Friday, September 23, 2016

أنتويرب روبرتو بولانيو: الكتابة للأشباح







منصورة عز الدين


"بمجرد تصويرها، تنتهي الحياة هنا. هذا رمز لهوليوود تقريباً. لم تكن هناك غرف داخل تارا. كان مجرد واجهة." بجملة ديفيد سلزنيك هذه يفتتح روبرتو بولانيو روايته المدوخة "أنتويرب". و"تارا" لمن لا يعرف هو القصر الفخم بفيلم "ذهب مع الريح" الذي أنتجه سلزنيك وحقق نجاحاً مدوياً.

يكتب بولانيو في المقطع الأول من الرواية المعنون بـ"واجهة": "يتجه الطفل نحو المنزل. زقاق من أشجار اللاريس. حرب الفروند. قلادة من دموع. الحب مزيج من السنتمنتالية والجنس (بوروز). القصر مجرد واجهة- تم فكها ليعاد نصبها في أطلانطا. 1959. كل شيء يبدو مهترئاً. ليست ظاهرة حديثة. منذ وقت طويل، كل شيء حطام. والإسبان يقلدون طريقة كلامك. إيقاع أمريكا الجنوبية. زقاق من النخيل."

اختيار كلمات سلزنيك للبدء بها لم يكن اعتباطياً، فالرواية مغلفة بجماليات السينما، كما أن الواجهات المموِّهة على الفراغ واللاشيء حاضرة فيها، وكذلك الإحساس المرير بالانتهاء الحتمي وبعرَضية الأشياء وزوالها.
"أنتويرب" مقسمة إلى مقاطع أقرب إلى شذرات قوامها أحلام وكوابيس وهلاوس. حطام كلمات وشخصيات وعوالم. كل شيء حطام كما جاء في الشذرة الأولى. السينما حاضرة بقوة على مدى شذرات الرواية ومقاطعها، في لحظات عديدة يشعر القارئ أنه أمام شريط سينمائي ما، أو بالأحرى أمام "ما وراء" هذا الشريط. "ميتا فيلم" لو جاز التعبير.

القارئ الباحث عن الوضوح، الراغب في حكاية مفهومة، أو حتى متاهة بها مفاتيح تقود إلى درب الخروج، لن تعجبه "أنتويرب"، قد يُفتَن بشعريتها وابتكاريتها، لكن إحساسه بالتيه الكامل قد يدفعه لعدم إكمال قراءتها.
ثمة راوٍ عليم، تتقاطع معه وتجاوره أصوات بولانيو ورجل شرطة، وعابرين، في أجواء تخلط العنف والجريمة مع الجنس والنبرة الشعرية مع التقطيع السينمائي لمشاهد مرسومة بعناية واقتضاب.
أبطال العمل، لو جاز لنا الحديث عن أبطال لعمل مماثل، هم مؤلف اسمه روبرتو بولانيو وضابط شرطة يحقق في جريمة قتل، وفتاة بشعر أحمر وعينين خضراوين، وأحدب ورجل إنجليزي، وليزا حبيبة المؤلف الغائبة التي يشبهها بمرض يتملكه.

"قل لهذا الغبي أرنولد بينيت إن كل قواعده عن الحبكة تنطبق فقط على روايات متنسخة من روايات أخرى." يكتب بولانيو في روايته التي يحطم فيها كل القواعد والمعايير المعروفة لفن الرواية، كأن الدافع الأول لكتابة "أنتويرب" هو إبلاغ أرنولد بينيت فنياً بسخافة قواعده وحماقة تصوراته عن الفن. إضافة طبعاً إلى ما ذكره على لسان قناعه المسمى أيضا روبرتو بولانيو: "أكتب لأفهم السكون."
فكتابته المشغولة بالفراغ والزوال تبدو كأنما تضخ المعنى في الأشياء الفارغة منه، تماما كالفتاة الصهباء حين "تخيلت أن الأثاث في الغرفة، وحتى حبيبها أشياء فارغة عليها ضخها بالمعنى."، لكنه طوال الوقت مدرك أنه لا يمكننا الفرار من العدم.

تنتهي الرواية بابتهال ملغز يدعو فيه بولانيو أن تكون كتابته مثل أبيات ليوباردي التي تلاها الشاعر الفرنسي دانييل بينجا، فوق جسر على بحر الشمال، كي تمده بالشجاعة.

كل سمات كتابة بولانيو موجودة هنا في حالتها الخام، وبأقصى درجات وضوحها، كأن "أنتويرب" حملت بذور عوالمه الروائية وشخصياته المستقبلية، ولا عجب في هذا حين نعلم أنها أول رواية كتبها صاحب "تعويذة"، وآخر رواية نشرها قبل وفاته مباشرة. فبحسب قوله كتبها وهو في السابعة والعشرين في أول انتقال له من الشعر إلى الرواية، واحتفظ بها في الدرج لأكثر من عشرين عاماً. ربما لهذا كتبها متحرراً من أي قيود، ودون خوف من صعوبة التلقي، أو حساب لتخوفات الناشرين.

