Tuesday, September 2, 2014

أن تحرِّف حكايتك بنفسك



ممدوح رزق

حينما أضاعت (هدير) خاتم أمها الزمرد لم يُرسم مصير محكوم بالتخلي، والفقدان فحسب، كما أن هذا الخطأ البسيط لن يصبح مجرد إشارة لتحقق النبوءة التي تربط بين ذلك الفعل المنسي للطفلة، واستعادة الحكاية الأصلية للأميرة (زمردة) .. سيتحول ضياع الخاتم إلى علامة تقود (هدير)، وكل بطلات الحكايات الموازيات إلى تشكيل عمائهن الخاص قبل أن يتكفل الآخرون بهذه المهمة.

(في حكاية) جبل الزمرد( ، كان حضور زمردة الآسر يلوّن الفضاء بلطفه وذكائه وجرأته. لم تعرف شهرزاد أن خبر زمردة، كما وصلها وكما حكته لشهريار، لم يكن إلاّ تحريفًا مشئومًا لقصة حياة أميرة واقعية عاشت ذات يوم فوق جبل قاف السحري، حياة تلاشت ولم تخلِّف وراءها سوى حكاية خضعت لتحريف مستمر، وتنتظر من يخلّصها مما علق بها من آثار التشويه ويُحيي ما مات من أجزائها، أو أُغرق في ضباب النسيان(.

هكذا ستبدو رواية (جبل الزمرد) لـ (منصورة عزالدين) الصادرة مؤخراً عن دار (التنوير) كأنها إدانة للعب غير اللائق الذي تراكمت بصماته الطائشة فوق حكاية (الأميرة زمردة)، كما أنها بالضرورة ستتجلى كتبرير لكافة الخطوات التي سيتم اتخاذها لتخليص الحكاية من جروحها، وبعث الأميرة من رمادها، ورجوع جبل (قاف) للتجسّد، وعودة أهله إليه بعد قرون من التيه .. لكن ما يظهر في هيئة استراتيجية منطقية من الدوافع، والإجراءات ليس في حقيقته أكثر من تلك الأرض المستوية اللازمة للتحرك .. طريق ممهد ينبغي استخدام صلابته المفترضة للحصول على الأمان الذي تحتاجه النوايا المضمرة للاختراق .. الحيلة، أو ربما الفخ الذي بدونه لا يمكن تمرير الاحتياج الخبيث للتعاطف، والفهم، ومن ثم الإيمان لو أمكن .. (جبل الزمرد) ليست وثيقة سردية ضد التحريف، كما أنها لا تتورط في تحريض معلن للتشويه بعكس ما ينادي به خطابها الظاهري بل هي في الواقع ـ وهو كنز الرواية المخبوء في تصوري، المفارق للتوقع ـ دعوة ـ لا تخلو من الصراخ المكتوم للغة الليالي ـ كي يكتب كل صاحب حكاية حكايته بنفسه .. أن ينتج تحريفه الخاص، وتشويهه الذاتي قبل أن يصبح مجرد (نسخة) بأيدي، وألسنة اللاحقين.

)مش مسألة مصادفات. أكيد سمعتِ عن العوالم المتوازية، المسألة هنا أبسط، مجرد أحداث وشخصيات متوازية، بتكرر أفعال بعض، إما على فترات زمنية مختلفة أو في زمن واحد وأماكن مختلفة. اختلافات بسيطة ممكن تحصل وتسبب اختلافات أكبر، لكن جوهر الفعل واحد. إحنا نسخ من بعض، مفيش مجال للتفرد إلاّ في حالات نادرة.
-  زي حالة أميرتكم؟ سألته بغيظ مكتوم).

