Friday, August 19, 2016

اضطرابات وراثية: نحن محكومون بالعبث



منصورة عز الدين

في كتابه الأول "اضطرابات وراثية.. قصص، حكايات رمزية ومشكلات" يقدم الكاتب الأمريكي آدم إرليك ساكس 117 قصة قصيرة تتمحور حول الآباء والأبناء وتتسم بالسخرية والعبث واللعب على المفارقة دون التخلي عن العمق، وبالحس الفلسفي المغلف لكثير من القصص دون أن يقترن هذا بالضرورة بالجدية أو التعقيد.
في "اضطرابات وراثية" نجد أنفسنا أمام 117 تنويعاً على لحن العلاقة بين الآباء والأبناء وما يكتنفها من تعقيدات ورغبات دفينة في القتل الرمزي أو الفعلي، وبالأساس لعنة أن يرث الأبناء الآباء، لكن رغم قتامة الموضوع يقاربه ساكس بطريقة تحوله، بكل تنويعاته، إلى طرفة غارقة في اللامعقول، والأكثر طرافة أن دار النشر (ريجان آرتس) أصدرت الكتاب يوم عيد الأب في مايو الماضي.
شبه البعض الكاتب الشاب ببورخيس وقارن آخرون بينه وبين كافكا، ووصف أحدهم هذه المجموعة بأنها إسكتشات "ساترداي نايت لايف" مكتوبة بقلم كافكا، لكن ساكس نفسه يعتبر النمساوي توماس برنهارد؛ أستاذه الأول والكاتب الأكثر تأثيراً عليه.
في كتاب ساكس الأول هذا، على القارئ ألّا يبحث عن شخصيات بالمفهوم التقليدي أو عن حبكة أو تصاعد درامي، الأفضل أن يقرأ النصوص ويتفاعل معها بعيداً عن القوالب الجاهزة أو القواعد المألوفة. بعضها بالفعل أقرب لإسكتشات ضاحكة، ومعظمها يتسم بحس عالمي على الأقل لجهة تنوع جنسيات الأبطال والمدن التي ينتمون إليها أو يعيشون فيها، لكن هذه المدن في معظم الحالات مجرد خلفيات تضاعف من طرافة الأقاصيص ومن المسحة التجريدية المغلفة لها.
في قصة "شاعر الطبيعة" شاعر نمساوي ينتمي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كافح طوال حياته لتحرير شعره من ظل أبيه الذي كان ضابطاً نازياً، لكن المشكلة أن كل أشعاره يتم تأويلها من جانب النقاد على أنها تأملات في جرائم الأب، رغم أن الابن كان يكتب فقط عن الطبيعة: الجبال، الصدوع والسراخس. ناقد ما لاحظ الغياب التام للناس، التاريخ، السياسة والآباء عن قصائد الشاعر، ورأى في هذا الغياب علامة على أنهم، في الواقع، موضع اهتمامه الأول، أو الفراغ المسكوت عنه في قلب سراخسه! ومع ديوانه الرابع، المنشغل كالعادة بالطبيعة وحدها، تساءل ناقد عما إذا كان لدى الشاعر أي شيء آخر ليكتب عنه غير جرائم والده!
على مدى الثلاثين عاماً التالية لم ينشر الشاعر شيئاً، وبدأ مشروعه الأدبي الأكثر طموحاً، فبما أن كل وصف للسراخس تم تأويله كتأمل غير مباشر في جرائم الأب، قرر كتابة قصيدة ملحمية عن جرائم أبيه على أن تكون في باطنها وصفاً غير مباشر لسرخسة. اختار واحدة معينة تنمو في غابة قريبة من بيته، لم يكن وصفها صعباً، تمثلت الصعوبة في كيفية فعل هذا دون أي إشارة للغابة أو السراخس، وأن يستخدم فقط كلمات تحكي كيف أن والده قتل 150 يهودياً مجرياً، ومع هذا يرسخ في ذهن قارئه، حين ينتهي من القراءة، صورة دقيقة وتفصيلية لنبتة سرخس قريبة من منزله.
أراد من قارئه أن يفكر: "قرأت لتوي عن الهولوكوست. لماذا تتراءى لي نبتة السرخس هذه؟ ماذا حدث لي؟"
مات الشاعر في الليلة السابقة على نشر ديوانه؛ غير واثق إن كان قد نجح في مسعاه أم لا، ولم يقرأ مراجعة نقدية وصفت قصيدته الملحمية عن جرائم والده بـ: "تجسيد أدبي ممتاز لنبتة سرخس!"
من نماذج الأقاصيص الأقصر في المجموعة، أقصوصة "ندم": "فعل كل شيء ممكن لتفادي الالتحاق بمهنة والده. درس شيئاً مختلفاً تماماً. انتقل إلى مكان بعيد جداً عن البيت. ومع هذا، الآن، بعد سنوات، لا يمر يوم دون رؤيته لكلبة حبلى والتفكير: أتمنى لو كان بإمكاني مساعدتك. (كان والده أخصائي توليد كلاب.)"
وأقصوصة "كلمات أخيرة": "أصيب والد صديقي ثيو، أستاذ التخطيط العمراني، بجلطة خطيرة، لم يعد بعدها قادرًا على النطق سوى بكلمتين: "ثيو" و"بنية تحتية". خلال الشهر الأخير في حياته، كانت هاتان الكلمتان هما فقط ما ينطق به من كلمات.
ثيو الذي لطالما شعر بأنه مثَّل خيبة أمل فظيعة لوالده، كان متأثراً بشدة لأن اسمه كان على لسان والده المحتضر. اعتبر هذا علامة على أن أباه قد سامحه وتقبله أخيراً.
بعد سنوات، وكلما ناقشنا هذه المسألة، كنا ببساطة نتجاوز حقيقة أن والده لم يكن يقول "ثيو" فقط، بل "بنية تحتية" أيضاً."