في مقدمته القصيرة للرواية يشير بولانيو إلى أنه كتبها لنفسه: "كتبت هذا الكتاب لنفسي، وحتى هذا لست متأكداً منه (....) كتبت هذا الكتاب للأشباح، الذين، لأنهم خارج الزمن، هم الوحيدون الذين مع الزمن. بعد آخر إعادة قراءة (الآن فقط)، أدرك أن الزمن ليس الشيء الوحيد الذي يهم. الزمن ليس المصدر الوحيد للرعب. يمكن للمتعة أن تكون مرعبة أيضاً، وكذلك الشجاعة."
في المقدمة نفسها يعترف بولانيو أن الناشرين لم يكونوا ليرحبوا بنشر الرواية لو دفع بها للنشر حين انتهى منها، كانوا سيرفضون نشرها، وكان سيفقد المخطوط!
الطبعة الإنجليزية لأنتويرب صادرة عن دار "نيو ديركشنز" بترجمة لنتاشا ويمر.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.







Friday, September 9, 2016

عزاءات الفلسفة: الفلاسفة كمرشدين روحيين




منصورة عز الدين


خلال دردشة مع ستيني ألماني، في فرانكفورت خريف 2011، حكى لي الرجل بفخر عن ابنه الأكبر، المهندس الذي يدير مكتب الاستشارات الهندسية المملوك للعائلة، وتكلم بزهو مماثل عن ابنه الأوسط المحامي الواعد، مضيفًا أن نجاحاتهما تعزيه عن فشل ابنه الأصغر.
توقعت أن الابن الأصغر هذا مدمن مخدرات أو كحول، ولم أسأل عن التفاصيل تأدباً، غير أن الأب أوضح أن "فشل" ابنه تمثل في دراسته الفلسفة في جامعة "توبنجن". (إحدى أقدم الجامعات الألمانية، والجامعة نفسها التي تخرج فيها هيجل وهولدرلين ومارتن فالزر.)
وعندما أخبرته أن ابنه قد يصبح في أهمية نيتشه أو هايدجر، رد: "وهل تظنيني أكترث بشأن هذين الأحمقين؟! الطبيب يعالج المرضى والمهندس يبني البيوت ويخطط المدن، أما الفلاسفة فمجموعة من المتحذلقين غير المفيدين لغيرهم ولا لأنفسهم. الفلسفة بطالة مقنّعة."

ملايين ينتشرون شرقاً وغرباً، يشاركون الأب الألماني رؤيته هذه، ويعتبرون الفلسفة فائضة عن الحاجة، والفلاسفة متنطعين منشغلين بأفكار غير عملية محلقة في آفاق بعيدة. ولهؤلاء تحديداً أرشح كتاب آلان دو بوتون "عزاءات الفلسفة.. كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة"، الذي صدرت طبعته العربية مؤخراً عن دار التنوير، بترجمة متميزة للمترجم السوري يزن الحاج.
غير أن كتاب بوتون لا ينحصر في كونه رسالة إلى من يتشككون في جدوى الفلسفة في الحياة العملية والواقع اليومي، بل يتعدى هذا إلى تحويل المادة الفلسفية المعقدة إلى قراءة ممتعة ومسلية ومفيدة. أو كما كتبت صحيفة "الإندبندنت": "بوتون أخذ الفلسفة إلى هدفها الأبسط والأهم: مساعدتنا في عيش حيواتنا."

يتوقف الكاتب السويسري، المقيم في بريطانيا، أمام ستة عزاءات للفلسفة وستة فلاسفة: العزاء بشأن مخالفة الآراء السائدة (سقراط)، العزاء بشأن الافتقار إلى المال (أبيقور)، العزاء بشأن الإحباط (سينيكا)، العزاء بشأن العجز (مونتين)، العزاء بشأن انكسارات القلب (شوبنهاور)، العزاء بشأن الصعوبات (نيتشه).
لا يختار المؤلف هؤلاء الفلاسفة اعتباطاً بل وفق منهج حدده في بداية كتابه، إذ يميزهم كجماعة صغيرة من البشر، "تفصل قرون في ما بينهم، يتشاركون ولاءً فضفاضاً لرؤية عن الفلسفة يقترحها الأصل اللغوي اليوناني للكلمة – فيلو، حُب؛ صوفيا، حكمة – جماعة يوحدهم اهتمام مشترك بقول عدة أشياء معزية وعملية بشأن القضايا المتعلقة بمواطن بؤسنا الكبرى. إلى هؤلاء الناس سوف ألجأ."

وإذا كان بوتون يريد من قرائه التعلم من الفلاسفة، فإنه يقدم نفسه باعتباره التلميذ الأول، ويوضح في أكثر من موضع كيف ساعده هذا الفيلسوف أو ذاك على النظر لحياته والعالم بعيون جديدة، ما يضفي على الكتاب نزعة ذاتية حميمة.
في البداية، مثلاً، يوحي بأن ما لفت نظره إلى سقراط وموته دفاعاً عن أفكاره، هو أن سلوكه الشخصي يتناقض مع هذا. "في الأحاديث كان أولويتي أن أُحَب، لا أن أجهر بالحقيقة (.....) لم أكن أشكك علناً بالأفكار التي تعتنقها الأغلبية. بل كنت أسعى إلى رضى أناس السلطة، وأشعر بقلق كبير، بعد الجدالات معهم، ما إذا كانوا لا يزالون يعتبرونني مقبولاً."
كما يبدو بوتون كأنما يحاول السير على خطى سينيكا الذي "كان قد أدرك منذ البداية أن الفلسفة منهج تعليمي يساعد البشر على تجاوز التباينات بين أمنياتهم والواقع."
ويسترشد، في منهجه بالكتابة، بخلاصة رؤية مونتين الخاصة بأن ما يهم في الكتاب هو النفع والملاءمة في ما يخص الحياة.

