Friday, November 25, 2016

السهو والخطأ: بشر كالسُكَّر في فراغات الشاي







منصورة عز الدين

في مجموعته القصصية "السهو والخطأ"، الصادرة مؤخراً عن دار الكتب خان، يبدو الكاتب حسن عبد الموجود منشغلاً بتخليق الغرابة من قلب العادي واليومي. حيوات شخصيات القصص عادية في الغالب وأفعالهم بسيطة ويومية، لكن الغرابة تطل من كل زاوية وجانب. يمكن ردها أحياناً إلى هلاوس ناتجة عن خلل نفسي ما وأحياناً أخرى ترد احتمالية السُكر أو تعاطي الحشيش على البال، لكن في الغالب، لن يكون مفيداً الانشغال بمصدر الغرائبي أو مبرراته الفنية، فالكاتب ينجح في إقناعنا بأن مفارقة الواقع المعتاد هو عالم شخصياته، وعلينا تقبله والتواطؤ معه قبل أن نحاول فك شيفراته، بل علينا أحياناً ألّا نحاول فكها والاكتفاء بتمثُّل عالمها المشابه لعالمنا والمختلف عنه في آن.

ما يوحي لي بالملاحظة الأخيرة، أن عبد الموجود في أكثر من قصة، يزيد الغموض ويضاعف الإبهام بجملته الختامية بدلاً من أن يقدم عبرها طرف خيط يقود إلى تأويلات محتملة، كأن غايته التلاعب بتوقعات القارئ الباحث عن معنى محدد.

تضم "السهو والخطأ" 16 قصة متناغمة كأنها وجوه عديدة لحالة واحدة، ما يخلِّف إحساساً بأننا أمام متتالية قصصية، حتى وإن اختلف الأبطال وتنوعوا بين بشر وطيور (غربان تحديداً) يحرص الكاتب على أنسنتهم بدءاً من جملة مفتاحية تلي العنوان مباشرةً في قصة "غربان" وهي: "نحن الغربان جمعنا عاقل."، فالكاتب عبر هذا الجملة لا يتحايل فقط على قاعدة لغوية تقضي بتأنيث جمع غير العاقل، بل بالأساس يضفي العقل على الغربان ويتعامل معها ككائنات مفكرة لا تختلف في مشاعرها وردود أفعالها عن البشر.

أنسنة الغربان هذه تقابلها "حيونة" البشر في قصة "جماعة النباتيين المتطرفة" التي تأتي أقرب لديستوبيا في صورة مدينة يسكنها بدناء كسالى ينتهي بهم الأمر إلى أكل بعضهم بعضاً لرفضهم التحول إلى نباتيين. في هذه القصة لا يحمل البدناء أسماء بل أرقام.

هؤلاء البدناء آكلو اللحوم عاشوا في مدينة معزولة ومنقطعة عمّا حولها بغابات كثيفة يصعب اختراقها، هذه العزلة إن كانت راسخة ومشيَّدة بإحكام هنا، موجودة وإن بدرجات مختلفة في كل قصص المجموعة تقريباً. فالوحدة تكاد تكون ماثلة برأسها في كل قصة، كأن الجميع محكوم بانعدام التواصل مع الآخرين، أو كأن استخدام اللغة مقصور على مونولوجات داخلية غير منطوقة في عقل الشخصيات، وحتى في الحالات القليلة التي تنطق فيها شخصية ما بجملة أو سؤال، يكون الرد عليها تكريساً للقطيعة وانعدام التواصل.

في قصة "السُكَّر في فراغات الشاي" مثلاً يعيش البطل في عالم خاص به، يرى ما لا يراه الآخرون. يشاهد مباراة فاز فيها المنتخب الوطني من وجهة نظره، لكن الجرائد تحدثت عن "هزيمة كارثية للمنتخب"، كما أنه متأكد من أن بطل مسلسل ما مات في الحلقة الأولى، في حين يؤكد زملاؤه في العمل أن هذا لم يحدث، وهو طوال الوقت مشغول بجار لا نعرف على وجه اليقين إن كان موجوداً بالفعل أم أننا أمام بطل فصامي! تتكاثف عزلة هذا البطل بكونه يعيش في مدينة صحراوية جديدة، وهذا ملمح يتكرر في غير قصة.

اللافت أن من يبدو معترضاً على العزلة وباحثاً عن التواصل (مع جنسه على الأقل) هو الكلب في قصة "كلب يدخن" الذي أصبح أكثر هدوءاً واستقراراً مع وليفته الجديدة  في فيلا ذات حديقة: "شاهدناه وشاهدنا، في طرف الحديقة، وبجواره كلبة تشبهه تماماً، وجرى ناحيتنا وتحركنا نحوه، وبدأ يتقافز حولنا بجنون للحظات، ثم جرى باتجاه عروسه، نظرا إلينا لحظة من بعيد، ثم غابا في بيت بجوار الأشجار."

وفي قصة "تمرين على رفع اليد"، المدير لا يكاد يرد على البطل الذي يعاني من الوحدة، وثمة مطعم فكرته "عدم الاستجابة" لطلبات الزبائن، حيث لا رد على الأسئلة وكل شخص يجلس وحيداً إلى طاولة. وهدف المطعم كما جاء في ورقة تعليماته: "إشعارك بأهمية التواصل عن طريق إغراقك في الوحدة."

أما في قصة "شجرة نائمة"، فيكتب الراوي: "لم يتحدث أحدنا مع الآخر، كل منا يفكر مع نفسه...." فتبدو الجملة كأنما تنطبق على كل شخصيات المجموعة لا شخصيات هذه القصة فقط.


فأبطال "السهو والخطأ" أشبه بـ"السكر في فراغات الشاي". أي أنهم ذائبون غير مرئيين من الآخرين، وحتى لو تمت رؤيتهم فهذه الرؤية اللحظية يتبعها التجاهل أو تأكيد القطيعة.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.

Friday, November 18, 2016

المغتربون: طيف الهولوكوست وحرب تسكن الذاكرة




منصورة عز الدين



أخيراً يمكن لقراء العربية أن يقرأوا الروائي الألماني ف. ج. زيبالد بلغتهم، حيث صدرت مؤخراً روايته "المغتربون" عن دار التنوير، بترجمة ممتازة لأماني لازار. وككل أعماله تدفعنا "المغتربون" لإعادة النظر في مفهومنا عن الرواية كنوع أدبي تم التوافق، بشكل أو بآخر، على قواعده وسماته.
فزيبالد، الذي يعد أحد أهم كتاب العالم، قدم دوماً اقتراحاً خاصاً لفن الرواية، يحمل بصمته هو، ويولِّف بينها وبين المقال وأدب الرحلات والسيرة الذاتية والصور الفوتوغرافية والرسوم الإيضاحية، في تناغم لافت.