وعلى هذا المنوال العابث ينتقل آدم إرليك ساكس من قصة إلى حكاية رمزية أو مشكلة، مستعرضاً بسخرية أوجه عبء الوراثة، ومتلاعباً بالمصطلحات والمفاهيم الفلسفية كأن هذا التلاعب غاية في حد ذاته. في قصصه الطريفة والعميقة ، في معظمها، يبدو آدم إرليك ساكس كأنما يقول لنا: نحن محكومون بالعبث، وعلينا التكيف مع هذه الحقيقة وتعلم التعامل على أساسها، والسخرية منها بعبث مضاعف.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن "أخبار الأدب".

Thursday, August 11, 2016

حكايات سيريس الروسية






منصورة عز الدين

"حكايات روسية" للكاتب الأسباني فرانثيسك سيريس، مجموعة قصصية متميزة صدرت طبعتها العربية مؤخراً عن دار صفصافة، بترجمة أنجزها المترجم عبد السلام باشا عن القطلونية مباشرة.
في مجموعته هذه، يلجأ فرانثيسك سيريس إلى فكرة لامعة، مفادها تقديم كتابه كما لو كان مختارات قصصية لخمسة كتاب روس، باستهلال لمترجمة متخيلة، وسيرة مختصرة لكل كاتب وكاتبة من المؤلفين المفترضين. يتظاهر سيريس بأن دوره في الكتاب ينحصر في كتابة مقدمة طلبت منه المترجمة كتابتها.
أن ينسب كاتب ما كتاباته لآخرين ليس أمراً جديداً، بل تقليد مطروق منذ القدم، والكتابة بأسماء مستعارة لكتاب مُخترَعين مسألة ليست جديدة أيضاً، يمكننا هنا تذكر فرناندو بيسوا وإيتالو كالفينو في "لو أن مسافرًا في ليلة شتاء" وآخرين، لكن الفيصل هو كيف تعامل فرانثيسك سيريس مع فكرته هذه؟ وإلى أي مدى أقنع القارئ بتقمصه لهؤلاء القرناء من الكتاب الروس؟
بدايةً، إلمام الكاتب بتاريخ روسيا وتفاصيل الحياة الروسية لافت دون مبالغة أو استعراض، خاصة أنه ينحاز بذكاء للبسيط والعابر، كما أن تباين انشغالات وأمزجة الكتاب الخمسة المتخيلين ملحوظ ومقنع، لدرجة أن القارئ يمكنه أن يختار كاتباً مفضلاً أو أكثر من بين الخمسة، غير أن هذا التباين لا يصل حد الفصام التام، إذ ثمة رابط ما بين المؤلفين الخياليين؛ كأننا أمام وجوه متنوعة لكاتب واحد، لا أمام خمسة كتاب مختلفين حقاً.
في السيرة المختصرة التي تسبق قصص كل كاتب يحرص سيريس على الإشارة صراحةً إلى سماته وخصائص أسلوبه، وهو أمر فائض عن الحاجة ولا ضرورة فنية له، فقط يعكس عدم ثقة محتمل في ذكاء قارئ المجموعة، فاختلاف السمات والعوالم واضح كما أشرت سابقاً.
على امتداد قصص المجموعة سنصادف آولا يفجينيفا بقصصها التي ترسم العلاقات العاطفية في روسيا المعاصرة، وسنتوقف بوجه خاص أمام قصتها "الرهان"، وهي قصة لا تُنسَى بفضل جملتها الختامية التي تدفعنا لإعادة قراءة النص والعلاقة بين الرجل الناضج والطفلة فيه بطريقة مختلفة.
أما فيرا- مارجريت أبانسيريف فالقصص المنسوبة لها ذات لمسة غامضة ومفتوحة على تأويلات متعددة ومغلفة بأسى لا يكاد يُلحظ على الفردوس المفقود للشيوعية الحقة. "قصص" أبانسيريف من أفضل قصص المجموعة، في رأييّ، خاصة "شفافية الشر" التي تدور حول عجوزين يعودان لقريتهما القريبة من مفاعل تشيرنوبل بعد الكارثة بفترة وقبل أن تختفي آثارها المدمِرة.
والقصص التي نسبها سيريس لفيتالي كروبتكين ساخرة ومتأثرة بالبوب آرت وأيقوناته، فمن واقعة تجنيد إلفيس بريسلي في ألمانيا خلال الخمسينات، ينسج كروبتكين قصة بالغة الطرافة تحول حرب الجواسيس فترة الحرب الباردة إلى مهزلة جالبة للضحك. كما يُذكِّر ليف ريازان – بطل قصة "أكثر رجال العالم وحدة" عن رائد فضاء تعطل محرك مركبته الفضائية – بشخصية "ميجور توم" لدى ديفيد بوي.
المؤلف المتخيل الرابع هو ألكسندر فولكوف وقصصه تتسم بسخرية مرة وإحداها (الحرب على الفوروميانس) غير مكتملة.
أما المؤلف الخامس والأخير أيوسيف بيرجشنكو فنصوصه أقرب لمنطق الحدوتة وتميل إلى التجريد مقارنةً بباقي نصوص الكتاب.