وهكذا، بين سطور الكتاب سنكتشف دلائل كثيرة على كيف استفاد آلان دو بوتون نفسه من الفلسفة، لكن ماذا عن قرائه المحتملين؟! كيف يمكن أن تعزيهم الفلسفة وتساعدهم في حياتهم؟! هذا ما على هؤلاء القراء اكتشافه بأنفسهم عبر قراءة هذا الكتاب الممتع الذي جرؤ مؤلفه على تحويل فلاسفة مرموقين إلى مرشدين روحيين أو مدربي تنمية ذاتية بثقافة عالية ورؤى مبتكرة، أو لو شئتم، إلى حكماء على الطريقة القديمة ممن يلجأ إليهم المريدون لسؤالهم عن حل للمعضلات الحياتية أو كيفية التصرف في موقف معين.

لا يهم أن دو بوتون وهو يفعل هذا، قد يخون هؤلاء الفلاسفة (أو بعضهم على الأقل) لصالح التبشير بهم وبأفكارهم بين جمهور أوسع، فشوبنهاور مثلاً يفضل العصامية الفكرية، ويرى أن تفكير المرء بنفسه والوصول إلى خلاصاته الخاصة أفضل مئات المرات من أن يستقي معرفته عبر القراءة.
لكن ببراجماتية تماثل تلك الخاصة بآلان دو بوتون، أقول ربما يمثل كتابه الشائق هذا عتبة أولى قد تغري قراءً عديدين بالتعمق أكثر في قراءة الفلسفة، حتى ولو بهدف أخذ العبرة والعظة من سير وأفكار كبار الفلاسفة.


وأخيراً، تبقى الإشادة ضرورية بترجمة يزن الحاج المميزة، التي تذكِّر بالمترجمين الكبار من أجيال سابقة. فإضافة إلى لغته الرصينة المحكمة، نلمس دقته في تصويب وتدقيق معلومات وإحالات سها المؤلف عن تدقيقها.

زاوية كتاب.. نقلاً عن "أخبار الأدب"..

Thursday, August 25, 2016

أورشليم جونسالو إم. تافاريس: تاريخ الشر والرعب







منصورة عز الدين


مثّلت رواية "أورشليم" للروائي البرتغالي جونسالو إم. تافاريس مفاجأة مدهشة لي، مع أني بدأت قراءتها متوجسة من المديح البالغ لها ولكاتبها، فكثير من الأسماء الشهيرة مُبالَغ في تقديرها، وكثير من الأعمال التي تثار حولها ضجة، لا تكون بالضرورة بالجودة المرجوة.
يختلف الأمر طبعاً حين نجد كاتباً بحجم ساراماجو بين المتحمسين لتافاريس، لكن قراءة جملته: "جونسالو إم. تفاريس مرحلة يقف عندها الزمن، هناك مرحلة سبقته، وأخرى تلته." تجعلنا نظن أنه قد جنح إلى المبالغة وأخذته الحماسة قليلاً.
الفيصل، في هذه الحالة، هو القراءة والحكم دون وسطاء. وبقراءة رواية تافاريس أقول إنني لم أقرأ كاتباً مقلقاً مثله من مدة طويلة.

"أورشليم" رواية عن عادية الشر وسهولة العنف، أجواؤها صادمة وشخصياتها غريبة ومألوفة في آن. يحاول جونسالو تافاريس في روايته كتابة تاريخ الرعب. حنا أرنت ليست بعيدة عن الرواية؛ يستشهد بها أحد الأبطال (ثيودور) في بحث ينجزه عن العلاقة بين التاريخ والوحشية، ويخايلنا طيفها بين السطور.
لا ينشغل ثيودور (وكذلك تافاريس) بأهوال الحروب ولا بالمواجهات بين جيشين، بل بعنف البشر العاديين تجاه بعضهم بعضاً، القوة في مواجهتها للضعف، فالحرب بحسبه "لا تعد صنفاً خالصاً من الرعب. أدرس الحالات التي يقف فيها أحد الأطراف عاجزاً دون مقدرة – أو حتى رغبة – في إلحاق الضرر بالطرف الآخر، الحالات التي – دون مبرر يذكر – سحق فيها القوي الضعيف."

ما يهم ثيودور ومن خلفه تافاريس هو الشر المجاني والأذى غير المبرر. شر أن يقتل شخص ما طفلاً معاقاً بلا رحمة، ثم يشفق على رجل وامرأة لا يعرفهما بعدها بقليل ويساعدهما، ويقف ليمزح معهما كأن شيئاً لم يحدث، ويستمر المزاح حتى يأخذ منه الرجل المسدس ويقتله دون سبب. القتل في هذه الحالة مزحة أو فعل بشري يكاد يكون تلقائياً كالتنفس.

