Saturday, October 7, 2017

أخيلة الظل: التمويه على المخاوف والأشباح



جهينة خالدية


تخيلات كثيرة، أحلام غرائبية، تأملات في تشكيلات السحب.. وآلام لا تسكنها أحياناً إلا إغماضة الجفون، مخايلة قلعة معلقة بين السحب أو غياب عن الوعي
شخوص منصورة عز الدين يعيشون في أخيلتهم وينسجونها من حكايا بعضهم البعض. كاميليا تحكي لآدم وتحلم بالكاتبة الروسية أولجا، أولجا تحكي قصة كاميليا وتلهث خلف آميديا.. ساندور يعيش في عالم أولجا ويغرق في هواجسه وفي ماضيه.. آدم كوستاكي يحدس بكاميليا.

في أخيلة الظل تقدم عز الدين رواية تجريبية جديدة، "نوفيلا" كما تسميها في حوارها المصور مع "بوابة العين": "نوفيلا قائمة على لعبة افتراضات وتخيلات وهي أشبه باستثمار لأحلام اليقظة ولعبة ظلال، واختراع شخصيات وخلق علاقات متبادلة بينها ومن خلال كل هذا تناقش الرواية أفكار عن الفن والرواية والكتابة".
تقول عز الدين "عندما بدأت بكتابة أخيلة الظل، ظننت أنها بعيدة عن كل مشكلات الواقع العربي في هذه السنوات وكانت كرئة أتنفس منها أثناء الكتابة، ولكنني فوجئت أن الآلام التي تشهدها المنطقة تظهر بطريقة مراوغة في أحداثها ومن خلال شخصياتها المتخيلة لأكتشف أنها تسكنني".

لغة منصورة ولمساتها السردية حاضرة في كل صفحة. هي التي اتقنت المزج ما بين الخيال والواقع والقفز فوق الأزمنة وبين الأمكنة المختلفة، وهي التي أغرتها ألعاب السرد وامتهنتها.




عز الدين التي تدخلنا في عملها في متاهات لن نحبذ الخروج منها، نضيع فيها ونتواجه مع خساراتنا ووحدتنا وغربتنا عن نفسنا وعن محيطنا.. في "أخيلة الظل" نلاحق ظلالنا وندفع بخيالنا داخل أخيلة شخصيات أخرى.. نعيش تبديدهم لذكرياتهم وخوفهم لنكتشف أنه خوفنا. هكذا بلا جهد كبير، نتقمص شخوصاً أخرى، ونطلق العنان لمخيلتنا محاولين تنبأ خطوة منصورة التالية.. كيف سترسم حياة جديدة لشخصيتها تلك؟ كيف ستضعها هناك في حديقة براغ وتجعلها تنطق بآلام الماضي.. من هو الكاتب الحقيقي ومن هي شخصيته المفترضة؟ نسأل ونلهث خلف الأحداث بحثاً عن الأجوبة، نجدها أحياناً ونفتقدها في أحيان أخرى ونحن نتأمل منصورة عز الدين تهدم كل سيناريو متوقع حاولنا رسمه معها.


ظلال رواية عز الدين ستلاحقنا لفترة ليست بقصيرة، وستلاحقنا قناعة آدم أن "الظل مرآة يرى الضوء فيها وجهه ممعناً في غيابه" وإدمان كاميليا على الاختباء خلف الكلمات "بحماقة لا تتنازل عنها، كانت ترغب في الاختباء خلف الكلمات، في اختراع عوالم وخلق حيوات وأقنعة تتخفى وراءها وتموه على مخاوفها وأشباحها.. بالنسبة لها لا صحبة أجمل من صحبة الشخصيات المتخيلة".

نقلاً عن بوابة العين الإماراتية

Thursday, October 5, 2017

أخيلة الظل: اللعب بالكتابة ومعها





د. عزة مازن



في روايتها الأحدث "أخيلة الظل" (2017) تمارس الروائية والقاصة منصورة عز الدين تجربة الكتابة عن الكتابة، أو "ما وراء الكتابة" metafiction ، فتتشابك خيوط السرد ومصائر الشخوص وحكاياتهم، ويتحول الجميع إلى شخوص في قصص وحكايات يكتبها البعض، وتبقى أحلامًا معلقة في أذهان البعض، خيوطاً متشابكة تحركها الكاتبة أو يلهو بها راو متوار خلف نسيج الحكايات. تكتب شخوص الرواية بعضها بعضًا وتفكر إحداها في الكتابة على أنها "في جوهرها، مطاردة للسراب ولعب معه، بل واختراع له".

تلقي الكاتبة بالخيوط المتشابكة في الفقرة السردية الأولى " ليست صورة، بل ركلة محكمة"، لتكسر الإيهام بأن ما تكتبه ليس رواية في إطارها المتعارف، فتعلن بداية اللعبة – لعبة الخيال- ثم تترك خيوطها تنفرج وتلتقي وتتقاطع في الفقرات التالية، ويجد القارئ نفسه متورطًا في اللعبة، يلهث وراء السطور، رغبة في فصل الظلال المتشابكة والمتداخلة، من يكتب من، ومن ما هو إلا طيفًا في حلم أحدهم أو وهمًا في عقل آخر؟ تُستهل الفقرة بالقول: "تخيلوا معي مقعدًا خشبيًا في الباحة الأمامية لبيت على ضفة "الفلتافا"، قريبًا من جسر تشارلز". على المقعد يجلس رجل وامرأة "وحيدان في ضحى مشمس. هي قادمة من القاهرة في زيارة لواحدة من مدن أحلامها، وهو وصل من "سياتل" قبل يومين للمشاركة في مهرجان أدبي بمدينة لا يمل من التجول فيها". يمتهن الاثنان الكتابة ويحاولا التواصل بعبارات مكرورة عن الطقس، بعدها تحكي المرأة، دون انتظار لرد فعل من رفيقها: "هذه زيارتي الأولى، لكن هل ستصدقني لو أخبرتك أنني أرى "براغ" في حلم متكرر، وأنها في الواقع، مطابقة لما سبق وحلمت به؟" وتواصل فتحكي عن قصة تكتبها في حلمها وتشارك في أحداثها: "عن كاتبة روسية تعيش في "براغ"، تكتب بدورها عن طفلة ناجية من مذبحة. يسكن مع الكاتبة الروسية عازف بيانو". وتستغرق المرأة في تفاصيل الحلم: "كان ثمة أيضًا عجوز يسير بلا انقطاع، جيئة وذهابًا، على جسر تشارلز، فيما أتابعه من شرفة الكاتبة الروسية في بناية تشرف على الفلتافا." وسرعان ما يكسر السرد الإيهام ليشرك القارئ في عملية الكتابة ذاتها: "ماذا لو اخترنا للقاهرية الجالسة في الباحة الأمامية لمتحف كافكا، اسم كاميليا! وللرجل القادم من "سياتل" والمستكين بجوارها منصتًا لكلماتها اسم آدم"! ويخبرها الرجل بحلمه في أن يصبح كاتبًا، بعد أن قرأ في صباه قصة للافكرافت. وتمعن لعبة الخيال في التأكيد على ذاتها وتشابك خيوطها: "لن يبدو الأمر غريبًا لو افترضنا أن آدم هذا حفيد لاجئة شرق أوسطية تزوجت بحارًا يونانيًا، وانتقلت معه من ميناء لآخر، حتى استقر بهما المقام في "سياتل"، فكما تعرفون كل شىء مباح في لعبة الافتراضات، وما نحن بصدده مجرد لعبة".