بقراءة أي عمل لزيبالد تحضرني مقولة فالتر بنيامين: "كل الأعمال الأدبية العظيمة إما أن تلغي نوعاً أدبياً أو تخترع آخر."، كما أجدني حائرة في تحديد مقدار ما يدين به هذا العمل أو ذاك للواقع ومقدار ما يدين به للتخييل والاختلاق، لكن الانشغال بهذا الأمر يبدو عبثياً خاصةً في ضوء نصيحة زيبالد نفسه لتلاميذه في جامعة "إيست أنجيليا": "علينا عدم الوثوق في "الحقائق" الواردة بالأعمال التخييلية، إنها – في النهاية – وهم". وهذا صحيح، فحتى الحقائق والتفاصيل المستمدة من الحيوات الواقعية تكتسي بلمسة مخاتلة ما أن يتضمنها عمل تخييلي ما، وزيبالد ماهر جداً في وسم كتابته، مهما بلغت واقعيتها، بمسحة شبحية مفارقة للواقع، وهي مهارة لا ينافسه فيها من الكتاب المعاصرين سوى خابيير مارياس.

في روايته هذه، المقسمة إلى أربعة أقسام، يقتفي زيبالد أثر أربعة مغتربين مثقلين بذاكرة مهلكة وهم: د. هنري سلوين الليتواني الأصل الذي انتحر في النهاية بإطلاق النار على نفسه، وبول بيرايتر المدرس المفضل للراوي في مدرسته الابتدائية بألمانيا والذي أنهى حياته بالتمدد أمام قطار، وآمبروز أدلفارت خال والدة الراوي المهاجر إلى أمريكا، قبل الحرب العالمية الأولى، حيث عمل لدى عائلة يهودية ثرية وأصبح وصيفاً ورفيق سفر لابن العائلة كوزمو، والذي التحق بإرادته بمصحة للأمراض العقلية في إيثاكا مقبلاً بلا تردد على جلسات العلاج بالصدمات الكهربائية كأنما يرغب في التماهي مع كوزمو في مصيره، حيث كان الأخير قد أصيب بمرض عقلي مدمر في أواسط العشرينيات. أما المغترب الرابع فهو ماكس فربر الذي تعرف عليه الراوي في مانشستر حين انتقل من ألمانيا لإنجلترا، فنان تشكيلي لن يكتشف الراوي أنه يهودي ألماني إلا متأخراً، وتتداخل حكايته مع حكاية أمه لويزا التي اختفت مع أبيه في غياهب معسكرات التجميع النازية بعد أن نجحا في تهريب ابنهما ماكس إلى إنجلترا وهو في الخامسة عشرة من عمره.

وإذا كان معظم الكُتَّاب يجهدون لإقناع القراء بأن شخصيات وأحداث رواياتهم متخيلة، فإن زيبالد يبذل ما في وسعه للإيحاء بأنه يكتب عن أشخاص حقيقيين لا متخيلين، وأنه هو نفسه راوي "المغتربون" الذي يقوم بدور أقرب لدور المحقق الصحفي في جمع المعلومات ممن عرفوا هذه الشخصيات عن قرب ونقلها على الورق في سرد يمزج بين السيرة الذاتية (سيرة الراوي المتطابقة مع سيرة حياة زيبالد وسيرة لويزا كما وردت في مذكراتها) وأدب الرحلة (سواء في رحلات الراوي للتنقيب في ماضي شخصياته وزيارة الأماكن التي عاشوا فيها، أو اليوميات التي دونها آمبروز لرحلاته مع كوزمو) وبين التخييل والأحلام والتفاصيل الواقعية الصرفة، كل هذا مدعوماً باستخدام الصور الأرشيفية بطريقة صارت مسجلة باسم صاحب "أوسترليتز".

تثبت "المغتربون"، مثل أعماله الأخرى، أن زيبالد المولود قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بعام، لم يبرأ قط من آثارها، إذ بقى ظلها ماثلاً في وعيه ومخيلته، تماماً مثلما ظل شبح الهولوكوست مخيماً على أعماله باعتباره النص المضمر الجامع بينها.
من يقرأ روايات زيبالد يشعر بأن الحرب العالمية الثانية لم تنته بعد، بل لا تزال مشتعلة في الذاكرة الجمعية، وكما كتب في مفتتح الفصل الأول: "من كُتبت لهم النجاة أهلكتهم الذاكرة." فالذاكرة مهلِكة لدى زيبالد وشخصياته سواء من شارك منهم في جيش النازي أو من قُتِل في معسكر اعتقال أو من نجا ظاهرياً، لكنه واصل حياته بذاكرة حرمته الطمأنينة حتى انتهى به الأمر إلى الانتحار أو استدعاء الجنون والارتماء في أحضانه.

وإذا كانت الحرب لا تزال ماثلة على هذا النحو، فمن الطبيعي أن ترى عينا الراوي المدن كخرائب، تماماً كمدن طفولته. يكتب: " منذ زرت ميونيخ لم أشعر بشيء مرتبط بكلمة "مدينة" بشكل شديد الوضوح مثل وجود أكوام الأنقاض، وجدران أكلتها النيران، وفجوات النوافذ التي يمكن للمرء أن يرى من خلالها الهواء الفارغ". هكذا أيضاً ستركز عيناه على آثار الدمار حين يصف مانشستر الستينيات: "في موس سايد وهولم كان يوجد عمارات كاملة مكسوة أبوابها ونوافذها بألواح خشب، ومناطق برمتها كل ما فيها مهدم."، "قد يتصور المرء أن المدينة هُجرت منذ أمد طويل، وتُرِكت الآن كمقبرة كبيرة أو ضريح". "مدينة مغبرة بالسخام، كانت تنجرف نحو الدمار بثبات."
خارج مركز المدينة بالمثل سيستوقفه كل ما هو مهجور مثل: "حي اليهود المهجور"، "مصانع الغاز المهجورة". وستبدو له "المراكب القليلة وسفن الشحن الجاثمة متباعدة على جوانب الأرصفة مهشمة بصورة غريبة ذكرتني بكارثة سفن جسيمة."
إنها الحرب حين تحتل الوعي، وتلوِّن الرؤية للعالم حتى بعد انتهائها بعقود.

***

مثل روايات زيبالد الأخرى، تحتوي "المغتربون" على طبقات عديدة تحتاج إلى النبش والتدقيق، فالعمل - الذي يبدو لأول وهلة واضحاً ومباشراً - حافل بالإحالات والتلميحات والتناصات المتوارية. لو لم ينتبه إليها القارئ لن يقل استمتاعه أبداً بالنص وتقديره له، لكن الانتباه لها يكشف عن مدى عمق أسلوب زيبالد في الكتابة، كما يخبرنا أن اللعب الفني، حين يقدمه أحد كبار الكتاب، يأتي رهيفاً لماحاً بلا تبجح أو مبالغة كما يفعل متوسطو الموهبة.