كل شخصيات الرواية متورطة في شرور ما. ثيودور يوقع ورقة تسمح بعزل زوجته المريضة عقليا ميليا عن بقية المرضى لمدة عام، ويذهب في الحال للبدء في إجراءات الطلاق رغم وعده لمدير المصحة جومبرز بأنه لن يتخلى عنها بعد التوقيع على طلب عزلها.
وجومبرز يحول المصحة العقلية إلى ما يشبه معسكر اعتقال؛ إذ فيها يتم استئصال رحم ميليا، دون علمها، والتسبب لها في مرض قال الأطباء لاحقاً إنه سيميتها خلال عامين.
وميليا، رغم فصامها، توصف بأنها اكتسبت مهارة إذلال الرجال وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وهينريك يدفعه خوفه إلى العنف والقتل وإرنست يقدم على القتل في غمضة عين دون سبب ويهرب تاركاً ميليا لمصير قاتم.
حتى المرضى العقليين من نزلاء المصحة أشرار بطريقة ما من وجهة نظر جومبرز، فمفهومه للجنون لم يكن طبياً بل أخلاقياً، فالجنون بالنسبة له هو "نقص بسيط في الأخلاق – سواء مؤقت، وبالتالي يمكن علاجه، أو قاطع بلا نهاية، ولا يمكن علاجه. وفق ما يراه جومبرز، الفارق بين، ما يسمى، الإجرام، وبين، ما يسمى، كذلك الجنون، تصنيفي: لأنهما أنماط من الجنون، وبالتالي، نمطان من انعدام الأخلاق."

"البشر العاديون لا يعرفون أن كل شيء ممكن." جملة عابرة ترد في الرواية منسوبة لأحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية، لكنها – في رأييّ – بين المفاتيح المهمة للعمل، إذ وحدهم من غرقوا في جحيم الجنون أو الخوف أو التعذيب، يدركون أن كل شيء ممكن، وأن طاقة الشر "العادي" والمجاني الكامنة في البشر يمكنها، إذا وجدت المحفز أو الظرف المناسب، أن تصل إلى حدود غير مسبوقة.
واللافت أن هذه الجملة ترد بعد الفصل الخامس عشر مباشرةً، وهو الفصل الخاص بكتاب "يوروبا 02" بتفاصيله الكابوسية حيث يعذِّب الضحايا بعضهم بعضاً، إذ عليهم فقط اتباع الأوامر: "ستكون الضحية أو المُعذِّب لا شيء آخر، وفي النهاية ستتمنى لو أنك أنت المُعذِّب لا الضحية".

***

أحداث "أورشليم" ليست بطلة العمل، بل تفاصيله ومنمنماته الصغيرة، والأفكار التي يبثها تافاريس بين ثناياه والشخصيات المفزعة والمفزوعة. الحكاية نفسها، لو حكاها لي أحد، بمعزل عن الرواية، لما حمستني لقراءتها، كنت لأجدها تراجيديا مبالغ فيها وميلودراما فاقعة، لكن السحر كله يكمن في كيفية تقديمها، وكيف خرج منها المؤلف بهذا العمل المتميز، مخلصاً إياها من الميلودراما والسنتمنتالية.

تجري الأحداث الرئيسية في ليلة أرق. الأرق المصحوب بألم أو خوف أو رغبة هو دافع الشخصيات للخروج إلى شوارع المدينة قبل انبلاج النهار، وبالتوازي مع ليلة الأرق هذه أو بالتداخل معها نتعرف على ماضيهم والعلاقات الرابطة بينهم. لا يسمي تافاريس مدينته رغم أن روايته تحمل اسم واحدة من أشهر مدن التاريخ، والتي يرد ذكرها فقط على لسان ميليا بجملة مستعارة من سفر المزامير: "إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني."، قبل أن تحولها لاحقاً إلى: "إن نسيتك يا جورج روزنبرج تنسى يميني"! في إشارة للمصحة العقلية التي يديرها جومبرز، لتتحول الجملة من تعبير عن الحنين إلى أورشليم والتعهد بعدم نسيانها خلال السبي البابلي، إلى تذكر مكان مثّل جحيماً شخصياً لميليا، ليصبح قسمها أشبه بـ: "إعلان حرب، أو نبوءة يائسة".

يبقى القول إن رواية جونسالو إم. تافاريس الصادرة مؤخراً عن دار مصر العربية بترجمة لكل من: أحمد صلاح الدين ومحمد عامر، رواية مهمة وتثير في نفس قارئها أسئلة عديدة لا عن ما تطرحه من أفكار فقط بل عن فن الرواية وعن الكتابة عموماً. شخصياً تساءلت بينما أقرأها عن مفهوم الجدة، وكيف يمكن لكاتب عبر أفكار وثيمات وتقنيات مطروقة أن يحقق فرادته على هذا النحو، والغريب أن تافاريس كأنما يجيب على سؤالي ذكر، في حوار معه، مقولة أؤمن بها تماماً: "أكره فكرة أن يكون كل شيء تفعله جديداً. هذا سخيف. فقط شخص لا يعرف التاريخ ولم يقرأ كثيراً يجد كل شيء جديداً ومبتكراً."

لكن ما لم يقله تافاريس، هو أن الأصالة والفرادة متاحتان مع هذا، كما في حالته، رغم أنف المهووسين بـ"جدة" يرونها كذلك لأنهم لم يقرأوا بما يكفي.

زاوية كتاب.. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب..