إذن فالصراع الأكثر عنفاً يدور ـ داخل العالم السفلي للرواية ـ تحت سلطة هذا الجدل .. أن تكون التكرار الذي يعيد الأصل كما كان، أو أن تكون الأصل الذي لا يمكن تكراره .. هنا تتناسل الهواجس، والظنون حول إمكانية التطابق، وكيف يمكن للتكرار مهما بلغ انضباطه أن يصل إلى درجة حصينة من التماثل، والأهم كما أرى: ألا يكمن خلود الأصل حقيقة في شجاعة، وقدرة ما يعد نسخاً له على خيانة ما يسمى بالجوهر الواحد .. اكتشاف مغايرتها، وتمردها على أقوى صلات التشابه بينهما.
(آتي على ذكر أبي فترد ببساطة، أو تحكي ضاحكة طُرفة عنه. أندهش كيف لا تتصرف
كالأخريات؟ لماذا لا تحكي عنه بغضب أو حتى ببرود؟ أكاد ألومها، أحسُ أنها لم تقدره التقدير الكافي، ولم تندم قط على فشل زواجهما).
 
ستكون هناك دوماً حكاية ناقصة مع كل استرداد محتمل لحكاية أصلية .. خلق يتكوّن وفقاً لحتميته، وخياله، وبناءً على ارتكاباته المعادية للخرائط .. لن يكون الأصل أكثر من وسيلة ربما للعثور على متاهة متفردة .. ما قرأته (هدير) عن حياتها ـ وهو ما يجب تشريحه في السياق الأسطوري ـ لم تكتبه (بستان البحر) مثلما يبدو إلا إذا تصورنا أنهما كيان واحد يزاوج بين التمسك بالعودة إلى النقطة الأولى، وبين التحرر منها .. تلك التدوينة عن أبيها، وأمها كتبتها (هدير) بنفسها حيث (بستان البحر) ليست سوى أداة لنسج حكايتها مثلما هي أداة أيضاً لبعث أميرة جبل الزمرد ..  كأن كل عماء يستخدم الآخر لتمكينه من تحسس الثغرات المراوغة للمعرفة .. كل هجر، وانفصال، وكل رغبة (فرويدية) في الأب ـ التي تضيئها العلاقة مع (كريم خان) وهو يكبرها بسنوات كثيرة في حكاية (هدير) ـ يجب أن تمتلك محركها الخاص، لا أن تعمل نتيجة الخضوع لآلية حكايات أخرى.

(في غمرة التغييرات الطارئة لم ينتبها لي. ثم ظهرت أُخرى عرّفها أبي إليّ. حقدتُ عليه وقتها أكثر من حقد أمي نفسها. لست واثقة أصلاً من أنها غضبت منه ولو قليلاً بدت كأن ما يحدث في حياته الجديدة لا يعنيها، في حين شعرتُ أنه خانني بشكل ما، رغم أني لم أتيقن أبدًا من أنه
بدأ علاقته بالأخرى أثناء زواجه بأمي).


تمثّل (مروج) كاتبة سيرة (زمردة) استرجاعاً لهدم (دريدا) لمركزية (الصوت) مقابل يُتم (الكتابة) بحسب (أفلاطون) .. (مروج) كاتبة سيرة (زمردة)، خالطة الحقائق بالأوهام، والوقائع بالتخيلات .. "الحكاية ستعيدني. وكاهنة الأبيض والأسود ستجمع شظاياي" .. لكن ربما ما أدركته (بستان البحر) أو (كاهنة الأبيض والأسود) ورفيقها (كريم خان) وهما يستعيدان (زمردة) بواسطة (هدير) أن الحكاية ينبغي أن تكون مضادة بطريقة ما .. أن الكتابة في حد ذاتها مهما حاولت أن تكون ناقلاً أميناً أو محايداً فهي لابد أن تمارس انتهاكاً للمرجع المضمون .. خلخلة للذاكرة .. إفساد للسياق الذي يحمي البديهيات .. هذا ما قامت به (مروج)، ربما لأنها عرفت ـ مثلما أدركت (هدير) بعد 25 يناير عن مصر ـ أن الغربة موضوع أكبر من تزلزل جبل (قاف).

Friday, August 29, 2014

منصورة عز الدين: القصة القصيرة تعاني من التجاهل لا الانحسار


حوار: أحمد مجدي همام 
 2014-08-28





تلتقى اليوم "بوابة التحرير الإخبارية" الكاتبة منصورة عز الدين، في حوار هو السادس ضمن ملف "القصة القصيرة بين زمن الرواية وزمن تويتر".
(ضوء مهتز)، (نحو الجنون) مجموعتان قصصيتان أصدرتهما منصورة عز الدين، رسّخت عبرهما مسارا خاصا بها: عالم قصصي يضاهي الأحلام والهواجس، ينسج نفسه عبر تهويمات عجائبية، وفضاءات كابوسية، يتكئ على الضبابية ويقتات على الذكريات. عدا ذلك أصدرت الروائية والقاصة ثلاث روايات، أحدثها (جبل الزمرد)



*ما مدى صحة مقولة جابر عصفور (زمن الرواية)، في حينها والآن؟

ـ الرواية مزدهرة في العقدين الأخيرين، على الأقل على مستوى الكم والاهتمام الإعلامي، غير أن مقولة "زمن الرواية" تنطوي على مجازفة، كما أنها أقرب لأن تكون مقولة إعلامية أكثر منها نقدية. على مستوى الكيف والتجريب واقتراح فضاءات جمالية جديدة، لا أرى أبدا أن القصة القصيرة أقل ازدهارا من الرواية. المسألة فقط أن القصة مهملة إعلاميا ونقديا مقارنة بالرواية، كما أن كثيرا من الناشرين يترددون في نشر المجموعات القصصية ولا يرحبون بها حتى لو ادعوا العكس.
* يراوح مد القصة القصيرة بين انتعاش نسبي، وانحسار في كمية الإنتاج والاهتمام النقدي والإعلامي.. لماذا؟
- أعتقد أن المشكلة تكمن في التلقي والاهتمام التالي على النشر؛ بمعنى أن القصة القصيرة منتعشة في مصر، بل حتى أجازف بقول إن عددا لا بأس به من الروائيين المصريين يكتب الروايات بحساسية ومزاج القصة القصيرة، وكمية الإنتاج معقولة، وأظن أن العامين الأخيرين شهدا زيادة ملحوظة لدرجة بدا معها الأمر كأنه موسم الهجرة للقصة القصيرة. بالنسبة للاهتمام النقدي والإعلامي، أتفق معك في أنه غير كافٍ، وربما يعود السبب إلى أن البعض يرى أن الرواية أكثر إغراءً وأجدر بالاهتمام، وهو اعتقاد هزلي من وجهة نظري، لا لأنني أنحاز للقصة في مواجهة الرواية أو العكس، إنما ببساطة لكوني لا أنظر للمسألة كصراع أو مباراة بين الأنواع الأدبية.

* هل لانحسار عدد الصفحات الثقافية في الجرائد دور في قلة الاهتمام بالقصة القصيرة؟

- تاريخيا لعبت الصحف الورقية دورا كبيرا في ازدهار فن القصة وتطوره على مستوى العالم، نعاني بالفعل من انحسار الصفحات الثقافية، لكني لا أرى لهذا دورا، بمعنى أن حظ القصة القصيرة (والأقصوصة على وجه الخصوص) أفضل لجهة النشر في هذه الصفحات مقارنة بالرواية التي تحتاج إلى مساحة معينة لنشر فصل منها، وستجد أن معظمنا نشر قصصه أو الكثير منها مفردة قبل نشرها في كتاب. لا يمكنني الجزم بأسباب محددة لقلة الاهتمام بالقصة، وأعني بهذا الاهتمام النقدي التالي على النشر، لكن ما يلفتني هو ما يتراءى لي من نقص اهتمام القراء أنفسهم بالقصة القصيرة، لا أقول إن المقروئية معيار لجودة الأدب، لكن تململ القراء من نوع أدبي ما عادة ما يكون حجة من قِبل الناشرين للإحجام عن نشر هذا النوع.

* هل يمكن لوجود الإنترنت وسهولة النشر عليه، ووجود مواقع تحتفي بالكتابات القصيرة (تويتر وفيس بوك مثلا) أن يساهم في حدوث انتعاشة في حقل القصة القصيرة؟

- علاقة الإنترنت بالأدب ككل مركبة ومتعددة الأوجه، لذا من الصعب التنبؤ بأثره المستقبلي على القصة القصيرة. النشر الإلكتروني غاية في السهولة ومثَّل للكثيرين متنفسا، لكن لسهولة النشر مساوئ تكاد تتساوى مع إيجابياته. أيضا لست متأكدة من المنحى الذي قد يتجه إليه تأثير مواقع مثل تويتر والفيسبوك على فن القصة خاصة على مستوى اللغة والبناء والتركيب.

* يقول القاص والروائي الأرجنتيني ريكاردو بيجاليا (القصة القصيرة هي حكاية تنطوي على حكاية سرية. والمسألة هنا لا تتعلق بمعنى خفي: إنما هي حكاية سرية نسجت في قلب حكاية أخرى، والحكاية السرية ليست سوى قصة مروية بطريقة مُشفرة ومضمرة، تُبنى مما لا يُقال، من الإيحاء المتضمن والإلماح)، وفقا لهذه المقولة، يبدو أن احتياج القصة لقارئ فطن وقادر على التقاط الخيوط الخفية، والتأويل، يبدو ذلك من أسباب محدودية التعاطي مع القصة القصيرة جماهيريا وإعلاميا.

- مقولة ريكاردو بيجاليا لا تنطبق على القصة القصيرة في المجمل، إنما بالأساس على القصص الجيدة أو على الأقل القصص المفضلة لديّ ممثلة في كتابات خوليو كورتاثر، خورخي لويس بورخيس، كافكا وآخرين، حيث ثمة حكاية معلنة وأخرى مضمرة تتنوع وتتعدد العلاقة بينهما من كاتب لآخر ومن قصة لأخرى، لكن في ظني أن هذا ليس امتيازا للقصة القصيرة وحدها، إذ يمكن العثور على هذا، وربما بتركيب أعقد، في الرواية أيضا، أو بالأحرى في نوعية معينة من الروايات المنطوية على سر غالبا ما لا تبوح به وتتركه يخايل القارئ مقترحا قراءات وتأويلات أخرى.

* هل لقلة الجوائز المخصصة للقصة القصيرة مقارنة بالرواية دور في انحسار مد القصة القصيرة؟

- لا أرى أن الجوائز المخصصة للقصة القصيرة في مصر قليلة، قد تكون كذلك على المستوى العربي عموما مقارنةً بجوائز الرواية، وأرى أن هذا حمى القصة القصيرة على مستوى الكيف، وإن كان قلل من حماس الناشرين لها. لكن ما يهمني هنا هو إعادة التأكيد على أن القصة القصيرة في مصر لا تعاني من الانحسار، بقدر ما تعاني من التجاهل.

* كيف ترين الإصدارات الحالية في مجال القصة القصيرة؟

- أرى أن القصة المصرية تشهد انتعاشا في الفترة الحالية، كما أن السنوات القادمة سوف تشهد ظهور أسماء جديدة مميزة. شاركت مؤخرا في تحكيم مسابقة للقصة القصيرة نظمها معهد جوتة، وفوجئت بكم القصص المقدمة للمسابقة (119 قصة إن لم تخنّي الذاكرة)، وجدة وجودة عدد كبير منها، وفي ما يخص الأسماء المعروفة التي أصدرت مجموعات لافتة في العقد الأخير تعجبني قصص حسام فخر، وإيهاب عبد الحميد، ومحمد خير وهيثم الورداني، كما قرأت قصصا جيدة لكاتبات شابات منهن إيناس حليم، وأريج جمال.