في القراءة الأولى للعمل لفتت نظري تفصيلة "رجل الفراشات" وظهوره الخاطف من فصل لآخر، أدركت أنها ليست تفصيلة مجانية، لكنني لم أتمكن من سبر غورها، حتى قرأت مراجعة لاري وولف - في النيويورك تايمز - للرواية حيث أوضح أن رجل الفراشات المقصود هو الروائي الروسي فلاديمير نابوكوف، فأعدت قراءة الرواية مرة أخرى مقتفية أثر هذه التفصيلة لأكتشف أن حضور نابوكوف في "المغتربون" لا يتوقف عندها.
فحين يفرج د. سلوين الراوي على صور رحلته إلى كريت يكتب الأخير: "الدكتور سلوين في سروال يصل حتى الركبة مع حقيبة كتف وشبكة لصيد الفراشات. واحدة من اللقطات ماثلت، حتى بتفاصيلها، صورة لنابوكوف في الجبال فوق جشتاد اقتطعتها من مجلة سويسرية قبل بضعة أيام". وفي الفصل الثاني، حين التقى بيرايتر بلوسي لاندو لأول مرة كانت تقرأ السيرة الذاتية لنابوكوف. وفي الفصل الثالث، الخاص بآمبروز أدلفارت، يلعب رجل الفراشات دوراً أكبر حيث يظهر كشخصية عابرة تخايل آمبروز وهو في المصحة بإيثاكا (حيث عاش نابوكوف لسنوات طويلة)، إذ اعتاد آمبروز رؤية كهل يحمل شبكة صيد فراشات، وأطلق عليه لقب: "رجل الفراشات". وكانت آخر كلمات آمبروز في يومه الأخير: "لا بد أنني نسيت بينما أنتظر رجل الفراشات."، حين سأله د. إبرامسكي عن سبب عدم حضوره لجلسة العلاج.
أما في الفصل الأخير الخاص بماكس فربر فيظهر "رجل الفراشات"  طفلاً في مذكرات لويزا لانزبرغ، والدة فربر، التي أشارت لرؤيتها لسيدين روسيين مهذبين للغاية، كان واحد منهما يتحدث بجدية مع فتي في العاشرة كان يطارد الفراشات. وأضافت لاحقاً عن ذاك الطفل الروسي: "رأيته كرسول للفرح، عائداً من ذلك اليوم الصيفي البعيد ليفتح صندوق عيناته ويخرج الفراشات الأكثر جمالاً".
وقد أوضح لاري وولف في مقاله، المشار إليه سابقاً، أن هذا المشهد يتناص مع ذكرى، جرت في كيسينغن بألمانيا، وأوردها نابوكوف نفسه في مذكراته. لكن ما الذي يجمع نابوكوف بمغتربي زيبالد وكائناته المعذَّبة؟
الكاتب الروسي قضى فترة لا بأس بها من حياته مع أسرته بألمانيا كلاجئين سياسيين، ويعد من أشهر الأدباء المهاجرين. أخوه سيرجي قُتِل في معسكر اعتقال نازي عام 1945، وزوجته فيرا كانت يهودية فقدت وظيفتها عام 1936 بسبب تصاعد العداء للسامية في ألمانيا فاضطرا للمغادرة إلى باريس قبل أن يستقرا في النهائية بالولايات المتحدة، تحديداً في إيثاكا حيث انتهت حياة آمبروز أدلفارت بينما ينتظر رؤية "رجل الفراشات" وقد صار كهلاً.
بالنظر إلى حياته على هذا النحو، يبدو فلاديمير نابوكوف كأنه شخصية خارجة لتوِّها من إحدى روايات زيبالد، أو قرين أدبي له، يستحضر طيفه هنا كما استحضر أشباح ستاندال وكافكا وكازانوفا في روايته المدوِّخة "فيرتيجو".

أشرت سابقاً إلى أن زيبالد يمزج السيرة الذاتية بالتخييل وأدب الرحلة، وأرغب فقط في توضيح أنه حتى في حالة كتابته لما يكاد يتطابق مع سيرته الذاتية المعروفة لمحبيه، نجده لا يتخلى عن "غيرية" تميز كتابته، وأعني بها مسافة محسوبة بدقة يضعها بينه ككاتب وبين ما يكتب عنه، ربما يساعده فيها هنا أنه يتقمص دور المحقق أو الصحفي جامع المعلومات عن شخصياته باللجوء إلى من عرفوهم عن قرب، متيحاً لنا أن نرى مغتربيه في عيون وسطاء وفي عينيه وعبر كتاباتهم هم عن أنفسهم (في حالة آمبروز ولويزا)، والملاحظ أنه طوال الوقت يحرص على أن يحكي هؤلاء الوسطاء بضمير الأنا، أي أنهم يقدمون ذواتهم فيما يقدمون المخفي من سيرة الشخصيات الرئيسية. كما أن ذات الكاتب تختلط بذوات شخصياته وتتداخل معها، كيف لا وهو مثلهم مثقل بعبء الذاكرة ومغترب في إنجلترا التي انتقل إليها منذ نهايات الستينيات حتى وفاته عام 2001!
فابن الجندي في جيش النازي يبدو كأنما كتب للتكفير عن جرائم مواطنيه ولمداواة الذاكرة الجريحة عبر النبش فيها أولاً وإخراج كل ما حاولت مداراته والتواطؤ على نسيانه إلى العلن.

نقلاً عن زاوية "كتاب" بجريدة أخبار الأدب.


Friday, November 11, 2016

أبناء الأيام: مكر التاريخ وذاكرة غاليانو



منصورة عز الدين


"خوفي الأكبر هو أن نعاني جميعاً من فقدان الذاكرة، كتبتُ لاستعادة ذاكرة قوس قزح الإنساني المُعرّض لخطر التشويه." جملة الكاتب والصحفي الأورجواياني إدواردو غاليانو هذه مفتاحية للدخول إلى عالمه، ولفهم دوافعه ومحفزاته للكتابة على النحو الذي يكتب به. فالكتابة عنده ليست فقط تميمة ضد النسيان، بل آلية مقاومة أيضاً.
قد يبدو توصيف كهذا أقرب للكليشيه، لكن أسلوب غاليانو المتفرد يعيد له اعتباره وجدته ويحقنه بمعانٍ ودلالات إضافية. كيف لا وصاحب "ذاكرة النار" نجح في تحويل التاريخ إلى فن خالص؟! كأننا مع كل قراءة لعمل من أعماله نجد أنفسنا أمام تطبيق عملي لرؤية فريدريش دورنمات الخاصة بـ"الفن حيث لا يتوقعه أحد"، حتى وإن كان هذا التطبيق لم يخطر على بال دورنمات حين كتب عبارته هذه في سياق آخر.