في الفقرة السردية التالية "فليكن اسمها أولجا"، تؤكد الصيغ الاحتمالية على استمرار اللعبة، بينما يوهم السرد القارئ ببداية انفراج تشابك خيوط الحكايات، وهي في الحقيقة تزداد تعقيدًا وتشابكًا. فليست الحكايات المتشابكة حلمًا في ذهن كاميليا، أو رواية تسعى إلى كتابتها، إنما أولجا هي التي تغرق في أحلام يقظة لانهائية. "تتمحور أحلام يقظتها حول شخصيتين متخيلتين: رجل اختارت له اسم آدم وتخيلته مقيمًا في سياتل، وامرأة اسمها كاميليا واحتارت في تحديد مكان عيشها". بعدها تقرر أولجا "أن القاهرة هي البقعة الملائمة". يواصل السرد أن "آدم وكاميليا، كما خايلاها، يمتهنان الكتابة والتقيا مصادفة في براغ... يتعامل كل منهما مع الآخر كبئر يلقي فيها أسراره وخيباته، كما يفعل غريبان يثقان في أن طرقهما لن تتقاطع ثانية". يبقى آدم وكاميليا قيد خيال أولجا "لا تكتبهما، لأنها أرادت لهما الحياة في صخب أفكارها، أرادتهما سرًا حميمًا، لا كتابة عمومية تستهدف قراءً لا تعرفهم، ولا تربطهم بها سوى كلمات لم تعد تؤمن بجدواها". تنتقل أولجا إلى ملف على حاسوبها الشخصي لقصة تكتبها من فترة، عن طفلة ناجية من مذبحة. تتداخل قصة "آميديا"، الفتاة الناجية من المذبحة، مع قصة آدم لتصبح هي جدته الناجية من مذبحة حربية.



على مدى سبعة عشر فصلًا، يحمل بعضها قصصًا تكتبها كاميليا، وأخرى يكتبها آدم، وتتشابك مع حكاية عازف البيانو، رفيق أولجا في السكن، وقصة زوجها السابق، الذي يعشق السير بلا هدف، يتماوج السرد بين الإيهام والغوص في قلب الحكاية وبين كسر الإيهام والعودة إلى لعبة الخيال والافتراضات. بعد فترة من الرسائل الالكترنية المتبادلة يدعو آدم كاميليا إلى بيته في سياتل. وهنا يكتسب الاثنان صفات واقعية، كما يقول السرد، "لم يعودا شخصين يتحركان في الفراغ، أو طيفين يهيمان في خيال كاتبة ستينية غارقة في أحلام يقظتها". ولكن سرعان ما يعود السرد ليربك القارئ من جديد. ففي فصل بعنوان "حيث بدأ كل شىء" يعود السرد إلى البداية: "من مقعد خشبي، في باحة متحف على ضفة الفلتافا، بدأ كل شىْ". يعود التنويه بأن الحكايات خطوط متشابكة في خيال كاميليا: "حين حكت لآدم في لقائهما الأول ذاك عن حلم متكرر ترى فيه أنها تكتب قصة – وتشاهدها وتشترك في أحداثها – في الوقت نفسه، اهتم بما ذكرته عن كاتبة روسية وعازف بيانو يحدق في أصابعه، ولم يلتفت إلى كلامها عن عجوز يذرع جسر تشارلز، جيئة وذهابًا، بلا انقطاع".

تدور دوامات السرد، وتبتلع الحكايات بعضها البعض، تتشابك خيوطها وتنفرج لتعود لتتشابك من جديد، وتبقى الحكايات ظلالًا في أذهان كاتبيها وأحلام يقظتهم، لا يكتبونها، وكأنما يأبون كشف أسرار تخصهم وحدهم. في القطار العابر لسيبريا يدون فلاديمير، الرسام وزوج أولجا السابق العاشق للسير، أفكارًا وشذرات للاستفادة منها في تدوين رحلته لاحقا. ولكنه لا يكتب، إنما "بعدها بسنوات، يجد نفسه عاجزا عن فهم " لماذا دائمًا للظلال حضور أكبر من أصولها في مخيلته، وللصدى الأفضلية على الصوت". يٌعد فلاديمير مسودة كتاب "بدأه بفصل سرد فيه ذكرى القبض على الضوء متحدًا بالظل...". في مفتتح الكتاب يُعَبر فلاديمير عن أزمة الكاتب مع الظلال المتراكمة والمتداخلة، عن حيرته على التخوم بين الوهم والحقيقة، وربما يفسر كلامه عنوان الرواية "أخيلة الظل": "النار أم الوهم والدخان. أم ملتاعة تتغذى على ذاتها وتطلق ابنها حرًا في الفضاء، هشًا على وشك التلاشي. وأنا أحلم بحياة من وهم ودخان ينعكسان على مرآة مغبشة، فتتلاشى الحدود وتختلط". ويظل آدم "لسنوات مسكونًا بظله"، الذي اكتشفه في حوض الاستحمام، حين كان طفلًا صغيرًا، "بل ربما لم يفلت من أسره قط". وفي إهداء قصته "ناسك في غابة" إلى كاميليا يكتب آدم: "الظل مرآة يرى الضوء وجهه ممعنًا في غيابه"!
على مدى السرد تتماوج الظلال وتتداخل وتذوب في بعضها البعض، وتصل إلى ذروتها حتى "يخطر لكاميليا... أن تضيف لعبة جديدة لألعابها الذهنية اللانهائية: اختراع صلة بين أشياء لا صلة ظاهرة بينها". وتتحول الكتابة إلى لعبة "دوخيني يا ليمونة"، التي تستعيدها كاميليا في ذاكرتها، يستمتع فيها الكاتب/الكاتبة بالاستسلام "لدوار مغلف بظلال وأخيلة متداخلة. تغيب عن واقعها وذاتها وتفقد ذاكرتها لبرهة، تقترب فيها من لحظة الإفاقة من التخدير بعد العمليات الجراحية...". تعلق كاميليا: "ما أجملها من حالة"!

في الفصل الأخير بعنوان "انتهى قبل أن يبدأ" يكشف السرد أنه "على مقعد خشبي في باحة متحف على ضفة الفلتافا قريبًا من جسر تشارلز انتهى كل شىء، تلاشى قبل أن يبدأ". لم يتواصل الحديث بين الرجل والمرأة، التي "لا تدل ملامحها على عرقها أو جنسيتها". يقرأ الرجل كتابًا تتشابك فيه خيوط الحكايات السابقة، وتواصل المرأة "التفكير في حلم يسكنها، تكتب فيه قصة – وتشاهدها وتشارك في أحداثها...". ويبقى الجميع ظلالًا في حلم راو أو كاتب مجهول، ربما يخشى الكتابة أو يهابها، أو يجدها بلا جدوى في عالم تفوق أحداثه ما يصل إليه الخيال، ولكنه يستمتع بلعبته الذهنية، لعبة الخيال والظلال.

"أخيلة الظل" كتابة عن الكتابة، تلك اللعبة الذهنية التي تتداخل فيها الظلال ويختلط فيها الواقع بالأحلام والأوهام. استطاعت منصورة عز الدين، ببراعة مدهشة، أن تجذب القارئ، تشحذ عقله، وتورطه في لعبتها وتجربتها الإبداعية المثيرة.

نقلاً عن مجلة الإذاعة والتليفزيون

Wednesday, October 4, 2017

أخيلة الظل لمنصورة عز الدين: خيالات الطفولة وآمالها




سومر شحادة



في روايتها "أخيلة الظل" (التنوير 2017) تلجأ الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى تَخيّل الواقع، عبر سلسلة افتراضات لا تنزع عن الحكاية واقعيتها، وإنّما تراها بعين الخيال. في كتابة تجريبية تتخذ من القارئ شريكًا في صناعة النص، إما بإيهامهِ أنّه ضمن فريق متجانس من الرواة، أو بتقديم حكاية مفككة تتجمّع في ذهنهِ ووفقًا لتأويلاتهِ وارتدادات أزماته الشخصية. لا يشكل هذا النوع من الكتابة اختبارًا لكاتبهِ وحسب وإنّما كشفًا لذات قارئهِ، فالرواية التي تنشغل بأشكال الفن المختلفة. أبطالها كتّاب، وهامشيوها موسيقيون ورسامون؛ تظهر كما لو أنّها صدىً لمذابح قديمة ومجتمعات مستلبة، لا يصنع الفرد فيها قدرهُ الخاص وإنّما يصنعهُ الآخرون. بين الخوف والرغبات بين وحشة التخلي وإرادة العيش أو النسيان، بين الخذلان الخالص ويقظة الهواجس، تشرق أخيلة الظل حيوات مستعارة تنوء بالخيبات ومسارات تشكلها.

