسومة بمهارة وبدرجة عالية من الإقناع الفني رغم غرابة معظمها، لكن في لحظات بعينها شعرت أن بعض الشخصيات/ الحكايات تحتمل أن تتحول إلى عمل موسع قائم بذاته، لأنها ظُلِمت حين ظهرت عابراً هكذا، حدث هذا على وجه التحديد مع شخصية العلايلي، الذي جهز مستشفى وفريقاً طبياً كاملاً لمتابعة صحته وحده، وكذلك أشرف الطبيب الشاب في مستشفى العلايلي. توقعت أن أجد للاثنين دوراً أكبر في الصفحات التالية وبدا كل ما يخص العلايلي ومشفاه مثيراً للاهتمام، لكن هذا الخيط تحديداً لم يمتد كثيراً.

في المقابل، شخصية علياء لا تُنسى بكل تفاصيلها وبلعبة المرايا الموفقة الخاصة بشخصيتها الأخرى، وشخصية بحر بالطبع وسيف بكل تساؤلاته وارتباكاته، وأحمد الذي فضّل المؤلف افتتاح عمله به، واختار له أن يكون المحرك لرحلة قرية "وهدة" صوب الشاطئ الآخر، وهي الرحلة التي حفزت بحر -على نحو ما- على العودة ليبدأ رحلته الخاصة مع سيف.

حين أكتب عن الشخصيات على هذا النحو تبدو كشخصيات حقيقية، لكنها في العمل تمثُل مموهة ومشكوك في وجودها أصلاً رغم براعة رسمها. في محطات رحلتهما جمع البطلان حكايات كثيرة تخص الشخصيات المفترضة، دونها بحر وأنصت إليها سيف بانتباه، وحين اختفى بحر، عكف سيف على كتابة ما مرا به، لتأتي أسئلة ليلى له موحية بأن كل ما سبق من وحي خياله، قبل أن يشكك الكاتب في هذا الإيحاء في الصفحات الأخيرة مظهراً "بحر" المختفي كرسول يستشرف علامات النهاية/ القيامة، ومنهياً عمله بعنوان مراوغ هو "العودة". العودة إلى أين؟ ومن أين؟ وهذا الانهيار الأخير، أهو نبوءة بحدث مزلزل آخر يشبه الأول؟ قيامة؟ ثم إلى أي عالم ينتمي شخوص الرواية؟ أي عالم أفاق عليه علي ويتحرك فيه الموتى؟ أهو بعد الأبد بقليل أو بعد النهاية فعلاً مثلما يوحي عنوان الفصل الأخير؟ كما كل الأعمال الجيدة المراوغة، لا تمنحنا "إفلات الأصابع" أجوبة جاهزة. وكل جواب مقترح له -بين دفتيها- ما يؤيده وما يشكك فيه.

* زاوية "كتاب"، نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"....