في كتابه "أبناء الأيام"، الصادر عن دار "دال" بترجمة للمترجم الكبير صالح علماني، يحمل غاليانو كعادته صوت المنسيين ويمنحه قوة وحيوية تصلان به إلى مدى أبعد. يذكِّر بهم، وينتشلهم من الصمت والعراء ليضعهم في سياقات ملهمة ومحرضة على إعادة النظر في ما نتعامل معه كمسلمات.
الكاتب في حالة غاليانو، موسوعي مطلع على الدفاتر المنسية بل وحتى غير المدونة، كأنه نقلها عن آخر رواتها الشفاهيين. يُبرِز الشقوق والثغرات في حوائط التواريخ الرسمية، ويقدم سرديات بديلة تحتفي بتنوع البشر وتعدد ثقافاتهم، وتعيد الاعتبار لحضارات قديمة توارت وأُبيد ممثلوها، وأُحرِقت كتبها المقدسة ونواميس حكمتها، لا لشيء إلّا لأن مصالح السادة المسيطرين ارتأت أن هذه هي الوسيلة المُثلى لفرض سطوتهم وتغليب روايتهم التي تضمر أن ثقافة واحدة مهيمنة هي السبيل الأوحد للتقدم، وأن لا حضارة خارج حدودهم.

جاء "أبناء الأيام" أشبه بروزنامة بكل أيام العام، ولكل يوم اختار غاليانو حدثاً تاريخياً، وقع فيه، ليسرده أو يشير إليه في صورة شذرة مكتوبة بفن. منذ البداية ندرك أن ما ينتقيه صاحب "مرايا" ينتمي، في أغلبه، للتاريخ المغيَّب والمُتجَاهَل، ففي اليوم الأول (1 كانون الثاني/ يناير) يكتب: "ليس هذا اليوم هو أول يوم في السنة عند المايا واليهود والعرب والصينيين وآخرين كثيرين من سكان هذا العالم. تحديد هذا اليوم اخترعته روما، روما الإمبراطورية، ثم باركته روما الفاتيكان، ويبدو من المبالغة القول إن البشرية بأسرها تحتفل بهذا التجاوز لحدود الأعوام. ولكن أجل، لا بد من الاعتراف: الزمن شديد اللطف معنا، نحن الرحالة العابرين فيه عبوراً سريعاً، وهو يمنحنا الإذن بأن نعتقد أنه يمكن لهذا اليوم أن يكون الأول بين الأيام، وكي نعتقد أنه يوم بهيج مثل ألوان محل خضار وفاكهة."

كذلك لن يكون مفاجئاً أن الحدث الذي سينتقيه غاليانو لثاني أيام السنة هو سقوط غرناطة. "إنه انتصار محاكم التفتيش المقدسة. فغرناطة هي آخر مملكة أسبانية كان يمكن فيها للمساجد والكنائس والكُنس أن تتجاور".

شذرات الكتاب تبدو أحياناً كأقاصيص تتوفر لها كل شروط وسمات الأقاصيص الجيدة، وتعبر في أحيان أخرى عن آراء في الفن أو الأدب أو السياسة، غير أنها تحافظ دوماً على اللماحية والذكاء.
فيوم 29 كانون الثاني (يناير) يخصصه المؤلف لذكرى ميلاد أنطون تشيخوف ويعنونه بـ"صامتاً أقول": "اليوم وُلِد أنطون تشيخوف، في عام 1860. كتب كمن لا يقول شيئاً. وقد قال كل شيء."
كما يخصص يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) لمحمد بو عزيزي الذي صارت النار التي أحرق بها نفسه شعلة بحجم العالم العربي، "المشتعل بأناس ملوا من كونهم لا شيء."

على امتداد صفحات الكتاب، نتعرف على  آنخيلا لويج، التي كانت "واحدة من آخر السكان الأصليين في تييرا دل فويجو، هناك في أقصى العالم، والأخيرة التي تتكلم لغتهم. وحيدة كانت تغني آنخيلا، ولا لأحد كانت تغني، بتلك اللغة التي لم يعد هناك من يتذكرها".
وعلى شعب الأونا الذين كانوا يعبدون في أزمنة مضت عدة آلهة. الإله الأعلى بينهم يدعى "بيماولك" بمعنى "كلمة". وعلى إليسا لينش وهي تحفر الأرض بأظافرها كي تدفن زوجها في أرض كانت أرضه. ونتحسر على كتب المايا - الحافظة لثمانية قرون من الذاكرة الجماعية – وهي تُحرق على يد الراهب الفرانسيسكاني دييغو دي لاندا، قبل قرون في فناء دير ماني في يوكاتان.

غير أن واحدة من أكثر شذرات الكتاب لفتاً للنظر هي تلك الخاصة بيوم 8 تشرين الأول (أكتوبر) وهو اليوم الذي اُغتيل فيه ثاباتا في المكسيك عام 1919، وقُتِل فيه أغوسطو سيسر ساندينو في نيكاراجوا عام 1934، وحوصِر فيه جيفارا عام 1967 قبل أن يٌقتل في اليوم التالي. "الثلاثة سقطوا بالرصاص غدراً في كمائن (.....) والثلاثة عوقبوا لأنهم رفضوا أن يعيد التاريخ نفسه." كما يكتب المؤلف. كأن التاريخ، بمكره المعتاد، يسخر من تمردهم ورفضهم تكراره لنفسه. ما يذكرنا على الفور بجملة غاليانو الشهيرة: "التاريخ لا يقول "وداعاً" أبداً، بل يقول: أراكم لاحقاً!"

 زاوية "كتاب" نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب".....

Friday, October 21, 2016

البنت الأخرى ولم أخرج من ليلي: سر آني إرنو





منصورة عز الدين

تبدو الروائية الفرنسية آني إرنو كأنما تعرف ما تريده من الكتابة بالضبط، والأهم أنها تعرف كيفية تحقيقه، فوفقاً لجملتها الشهيرة "ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنىً وقيمةً، وجعله في النهاية لا يُنسى."، وهذا ما تقوم به، إذ تمنح لجروحها معنى وقيمة عبر الكتابة، ولا تكف عن تشريح الذات والعلاقات بنفاذ بصيرة يصل حد الاستبصار.
وأنا أقرأ آني إرنو، أتذكر جملة جوان ديديون الخاصة بأن الكتابة فعل عدائي يتمحور حول قول "أنا"، حول فرض ذات الكاتب على الآخرين، حول قوله لغيره: "إنصت إليّ، إنظر بعينيّ، غير رأيك!"