Friday, August 19, 2016

اضطرابات وراثية: نحن محكومون بالعبث



منصورة عز الدين

في كتابه الأول "اضطرابات وراثية.. قصص، حكايات رمزية ومشكلات" يقدم الكاتب الأمريكي آدم إرليك ساكس 117 قصة قصيرة تتمحور حول الآباء والأبناء وتتسم بالسخرية والعبث واللعب على المفارقة دون التخلي عن العمق، وبالحس الفلسفي المغلف لكثير من القصص دون أن يقترن هذا بالضرورة بالجدية أو التعقيد.
في "اضطرابات وراثية" نجد أنفسنا أمام 117 تنويعاً على لحن العلاقة بين الآباء والأبناء وما يكتنفها من تعقيدات ورغبات دفينة في القتل الرمزي أو الفعلي، وبالأساس لعنة أن يرث الأبناء الآباء، لكن رغم قتامة الموضوع يقاربه ساكس بطريقة تحوله، بكل تنويعاته، إلى طرفة غارقة في اللامعقول، والأكثر طرافة أن دار النشر (ريجان آرتس) أصدرت الكتاب يوم عيد الأب في مايو الماضي.
شبه البعض الكاتب الشاب ببورخيس وقارن آخرون بينه وبين كافكا، ووصف أحدهم هذه المجموعة بأنها إسكتشات "ساترداي نايت لايف" مكتوبة بقلم كافكا، لكن ساكس نفسه يعتبر النمساوي توماس برنهارد؛ أستاذه الأول والكاتب الأكثر تأثيراً عليه.
في كتاب ساكس الأول هذا، على القارئ ألّا يبحث عن شخصيات بالمفهوم التقليدي أو عن حبكة أو تصاعد درامي، الأفضل أن يقرأ النصوص ويتفاعل معها بعيداً عن القوالب الجاهزة أو القواعد المألوفة. بعضها بالفعل أقرب لإسكتشات ضاحكة، ومعظمها يتسم بحس عالمي على الأقل لجهة تنوع جنسيات الأبطال والمدن التي ينتمون إليها أو يعيشون فيها، لكن هذه المدن في معظم الحالات مجرد خلفيات تضاعف من طرافة الأقاصيص ومن المسحة التجريدية المغلفة لها.
في قصة "شاعر الطبيعة" شاعر نمساوي ينتمي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كافح طوال حياته لتحرير شعره من ظل أبيه الذي كان ضابطاً نازياً، لكن المشكلة أن كل أشعاره يتم تأويلها من جانب النقاد على أنها تأملات في جرائم الأب، رغم أن الابن كان يكتب فقط عن الطبيعة: الجبال، الصدوع والسراخس. ناقد ما لاحظ الغياب التام للناس، التاريخ، السياسة والآباء عن قصائد الشاعر، ورأى في هذا الغياب علامة على أنهم، في الواقع، موضع اهتمامه الأول، أو الفراغ المسكوت عنه في قلب سراخسه! ومع ديوانه الرابع، المنشغل كالعادة بالطبيعة وحدها، تساءل ناقد عما إذا كان لدى الشاعر أي شيء آخر ليكتب عنه غير جرائم والده!
على مدى الثلاثين عاماً التالية لم ينشر الشاعر شيئاً، وبدأ مشروعه الأدبي الأكثر طموحاً، فبما أن كل وصف للسراخس تم تأويله كتأمل غير مباشر في جرائم الأب، قرر كتابة قصيدة ملحمية عن جرائم أبيه على أن تكون في باطنها وصفاً غير مباشر لسرخسة. اختار واحدة معينة تنمو في غابة قريبة من بيته، لم يكن وصفها صعباً، تمثلت الصعوبة في كيفية فعل هذا دون أي إشارة للغابة أو السراخس، وأن يستخدم فقط كلمات تحكي كيف أن والده قتل 150 يهودياً مجرياً، ومع هذا يرسخ في ذهن قارئه، حين ينتهي من القراءة، صورة دقيقة وتفصيلية لنبتة سرخس قريبة من منزله.
أراد من قارئه أن يفكر: "قرأت لتوي عن الهولوكوست. لماذا تتراءى لي نبتة السرخس هذه؟ ماذا حدث لي؟"
مات الشاعر في الليلة السابقة على نشر ديوانه؛ غير واثق إن كان قد نجح في مسعاه أم لا، ولم يقرأ مراجعة نقدية وصفت قصيدته الملحمية عن جرائم والده بـ: "تجسيد أدبي ممتاز لنبتة سرخس!"
من نماذج الأقاصيص الأقصر في المجموعة، أقصوصة "ندم": "فعل كل شيء ممكن لتفادي الالتحاق بمهنة والده. درس شيئاً مختلفاً تماماً. انتقل إلى مكان بعيد جداً عن البيت. ومع هذا، الآن، بعد سنوات، لا يمر يوم دون رؤيته لكلبة حبلى والتفكير: أتمنى لو كان بإمكاني مساعدتك. (كان والده أخصائي توليد كلاب.)"
وأقصوصة "كلمات أخيرة": "أصيب والد صديقي ثيو، أستاذ التخطيط العمراني، بجلطة خطيرة، لم يعد بعدها قادرًا على النطق سوى بكلمتين: "ثيو" و"بنية تحتية". خلال الشهر الأخير في حياته، كانت هاتان الكلمتان هما فقط ما ينطق به من كلمات.
ثيو الذي لطالما شعر بأنه مثَّل خيبة أمل فظيعة لوالده، كان متأثراً بشدة لأن اسمه كان على لسان والده المحتضر. اعتبر هذا علامة على أن أباه قد سامحه وتقبله أخيراً.
بعد سنوات، وكلما ناقشنا هذه المسألة، كنا ببساطة نتجاوز حقيقة أن والده لم يكن يقول "ثيو" فقط، بل "بنية تحتية" أيضاً."