عبر هؤلاء الكتاب الخمسة، ينجح فرانثيسك سيريس في تقديم جوانب متنوعة للحياة في روسيا خلال فترات مختلفة موضحاً أن الماضي يسكن الحاضر؛ فالأرثوذكسية تمتزج مع الشيوعية في المفتتح المنسوب لنيكيتا ريفونوف، والبارون المستغِل يصبح ممثل الحزب ويظل ساكناً في القلعة ومتحكماً في المصائر، ولا عزاء للجندي الذي شارك في الثورة. تكشف القصص أيضا، برهافة فنية وبعيداً عن الهجاء أو المباشرة، كيف تداعت التجربة الشيوعية من داخلها.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"..

Monday, August 1, 2016

عن استحالة الحب؟!





منصورة عز الدين


في خاتمة ملحقة بالترجمة الإنجليزية لروايته "العاطفي"، يكتب الروائي الأسباني خابيير مارياس أن بطلته نتاليا مكتوبة كما لو كانت تظهر من خلف حجاب، والحقيقة أن العمل بكامله يبدو كأن أحداثه تأتينا من خلف حجاب، إذ يقع في مساحة بينية بين الواقع والحلم، لكنه حلم قريب جداً للواقع.

الرواية القصيرة مروية بلسان مطرب أوبرا أسباني يصف أحلامه بأنها تفصيلية ودقيقة، متروية وتميل للمبالغة في آن. في حكيه يخلط الراوي بين أحداث قصة جرت قبل سنوات أربع وبين حلم رآه في الصباح يتمحور حول هذه الأحداث، لكن الحلم هنا لا يخضع لمنطق الأحلام، بل يبدو كحيلة فنية ينجح مارياس عبرها في تغطية أحداث روايته بالحجاب المشار إليه في البداية. الحلم في رواية مارياس يستعيد وقائع القصة ويضفي عليها هالة من المراوغة والأثيرية.

يكتب الراوي خلال يوم واحد ما حدث قبل أربع سنوات، آملاً أن تساعده الكتابة على الفهم. فخلال رحلة قطار كان قد صادف مصرفيا بلجيكيا يدعى مانور وزوجته نتاليا وسكرتيره داتو، ثم تعرف عليهم لاحقاً لإقامتهم جميعاً في فندق واحد في مدريد، لتبدأ علاقته الملتبسة بهم أو بنتاليا تحديداً.