مع فارق أن ديديون في رواياتها تعتمد على التخييل والبنية المركبة على عكس ما تسلكه في كتبها غير الروائية، في حين أن إرنو تكتب ذاتها وتضع كل تفاصيل حياتها وعلاقاتها تحت المجهر دون حاجة إلى التخييل، كما تبدو غير مهتمة بتغيير رأي الآخرين أو بالتأثير فيهم، وإن كانت تنجح في هذا، إذ يشعر قراؤها بأنها تحكي عنهم، وبأنها تمنح هواجسهم الخاصة ومشاعرهم المسكوت عنها صوتاً.
تكتب عن علاقتها بأمها في "امرأة" فتشعر قارئات كثيرات بأن الأم تشبه أمهاتهن، وعن علاقتها بحبيبها في "عشق بسيط" فتبدو كمن تقبض على جوهر العشق إن كان له جوهر.

في تقديمها لترجمتها لـ"الحدث" تصف الشاعرة هدى حسين كتابة إرنو بأنها: "تكمل عندي جملاً لم أقلها، وتنهي مراحل لا أرغب في أن أعيشها كاملة."
وفي تقديمها لترجمتها لـ"البنت الأخرى و لم أخرج من ليلي" تكتب الروائية نورا أمين: "لقد عشت قصص آني إرنو كأنها حكاياتي الشخصية. غصت فيها وتجسدتها. توحدت مع صوتها حتى خُيِّل إليّ أحياناً أنها تكتبني بشكل شخصي."

أنا أيضاً ينتابني إحساس مشابه حين أقرأ أعمال إرنو، رغم انحيازي عادةً للتخييل والتركيب.
إلّا أن التماهي بيني وبين إرنو تضاعف أثناء قراءة "البنت الأخرى" (صدرت بالفرنسية في 2011) لسبب أساسي هو أني فقدتُ أختاً صغيرة مثلها، وكتبت عنها قصة بعنوان "فتاة فبراير" ضمن مجموعتي القصصية الأولى. الفارق أني رأيت شقيقتي الصغيرة "ياسمين"، التي رحلت بعد شهرين من ميلادها، أما إرنو فوُلِدت بعد وفاة شقيقتها "جينيت" بعامين، ولم تعرف بأمرها سوى وهي في العاشرة، إذ ظلت الصغيرة الراحلة السر المقدس في حياة الوالدين، وعاشت كاتبتنا في ظل الطيف المهيمن لمن خنقتها الدفتيريا.

ولأن الصور القديمة هي كل ما يربط "البنتين"، تبدأ آني نصها "البنت الأخرى" بوصف صورة سِبيا، بيضاوية للرضيعة جينيت، وكيف كانت تظنها صورتها هي، أي أننا منذ البداية نجد أنفسنا أمام التباس: أنا/ هي. وهو الالتباس المهيمن على النص بكامله بداية من العنوان. فما يطرأ على الذهن حين نقرأ عنوان "البنت الأخرى" هو أن الإشارة هنا للأخت المحكي عنها، غير أننا نكتشف لاحقاً أن الكاتبة تقصد نفسها بـ"البنت الأخرى"! فالذات تخلت عن مركزيتها وصارت آخر، والأخت الغائبة احتلت المركز وأزاحت أختها الحاضرة إلى الهامش.

علاقة الإخوة نفسها مشكوك فيها وفقاً لإرنو، حيث لا يقرها سوى السجل المدني. "لكنك لست أختي، لم تكوني أبداً أختي. لم نلعب سوياً ولم نأكل سوياً ولم ننم سوياً. لم ألمسك أبداً، ولم أعانقك. لم أرَ أبداً لون عينيك. لم أركِ أبداً. أنت بلا جسد، بلا صوت، مجرد صورة مسطحة في فوتوغرافيا الأبيض والأسود."

المشاعر التي تعبر عنها الكاتبة هنا بالغة التعقيد، فهي خليط من الغيرة والتنافس مع ظل خفي، والذنب لأنها نجت من التيتانوس فيما رحلت شقيقتها التي هي دافع الحكي ومبرره. "أنا لا أكتب لأنكِ متِ. لقد متِ من أجل أن أكتب. هناك فارق كبير."، لكن كيف تكتب إرنو ما لا تعترف بوجوده، ما لم تره سوى كغياب تام مخبَّأ في قلبيّ الأب والأم باعتباره سرهما الأعظم؟
تفعل هذا عبر رصد وتشريح تأثير كل هذا عليها هي: "ليس لكِ وجود إلّا عبر بصمتكِ على وجودي. أن أكتبكِ هو ألّا أتعدى معاينة غيابكِ. إنكِ شكل فارغ يستحيل ملؤه بالكتابة."

اللافت أن آني إرنو تصف نصها، في أكثر من موضع، بالرسالة. وهو فعلاً رسالة موجهة لجينيت أينما كانت. والتحدي الماثل هنا، هو أن "ضمير المخاطب فخ. ففيه شيء خانق، ويقيم بين الأنا والأنت حميمية متخيلة بفوحان الشكوى، إنه يقرِّب كي يلوم. وبرقة يميل إلى أن يجعل منكِ سبب وجودي، وأن يحط من شمولية وجودي بسبب اختفائك."

هكذا تواصل إرنو الجري وراء ظل، معتبرة أن رسالتها المكتوبة لجينيت رد دين متخيل بأن تمنح أختها الوجود الذي منحه لها موتها، فلو عاشت جينيت لما أتت آني إلى العالم لأن أبويها كانا مصممين منذ البداية على إنجاب طفل واحد فقط.

النص الثاني الذي يضمه الكتاب الصادر مؤخراً عن دار أزمنة، هو "لم أخرج من ليلي" الذي سبق أن صدرت طبعته الأولى عن المركز القومي للترجمة، وتسرد فيه إرنو قصة مرض أمها بـ"ألزهايمر" وتفاصيل إقامتها في قسم المسنين بمستشفى "بونتواز". الكتاب، الصادر بالفرنسية عام 1997، تم تدوينه على هيئة يوميات أثناء مرض الأم التي يعرفها قراء آني إرنو جيداً عبر نص "امرأة". في "لم أخرج من ليلي" يتعرف القراء على وجه آخر للسيدة دوشاسن هو وجه المرض والأفول، وعلى ملمح مختلف من علاقة الكاتبة بها.

سواء في "البنت الأخرى" أو "لم أخرج من ليلي"، تحافظ آني إرنو على سرها الخاص ككاتبة تجيد النفاذ إلى أعماق المشاعر الإنسانية بكل تعقيدها. وأخيراً تبقى الإشارة إلى المقدمة الكاشفة التي قدمت بها نورا أمين النصين، والتي تعد مدخلاً مثالياً للتعرف على إرنو وعالمها الأدبي.

زاوية "كتاب"، نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"...

Friday, October 14, 2016

ذبابة في الحساء: الحرب لعب أطفال وفأر التجارب يكتب الشعر






منصورة عز الدين

يفتتح الشاعر الأمريكي من أصل صربي تشارلز سيميك سيرته الآسرة "ذبابة في الحساء"، الصادرة مؤخراً عن الكتب خان بترجمة للشاعرة إيمان مرسال، بالتأكيد على عادية قصته ومألوفيتها. "قصتي قصة قديمة وأصبحت الآن مألوفة. لقد تشرد كثير من الناس في هذا القرن. أعدادهم مهولة ومصائرهم الفردية والجماعية متنوعة، سيكون مستحيلاً أن أدعي تميز وضعي كضحية، أنا أو أي شخص آخر، إذا أردت الصدق."

غير أن ما يكتبه يعد درساً في تحويل العادي والمكرر إلى فن خالص، واستخلاص الفرادة من قلب ما قد يحوله الكثيرون إلى كليشيهات.
واللافت أن سيميك قادر أيضًا على جعل من لم يمروا بتجاربه نفسها شركاء له فيها، كأنهم اختبروها وكانت جزءاً من تاريخهم الشخصي، ربما لأنه يلتقط التفاصيل الإنسانية البسيطة، ويعبر عن اشتهاءات البشر وآلامهم (أياً كانت مسبباتها) بصدق وبراعة.

يبدأ المؤلف كتابه بطفولته في بلجراد خلال الحرب العالمية الثانية، حيث الموت حدث يومي، والخراب في كل مكان، والقصف لا يكاد يتوقف، لكن ما يتوقف أمامه، هو ما يتجاهله الآخرون غالباً في كتابتهم عن فترات مماثلة.
قد يشعر البعض بأن سيميك يرصد سعادات الحرب وجماليات العيش في ظلها! لكن هذا ليس بالتوصيف الدقيق، ربما الأدق اقتراح أنه يقدم وجوهاً أخرى للحرب، ويبرهن على كيف يمكن للإنسان أن يخترع سعاداته الخاصة رغماً عنها وعلى هامشها. كيف يمكن له أن يتمرد على تأطيره في خانة الضحايا وينقل نفسه إلى خانة الناجين حتى ولو مؤقتاً.
تلك آلية مقاومة يبرع فيها الأطفال والاستثنائيون، وسيميك ماهر في تقمص الطفل الذي كانه وفي التعلم منه.

يقدم صاحب "المسخ يعشق متاهته" الحرب في أكثر من موضع باعتبارها لعب أطفال. حيث تتحطم القيود التقليدية وتتيح الفوضى للصغار مساحة للّهو. يكتب سيميك:
"وفر لنا زمن الحرب ملاهٍ للرياضة وزحاليق وبيوتاً خشبية وحصوناً ومتاهات يمكن العثور عليها في ذلك الخراب عبر الشارع. كان هناك جزء قد تبقى من الدرج، كنا نصعد بين الحطام وفجأة تظهر السماء! (.....) نجلس بسعادة بين أطلال غرفة طعام شخص ما بالدور الثالث، يأتينا من الشارع تحتنا صياح واحدة من أمهاتنا وهي تشير إلينا بينما ابنها يهرول إلى أسفل مجاهداً في تذكر أين كان يضع قدميه أثناء الصعود. كنا نلعب جنوداً، استمرت الحرب. نزلت القنابل. ولعبناً جنوداً."
وفي موضع آخر يكتب عن جلوسه في بيت جده لأكل البطيخ والتفرج على المدينة وهي تحترق. "يصر جدي أن أجلس بجانبه. يقطّع لي الجبن ويعطيني رشفة من النبيذ الأحمر بينما نصغي لأصوات الانفجارات المكتومة."

قد يخطر في بال قارئ ما تساؤل: هل فِلتر الزمن والمسافة بين المرء وبين أهوال الماضي هما المسئولان عن هذه النبرة المسيطرة على الكتاب؟
وهو سؤال مشروع، لكن أولاً، كلمة أهوال تبدو مبالغاً فيها وناتئة هنا، فسيميك يصور أحداث ماضيه، بحلوها ومرها، كما لو كانت مسرات وسعادات رسبتها الذاكرة، لا مكان عنده للتفجع أو الإنشائية. وثانياً، من الواضح أن المسألة لا علاقة لها ببعد المسافة الزمنية (ليست العنصر الحاسم على الأقل)، بل بسيميك نفسه وعينه المختلفة، فعلى امتداد الكتاب نلحظ عصاميته الفكرية وتشبثه بفرديته وحقه في العثور على صوته الخاص والتمسك بعينه المختلفة عن الآخرين. يمكن تلمس هذا بوضوح حين يحكي عن معاناته في تطوير شعره وسعيه للافلات من التكلف والتقليد وصراعه مع الكلمات واللغة. كما أن ما يذكره من أحداث وتفاصيل من فترات زمنية لاحقة، وبالتالي أكثر قرباً، مغلف بالمزاج نفسه.

***

أكثر ما يلفت النظر في "ذبابة في الحساء" إذن هو الإعلاء من شأن المتع الصغيرة والمسرات العابرة التي تخللت أصعب اللحظات ولونتها بلونها، كأن المؤلف مبرمج جينيًا على اقتناص الملذات في أحلك الظروف. أقول جينيًا لأن كثيرًا من أقاربه، ممن يذكرهم في كتابه، يشبهونه في إقبالهم على متع الحياة واقتناصهم لها وتحايلهم على المصاعب كل على طريقته الخاصة، وعلى رأسهم: والده المولع بالأطعمة الشهية والملابس الفخمة والحياة المرفهة، بغض النظر إن كانت إمكاناته المادية تسمح بها أم لا. والعم بوريس الذي كان بمقدوره "أن يجعل الأم تريزا تضرب بعصا البيسبول"، والذي كان بيته عامراً دائماً بالطعام والنبيذ الوفير. ونانا، خالة أمه، بطة العائلة السوداء ومبذرة الأموال باستهانة، التي كانت تتخذ من المسبات والألفاظ البذيئة وسيلة مقاومة.

من بين ملذات الحياة العديدة يحتل الطعام المكانة الأولى لدى سيميك. يرد لفظ الجنة وتعريفها أكثر من مرة في سيرته هذه مقترناً بأطعمة لذيذة، كما مثّل الأكل دوماً عزاءً مثالياً له، لذا خصه بفصل كامل، افتتحه بـ: "يمكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته، وستكون قراءتها أكثر متعة مما نقرأه عادة. بصدق، ما الذي تفضله، وصف أول قبلة أم الكرنب المطبوخ بإتقان؟"
وهذا ما يفعله تقريباً في هذا الفصل، إذ يكتب سيرة مختصرة لنفسه عبر أشهى الوجبات التي تناولها في حياته، ومنها: بوريك دوبروساف سيفيكوفيتش، وكيك الكريم، لفائف الكاسترد وغيرهما من أطعمة قضى يوم 9 مايو 1950 يأكلها مع صديق له متنقلين من مخبز لآخر، ومكرونة لينجويني مع الأنشوجة ونبيذ صقلية الأحمر.

رغم كل هذا، لا يتغافل سيميك عن صعوبة وضعه كلاجئ ثم كمهاجر، يرصد حاله البائس وملابسه الرثة خلال الفترة التي قضاها مع أمه وشقيقة في باريس في انتظار الهجرة لأميركا للحاق بأبيه، حيث قدمت له السينما عالماً خيالياً بديلاً عن واقعه المهترئ. ويذكر أن والده اعتاد ممازحته بسؤال: أين ستهاجر المرة القادمة؟ فـ"مازالت تجربة القرن العشرين في المنافي مستمرة. من هم مثلنا كانوا حيوانات تجارب. أغرب ما في الأمر، أن يقوم واحد من فئران التجارب بكتابة الشعر."


"ذبابة في الحساء" كتاب واجب القراءة، خاصة أن ترجمة إيمان مرسال السلسة، تتسم بأهم سمات الترجمة الجيدة: ألّا تشعر بوجود وسيط بينك وبين الكتاب، كأنه مكتوب بلغتك.

زاوية "كتاب" نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"...

Friday, October 7, 2016

طُبِع في بيروت: تأريخ ساخر وحبكة بوليسية






منصورة عز الدين


في روايته الجديدة، "طُبِع في بيروت، الصادرة مؤخراً عن دار الساقي، يواصل الروائي اللبناني ولعه بالأبطال ملتبسي الهوية وبرصد لحظات الأفول سواء لعائلات عريقة أو لمجتمعات كاملة، راسماً كعادته شخصيات روائية يصعب نسيانها. وعلى رأس هذه الشخصيات فريد أو شَعر، الشاعر الخيالي العائش فوق الغيوم، وعبد الله وريث مطبعة "كرم إخوان" وزوجته الجميلة بيرسيفون ذات الأصول اليونانية.
حتى الشخصيات بالغة الهامشية مرسومة ببراعة لافتة مثل الناشر الأول الذي عرض عليه فريد أبو شَعر مخطوط ديوانه، ففي لمحة خاطفة نعرف أنه صاحب ذاكرة خرافية، يحفظ معلقة زهير بن أبي سلمى عن ظهر قلب، ضجِر وحاسم في رفض كتاب فريد قبل حتى أن يقرأه.

منذ بداية الرواية تتجلى السخرية التي يُقارب بها صاحب "مطر حزيران" بطله فريد: "في عز صيف لاهب استبد بمدينة بيروت في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، نزل شاب مرفوع الحاجبين المقوسين كأنه يومئ دائماً بقول لا، من باص للنقل المشترك لُصق على جانبيه إعلان "لا تنسوا المخطوفين والمغيبين قسراً ومعوقي الحرب"، وهو يحمل إلى جهة القلب من صدره دفتراً سميكاً غلافه أحمر، كمن يعلق بعنقه يداً مصابة بكسر أو بطلق ناري."
يوحي هذا المفتتح بأن حياة فريد تبدأ مع نزوله من "الباص" برفقة مخطوط كتابه، للبحث عن ناشر. ورغم أن وصف حاجبي البطل المقوسين يقربه من الكاريكاتير، إلّا أن الدويهي حريص طوال الوقت على ألّا تصل سخريته إلى هذا الحد، فينجح في كشف الجانب الهزلي من شخصية بطله دون المخاطرة بتسطيحه.

التباس الهوية هنا لا يتوقف عند فريد - المنتمي باللقب لعائلة بارعة في الشعر والأدب، قبل أن يكتشف أن أصوله مجهولة – بل يتعداه إلى عبد الله كرم، وريث المطبعة، إلّا أن التباس هوية الأخير اختياري وقصدي، إذ أسقط جده حرف الواو من اسمه "كرّوم"، "وبشطحة قلم صار ابن تاجر الحبوب الحلبي بالمفرق لبنانياً مسجلاً في حي المدور ببيروت من دون أن يكون قد سكن فيه يوماً. ادعى أنه ماروني لشعوره بأن طائفة السريان الكاثوليك التي ينتمي إليها أهله وتتكلم والده لغتها بطلاقة قلة قليلة لن يكون لها شأن يذكر في دولة لبنان الكبير الجديدة." هذا الالتباس المتكرر بطرق مختلفة، من عمل لآخر، أشبه بضربة مسددة بإحكام في وجه الطائفية ومهووسي الهوية النقية.

العنوان الواضح ظاهرياً، مخاتل في باطنه، وينطوي على مفارقة ساخرة، يكشف التمعن فيها عن تأويلات جديدة للرواية. يوحي الدويهي لقارئه على امتداد صفحات روايته وعبر عنوانها أنه يؤرخ للطباعة في بيروت روائياً، وربما قد يخلص قارئ ما إلى أن "طُبِع في بيروت" مرثية لطرق الطباعة القديمة ولتاريخ بدأ يندثر، لكن في ظني أن المسألة أبعد من هذا، وأن التأريخ للطباعة حيلة فنية وخلفية يؤثث بها الكاتب روايته للوصول إلى ما هو أبعد فنياً: التلاعب والسخرية.
ففي النهاية، ندرك أن ما "طُبِع في بيروت" هو النقود المزورة لا ديوان فريد أبو شَعر، حتى وإن كانت قد طُبِعت منه نسخة واحدة فاخرة. وصحيح أن حالة النشر الراهنة، كما تتبدى في الفصل الأول، لا تبشر بخير، غير أن المسألة لا علاقة لها بالرثاء، فالمشاهد مغلفة بالسخرية، وآداء فريد أبو شَعر وكليشيهاته ورومانتيكيته المختلطة بالسذاجة لا تسمح لنا بافتراض أن العالم سينقصه شيء لو لم يُنشَر ديوان "الكتاب".

ما يهم جبور الدويهي، هو إحكام الخط البوليسي لروايته وتمتين حبكته، ورمي التفاصيل والمفاتيح برهافة، لتتجمع الخيوط معاً في النهاية، ويتعمق الهزل والسخرية.

غير أن الكلام عن خط بوليسي في "طُبِع في بيروت" لا يعني أننا أمام رواية بوليسية، أو على الأقل ليست كذلك بالمعنى الشائع، وإن كان المؤلف يسجل ولع بيرسيفون بروايات "السلسلة السوداء"، وبالجملة المكتوبة على غلافها الأخير: "روايات رجال الشرطة فيها أكثر فساداً من المجرمين والمحقق المختص لا يحل اللغز دائماً، هذا إن وُجِد اللغز أو وُجِد المحقق." فإن هذه الجملة، في نصفها الثاني تحديداً، تتصادى مع "طُبِع في بيروت" في سخريتها، وفي أن المهم ليس حل اللغز وعقاب المجرمين، بل المعمار الروائي لهذا "اللغز"، والمزج بين أساليب وأنماط كتابية مختلفة، وشد خيوط الرواية معاً والمحافظة على تشويقها وهزلها الكاشف عن حماقات البشر، ففريد، الذي قضى خمس سنوات في السجن عقاباً على جُرم لم يرتكبه، يظن أنه بهذا أنقذ بيرسيفون ولم يش بها، كما اعتقد، خلال التحقيق معه، أن التهمة مجرد ذريعة للسطو على ديوانه.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن "أخبار الأدب"..

Friday, September 23, 2016

أنتويرب روبرتو بولانيو: الكتابة للأشباح







منصورة عز الدين


"بمجرد تصويرها، تنتهي الحياة هنا. هذا رمز لهوليوود تقريباً. لم تكن هناك غرف داخل تارا. كان مجرد واجهة." بجملة ديفيد سلزنيك هذه يفتتح روبرتو بولانيو روايته المدوخة "أنتويرب". و"تارا" لمن لا يعرف هو القصر الفخم بفيلم "ذهب مع الريح" الذي أنتجه سلزنيك وحقق نجاحاً مدوياً.

يكتب بولانيو في المقطع الأول من الرواية المعنون بـ"واجهة": "يتجه الطفل نحو المنزل. زقاق من أشجار اللاريس. حرب الفروند. قلادة من دموع. الحب مزيج من السنتمنتالية والجنس (بوروز). القصر مجرد واجهة- تم فكها ليعاد نصبها في أطلانطا. 1959. كل شيء يبدو مهترئاً. ليست ظاهرة حديثة. منذ وقت طويل، كل شيء حطام. والإسبان يقلدون طريقة كلامك. إيقاع أمريكا الجنوبية. زقاق من النخيل."

اختيار كلمات سلزنيك للبدء بها لم يكن اعتباطياً، فالرواية مغلفة بجماليات السينما، كما أن الواجهات المموِّهة على الفراغ واللاشيء حاضرة فيها، وكذلك الإحساس المرير بالانتهاء الحتمي وبعرَضية الأشياء وزوالها.
"أنتويرب" مقسمة إلى مقاطع أقرب إلى شذرات قوامها أحلام وكوابيس وهلاوس. حطام كلمات وشخصيات وعوالم. كل شيء حطام كما جاء في الشذرة الأولى. السينما حاضرة بقوة على مدى شذرات الرواية ومقاطعها، في لحظات عديدة يشعر القارئ أنه أمام شريط سينمائي ما، أو بالأحرى أمام "ما وراء" هذا الشريط. "ميتا فيلم" لو جاز التعبير.

القارئ الباحث عن الوضوح، الراغب في حكاية مفهومة، أو حتى متاهة بها مفاتيح تقود إلى درب الخروج، لن تعجبه "أنتويرب"، قد يُفتَن بشعريتها وابتكاريتها، لكن إحساسه بالتيه الكامل قد يدفعه لعدم إكمال قراءتها.
ثمة راوٍ عليم، تتقاطع معه وتجاوره أصوات بولانيو ورجل شرطة، وعابرين، في أجواء تخلط العنف والجريمة مع الجنس والنبرة الشعرية مع التقطيع السينمائي لمشاهد مرسومة بعناية واقتضاب.
أبطال العمل، لو جاز لنا الحديث عن أبطال لعمل مماثل، هم مؤلف اسمه روبرتو بولانيو وضابط شرطة يحقق في جريمة قتل، وفتاة بشعر أحمر وعينين خضراوين، وأحدب ورجل إنجليزي، وليزا حبيبة المؤلف الغائبة التي يشبهها بمرض يتملكه.

"قل لهذا الغبي أرنولد بينيت إن كل قواعده عن الحبكة تنطبق فقط على روايات متنسخة من روايات أخرى." يكتب بولانيو في روايته التي يحطم فيها كل القواعد والمعايير المعروفة لفن الرواية، كأن الدافع الأول لكتابة "أنتويرب" هو إبلاغ أرنولد بينيت فنياً بسخافة قواعده وحماقة تصوراته عن الفن. إضافة طبعاً إلى ما ذكره على لسان قناعه المسمى أيضا روبرتو بولانيو: "أكتب لأفهم السكون."
فكتابته المشغولة بالفراغ والزوال تبدو كأنما تضخ المعنى في الأشياء الفارغة منه، تماما كالفتاة الصهباء حين "تخيلت أن الأثاث في الغرفة، وحتى حبيبها أشياء فارغة عليها ضخها بالمعنى."، لكنه طوال الوقت مدرك أنه لا يمكننا الفرار من العدم.

تنتهي الرواية بابتهال ملغز يدعو فيه بولانيو أن تكون كتابته مثل أبيات ليوباردي التي تلاها الشاعر الفرنسي دانييل بينجا، فوق جسر على بحر الشمال، كي تمده بالشجاعة.

كل سمات كتابة بولانيو موجودة هنا في حالتها الخام، وبأقصى درجات وضوحها، كأن "أنتويرب" حملت بذور عوالمه الروائية وشخصياته المستقبلية، ولا عجب في هذا حين نعلم أنها أول رواية كتبها صاحب "تعويذة"، وآخر رواية نشرها قبل وفاته مباشرة. فبحسب قوله كتبها وهو في السابعة والعشرين في أول انتقال له من الشعر إلى الرواية، واحتفظ بها في الدرج لأكثر من عشرين عاماً. ربما لهذا كتبها متحرراً من أي قيود، ودون خوف من صعوبة التلقي، أو حساب لتخوفات الناشرين.

في مقدمته القصيرة للرواية يشير بولانيو إلى أنه كتبها لنفسه: "كتبت هذا الكتاب لنفسي، وحتى هذا لست متأكداً منه (....) كتبت هذا الكتاب للأشباح، الذين، لأنهم خارج الزمن، هم الوحيدون الذين مع الزمن. بعد آخر إعادة قراءة (الآن فقط)، أدرك أن الزمن ليس الشيء الوحيد الذي يهم. الزمن ليس المصدر الوحيد للرعب. يمكن للمتعة أن تكون مرعبة أيضاً، وكذلك الشجاعة."
في المقدمة نفسها يعترف بولانيو أن الناشرين لم يكونوا ليرحبوا بنشر الرواية لو دفع بها للنشر حين انتهى منها، كانوا سيرفضون نشرها، وكان سيفقد المخطوط!
الطبعة الإنجليزية لأنتويرب صادرة عن دار "نيو ديركشنز" بترجمة لنتاشا ويمر.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.