وعلى هذا المنوال العابث ينتقل آدم إرليك ساكس من قصة إلى حكاية رمزية أو مشكلة، مستعرضاً بسخرية أوجه عبء الوراثة، ومتلاعباً بالمصطلحات والمفاهيم الفلسفية كأن هذا التلاعب غاية في حد ذاته. في قصصه الطريفة والعميقة ، في معظمها، يبدو آدم إرليك ساكس كأنما يقول لنا: نحن محكومون بالعبث، وعلينا التكيف مع هذه الحقيقة وتعلم التعامل على أساسها، والسخرية منها بعبث مضاعف.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن "أخبار الأدب".

Thursday, August 11, 2016

حكايات سيريس الروسية






منصورة عز الدين

"حكايات روسية" للكاتب الأسباني فرانثيسك سيريس، مجموعة قصصية متميزة صدرت طبعتها العربية مؤخراً عن دار صفصافة، بترجمة أنجزها المترجم عبد السلام باشا عن القطلونية مباشرة.
في مجموعته هذه، يلجأ فرانثيسك سيريس إلى فكرة لامعة، مفادها تقديم كتابه كما لو كان مختارات قصصية لخمسة كتاب روس، باستهلال لمترجمة متخيلة، وسيرة مختصرة لكل كاتب وكاتبة من المؤلفين المفترضين. يتظاهر سيريس بأن دوره في الكتاب ينحصر في كتابة مقدمة طلبت منه المترجمة كتابتها.
أن ينسب كاتب ما كتاباته لآخرين ليس أمراً جديداً، بل تقليد مطروق منذ القدم، والكتابة بأسماء مستعارة لكتاب مُخترَعين مسألة ليست جديدة أيضاً، يمكننا هنا تذكر فرناندو بيسوا وإيتالو كالفينو في "لو أن مسافرًا في ليلة شتاء" وآخرين، لكن الفيصل هو كيف تعامل فرانثيسك سيريس مع فكرته هذه؟ وإلى أي مدى أقنع القارئ بتقمصه لهؤلاء القرناء من الكتاب الروس؟
بدايةً، إلمام الكاتب بتاريخ روسيا وتفاصيل الحياة الروسية لافت دون مبالغة أو استعراض، خاصة أنه ينحاز بذكاء للبسيط والعابر، كما أن تباين انشغالات وأمزجة الكتاب الخمسة المتخيلين ملحوظ ومقنع، لدرجة أن القارئ يمكنه أن يختار كاتباً مفضلاً أو أكثر من بين الخمسة، غير أن هذا التباين لا يصل حد الفصام التام، إذ ثمة رابط ما بين المؤلفين الخياليين؛ كأننا أمام وجوه متنوعة لكاتب واحد، لا أمام خمسة كتاب مختلفين حقاً.
في السيرة المختصرة التي تسبق قصص كل كاتب يحرص سيريس على الإشارة صراحةً إلى سماته وخصائص أسلوبه، وهو أمر فائض عن الحاجة ولا ضرورة فنية له، فقط يعكس عدم ثقة محتمل في ذكاء قارئ المجموعة، فاختلاف السمات والعوالم واضح كما أشرت سابقاً.
على امتداد قصص المجموعة سنصادف آولا يفجينيفا بقصصها التي ترسم العلاقات العاطفية في روسيا المعاصرة، وسنتوقف بوجه خاص أمام قصتها "الرهان"، وهي قصة لا تُنسَى بفضل جملتها الختامية التي تدفعنا لإعادة قراءة النص والعلاقة بين الرجل الناضج والطفلة فيه بطريقة مختلفة.
أما فيرا- مارجريت أبانسيريف فالقصص المنسوبة لها ذات لمسة غامضة ومفتوحة على تأويلات متعددة ومغلفة بأسى لا يكاد يُلحظ على الفردوس المفقود للشيوعية الحقة. "قصص" أبانسيريف من أفضل قصص المجموعة، في رأييّ، خاصة "شفافية الشر" التي تدور حول عجوزين يعودان لقريتهما القريبة من مفاعل تشيرنوبل بعد الكارثة بفترة وقبل أن تختفي آثارها المدمِرة.
والقصص التي نسبها سيريس لفيتالي كروبتكين ساخرة ومتأثرة بالبوب آرت وأيقوناته، فمن واقعة تجنيد إلفيس بريسلي في ألمانيا خلال الخمسينات، ينسج كروبتكين قصة بالغة الطرافة تحول حرب الجواسيس فترة الحرب الباردة إلى مهزلة جالبة للضحك. كما يُذكِّر ليف ريازان – بطل قصة "أكثر رجال العالم وحدة" عن رائد فضاء تعطل محرك مركبته الفضائية – بشخصية "ميجور توم" لدى ديفيد بوي.
المؤلف المتخيل الرابع هو ألكسندر فولكوف وقصصه تتسم بسخرية مرة وإحداها (الحرب على الفوروميانس) غير مكتملة.
أما المؤلف الخامس والأخير أيوسيف بيرجشنكو فنصوصه أقرب لمنطق الحدوتة وتميل إلى التجريد مقارنةً بباقي نصوص الكتاب.