عنوان الرواية أقرب لمفارقة ساخرة، فرغم أن العمل ظاهرياً يتناول قصة حب إلا أنه في الباطن عن استحالة الحب، عن الوحدة: وحدة مطربي الأوبرا ورجال الأعمال الأثرياء ممن يقضون حياتهم بين غرف الفنادق الفاخرة متنقلين من مدينة لأخرى، دون رفقة. كما أن البطل ليس عاطفياً حتى في محبته لنتاليا، فعبر كلماته وأفعاله يبدو كشخص غارق في ذاته يركل حبيبته بيرتا بعيداً عن حياته ما أن يقرر بدء علاقة عاطفية مع نتاليا، كما أن دوافعه لحب نتاليا تبدو كما لو كانت نابعة من رغبته المبهمة في تدمير زوجها أكثر من رغبته فيها هي، مدركاً تماماً أنه في طريقه لتدمير مانور عليه أيضاً أن يدمر بيرتا.

في المقابل تزوج مانور نتاليا زواجاً أقرب للصفقة لأنه أحبها من أول نظرة، وانتظر – بلا طائل - لسنوات أن تبادله الحب، حريصاً على إبعاد الرجال الآخرين عنها ما استطاع، وانتحر في النهاية حين هجرته. أما نتاليا نفسها فلا نراها إلا من خلف حجاب، كما أوضح مارياس، نستشف فقط أن الضجر هو ما يقودها دافعاً إياها للهرب بلا سابق إنذار أو كلمة وداع.

نثر مارياس أنيق ومشحون بالأفكار دون استعراض، حافل بالاستطرادات دون إطناب وممتع لدرجة أن القارئ قد ينجرف معه أحياناً متناسياً أحداث الرواية ومستمتعاً بقدرة الكاتب على التعامل مع الكلمات والأفكار، ولكن ما قد يبدو استطراداً فائضاً عن حاجة النص يتضح لاحقاً أنه من صميمه. فمثلاً حين يستفيض الراوي في الحكي عن رجال الأعمال معتادي السفر مقارناً إياهم بمطربي الأوبرا في وحدتهم وعزلتهم، وكيف أن حياة كثيرين منهم تنتهي بالانتحار في غرفة فندق فخم، نعرف مع قرب نهاية الرواية أن هذا المقطع لم يكن اعتباطياً لأنه مؤشرنا الأول على مصير مانور، الذي يتداخل كشخصية على أكثر من مستوى مع الراوي نفسه.

في "العاطفي" يكشف لنا مارياس بهدوء الجانب الكابوسي في حياة مطربي الأوبرا، من نمط حياة غير مستقر وحرص مبالغ فيه على صحتهم لأن أبسط دور برد كفيل بالتأثير على أصواتهم لأسابيع، ليتضاعف هذا البعد الكابوسي عبر شخصية مطرب الأوبرا هوربيجر الذي ينزلق إلى الجنون مع تقدمه في السن.
الرواية ترجمتها للإنجليزية مارجريت جول كوستا، وصدرت عن كلاسيكيات بنجوين.

زاوية "كتاب" نقلاً عن جريدة "أخبار الأدب"...


Thursday, July 28, 2016

بابِت وعبادة النجاح





منصورة عز الدين


حسناً فعلت دار التنوير بنشرها الترجمة العربية لرواية "بابِت" للكاتب سِنكلير لويس، فالعمل الذي يُعد من علامات الأدب الأمريكي كان في حاجة لإعادة تذكير قارئ اليوم به.
في "بابِت" التي ترجمها مؤخراً الحارث النبهان، لا يقدم سِنكلير لويس فقط رواية ممتعة ذكية وساخرة، بل بالأساس يقبض على جوهر عصر بكامله، وعلى روح مجتمع يرى نفسه ممثلاً لأرقى ما يمكن أن يصل إليه البشر من تطور.

"علت أبراج زينيث فوق ضباب الصباح. أبراج هائلة من الفولاذ والأسمنت والحجر؛ قوية كأنها جبال، رشيقة كأنها قضبان من فضة. ما كانت هذه الأبراج قلاعاً ولا كنائس، بل أبنية مكاتب.. هكذا، بكل جمال ووضوح!" بهذا المفتتح ينجح لويس في تقديم مدينته المتخيلة "زينيث" كمدينة تؤمن بـ"رب التطور" وتعتنق مذهب رجال الأعمال، "مدينة يوحي مظهرها بأنها مدينة مبنية للعمالقة"، غير أن بطلنا جورج ف. بابِت "لا يبدو شيء من هيئة العمالقة" على مظهره.

هذا التناقض بين بابِت ومدينته يلوح برهافة منذ البداية، رغم أن بابِت ظل، لفترة طويلة من حياته، ترساً مخلصاً في آلة المدينة العملاقة متماهياً مع مُثُلها، فخوراً بكل ما تمثله. و"كان يعتبر البرج شيئاً يشبه برج كنيسة... كنيسة دين قطاع الأعمال... رمزاً للإيمان... متعالياً، متجاوزاً الناس العاديين"!

كل شيء حول بابِت وفي عالمه وعالم مدينته ينضح بعبادة التقدم والنجاح وبهوس الاستهلاك، هوس سيكون بابِت نفسه جزءاً منه ومحرضاً عليه بالنظر لمهنته كوسيط عقارات، وحين يحدس الترس الذي كانه بابِت بخواء عالمه ويحاول التمرد يجد نفسه ملفوظاً خارج الرحم الآمن لمجتمعه المألوف من نخبة "زينيث" حتى يعود إلى سابق عهده، وإن كانت عودته ليست كاملة لأنه في نهاية الرواية سيتواطأ مع رغبة ابنه "تيد" في فعل ما يريده حقاً بصرف النظر عن ما يراه الآخرون، كأنه وإن فشل في محاولته للتمرد، يحرص على ألّا يفشل ابنه.

لكن قوة الرواية المنشورة عام 1922، لا تكمن فقط في أفكارها ولا رؤيويتها، بل في كيف نجح مؤلفها في تحويل هذه الأفكار إلى فن خالص يتسم بالمتعة والعمق في آن. فسِنكلير لويس لا علاقة له بالكليشيهات المكرورة، كما أنه لا يسقط في فخ تحويل روايته إلى هجاء ممل للرأسمالية ولتهميش البشر لصالح الآلة والحجر، بل تسحبنا روايته لأعماقها كبحر رمال بحيث نتابع بابِت في تفاصيل حياته الناجحة ظاهرياً والفارغة في جوهرها، وتنجح سخرية لويس في إبعاد شبح الأحكام الأخلاقية والمباشَرة.

سخرية لويس آسرة وتظهِر الجانب الهزلي في شخصياته بلا قسوة، ودون تحويلهم إلى "كاريكتير". واللافت أننا كقراء نتعرف على جورج بابِت عبر كم لا يُحصَى من التفاصيل الدقيقة، التي قد تبدو عديمة الأهمية، لكنها معاً تكوِّن صورة مقربة جداً لشخصيته، كأننا أمام فسيفساء من السمات الهزلية وتفاصيل الحياة اليومية العابرة، يبدو الكاتب كما لو كان يُكبِّرها عبر عدسة تضفي عليها ملامحاً هزلية، فنبصر تناقضات بابِت وحماقاته، ومع هذا نحبه ونتعاطف معه حتى لو كرهنا نظرياً ما يمثله – في البداية – من ولع بالمظاهر وعبودية للنجاح والاستهلاك.

ولا أظنني أبالغ إذا قلت إن جورج بابِت من الشخصيات الأدبية الفريدة التي تستحق أن توضع في مصاف أهم الشخصيات الفنية. إذ كعادة الشخصيات العصية على النسيان، يمكن لكل منا أن يجد ما يجمعه بجورج بابِت سواء في مآزقه الوجودية أو حتى في صراعاته الحياتية التافهة للامتناع عن التدخين مثلاً أو لمقاومة الإسراف في الأكل.

 زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب


Friday, June 24, 2016

اقتفاء أثر المكان

منصورة عز الدين

"الأمر الوحيد الذي قيل عن ملابسات العثور على جثته مشوهة هكذا في جزئها العلوي، هو أن الرجل كان قد تعرض لمواد مفجرة هشمت أعلى جسده على نحو كامل، وجعلته أشبه بكومة لحم رخوة ومبعثرة". على هذا النحو الخاطف يبدأ الشاعر اللبناني فادي طفيلي كتابه "اقتفاء أثر.. مرويات في المدينة والأمكنة والأحياء"، الصادر عن جمعية "أشكال ألوان".

ينطلق المؤلف من حادثة اغتيال جميل الصفوري، معلم اللغة الإنجليزية والمبشر في المدرسة الإنجيلية، في وقت كان التبشير المسيحي البروتستانتي فيه دعوة جنونية ومخاطرة في بيروت الغربية أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات.

التحق طفيلي بالمدرسة الإنجيلية عام 79، وتتلمذ على يد الصفوري، وكوّن عنه صورة مغايرة لوضعه النهائي كمختطف مقيد داخل الصندوق الخلفي لسيارة، أو جثة مشوهة مكومة في أحد أركان "زقاق البلاط". صورة يظهر فيها كرجل لا يرضخ أبداً، ولا يكف عن التبشير بلهجته الفلسطينية الواضحة، ويتباهى بأنه لا يخشى شيئاً ويعرف كيف يسلك طريقه في قلب الأخطار.

الكتاب عن المكان؛ عن حي زقاق البلاط وبيروت المقطعة الأوصال بالمقابر والحواجز بين المتقاتلين، لكن جثة جميل الصفوري تطل علينا على امتداد صفحاته باعتبارها المحرض على السرد والدافع الكامن خلفه. هي ليست مجرد عتبة سرعان ما يتجاوزها المؤلف في رحلته لاقتفاء أثر المكان، إنما هي المكان نفسه، وقد تماهى معها، وتبعثر مثلها إلى شظايا وأشلاء، فصار استعارة لها وصارت استعارة له. هذا التماهي يمهد له صاحب "شجرة بيضاء تحاول الطيران" من البداية حين يشير عابراً إلى أن "رائحة الطبشور والجير التي كانت تلازم يديه القويتين، أخذت تقربه في ذهني إلى صورة حجر عنيد أو صخرة صلبة لا تلين".

اللافت أن ذاكرة الكاتب، الذي تهجرت عائلته من شرقي بيروت إلى زقاق البلاط، فارغة ومخدرة بخصوص حياته المبكرة قبل التهجير، كأن الذاكرة تبدأ من زقاق البلاط وفيه، "ذاكرة جديدة كاملة" سرعان ما اختلطت مع أشلاء جميل الصفوري التي غدت موزعة هكذا، هنا وهناك في جميع أنحاء الحي وأركانه وزواياه الخبيئة.  يكتب طفيلي: "كما تماهت الجثة، المكتومة الخبر، بالنسبة لي، مع غياهب الحي وبواطنه، قامت المقابر متربعة بين الأحياء، وانسلت في ما بينها كي تضبط حدود التوترات والعلاقات المحجوبة، وكي تلحم عناصر السكن والموت في جسم واحد يضج بالاثنين معا". إنها الحرب وهي تعيد رسم جغرافيا الأماكن وتتلاعب بها تاركةً بصماتها عليها. المكان هنا تقطع، ولم يعد كصورته القديمة في الذاكرة، والكتابة أشبه بمحاولة إيزيسية لجمع الأشلاء المبعثرة ووصلها معاً.

طبقات متراكمة من ذاكرة المكان ينجح فادي طفيلي في تقديمها بضربات سريعة موجزة: بورة رمل قام عليها يوما قصر الماركيز دو فريج، ثم صارت ملعب كرة للأكراد قبل أن تبنى فيها اليوم مدرسة بمنحة كويتية هي أشبه بسجن!


فادي طفيلي يكتب عن الفقد، واستحالة أن يظل شيء على حاله، حتى بدون حرب لأن التغير مآل حتمي، وحتى في الذاكرة لأنها تتلاعب بالروائح والظلال والتفاصيل. هو هنا يعيد اختراع المكان ويشحنه بالروائح والأصوات والإيقاعات الدفينة. يفعل هذا بلا نوستالجيا أو تورط عاطفي يثقل السرد ويغيِّم الرؤية، بل بعين رائية وحياد فني تام وموازنة ماهرة بين إيقاع لاهث، ونبرة تأملية هادئة تكبح جماح هذا اللهاث وتحوله إلى أفكار وتأملات تشرِّح المكان المتشظى وتفكك الحرب وآثارها على الأماكن والبشر والعمران، دون الانزلاق في فخ التفجع والإدانات الأخلاقية السهلة.

زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.

Thursday, June 16, 2016

الانتقام بالمخيلة



منصورة عز الدين



في كتاب "السرديات الشعبية.. التمثيلات الثقافية والتأويل"، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، يضع مؤلفاه د. ضياء الكعبي ود. معجب العدواني السرديات الشعبية العربية تحت مجهر الدرس والتمحيص، مع التوقف مطولًا أمام جدلية الشعبي والنخبوي التي تركز عليها الكعبي في دراستيها: "جدلية الشعبي والنخبوي: التمثيلات النقدية والثقافية للسرديات الشعبية"، و"الحكاية الشعبية في منطقة شبه الجزيرة العربية والخليج العربي: مقاربة ثقافية تأويلية".
تشير الكعبي إلى تعرض المرويات الأدبية الجاهلية في مرحلة التدوين العبّاسي إلى انتقائية خضعت لمرجعية المدوِّن العقائدية، ولأنساق السلطة العباسية الناشئة، لكن هذه المرويات وجدت طريقها إلى القُصَّاص الذين استثمروها في تشكيل قص عجائبي كان له ظهور في "ألف ليلة وليلة" والسير الشعبية العربية.
تتتبع الكعبي في الفصل الأول من الكتاب المهم أسباب تغييب النقاد العرب القدامى للقص بصورة عامة ومن ضمنه السير الشعبية، مشيرة إلى أن العامل اللغوي وكون السرديات الشعبية مكتوبة "بلغة أدنى" من اللغة العربية الفصحى لا يبرر وحده تهميشها، فقد همش النقاد العرب القدامى القصص العربي المكتوب بلغة عربية فصحى نخبوية أيضًا، فالعامل الديني قد لعب دورًا أكبر في تغييب القص وإقصائه خارج الثقافة الرسمية، فالقصاص استهانوا بالمرجعية الدينية النقلية واستخفوا بها، وتعاظمت سلطتهم وكانوا يعتمدون على المتلقي العام ويحرصون على تلقيه أحاديثهم بعيدًا عن أن أية سلطة معرفية أو دينية. كما أن تعالق ما يروونه مع الإسرائيليات أقلق السلطة الدينية.
اللافت للانتباه أن تشكل السير الشعبية المدونة تم في العصر المملوكي، أي مع تحول العربي من حاكم لنفسه إلى محكوم خاضع للغير، و"نتيجة لذلك أنتجت الجماعة الشعبية سيرها لتجسد من خلالها أحلامها حول البطل المخلِّص".
من جهة أخرى صنعت السير الشعبية العربية، كما تورد الكعبي، متخيلًا سرديًا تاريخيًا يفترق عن منظور كتب التأريخ الرسمية، كأن "الإقصاء والتغييب والتهميش أوجد في المقابل تمثيلات ثقافية احتفت بالمتخيل السردي المفارق للحقيقة التاريخية".
وتمثل السير الشعبية العربية من وجهة نظر الكتاب واحدًا من أهم الأنواع السردية العربية في إنتاج أنساق مضادة للتواريخ الرسمية.
ومن الأمثلة على اختلاق الجماعات السردية لتاريخ خاص بها، أن جماعات الغجر في مصر اخترعت لنفسها تاريخًا ونسبًا أسطوريًا للرد على أنساق تهميشها ونبذها، حيث تدّعي هذه الجماعات تحدرها من نسل جساس بن مرة. كما تشير بريجيت كونللي إلى تماهي الرواة والمتلقين في بعض مناطق السودان وغانا وتشاد مع أبي زيد الهلالي، حيث يطيل الراوي الوقوف عند لون أبي زيد الأسود وما واجهه من إقصاء القبيلة ونبذها.
وفي دراستها "الحكاية الشعبية في منطقة شبه الجزيرة العربية والخليج العربي" (الفصل الثالث للكتاب)، تواصل الكعبي ما بدأته، لكن بالتركيز على الحكاية الشعبية كمدونة نصية لخلق هويات سردية للجماعات المتخيلة، إذ تستعرض عددًا من الحكايات الشعبية، أبطالها شخصيات مرجعية تاريخية، جرى تحوير حوادثها بما يتناسب مع الذاكرة الشعبية وتأويلها الخاص للتاريخ الذي يخالف التواريخ الرسمية.
أما الباحث معجب العدواني فيركز على الحكاية الشعبية عبر فصليّ: "أسئلة الحكاية الشعبية" ويتناول فيه إشكال التأويل المتصل بالموروث الحكائي الشعبي إذ يكتب: "نحاول السعي إلى الإبانة عن التأويلات الممكنة للنص الحكائي الشعبي، وتحقيق شعريته عبر اجتراح مفاهيم نقدية حديثة لها آلياتها المعروفة التي أثبتت فاعليتها في حقل النصوص الأدبية الأخري"، و"الحكاية الشعبية في عُمان: بنيات ودلالات" ويحلل فيه حكايات شعبية عمانية اعتماداً على التناص بأنواعه: الرأسي والأفقي والعكسي.
"السرديات الشعبية العربية" بدراساته الأربع كتاب جدير بالقراءة والنقاش.

 زاوية "كتاب".. نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.