من مقعد خشبي في حديقة قرب جسر تشارلز في براغ، تبدأ الرواية، عبر حوار ينشأ بين امرأة مكتنزة تنظر إلى الفراغ بين قدميها ورجل يحدق في الأرض بعينين متجهمتين. يلتقيان أثناء زيارة لمتحف كافكا، كاميليا كاتبة من القاهرة وآدم كاتب من سياتل، بالإضافة إلى أولغا وهي كاتبة روسية تسكن وعي كاميليا وتسكن كاميليا وآدم شاشة حاسوبها. تُسند الكاتبة مسار أبطالها إلى عقد تعود إلى الطفولة؛ وتمثل مصائر العديد من الشخوص مجرد ارتدادت مؤلمة وغير واعية لسلوك مورس عليهم أو سقطوا فيهِ وهم في طور التشكّل النفسي. إذ تتعرض كاميليا في عمر الخامسة إلى ركلة من والدها، لقد كتبت من أجل فهم ذلك الحدث المنتمي إلى طفولتها، وأخذت كتابتها شكل تبرير للركلات المعنوية التي تعرضت لها خلال حياتها. بينما حلم آدم بأن يصبح كاتبًا منذ قرأ قصة لـ "لافكرافت". وتعلّم في قبو معتم أنّ قهر الخوف يكون بالاستسلام لهُ، يدفعه خوفه من ظلّه في حوض الاستحمام إلى الكتابة عن "مدينة للخوف" تشبه أرضًا مسكونة بالظلال. وقد أكسبه القبو رهابًا يتمثل في عجزه عن إرضاء النساء، واعتقاده أنّ نفاذ الصبر والغضب سمتان ملازمتان للنساء في المواقف الحميمة، وذلك بعد تجربة مخزية مع فتاة تكبره بسنوات.

تزور كاميليا آدم بعد مئات الرسائل الإلكترونية. في المنزل، وروز منشغلة بدفع أرجوحة فارغة، تجد كاميليا آدم مختلفًا، وتعرض الراوية عقدة طفولية ثالثة تعود لزوجته، حيث فقدت روز أختها أثناء اللعب، وخبأت تلك الحقيقة التي حطمّت قدرتها على الإنجاب. اعتقدت كاميليا أنّ آدم يستغلها من أجل صنع إثارة في حياتهِ الزوجية، لتدرك أنّ زوجة صديقها ما تزال تواجه سؤالًا أصمًا وهو:"هل دفعتُ الأرجوحة أقوى مما ينبغي"؟ السؤال الذي لم يغير حقيقة أنّ سقطة مميتة واحدة قتلت حياتين.

تتعاقب فصول الرواية، وتتناوب الكاتبة عز الدين في حكاية كلّ من الكتّاب الثلاثة عبرهم أنفسهم. إذ تروي أولغا حكاية آدم بدءًا من آميديا جدته، الناجية من مذبحة "سيفو" بحق السريان والآشوريين. وتروي حكاية كاميليا، بعدما كشف كلّ من آدم وكاميليا حياته للآخر، بسلاسة وعفوية. تسمي دولت ابنتها تيمنًا بممثلة أدت دورًا إلى جانب أحمد سالم. لكن تبقى الطفلة محط ازدراء من أمها، التي لم تتوقف عن الإيحاء لابنتها بأنّ التحف المتبقية من إرث عائلتها أكثر أهمية من البنت نفسها، في إحدى السهرات تغفل كاميليا عن نار أشعلت شعرها، يغمر منير رأسها بصدرهِ كي يُطفئ النار، ولتشتعل رغبته بها، وتنتهي بهما زوجين وقد انفصل عن زوجته فريدة أمثولة دولت للمرأة. تتمرد كاميليا على والدتها وتهزأ بزواجها، من صورة الفتاة غير الفاهمة للتركيبة الطبقية التي تدور والدتها في فلكها، تضطر إلى الإجهاض. وتطلب من منير أن يكلمها وهي في سرير المستشفى، فيقص عليها حكاية قبلاتهما المسروقة على شرفة طليقته. هكذا راح النص المصاغ بلا مبالاة الآخرين يحتفي بلحظات شاعرية تربت على الوحشة المتنامية في وجه القارئ. لتكون الرواية لا مجرد لعبة افتراضات، حسبما قدمت لها الكاتبة، بل لعبًا حساسًا يسعى إلى ترويض القسوة أو إدانتها عبر تصوير مآلاتها. خصوصًا، بتحول كاميليا من امرأة مندفعة إلى أخرى، لو عايشت يوم القيامة لوصفته "بمجرد يوم غير ملائم للخروج".

تتسم الرواية بمشهدية عالية، تختزل الكاتبة سنوات عبر مشاهد كأنّها مأخوذة من فيلم سينمائي صامت لا أهمية للكلمات سوى بقدر الحاجة لتأويلاتها في المستقبل. تعيش أولغا مع عازف بيانو، دفعه هجران أمه إلى التقرّب من امراة متزوجة كي تحكي له عن ابنها، قبل أن يكتشف الزوج العلاقة التي جمعتهما. وتختلط بعد سنوات في رأس ساندور "عينا أولغا المتسعتان لذة واستمتاعًا بعينين قديمتين اتسعتا هلعًا". يعاني ساندور إثر هجوم الزوج عليه وهو برفقة زوجة الأخير، من كسور في الأصابع، ويفقد القدرة على العزف، يتأمل مستقبلًا مبتورًا دفعه والده للاعتقاد بأنّه معلّق بأصابعه. تقحم الكاتبة بين الفصول المنضبطة حكاية قائد، وتروي حكايته على نحو درامي وتقليدي، إذ يتراوح مصيره بين المجد والأفول، ينهار دوره كـ "منقذ" وهو الدور الذي لطالما ألفه الطغاة. ويكتشف أنّه تحول إلى ألعوبة بأيدٍ مجهولة، ولم يبقَ من تاريخهِ سوى رجفة الماكيير الذي يجهزه لتصوير خطابات مطلوب منه تأديتها. في حين، لا يكترث له حراسه كما لو أنّه "هواء".


من اللافت في الرواية الإشارة إلى لغة الجدة، آميديا، وارتباطها الوثيق بالذاكرة، بالألم والرحيل، إذ تتعلم الإنكليزية في الدير كي تمحو ذاكرتها عن المذبحة. وفي المنفى، وهي عجوز بانتظار موتها، تتطلع إلى عيني روز، التي تعرف معنى الألم، وتدخل مونولوجًا طويلًا باللغة الآشورية، كأنّها  عبر اللغة تهرب من وطنها، وعبر اللغة تعود إليه.

نقلاً عن جريدة العربي الجديد
1 أكتوبر 2017

أخيلة الظل: تداخل الأصوات والأزمنة

      



  د. محمد سمير عبد السلام 

"أخيلة الظل" رواية حديثة للروائية المبدعة منصورة عز الدين، صدرت عن دار التنوير للنشر بالقاهرة سنة 2017، وتحتفي كتابة منصورة عز الدين بالتجريب في كينونة الساردة، والشخصيات، وتجاوز مركزية الإشارات، والعلامات، والمتواليات، والوحدات في النص السردي؛ فالوجود التاريخي – في البنية المحتملة للحكاية – في كتابة منصورة عز الدين، ينطوي على حضور تصويري آخر، أو نسخ، وتشبيهات تتداخل – بصورة أولية – مع لحظة النشوء الأولى في العالم؛ فخيال الظل – كشكل فني – يصير تأويلا سرديا للذات عبر وفرة من الظلال المكملة، والمؤسسة للوجود الفني الداخلي الآخر.

إن الساردة تفكك بدايات الوجود من خلال الكشف عن احتمالاته الفنية، وتشبيهاته؛ فالذات تتطور في صيرورة التمثيلات الفنية، أو الظلال، أو الأطياف التصويرية المستعادة من تاريخ الفن، والشخصيات الأدبية؛ وهو ما يذكرنا بتداخل الصورة مع الحقيقي، أو استباقها له في فكر جان بودريار؛ فالنشوء الجمالي للشخصية يعزز من تداعيات الكتابة، وصيرورة العلامات التي تفكك مركزية لحظة الحضور، وبنى الشخصيات المحتملة، وشكل علاقة الساردة بشخصياتها؛ فالشخصية – في رواية منصورة عز الدين – تقع ضمن شبكة لا مركزية من التداخلات الحكائية التفسيرية التي تقع بين وعي الأنا، ووعي الآخر، أو الآخرين؛ فالساردة تقدم لنا موقفا سرديا يجمع بين الكاتبة كاميليا، والكاتب آدم بالقرب من متحف لكافكا في براغ، ثم تشير إلى شخصية أولجا الفنية في وعي كاميليا؛ تلك الشخصية كاتبة روسية تقيم مع ساندوز عازف البيانو؛ وهي شخصية احتمالية في أخيلة اليقظة التي تسبق عملية الكتابة في وعي كاميليا، ثم تشير الساردة إلى أن كاميليا نفسها تقع ضمن أخيلة الكتابة المتعلقة بوعي أولجا؛ وكأن المجازي يختلط بنشوء الحقيقي المحتمل نفسه في صيرورة إبداعية تتجاوز الوظائف التقليدية للراوي، وإشاراته، ووجهة نظره التي لا تنفصل هنا عن تداعيات الكتابة، واستبدالاتها، ووفرة الرواة المحتملين في النصوص السردية الوليدة، أو متواليات الأخيلة، وشخصياتها المتشابكة.

إن الساردة لا تدعي – في خطابها – العلم بصيرورة شخصياتها الفنية؛ وكأنها تحاول القبض على لحظات إبداعية متناثرة من تجدد الحضور، لا بداياته، أو زمنه الخاص، وإنما تفسيراته السردية المحتملة، أو المضاعفة، والمتجاوزة لحدود الساردة نفسها؛ ومن ثم تعزز الرواية من التداخل ما بعد الحداثي بين النصي، والواقعي، وتجاوز بنية الحكي، وإشاراته التي تحتفي بالواقع الافتراضي، والسخرية من الحدود، والبدايات، والنهايات الحاسمة في النص السردي، ومتوالياته.

وتومئ عتبة العنوان / أخيلة الظل إلى هذا الاتجاه؛ فالظل مفتتح للنسخ التصويرية الفنية المحتملة للشخصيات، ويعزز من اللعب، وتمثيلات النصوص الفنية الوليدة، ووفرة الرواة المحتملين فيها؛ ويقوم الظل أيضا ببعث الرؤى، وأطياف الفن، والشخصيات الأدبية؛ مثل الفراغ في فلسفة الطاو، والسياق الحلمي لحكاية أليس، أو علامة الجميزة، وعلاقتها بحتحور في الحضارة المصرية القديمة، أو السيدة دالاوي في رواية فرجينيا وولف، أو بطل جاتسبي العظيم لسكوت فيتسجيرالد، وانبعاث صوت ماريا كالاس كتمثيل لنموذج الأمومة في وعي العازف، أو الممثلة كاميليا، وعلاقتها بأحمد سالم، وعلاقتها التشبيهية بنشوء كاميليا / الكاتبة الافتراضي في النص.

إن الانبعاث الفني لمثل هذه الشخصيات، يوحي بتجدد النسخ التصويرية للذات من جهة، والاحتفاء بالتجدد الإبداعي المتجاوز لخصوصية الوجود التاريخي في فعل الحكي من جهة أخرى؛ فالساردة تستقبل لحظات التداخل بين إنتاجية وعي الأنا، وإنتاجية وعي الآخر / المحتمل، أو النصي، وتحتفي بوفرة الظلال التي تسبق لحظة الكتابة، وتداعياتها، واختلاطها باتساع الوجود، وتعيد تمثيلها في سياقات تأويلية متجددة، تسخر من ثنائية الشخصية، والظل، أو الحضور الفني المحتمل في وعي الآخر؛ وقد تتداخل الأصوات، والأزمنة؛ لتقاوم بنية التدمير في العالم الداخلي لبطل القصة الوليدة "ناسك في غابة" التي كتبها آدم؛ وهو شخصية فنية في الرواية؛ وهو ما يذكرنا بمدلول التصوف عند كازانتزاكيس؛ إذ إن صوت الأنا يحمل بداخله الأسلاف، وكذلك النزوع إلى تداخل بنى الأصوات، والأزمنة في مسرح جروتوفسكي الطقسي؛ وما يستدعيه من تجريب في مستوى الكينونة، ومساءلة الحضور النسبي للذات.

وترتكز رواية منصورة عز الدين على أشكال متنوعة من اللعب، والسخرية، واستنزاف المركز؛ فالسكون اللانهائي في فلسفة الطاو، يستنزف صخب الحرب، وتاريخ التعارض بين الأنا، والآخر، والنهايات الآلية الشيئية العبثية للإنسان؛ ويبدو هذا واضحا في الاتساع الكوني للصوت في شخصية بطل قصة ناسك في غابة لآدم، وفي تخييل صورة جدته، واستنزاف الأزرق المجرد لصخب فلاديمير الزوج السابق للكاتبة أولجا؛ فمشيته الميكانيكية العبثية التي تذكرنا بشخصيات بيكيت، وعوالمه، تذوب في أخيلة الأزرق، وسماويته المحتملة التي تؤكد التناقض، وتتجاوز بنية الصخب في عالمه.

وتستنزف الساردة بنية الحكي نفسها من داخل التجدد الدائري للتشبيهات، وأشكال الوجود التصويري الأولى داخل الكينونة، وتأويلاتها المستمدة من تاريخ الفن، ونصوص الأدب، والذاكرة الجمعية، واستخدام لغة السرد الاحتمالية التي تفكك خطاب الراوي حول شخصياته، ومساءلة تشكلها في بنية خاصة؛ إذ تبدو كأثر جمالي، وفاعل في الحكاية المحتملة في آن.

ويطلق جون بارث على مفهوم الاستعادة الممزوجة بالسخرية "أدب الاستنزاف"؛ ويشير المفهوم – عند بارث – إلى استنفاد أشكال، أو قدرات معينة في التفكير الأدبي؛ ويمثل له باستخدام بورخيس للطريق الثقافي ضد نفسه؛ لإنتاج عمل فني جديد؛ فمن أساليب بورخيس خلط الحلم بالواقع، والتعليق علي هذا الخلط في قصته "طولون الأكبر". (راجع، بارث، أدب الاستنزاف، ضمن كتاب الرواية اليوم، تحرير: مالكوم برادبري، ت: أحمد عمر شاهين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996، ص 64، و70، و71).

هكذا تتجاوز ساردة منصورة عز الدين طرائق الإدراك التقليدية، وتستنزف الحكي في لحظات التجدد الفني المحتمل للشخصية؛ في الظلال، والأطياف، والصيرورة النصية، والكونية المتجاوزة لمدلولي الكينونة، والرؤية؛ فالساردة تلتقط لحظات من الحضور الحلمي التصويري، وتحولاته، واستبدالاته الممكنة، لا تاريخه، أو بداياته، أو حدوثه؛ إذ يلتبس دائما بالغياب، أو التجلي كأثر في وعي الآخر، وتأويلاته.

*التجريب في وظائف الراوي:

ترتكز ساردة منصورة عز الدين – في أخيلة الظل – على التبئير الداخلي المتنوع وفق تعبير جيرار جينيت؛ إذ تقدم الشخصيات المتنوعة من الداخل، وتسهب في وصف الأخيلة، وأخيلة اليقظة، والذكريات، وعلامات الوعي، واللاوعي، وكثيرا ما تصف مستوى ما قبل الكلام، وفق تعبير روبرت همفري عن رواية تيار الوعي عند وولف، وجويس؛ ورغم هذا التقديم للشخصيات من الداخل، فإن الساردة تمنحنا الإشارات بأن هذه الشخصيات تقع ضمن فعل الكتابة؛ فكل منها يكتب الآخر، أو يقوم بتخييله، أو هو جزء من تخييل مضاعف؛ أي كتب بواسطة شخصية تقع ضمن وعي شخصية أخرى؛ ومن ثم فهي تمارس تناقضا إبداعيا بين تقديم الحضور الداخلي النسبي للشخصية، وتفكيك بنية ذلك الحضور؛ بالكشف عن الجانب الافتراضي فيه، وهوامش الغياب في أطياف الكتابة، وظلالها التخييلية، أو المستعادة من تاريخ الأدب، والفن.

تصف الساردة لقاء آدم، وكاميليا في سياق يراوح بين واقع احتمالي، وطاقة إبداعية خفية مستمدة من كافكا، وشخصياته؛ وكأن الواقع يختلط بفاعلية التراث الثقافي الاستعارية المحتملة.

ويتضمن خطاب كاميليا – المقدم بواسطة الساردة – أنها تكتب في حلمها قصة تشترك في أحداثها عن كاتبة روسية تعيش في براغ، تكتب عن طفلة ناجية من مذبحة، ويسكن معها عازف بيانو، وعن عجوز يسير بلا انقطاع.
لقد بزغت الشخصيات الفنية من وعي، ولاوعي كاميليا في لحظات التشكل الأولى لرواية، ولكننا نلاحظ الاستمرارية ما بعد الحداثية في تشكيل العمل عبر صيرورة من الأخيلة، ومشاريع للكتابة تتجاوز وعي الساردة، ووعي شخصياتها؛ فكاميليا جزء من أخيلة الكاتبة أولجا التي اختارت أن تعيش بطلتها في مدينة شرق أوسطية، واختارت لها القاهرة، وهي تشبيه للممثلة كاميليا في وعي الأم، كما تعيد تمثيل النزعة الأنثوية المناهضة لخطاب الأب؛ وكأنها تجدد شاعرية الأنوثة في انبعاث علاماتها النصية ضمن التاريخ التفسيري لنشوئها المجازي.

إن الساردة تحاول القبض على تشابك العلاقات الاحتمالية في وعي ولاوعي الشخصيات التي تتراوح بين الحضور الفني الافتراضي، والتجدد في الأخيلة المتداخلة بين الأنا، والآخر، وأطياف الذاكرة الجمعية، دون بدايات، أو نهايات؛ فكثيرا ما تتجاوز الشخصية العدم في لحظة التوحد بالفراغ الإبداعي التمثيلي الذي يجمع بين سكون الطاو، وعودته الدائرية، وتداعيات الكتابة، واستبدالاتها التمثيلية.

تمارس الساردة استباقا، وتخييلا للشخصيات، والأحداث الاحتمالية في النص؛ فهي تستبق تطور الشخصية عبر متواليات سردية حلمية تأويلية، تذكرنا بالوظيفة التأويلية للسرد في فكر بول ريكور، وتفكك التطور المنطقي للوظائف، والوحدات السردية عبر فعل التخييل، والوعي باحتمالية الشخصية، ووجودها التصويري، وتجددها خارج الخطاب الحكائي؛ إذ تقع في علاقات متداخلة، تقاوم البدايات، والنهايات.

وقد تجمع الساردة بين حلم اليقظة، ومستوى ما قبل الكلام في استبطانها للشخصيات النصية الافتراضية؛ فكاميليا تعيد تخييل البهجة في واقع يشبه الحلم، وهي تمسك بطفل، وتعاين الكرنفالات الراقصة، والموسيقى، والخيول التي ترقص، ومرح الأطفال، والناس الذين يستمعون القصص، ثم تنتقل إلى المستوى الأعمق من اللاوعي؛ إذ تواجه عربة تجرها الخيول، وتنتزع منها الطفل، وقد نجد هوة تلتهم أجزاء من جسدها مثل الكبد، والرحم، والقلب، تقترن بها صورة طفل في السماء؛ وهو ما يذكرنا بالإيروس، والتدمير عند فرويد، وتشير البطلة إلى حلم السقوط اللانهائي الذي يؤجل بنيتي السقوط، والطيران معا؛ وكأنها تستنزف النهايات، وتسخر من مركزية مدلولي الموت، والحياة في صيرورة الكتابة؛ إنه سقوط مؤول للتجدد الفني، وللمراوحة بين الحضور، والغياب في تحولات الصورة.

ويربط فرويد بين الأحلام التي يرى الحالم – فيها – نفسه يطير، أو يسقط، أو يموج في الهواء، والألعاب الحركية في الطفولة، وهي تجمع بين الفزع، واللذة. (راجع، فرويد، تفسير الأحلام، ت: د. مصطفى صفوان، مراجعة: د. مصطفى زيور، دار المعارف بالقاهرة، ص 397).

إن كاميليا تؤجل بنيتي السقوط، وموت الطفل في مسافة من اللعب، والحضور الفني المضاعف؛ فالساردة تؤول الشخصيات من خلال تشابكها الجمالي، وتحتفي بتعدديتها النصية؛ فآدم يقوم بتخييل جدته التي نجت، وهي طفلة من الحرب، ويكتب قصة لها راو عن ناسك في غابة، وأولجا المتخيلة تقوم بتخييل كاميليا، وتكتب قصة لها راو عن آميديا؛ ومن ثم يتضاعف الرواة في الكتابة التي تفكك الانفصال الافتراضي بين الساردة، والشخصية في النص الروائي.

*تداخل الأصوات، والأزمنة:

يشير الظل إلى وفرة الصور المحتملة، وإلى الحضور الفني الآخر، أو الغياب / التدمير في وعي، ولاوعي آدم، أو يصير تأويلا سرديا لعلاقة الفناء بوفرة الوجود التصويري المتجد، وأزمنته المتنوعة، وأصواته المتداخلة؛ فعقب تدمير قرية بطل قصة آدم "ناسك في غابة"، نعاين حضوره الفني المضاعف، وتشبيهاته، وتداخل صوته مع أصوات تمثيلية إبداعية أخرى محتملة؛ مثل راع في زمن سحيق، أو امرأة ريفية تترقب – بخوف – فيضان النهر، أو جندي صيني مات فرسه، وينادي على قائده؛ ليبلغه بقدوم الأعداء، ثم تنفك العلاقة بين التدمير، وأخيلة اليقظة التي تتمركز حول لاعبة أكروبات جميلة.

إن صوت البطل جمعي، وكوني، يستعصي على الحدود، والتاريخ الخاص؛ إنه يؤول الوجود الإنساني من داخل أطيافه الفنية، وأصواته المتجددة في الفراغ، والأزمنة المتداخلة في لحظة الحضور؛ والتي تؤكد التصور ما بعد الحداثي المتجاوز لمركزية التسلسل الزمني في الفن.

للصوت – إذا – حضور جمالي متجدد، وهوامش بشرية كونية عميقة، تمارس تمثيلات علاماتية مجازية متجددة في حالة من اللعب.

وتشير لاعبة الأكروبات إلى نوع من السكون / الخدر الذي يذكرنا بمدلول الأنيما عند
 باشلار، والتأملات الأنثوية المتجاوزة لتاريخ التعارض بين الأنا، والآخر؛ ويؤكد ذلك التصور حلم آميديا بصفاء السماء الفيروزية، وسكونه المتجاوز للموت الصاخب في ذاكرتها.

*اللعب:

ترتبط العلامات في وعي، ولاوعي كاميليا بعلاقات جمالية لعبية تشبه تشبيهات كاميليا نفسها، وظلال شخصيات النص الروائي؛ إذ تربط بين شخصيات مارك شاجال المحلقة، وسفينة غارقة، وبين مارلين مونرو، وكارثة، وبين لوسيان فرويد، وثلوج لانهائية.

هل توحي تموجات الشخصيات الفنية – في لوحات شاجال – بانبعاث أخيلة الأنوثة؟ أم أنها توحي بامتداد السباحة الهوائية المتجاوزة للنهايات في ألعاب الساردة، وأحلامها؟


تواصل الساردة – إذا- ألعاب الكتابة، واستبدالاتها التصويرية / السردية التي تبعث الحياة الفنية المتجددة في توحد الشخصيات بالصور المستقبلية المتداخلة مع التراث الثقافي، وعلامات الأدب، والفن الحية.

نقلاً عن جريدة "الحياة".. 4 أكتوبر 2017

Sunday, October 1, 2017

Explorer l’écriture même


Dans sa 6e oeuvre, Mansoura Ez-Eldin renonce à la nouvelle et au roman proprement dits pour expérimenter l’écriture même et plonger dans les jeux de la narration et de la fiction à l’infini. 


Dina Kabil

27-09-2017




Dans son nouveau roman Akhiélet Al-Zéll (les silhouettes de l’ombre), Mansoura Ez-Eldin se comporte tel un réalisateur de cinéma qui invite le public dès la première séquence à l’assister dans sa gestion de la caméra, et lui dévoile les détails et les cou­lisses de son travail. L’écrivaine accompagne son lecteur dès la première ligne de son roman vers son univers fictif. Elle lui montre solennellement comment fonctionne son imagination, lui dévoile les composantes de son roman, le lieu, le temps et les person­nages. « Imaginez avec moi un siège en bois à la cour frontale d’une maison sur la rive de la Vltava, non loin du pont Charles », écrit-elle à l’ouverture de son livre. « Sur le banc s’assoit une femme potelée. Ses cheveux dan­saient au vent frais du printemps. Sa tenue noire est sobre. La femme est absorbée dans son regard fixé sur un espace minime par terre, entre ses pieds un peu écartés ». Puis l’écrivaine convoque son lecteur au moment du choix des prénoms de ses personnages : « Qu’en est-il si on choisit pour la Cairote, celle qui est assise dans la cour frontale du musée Kafka, le prénom de Camélia ! Et à l’homme venant de Seattle, à ses côtés écou­tant ses propos, le prénom Adam ! ».

Or, le titre qu’elle donne à son oeuvre, Les silhouettes de l’ombre, y est pour quelque chose.Ce sont les jeux interminables de l’ombre qui éveillent l’imagination et entraî­nent l’écrivaine narratrice omniprésente (c’est-à-dire qui sait le passé, l’avenir et contrôle les devenirs des personnages) à créer des personnages dans des contextes inventés pour changer souvent leur futur et rappeler au lecteur que rien n’est définitif, que tout est en voie de se former, de se créer, de paraître, de s’allonger, de rétrécir et de disparaître telles des silhouettes. Dans l’engrenage de ce jeu narratif, Mansoura Ez-Eldin recourt à l’écriture comme source, comme voie salutaire qui assure la présence des personnages et de l’auteure même. « Je ressens souvent que je ne suis pas une femme en chair et en os, mais juste une pensée venue à l’esprit d’une écrivaine, et elle est allée la remémorer sans le moindre désir de l’approfondir, de l’étendre, ou même de l’écrire. Juste des retouches feintes sur une toile incomplète. J’écris à la recherche de ma complétude et en espérant transformer l’idée passagère, qui n’est autre que moi-même, en une entité concrète et une présence réelle ». 

L’origine du jeu remonte à la visite de Ez-Eldin de la ville de Prague, « c’est une ville qui m’a profondément marquée, une ville fantoma­tique, facile à harceler tout écrivain », s’ex­prime-t-elle dans une rencontre à la télévision. C’est que depuis les débuts de Mansoura Ez-Eldin, elle était toujours préoccupée de mêler le mythe au fantastique (Matahet Mariam ou le labyrinthe de Mariam, et Waraä Al-Ferdouss ou au-delà du paradis), puis dans Gabal Al-Zomorrod ou le mont d’émeraude, elle est allée jusqu’à inventer son propre mythe, elle reproduit Les Mille et Une nuits à sa manière et prétend raconter à son audience la fable manquante du fameux livre des Mille et Une Nuits. Persuadée de la démocratie de la narration et du droit de ses personnages à for­ger leur propre devenir, Mansoura Ez-Eldin continue dans son tout dernier roman ses élans expérimentaux. Elle nous fait suivre la saga de Camélia, grandie dans une famille bourgeoise en faillite, mais dont la mère continue à vivre dans les apparences, remonte aux années d’enfance, aux rêves et aux cauchemars d’au­trefois, et surtout à ses premières aventures de jeune fille. Elle plonge également dans la vie d’Adam qui dévoile ses émotions les plus intimes à Camélia dès leur première ren­contre, nous introduit sa femme Rose qui vit dans l’asile d’un jardin de roses qu’elle soigne méticuleusement, et ne cesse de harceler Camélia par ses questions sur « là d’où vous venez » comme à des paraterrestres. Ses sagas qui ne sont que l’invention d’un autre person­nage russe, qui est Olga, peuvent modifier par un simple jeu de montage que l’écrivaine excelle en rappelant la venue d’un personnage marginalisé dès le début ou en changeant le plan préétabli pour capter le moment de la créativité et inviter le lecteur à prendre part à son jeu. L’écriture, lumière et ombre à l’infini, serait-elle la seule réalité dans un monde absurde?


Akhiélet Al-Zéll (les silhouettes de l’ombre), de Mansoura Ez-Eldin, aux éditions Dar Al-Tanouir, Le Caire et Beyrouth, 2017.

Al-Ahram Hebdo

Tuesday, July 18, 2017

منصورة عز الدين.. ألعاب الكتابة والتخلي





حسن عبد الموجود


تؤمن منصورة عزالدين بأن الإنسان «مفرد بطبعه»، وأن «وحدته قدرٌ»، بعيدا عن العواطف، الإنسان بالنسبة لها يأتي وحيدا ويغادر وحيدا. كانت منصورة شديدة التعلق بأبيها، ولكنه، مع الأسف، رحل وهي في عامها التاسع. تتذكر عمرها بالضبط: «كان لديَّ تسع سنوات، وأربعة أشهر، وخمسة وعشرون يوما، كان يصطحبني إلى كل مكان، ولا نفترق فعلا.. نشأت وسط أصدقائه ومعارفه، ولكنه اختفى فجأة، وهو ما ترك لديَّ شعورا بالخوف من التعلق بأحد، وأن تجمعني بشخص علاقة إنسانية عميقة، لقد فتحت عيني على فكرة الحياة والموت، وقد كان هذا مخيفا إلى أقصى درجة».بدأت منصورة في تجاوز الأمر بمرور السنوات، وكان بديلها «أحلام اليقظة». كانت تبتكر سيناريوهات تعيد أباها إلى الحياة، تضعه في عالم مثالي، ولكن فكرة الموت لم تفارقها عموما، فقد فاجأها الموت باختطاف ابن عمها في حادثة، وكذلك أختها الصغيرة ياسمين التي أهدت إليها مجموعتها «ضوء مهتز». كانت فتاة جميلة جدا، كما تصفها منصورة، جميلة بشكل غير معتاد، وهكذا انفتح عقلها على أسئلة تتعلق بالحياة والموت.

منصورة منعزلة إلى حد كبير، ربما كانت بدايتي معها من هذه النقطة محاولة لتفسير سبب ابتعادها الدائم، حتى، عن المقربين منها، ومنهم أصدقاؤها. تعترف مبدئيا بأن هناك عزلة: «لديَّ أصدقاء بالتأكيد، ولكن لا أشعر أن لقاءهم من ضمن شروط الصداقة، ظروفي لا تسمح بأن أكون متواجدة جسديا، الموضوع بدأ مع تحولي إلى أم، بالإضافة إلى عملي الصحفي، وفكرة البعد تحولت إلى عادة. كان هذا مريحا في الحقيقة، ولكن الفيسبوك مكَّنني من تعويض شيء مما يفوتني، التواصل ولو عن بعد. وبالطبع بعض الناس يتضايقون، وربما يفكرون في أنني أتعمد تجاهلهم، ولكنني لا أستطيع شيئا حيال الأمر».

بدأت العزلة مع منصورة منذ الطفولة، رغم أن كل المؤشرات كانت تقول إنها يجب أن تكون شخصا آخر، وعلى سبيل المثال كانت لها شعبية كبيرة في فصلها، حينما تغيب تُفاجأ بأن زملاءها بالكامل قطعوا مشوارا من قرية إلى أخرى ليزوروها ويسألوا عنها. كانت تقضي فترات طويلة بمفردها، ولاحظت الأم ذلك الأمر، وكانت تُجبرها على الذهاب إلى المدرسة أحيانا، لأنها شعرت بأن ابنتها ميالة إلى الوحدة. كان كل ما ترغب فيه هو أن تختلي بنفسها لترسم وتقرأ ولا شيء آخر. تقول منصورة: «كان لي أصدقاء كثيرون بالمعنى العام، أو بالنظر إلى من يهتمون بي من الزملاء في المدرسة، كان الطلبة يختارونني في كل عام أمينا للفصل، ولكن لم تكن لي صداقة قوية باستثناء صداقتي لفتاة تدعى نجوى استمرت معي حتى نهاية الثانوية وافترقنا حينما سافرت هي إلى الخارج، وأنا إلى القاهرة».لم تنشغل منصورة بفكرة تعريف الصداقة، ولكنها متأكدة من أن لديها صداقات عميقة، حينما تقابل أصدقاء لم تقابلهم منذ سنوات يستعيدان معا تفاصيل مشتركة، ويتعاملان كأنهما كانا معا بالأمس.

كانت القراءة هوايتها المفضلة، والجزء الممتع من طفولتها، وحينما التحقت بالمدرسة لم تكن قادرة على قراءة حرف واحد، في الوقت الذي وجدت فيه زملاءها يحفظون القرآن بالكامل، كان هؤلاء الزملاء مدرسين صغارا، يجيدون القراءة والكتابة، كان هذا هو المستوى، وقد جاء التحدي أخيرا حينما طلب منها المدرس النهوض لقراءة الدرس. صمتت الطفلة منصورة وربما لم يكن هناك شيء يدور في ذهنها إلا الإحساس بأن الإحراج قادم لا محالة، وهو ما تحقق فعلا، سخر منها المدرس، خصوصا وأنها الابنة المدللة لأبيها وربما للعائلة بأكملها، وقررت الدخول في تحد. بدأت التعويض، بقراءة الجرائد كالأهرام، وتعرفت على أهم الكتاب المصريين من خلال الجريدة، مثل أنيس منصور، وأحمد بهاء الدين، كما قرأت سلسلة «الثورة الفرنسية» التي يكتبها لويس عوض، وقرأت ألغاز الجيب، مثل «رجل المستحيل» أدهم صبري، وروايات شيرلوك هولمز، وأجاثا كريستي، وأرسين لوبين، وبالطبع بدأت في انتقاء الكتابات التي تتحدث عن الحياة والموت بسبب تفكيرها الدائم في رحيل أبيها، وفي سنة «5 ابتدائي» وقعت في يدها رواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، ولكن قراءتها ستتأجل حتى الصف الأول الإعدادي، كان هناك مدرس يحضر نسخا مختلفة من أعمال محفوظ، وكان يمنح كل طالب عملا وحينما ينتهي منه يستطيع كل منهم استبداله مع زميله، تتذكر منصورة أنها استبدلت «الشحاذ» بـ«السمان والخريف» من صديقتها التاريخية نجوى، وتقول: «بدأت البحث عن يوسف إدريس، كما بدأت قراءة سلسلة (كتابي) لحلمي مراد، وفي الإعدادية أعطتني نجوى مجموعة قصصية وجدتها عند أحد أقربائها لإدجار آلان بو، طبعة غريبة مكتوب عليها ألغاز إدجار آلان بو، كانت بها تعبيرات لاتينية أحببتها، كما وجدت نجوى عددا قديما من مجلة العربي يحتوي على ملف عن ألبير كامو، كان نقطة تحول بالنسبة لي، حيث عرفت معنى الفلسفة الوجودية من خلاله، كان يجيب عن الأسئلة التي أطرحها عن الحياة والموت. لم أكن أبحث عن كاتب أحبه، ولكن عن كاتب يجيب على تساؤلاتي، القراءة لم تكن منتظمة بالطبع، وكانت تخضع للصدفة، وأخي على سبيل المثال حينما كان يذهب إلى طنطا كان يبحث عند بائع الجرائد عن كتب جديدة يحضرها لي. كانت القراءة نشاطا ممتعا بالنسبة لي ولم أفكر وقتها أبدا في أنني سأصبح كاتبة».

بدأت منصورة كتابة الرواية البوليسية في الابتدائية، ولكن لم يكن الأمر جديا، حتى قابلتْ مدرس اللغة الإنجليزية الأستاذ محمد العزب الذي يحب القراءة. سأل مرة: «مين في الفصل بيكتب؟!». لم تكن منصورة تكتب فعليا، ولكنها كانت تتخيل الأمر أحيانا، أنها قد تصير كاتبة، وهكذا قررت رفع يدها، ونظر إليها باندهاش، وسألها بمحبة: «بتكتبي من ورايا؟! هاتي نماذج من كتاباتك بكرة». أحضرت منصورة كراسة ثم بدأت في تأليف قصائد. تعلق ضاحكة: «كان شعرا ما أنزل الله به من سلطان»، لكن المدرس تعامل مع الأمر بجدية شديدة، كان يعرف العَروض جيدا، وأحضر لها كتبا لتتعلَّمه. جاءت الثانوية وفكرت في مستقبلها. كان حلم أمها لها أن تصبح طبيبة، وكان أمامها إما دخول كلية الطب أو الصيدلة. أحبت الكيمياء جدا، وحلمت أن تدرسها بتوسُّع، ولم يكن أمامها إلا كلية العلوم وقيل لها وقتها «آخرك هتبقي مُدرِّسة علوم»، وبسبب نصف درجة وجدت المجموع يناسب «هندسة طنطا»، ولكنها لم تحب ذلك الأمر، وكانت تفضل إما عين شمس، أو الإسكندرية، ثم انتهى بها المطاف أخيرا في كلية «الإعلام»، بعد أن قال لها أخوها: «بتتعبي نفسك ليه؟! انتِ بتحبي القراية، فروحي إعلام». تتذكر: «لو كلية الإعلام لم تقبلني لكانت السنة راحت عليَّ، في هذا العام كتبت أول قصة في حياتي، كان عندي 18 سنة، وعنوانها (لنا موعد) تتحدث عن قرية يأتي إليها البدو في الصيف، وطفل له علاقة عاطفية بهؤلاء البدو. كانت بداية معقولة».

استمرت منصورة أثناء الجامعة في كتابة القصص، غير أنها لم تعرض ما تكتبه على أحد باستثناء أصدقائها المقربين، كانت تقول لنفسها إن هناك شيئا ناقصا، ويجب أن تبحث عما يطوِّر من أدواتها، كانت تتهيَّب فكرة الكتابة عموما، وتراها شيئا كبيرا، وبالصدفة عرف، أحمد حامد، أحد زملائها، السر، وطلب منها أن يقرأ بعض القصص ولكنها رفضت وأمام إلحاحه منحته قصة، وأرسلها من ورائها إلى مسابقة كان يفوز بها لمدة ثلاث سنوات متتالية، ثم فوجئت بمعيدة في «دار العلوم» تبحث عنها وتخبرها بأنها فازت بالمركز الأول في المسابقة، وطلبت منها مقابلة لجنة التحكيم: «كنت مندهشة جدا من سلوك زميلي، وقابلت عضوي اللجنة محمد جبريل ومدحت الجيار اللذين انهالا عليَّ بالمديح. كانت لحظة مؤثرة جدا».

تتذكر منصورة مقابلتها لسعد القرش وميرال الطحاوي في المؤتمر الذي كان يُقام بالجامعة. هل كان سعد في لجنة التحكيم؟ تسأل نفسها وتجيب: «مش متأكدة». سعد عموما نشر لها بعد ذلك في الأهرام، كما نشر لها محمد جبريل في «المساء» وفي «مجلة القصة»، ومن خلال ندوة جبريل قابلت نجلاء علام ومنال السيد وسيد الوكيل ومحمود الحلواني وأحمد شافعي ومحمد عبدالنبي: «لكن لم نتحدث في هذه الفترة»، ثم فازت القصة بالمركز الأول أو الثاني على مستوى جامعات مصر، وكانت الجائزة تحمل اسم يحيى حقي وهو ما أسعد منصورة جدا، ثم جاء الدور على «محمد البساطي» الذي كانت تحب كتاباته. قابلتْه في «زهرة البستان» هي وزميلها أحمد حامد لإجراء حوار معه لمجلة «صوت الجامعة». وافق البساطي ليعرف إن كان طلاب الجامعة يقرؤونه فعلا أم لا، ومن خلال أسئلتها عرف أنها تكتب، وسألته هي ببراءة: «حضرتك عرفت ازاي؟!»، فأجابها: «باين جدا، وماتقوليش إنك مش بتكتبي!». المهم أنها أعطته نسخة من قصة لها، ووجدته متحمسا جدا لها ويحكي لكل من يصادفه عنها، ثم أرسل قصة لإبراهيم أصلان نشرها في الحياة اللندنية، ثم طلب منها أصلان بعد مدة قصصا أخرى: «كان البساطي يعيرني كتبا بانتظام، وقرأت من خلاله معظم الأدب العالمي، ثم أشاع عني أنني لا أعيد الكتب، وانتشرت هذه الشائعة في أوساط الستينيين».

سيطر هاجس المرض على منصورة بعد وفاة أمها بالسرطان، لم تتخلص من هذا الهاجس نهائيا ولكن تسامحتْ معه: «استيقظت مرة وأنا متأكدة أنني أُصبت به، ظللت بهذا الهاجس ثلاثة أيام حتى أكدت التحاليل كذبه». هواجس الطفولة كانت لها علاقة بالأمور غير العقلانية، كالخوف من الظلام: «كان هناك مجموعة من الحكَّائين مثل جدتي وجدي لأمي، كانوا بارعين في حكي قصص الأشباح، وجنيات النيل». منحها ذلك قوة التخييل، عاشت مع المشاهد التي تخلقها حكاياتهم أجواءً من الغرائبية والكابوسية، وحتى حينما بدأت في الكتابة كانت حكاياتها غرائبية. عمها الأصغر كان يحفظ السيرة الهلالية، والأكبر كان مهووسا بقصص الأنبياء، ما كان له تأثير على خيالها أيضا. تقول منصورة: «في طفولتي كانت قصصي قائمة على فكرة تحليل الخوف، كأنها رد فعل على الهواجس التي تحيط بي، وأحيانا كان الخوف غير منطقي وليست له أسس صلبة، كان أقرب إلى هلاوس أو جنون ما، وقد ظهر في أعمالي بعد ذلك، يمكن أن تنظر مثلا إلى صوفيا في (متاهة مريم) وبدر في (وراء الفردوس) وسلمى نفسها التي كان لديها شعور بأنها غير طبيعية، وأيضا لا تنس شخصية المتشرد الذي يلامس سلوكه الجنون في (جبل الزمرد)، نعم، لا يهم أن يكون هناك منطق خلف هذا الخوف».

لا تحب منصورة التصنيف الجيلي، تقول مع ماركيز إن الكتابة أكثر المهن فردية، كل كاتب له هواجسه وأفكاره، ولكن، بحسب منصورة أيضا، قد يتصادف أن مجموعة كتاب لديهم نظرة متقاربة إلى الكتابة. تقول: «من الممكن أن تكون عندي قرابة لكاتب عاش قبل عقود في بلد آخر من كاتب عاش في نفس بلدي، الجيل هو محاولة لوضع إكلشيهات حول مجموعة من الأشخاص بدون اجتهاد لتحليل أو لفهم عالم كل كاتب بمفرده».تعشق منصورة بورخيس ورؤيته للكتابة، ومفهومه «الكتابة على الكتابة». ترى أنه يتعامل باعتباره قارئا، وتحب انفتاحه على الثقافات الأخرى بما فيها العربية، ويأتي كورتاثر على نفس المستوى، تحب غرائبيته ومزجه بين ما فوق الطبيعي والواقعي «بالأدق روح اللعب عنده»، ثم كافكا كما يتحدث عنه كونديرا «والنقلة التي أحدثها في الفن»، وكونديرا نفسه في فترة من الفترات. أسألها «هل انقلبتِ عليه؟!» وتجيب: «لم أنقلب عليه ولكن لم يعد يعجبني كالسابق، حينما تقرؤه كاملا وتمعن في كتابته تجد أن عنده وصفة يطبقها على كل شيء، إذن ما الجديد؟! نحن نتحدث عن أساتذة الفن الروائي ولهذا نطلب ما هو أبعد وليس وصفات»، وتضيف: «كونديرا له مقولة جميلة، أن العمل العظيم هو الأذكى من كاتبه، ولكنه لم يطبق مقولته على نفسه، لأن عقله هو المسيطر دائما، وعموما روايته (الخلود) من أهم رواياته، وحقق فيها ما لم يستطع في (خفة الكائن) بطريقة أكثر صفاء ونعومة فنية».

لا تحب ماركيز، وتقول إنها تحترم قدراته الحكائية والبنائية، لكن لا ترى أنه كاتب عميق، ولا توجد لديه أفكار إنسانية أو فلسفية كبرى تقف عندها، وإذا كان يركز على «الحدوتة» فإن بعض الكتاب العظام يركزون على أمور أخرى، ففي رواية كبرى مثل «الطبل الصفيح» يبدأ جونتر جراس من غرائبية أوسكار الذي لا يكبر، ويحلل صعود النازية في ألمانيا، ويطرح أسئلة فلسفية عميقة انطلاقا من أوسكار نفسه، والعظيم في تلك الرواية أيضا، بحسب منصورة، أن شخصياتها يمكن رؤيتها في أي مكان بالعالم. تقول بجدية شديدة: «هناك شخصية من تلك الرواية رأيت من يشبهها في قريتي»، تتحدث أيضا عن دوستويفسكي: «قرأته في الجامعة، وهو مثل كافكا، يجبرانك على إعادة النظر إلى العالم».

تحب منصورة النباتات، ولا يخلو عمل لها من استعراض جنَّةٍ خضراء تتخيلها بمحبة وبحنو، هي التي لديها خبرة كبيرة بالمجتمع الريفي: «كنت أعلِّم الأماكن بالأشجار، بيت العائلة كان أمامه بستان خوخ، كما كنت أعرف مواعيد الإزهار والطرح، جزء من تواصلي مع أبي كان بالأساس من خلال معرفته التي نقلها إليَّ عن تلك النباتات، جدي لأمي كانت لديه بساتين ممتدة من البرتقال، والموالح عموما، واللوز». تضيف: «ارتباطك بالنبات حُب لا يمكن تبريره، وأنا أكتب (وراء الفردوس) كنت أكتب عن مجتمع ريفي وأردت نقله بأساطيره ونباتاته وخرافاته وروائحه. كان كل شيء مقصودا في هذا العمل، حتى التشبيهات من عينة: فستان بلون وريقات الفول الأخضر. كنت أريد للقارئ أن يشاهد هذا العالم كما ينبغي، بحيواناته، وبثعابينه التي تزحف في التراب».

تحب منصورة السينما أيضا، لم تفوت فيلما عُرض منذ منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات على التلفزيون إلا وشاهدتْه: «أستطيع ادعاء هذا، كنت أتابع جيدا خاصة في (أوسكار، ونادي السينما، وبانوراما فرنسية)، كنت أحب سينما الخمسينيات والستينيات، وربطتني السينما بالأدب تماما، وأتذكر على سبيل المثال فيلم (قطة على صفيح ساخن) كانت المذيعة تشرح في مقدمة البرنامج وقبل عرضه أنه عن مسرحية لتينيسي ويليامز فأسعى لقراءة ويليامز، وعرفت أيضا أن فيلم (شرق عدن) مأخوذ عن عمل لجون شتاينبك، ثم بعد مشاهدة (صيف طويل حار)، بحثت عن قصتي ويليام فوكنر اللتين تم إعداد الفيلم عنهما، السينما كانت مصدرًا للتثقيف في طفولتي، وقد أحببت أفلاما عظيمة وأعود إليها في بعض الأحيان مثل (ذهب مع الريح، وقصة الحي الغربي، والطيب والشرس والقبيح) وكل أفلام بول نيومان، والويلزي ريتشارد بيرتون خاصة (من يخاف فيرجينا وولف)، والأفلام الإيطالية والفرنسية وأحب جدا أعمال المخرج البريطاني جاي رتشي، وأيضا الإسباني بيدرو ألمودوبار، والأمريكي ديفيد فينشر، وأيضا لا أنسى الأمريكي ديفيد لينش».. وفيما يتعلق بالفن التشكيلي كانت منصورة مأخوذة بشاجال، وأحبت ماجريت، وحامد ندا، وهي تسمع كل أنواع الموسيقى. أما طموحها فأن تظل تكتب: «أريد عملا في كل مرة أفضل من سابقه، لو حصل على نجاح وترجمات فهذا شيء عظيم، ولكن ما يعنيني أن أكون مقتنعة بأنني قدمت جديدا، أي شىء أقوم به مُعرَّض لعدم الاكتمال، فأنا شخص كسول للغاية، مجموعتي (ضوء مهتز) على سبيل المثال نشرتها بإلحاح من ياسر عبدالحافظ، (نحو الجنون) ظلت مركونة عامين كاملين ولم أسأل عنها، وهو أيضا ما حدث مع (جبل الزمرد) التي سحبتها من المطبعة وأجلت نشرها لأكثر من عام، ولكن عموما أتمنى الاستمرار في الكتابة».


وأخيرا ما الصفة التي تعبِّر عنكِ؟! أسأل وتجيب: «التخلي، يمكنني التخلي عن أي شيء خارجي، ربما لهذا علاقة بفقدان الأب مبكرا، لقد درَّبت نفسي على الأمر، وعرفت بعد ذلك أن التخلي هو ما يجلب الأشياء إليك، عدم الاكتراث مفيد للغاية، لأنك لا تخشى في هذه الحالة من الفقد، ثم ستكتشف أنك ستحصل في النهاية على ما تريد، ولن تهتم كثيرا إن لم يحدث هذا. لقد شعرت بالراحة حينما توصلت إلى هذه القناعة لكن التوصل إليها لم يكن بتلك السهولة أبدا».

نقلاً عن جريدة عُمان