عبر هؤلاء الكتاب الخمسة، ينجح فرانثيسك سيريس في تقديم جوانب متنوعة للحياة في روسيا خلال فترات مختلفة موضحاً أن الماضي يسكن الحاضر؛ فالأرثوذكسية تمتزج مع الشيوعية في المفتتح المنسوب لنيكيتا ريفونوف، والبارون المستغِل يصبح ممثل الحزب ويظل ساكناً في القلعة ومتحكماً في المصائر، ولا عزاء للجندي الذي شارك في الثورة. تكشف القصص أيضا، برهافة فنية وبعيداً عن الهجاء أو المباشرة، كيف تداعت التجربة الشيوعية من داخلها.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"..

Monday, August 1, 2016

عن استحالة الحب؟!





منصورة عز الدين


في خاتمة ملحقة بالترجمة الإنجليزية لروايته "العاطفي"، يكتب الروائي الأسباني خابيير مارياس أن بطلته نتاليا مكتوبة كما لو كانت تظهر من خلف حجاب، والحقيقة أن العمل بكامله يبدو كأن أحداثه تأتينا من خلف حجاب، إذ يقع في مساحة بينية بين الواقع والحلم، لكنه حلم قريب جداً للواقع.

الرواية القصيرة مروية بلسان مطرب أوبرا أسباني يصف أحلامه بأنها تفصيلية ودقيقة، متروية وتميل للمبالغة في آن. في حكيه يخلط الراوي بين أحداث قصة جرت قبل سنوات أربع وبين حلم رآه في الصباح يتمحور حول هذه الأحداث، لكن الحلم هنا لا يخضع لمنطق الأحلام، بل يبدو كحيلة فنية ينجح مارياس عبرها في تغطية أحداث روايته بالحجاب المشار إليه في البداية. الحلم في رواية مارياس يستعيد وقائع القصة ويضفي عليها هالة من المراوغة والأثيرية.

يكتب الراوي خلال يوم واحد ما حدث قبل أربع سنوات، آملاً أن تساعده الكتابة على الفهم. فخلال رحلة قطار كان قد صادف مصرفيا بلجيكيا يدعى مانور وزوجته نتاليا وسكرتيره داتو، ثم تعرف عليهم لاحقاً لإقامتهم جميعاً في فندق واحد في مدريد، لتبدأ علاقته الملتبسة بهم أو بنتاليا تحديداً.

عنوان الرواية أقرب لمفارقة ساخرة، فرغم أن العمل ظاهرياً يتناول قصة حب إلا أنه في الباطن عن استحالة الحب، عن الوحدة: وحدة مطربي الأوبرا ورجال الأعمال الأثرياء ممن يقضون حياتهم بين غرف الفنادق الفاخرة متنقلين من مدينة لأخرى، دون رفقة. كما أن البطل ليس عاطفياً حتى في محبته لنتاليا، فعبر كلماته وأفعاله يبدو كشخص غارق في ذاته يركل حبيبته بيرتا بعيداً عن حياته ما أن يقرر بدء علاقة عاطفية مع نتاليا، كما أن دوافعه لحب نتاليا تبدو كما لو كانت نابعة من رغبته المبهمة في تدمير زوجها أكثر من رغبته فيها هي، مدركاً تماماً أنه في طريقه لتدمير مانور عليه أيضاً أن يدمر بيرتا.

في المقابل تزوج مانور نتاليا زواجاً أقرب للصفقة لأنه أحبها من أول نظرة، وانتظر – بلا طائل - لسنوات أن تبادله الحب، حريصاً على إبعاد الرجال الآخرين عنها ما استطاع، وانتحر في النهاية حين هجرته. أما نتاليا نفسها فلا نراها إلا من خلف حجاب، كما أوضح مارياس، نستشف فقط أن الضجر هو ما يقودها دافعاً إياها للهرب بلا سابق إنذار أو كلمة وداع.

نثر مارياس أنيق ومشحون بالأفكار دون استعراض، حافل بالاستطرادات دون إطناب وممتع لدرجة أن القارئ قد ينجرف معه أحياناً متناسياً أحداث الرواية ومستمتعاً بقدرة الكاتب على التعامل مع الكلمات والأفكار، ولكن ما قد يبدو استطراداً فائضاً عن حاجة النص يتضح لاحقاً أنه من صميمه. فمثلاً حين يستفيض الراوي في الحكي عن رجال الأعمال معتادي السفر مقارناً إياهم بمطربي الأوبرا في وحدتهم وعزلتهم، وكيف أن حياة كثيرين منهم تنتهي بالانتحار في غرفة فندق فخم، نعرف مع قرب نهاية الرواية أن هذا المقطع لم يكن اعتباطياً لأنه مؤشرنا الأول على مصير مانور، الذي يتداخل كشخصية على أكثر من مستوى مع الراوي نفسه.