Thursday, June 9, 2016

إيماءة تقدير




منصورة عز الدين

لطالما استمتعت بتخيل علاقات بين كتاب متباعدين: ما الذي يمكن أن تكون عليه صداقة بين ميشيما ونوربرت غشتراين؟ أو بين إيتالو كالفينو وإدجار آلان بو؟ ما الحوار المحتمل لو اجتمع وليم فوكنر بجونتر جراس؟ أو خوان رولفو بديفيد فوستر والاس؟
وفي فترة تمنيت وجود مراسلات منشورة بين خوليو كورتاثر وأدولفو بيوي كاساريس! لا أعرف لماذا كاساريس تحديداً، وليس بورخيس مثلاً، فبعض الأمنيات بلا عقل أو منطق، لكنها كانت أمنية معقولة بالنظر لانتماء الكاتبين لعصر واحد وجنسية واحدة.
لكن كورتاثر وأد أمنياتي حين ذكر في "يوميات لكتابة قصة" أنه لم يقابل كاساريس سوى ثلاث مرات، وأن كل ما تبادلاه من حديث في المرة الأولى هو أن أحدهما طلب من الآخر تمرير الملح له خلال حفل عشاء!
وفي المرة الثانية زاره كاساريس في بيته بباريس، والتقط كثيراً من الصور؛ لم يتذكر كورتاثر سبب الزيارة لكنه تذكر أنهما تحدثا عن جوزيف كونراد. أما المرة الثالثة والأخيرة فكانت خلال حفل عشاء آخر ببيت كاساريس في بوينس أيريس، وتحدث الكاتبان وقتها عن مصاصي الدماء!
غير أن ما كتبه كورتاثر عن صاحب "اختراع موريل" في نصه، المشار إليه أعلاه، مثَّل تعويضاً مناسباً لي، حيث تمنى لو كان كاساريس لأن الأخير أقدر منه على كتابة القصة المرغوبة منه والمتمنعة عليه. فالمسافة التي يجيد كاساريس وضعها بين راويه وشخصياته ستنجح في ترويض "أنابيل لي"؛ الشخصية التي تخايل كورتاثر من ماضيه والمستلهمة (اسمها على الأقل) من قصيدة لإدجار آلان بو.
في "يوميات لكتابة قصة" أعلن صاحب "لعبة الحجلة" إعجابه اللا محدود بموهبة مواطنه وسخر من نفسه وكتابته بطريقة لا يجرؤ عليها إلّا الكبار.
السخرية من الذات بل ومن النوع الأدبي المكتوب، ظهرت بشكل مختلف في رواية فريدريش دورنمات البوليسية "الوعد"، ففي فصل محوري ينقل الرواية بكاملها إلى مكانة أعلى، يعلن لواء الشرطة السابق أنه يفضل ماكس فريش على "الكاتب" الذي تشير كل الدلائل إلى أنه قناع سردي لدورنمات نفسه. يوضح الرجل مآخذه على أسلوب "الكاتب" المولع بالعبثية وبأن يكون أكثر بشاعة من الواقع من أجل المتعة الخالصة مع الإشارة لشخصياته الورعة غريبة الأطوار.
والمفارقة أن الحكاية التي يحكيها رجل الشرطة السابق للكاتب تغرق في العبثية بدورها، فعبقرية البطل متّى وخطته وتصرفاته تبدو في النهاية غارقة في العبث بسبب سخرية القدر ومفارقاته، وكما كتب دورنمات: "لا شيء أفظع من عبقري يتعثر في شيء معتوه."، في صدفة خرقاء.
ما يهمني هنا أن تفصيلة تفضيل إحدى شخصيات العمل لماكس فريش على الكاتب/ فريدريش دورنمات كانت قد فتنتني حين قرأت الرواية، التي ترجمها سمير جريس قبل سنوات، أحببت بالأساس الطريقة الساخرة اللعوب في تفكيك الأسلوب والسخرية منه وإرسال إيماءة تقدير – ولو عابرة لكاتب آخر معاصر - كما سبق وفعل كورتاثر مع كاساريس وإن كان انشغال دورنمات بتشريح الذات الكاتبة والسخرية من الرواية البوليسية ورثائها في آن أكثر من انشغاله بإيماء التقدير تلك.

الأمثلة عديدة ومعظمها يتسم بالظرف والذكاء، إلا أن الأمثلة على انتقاص الكتاب من بعضهم بعضاً أكثر، ولا ينبع الأمر دائماً من الغيرة والتنافس بقدر ما ينبع من أن كل كاتب في العادة أسير ذائقته ورؤاه الفنية وتصوراته عن الكتابة الجيدة، وحين يقرأ عملاً لكاتب آخر ففي الغالب سيقرؤه وفي ذهنه تصور بديل للطريقة الأمثل لكتابته.

نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.