في "العاطفي" يكشف لنا مارياس بهدوء الجانب الكابوسي في حياة مطربي الأوبرا، من نمط حياة غير مستقر وحرص مبالغ فيه على صحتهم لأن أبسط دور برد كفيل بالتأثير على أصواتهم لأسابيع، ليتضاعف هذا البعد الكابوسي عبر شخصية مطرب الأوبرا هوربيجر الذي ينزلق إلى الجنون مع تقدمه في السن.
الرواية ترجمتها للإنجليزية مارجريت جول كوستا، وصدرت عن كلاسيكيات بنجوين.

زاوية "كتاب" نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"...


Thursday, July 28, 2016

بابِت وعبادة النجاح





منصورة عز الدين


حسناً فعلت دار التنوير بنشرها الترجمة العربية لرواية "بابِت" للكاتب سِنكلير لويس، فالعمل الذي يُعد من علامات الأدب الأمريكي كان في حاجة لإعادة تذكير قارئ اليوم به.
في "بابِت" التي ترجمها مؤخراً الحارث النبهان، لا يقدم سِنكلير لويس فقط رواية ممتعة ذكية وساخرة، بل بالأساس يقبض على جوهر عصر بكامله، وعلى روح مجتمع يرى نفسه ممثلاً لأرقى ما يمكن أن يصل إليه البشر من تطور.

"علت أبراج زينيث فوق ضباب الصباح. أبراج هائلة من الفولاذ والأسمنت والحجر؛ قوية كأنها جبال، رشيقة كأنها قضبان من فضة. ما كانت هذه الأبراج قلاعاً ولا كنائس، بل أبنية مكاتب.. هكذا، بكل جمال ووضوح!" بهذا المفتتح ينجح لويس في تقديم مدينته المتخيلة "زينيث" كمدينة تؤمن بـ"رب التطور" وتعتنق مذهب رجال الأعمال، "مدينة يوحي مظهرها بأنها مدينة مبنية للعمالقة"، غير أن بطلنا جورج ف. بابِت "لا يبدو شيء من هيئة العمالقة" على مظهره.

هذا التناقض بين بابِت ومدينته يلوح برهافة منذ البداية، رغم أن بابِت ظل، لفترة طويلة من حياته، ترساً مخلصاً في آلة المدينة العملاقة متماهياً مع مُثُلها، فخوراً بكل ما تمثله. و"كان يعتبر البرج شيئاً يشبه برج كنيسة... كنيسة دين قطاع الأعمال... رمزاً للإيمان... متعالياً، متجاوزاً الناس العاديين"!

كل شيء حول بابِت وفي عالمه وعالم مدينته ينضح بعبادة التقدم والنجاح وبهوس الاستهلاك، هوس سيكون بابِت نفسه جزءاً منه ومحرضاً عليه بالنظر لمهنته كوسيط عقارات، وحين يحدس الترس الذي كانه بابِت بخواء عالمه ويحاول التمرد يجد نفسه ملفوظاً خارج الرحم الآمن لمجتمعه المألوف من نخبة "زينيث" حتى يعود إلى سابق عهده، وإن كانت عودته ليست كاملة لأنه في نهاية الرواية سيتواطأ مع رغبة ابنه "تيد" في فعل ما يريده حقاً بصرف النظر عن ما يراه الآخرون، كأنه وإن فشل في محاولته للتمرد، يحرص على ألّا يفشل ابنه.

لكن قوة الرواية المنشورة عام 1922، لا تكمن فقط في أفكارها ولا رؤيويتها، بل في كيف نجح مؤلفها في تحويل هذه الأفكار إلى فن خالص يتسم بالمتعة والعمق في آن. فسِنكلير لويس لا علاقة له بالكليشيهات المكرورة، كما أنه لا يسقط في فخ تحويل روايته إلى هجاء ممل للرأسمالية ولتهميش البشر لصالح الآلة والحجر، بل تسحبنا روايته لأعماقها كبحر رمال بحيث نتابع بابِت في تفاصيل حياته الناجحة ظاهرياً والفارغة في جوهرها، وتنجح سخرية لويس في إبعاد شبح الأحكام الأخلاقية والمباشَرة.

سخرية لويس آسرة وتظهِر الجانب الهزلي في شخصياته بلا قسوة، ودون تحويلهم إلى "كاريكتير". واللافت أننا كقراء نتعرف على جورج بابِت عبر كم لا يُحصَى من التفاصيل الدقيقة، التي قد تبدو عديمة الأهمية، لكنها معاً تكوِّن صورة مقربة جداً لشخصيته، كأننا أمام فسيفساء من السمات الهزلية وتفاصيل الحياة اليومية العابرة، يبدو الكاتب كما لو كان يُكبِّرها عبر عدسة تضفي عليها ملامحاً هزلية، فنبصر تناقضات بابِت وحماقاته، ومع هذا نحبه ونتعاطف معه حتى لو كرهنا نظرياً ما يمثله – في البداية – من ولع بالمظاهر وعبودية للنجاح والاستهلاك.

ولا أظنني أبالغ إذا قلت إن جورج بابِت من الشخصيات الأدبية الفريدة التي تستحق أن توضع في مصاف أهم الشخصيات الفنية. إذ كعادة الشخصيات العصية على النسيان، يمكن لكل منا أن يجد ما يجمعه بجورج بابِت سواء في مآزقه الوجودية أو حتى في صراعاته الحياتية التافهة للامتناع عن التدخين مثلاً أو لمقاومة الإسراف في الأكل.

 زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب