Sunday, July 12, 2015

الحب والكتابة



ياسر عبد الحافظ




هل يبدو العنوان رومانتيكيًا؟ لأى درجة.. إلى الحد المقبول أم أن الرومانتيكية، لا يمكن التعامل معها باعتدال، إما أن تقبلها كلها أو ترفضها تمامًا، مثل الخمر.. القليل منها ليس أقل خطرًا لأن بوسعه فتح باب على تفاصيل غائمة لكنها واعدة بظن لن يخيب طالما الكأس ملآن.
كان ذلك تلقائيًا تمامًا لنا، أن نخلط الكتابة بكل تفاصيل الحياة بحيث لا يطغى أحدها على الآخر. لا، آسف، هذا ليس صحيحًا، أحدهما كان ولا يزال هو المسيطر. الكتابة، حتى فى الأوقات التى لا تكتب فيها، لا تقبل الشراكة، منطقها نرجسي يريد أن يفرض نفسه على كل شئ، وعلى هذا "الكل" المسكين أن يظل تابعًا بلا سؤال.
الطريق إلى قلبها لم يكن سهلًا، إنما في الوقت نفسه كانت الرحلة ملهمة، مثل ذلك الطريق الذي سرت فيه أول مرة زرت فيه بيت عائلتها، بضعة بيوت قليلة في مكان خاص على النيل، نيل عفي، بكر، غير خاضع للسيطرة، بلا أسوار أو كورنيش قبيح يمنعك من النزول إليه، الأرض المزروعة ليست كلها على نفس العلو، بعضها منخفض للغاية عما بجواره، تم تجريفها مرات ومرات لأجل أموال ضاعت مقابل لا شئ، لم تتقبل الأرض خيانتها، لم يشفع لأصحابها أنهم وعبر أجيال عديدة ظلوا مخلصين لها، رتبت لأن يحصلوا على كنز ملعون، فقدوا الرضا من يومها، ومنذ الثمانينات وإلى الآن ربطتهم بجوارها في فعل عبثي يحاولون عبره إعادة ما ضيعوه، يشترون من جديد وعلى مراحل الطمي الذي باعوه، ربما سيستمر هذا لأجيال أخرى قبل أن تنفك اللعنة عنهم. أسمع منها قصتهم، وقصة كل ما في المكان، ناسه وحواديته وأشجاره وزهوره، تلك التي يمكنك أن تشعر بروائحها المختلفة بين سطور أعمالها، أبطالها مثلها لديهم هذا الشغف والرغبة في التواصل مع ما حولهم في الطبيعة، يبدو في بعض الأحيان أن وجودهم كله معلق بهذا، وليس بالحياة الأخرى الموازية التي يحيونها بيننا، وجودهم يفرضه قوانين لا يحاولون بجدية التملص منها أو الاعتراض عليها، لكن هذا الوجود الشبحي الهش أكثر جمالًا واغواء بحيث لا يمكن مقاومته.
هناك حيث بدأت مخيلتها في التدرب على العمل كراو للقصص التي ستسمعها.. الجنيات اللاتي يسرن بهدوئهن المخيف بجوار النهر، اللواتي لا يراهن إلا من لديه استعداد ليهب روحه كاملة للكتابة، يرينه ويبتسمن له، منصورة لم تنخدع برقتهن المزيفة، أحب التفكير في أنها رأت باكرًا الجانب الآخر لتلك الوداعة، عندما يسحبن من يستسلم لإغوائهن إلى قاع النهر.. هل سيجد حياة ما هناك؟ لا يمكن لأحد المجازفة بالنزول وراءهن للتأكد، ولا تجد إجابة أيضًا عندها، لكن البديل هو تلك الحياة السحرية والكابوسية في الوقت ذاته. "في البدء شعرت بالخوف. خوف بدائي عميق يسكنها منذ الأزل. هي دائمًا خائفة، ثم تبدأ تاليًا في اختراع الأسباب. فيما بعد انقلب خوفها فضولًا، ومن الفضول ولدت الرغبة. رغبة مذلة يائسة في الالتحام بهذه الأجساد النورانية الشفافة" ("نحو الجنون" ـ ميريت 2013).
قالت لي أننا مختلفان عن بعضنا تمامًا، لم أفهم المغزى أول الأمر، واعتدت تكرار الجملة عليها في مناسبات عدة، لم أكن أسعى لتفسير، كلانا كان عليه التآلف مع الاختلاف، النار والماء، هذا إذا لجأنا إلى الأبراج التي ظلت طويلًا شغوفة بها، قبل أن يفتر حماسها لها كأحد تفسيرات اللغز، ربما فكت شفرتها ولم تعد أسرارها كافية، فى المقابل ستظل الأحلام أحد المرتكزات الأساسية، فى الليل حيث يذهب كل منا إلى مكان لا عهد لنا به وننساه بعد دقائق من عودتنا، تظل هى لفترة أسيرة أجوائه، كانت فى البداية تحاول قراءة الرموز التي تراها فى منامها عبر قراءات جادة، يسرها ما تراه أحيانًا، ألمح ذلك فى رضا يكسو وجهها، وابتسامة معلقة على شفتيها مصدرها تفاصيل عاشتها، لكن الأمر كثيرًا ما كان يبدو مزعجًا لها أيضًا، تتنقل بين الرموز واحدة تلو الأخرى، ثم يزداد الأمور تعقيدًا عندما تسعى لربط دلالات كل رمز بالحكاية ككل. لا أكون مفيدًا على الإطلاق فى أوقات مثل تلك، غالبًا يكون ليلى فترة موتى، والأوقات القليلة التى صادفت فيها والتقيت أحدًا أبعدته بعنف وأغلقت الباب، لا يمكننى التعامل مع ما لا أفهمه، وهذه واحدة من النقاط الأساسية التى نختلف فيها، لكل منا عوالم وكائنات مختلفة، لكن فى النهاية الكل مرحب به.
فى 2009 أنجزت منصورة روايتها "وراء الفردوس" قرأت المخطوطة الأولى، ومن السطور الأولى أصبحت مولعًا بذلك العمل.. "كنمرة هائجة نزلت سلمى رشيد درجات سلالم بيتهم الثمانى، يتبعها خادم يرزح تحت ثقل الصندوق الخشبى الضخم الذى يحمله. وقفت فى منطقة جرداء بالفناء الخلفى للبيت الذى فقد الكثير من رونقه، وأشارت بيدها فوضع الخادم حمولته على الأرض، ومسح العرق والتراب عن وجهه".
أنا ممن يعتقدون أن الرواية ليست حكاية، لم تكن هكذا، ولن تكون، و"وراء الفردوس" لم تكن حكاية، لكنها لعبة فنية ذكية تستخدم الحكاية، لغة سلسة تعرف على الفور أن صاحبتها قد أتعبت نفسها كثيرًا حتى تهتدى إليها، أو ربما ليس كذلك بالتحديد، أحيانًا ما أشعر أنها تجد الكلمات المناسبة تمامًا للتعبير عما تود قوله، موهبة عملت على تنميتها بدأب فى قراءات متنوعة ومختلفة، ربما لذلك كانت ممن انتبهوا مبكرًا لعلاقة الثورة (25 يناير) باللغة، فقدمت عبر مجموعة مقالات رؤية لهذا الخروج الجماهيرى الذى كان مفاجئًا لجيلنا، كتبت عن وجه مختلف للثورة.. على اعتبار أنها هدم للغة المزيفة التى لا تعنى شيئًا، كانت تقول إن من خرجوا فى تلك الأيام كان على رأس مطالبهم استرداد المعنى.
فى ظنى أن الأهم فى "وراء الفردوس"، وما ينسحب على بقية أعمال منصورة، وبالأدق على مشروعها، هو المعرفة النقدية بتاريخ الرواية، وتكوينها رأيًا خاصًا بها عن ذلك، وهو فى اعتقادى أمر لا بد منه، نصل إليه قبل، أو أثناء الكتابة، أعنى لماذا نكتب؟ هي لم تتوقف مطلقًا مثلًا عند سؤال "النسوية"، أو الهم الذى تحمله المرأة، وإلزامية الانتماء لقضايا كتلك، قد تجد تعبيرًا عنه فيما تكتبه، لكنه ليس إلا موضوع يأتى بحسب ما يقتضيه العمل. أما الأصل فهو أن الرواية عمل فنى يسع العالم، والأغلب أن العكس هو الصحيح؟ طموح الرواية، طموح الروائي، ليس أن يعيد صياغة هذا العالم أو إعادة تركيبه، لا، بل أن يوجد عالمًا آخر وفق شروطه وأحلامه، يفعل ذلك بتلك الجرأة التى يحملها الأطفال فى قلوبهم عندما يسخرون من قوانيننا وفروضنا.
الفهم لما يعنيه مصطلح "رواية" مهم مثلا فى أنه جعل انتقالها سهلًا من "ضوء مهتز"، "متاهة مريم"، "وراء الفردوس"، "نحو الجنون" إلى "جبل الزمرد"، الرواية التى صدرت مؤخرًا عن "دار التنوير"، لا الشكل أو الموضوع هما الغاية، لكنه الفن، وهو وحده من منح صاحبته الجرأة والطموح لتنطلق في رحلة بحث عن الحكاية الناقصة من ألف ليلة وليلة، انطلاقًا من هنا كمكان، ومن الآن كزمان.. إلى أعمق ما يمكن لخيالها أن يذهب بحثًا عن نص يمكن بعد جمعه وقراءته إعادة حياتنا إلى لحظتها الأجمل.
عن موقع الكتابة

Tuesday, May 12, 2015

Gothic Night


Mansoura Ez Eldin

Translated from Arabic by: 
Wiam El-Tamami

His departure came without explanation.
His destination was remote, he said, uttering a series of ominous sounds – the name of a city I had never heard of before. His leaving seemed a matter of fate. In an instant I could see the city he set out for, with its ashen streets.
There are no colours save for the grey that cloaks much of the place, alongside hints of black and white. Throngs of people walk slowly in the faded streets, wearing grim expressions and staring at a still point ahead. A leaden silence bears down on everything.
There he walks, lost in thought. And I, outside the scene, peer at him worriedly, sensing the arrival of a giant with a black coat, sullen face, and heavy footsteps. Suddenly, chaos reigns: people run in every direction, trying to escape.
I feel the earth shake under the footfalls of the man in the black coat. I know he appears on the streets from time to time, stepping powerfully with the aid of his ebony cane. His sightless eyes shift over the faces ahead, until they fall on one that will restore his vision. He points his finger at the face, and its owner vanishes from existence. The giant returns to his blindness, awaiting his next victim.
This time, however, there was only the anticipation of his coming, and the tremors that accompany him wherever he goes. Within minutes, those who were running realized they had been duped, and went back to walking as before.
I scanned the throngs and found him walking with the same slow steps. I looked closer, in search of that cunning-fox expression that characterizes him, but I could not see it. He adjusted the black scarf around his neck, raising his head to the sky like someone startled by raindrops on a dry day, then returned to his daydreaming.
He has been exploring the city since his arrival, wandering its streets without stopping. He wrote to me excitedly that it is a city of the world: ‘Every conceivable language is here. No nationalities, no differences. You don’t even need to speak to communicate your thoughts!’ In the year that followed, his letters became less frequent and said nothing about this city of his – the city that seemed somehow out of this world.
Some time later, he went back to writing about the city: long letters that contained nothing personal – no information about him, no questions about me. Just extensive passages about this city that bears no resemblance to the cities I know, written in ornate script with small, carefully-drawn characters and an exaggerated attention to style.
He wrote: they called it the city of eternal sun. Its sun set only after the last inhabitant slept, and rose before the first got up. They were all deprived of the night. They were not even aware of its existence.
There was no giant then, or faded streets, or people running. Just the perennial day and a fierce, barely-setting sun. The streets of the city resemble each other so closely they are like infinite replicas of the same street. Its Gothic architecture inspires awe: spired towers and prominent arches; stark, imposing squares; screaming gargoyles with eyes wide open in horror; and gardens – more akin to woods – pooling out along the city’s periphery.
These are the same woods from which the giant with the sightless eyes emerged – except, at the time, he was not blind, and his expression was suffused with seduction rather than sullenness. He moved about lightly then, speaking of a beautiful thing called night; he had read about it in the books piled high in his cabin in the woods and heard about it from the fishermen in the neighbouring lake.
They said they had seen it in other cities, while working on big fishing boats in faraway seas. He closes his seductive eyes and speaks of the night as though he can see it: ‘A great darkness that not even a thousand lanterns can dispel – only soften it slightly, imbuing it with even greater beauty.’ He moistens his lower lip with his tongue, savouring the idea of night.
He left the city of the sun in search of the night. He walked for hundreds of miles; days and weeks passed, then years. He asked all those he met, describing it in muddled words.
With the passage of time he began to lose hope – but he kept on his path defiantly, not once looking behind him. He walked for he knew not how long, picking fruit from trees and drinking spring water, until he found himself on the way back to his city.
He recognised it by its tall spires and crystal domes that reflect the sun’s rays, giving rise to a galaxy of brilliant suns. He could not tear his eyes away from their frightening luminescence, until he began to feel the light seeping away. The closer he came, the dimmer they became. At first, he did not understand what he was experiencing; he assumed that the lights of the world around him were slowly fading out. Only when he was submerged in total darkness did he realise that he had finally fulfilled his quest. He had met the night face to face. He was overjoyed, for now he would carry his own private night back to the city of the sun.
The remaining distance, short though it was, was the most difficult in his long journey. He stumbled and circled the city walls several times before he could get in. When he finally entered, the city people were astonished by the sight of this scowling giant with dark clothes and lumbering steps. They discovered that, with his return, their city had been transformed into another: a pallid place, caught between a day that had left never to return, and a night that refused to arrive.
In the next letter my friend appeared to have forgotten about his last one, repeating everything he had already said, with minor adjustments, before continuing the story. The giant with the snuffed-out eyes retreated to his cabin in the woods for a long time, during which he did not utter a single word, instead listening to the sighing of the trees, the twittering of the birds and the roar of the wind when it blew. When he tired of his solitude and his silence, he took to the streets with heavy footsteps that shook the ground beneath – leaning on his ebony cane, sheltering behind his blind and sullen stare and armed with his experience in listening to nothingness. His eyes shift over the faces ahead until they fall on one that has the power to restore his vision. He points his finger, and its owner vanishes from existence. The giant tries to gather in all the details of the new world around him before he is plunged into darkness once again – but to no avail. He returns, despondent, to his cabin and his waiting.
The city with its Gothic soul takes root in my mind. Its identical streets and imposing squares inhabit me. I dream about the gargoyles on its buildings’ facades, and awaken feeling like someone who has roamed its paths. I get up at dawn, weighed down by what I’ve seen. The giant moves in my mind, his expression transformed once again from sullenness to seduction, as though inviting me to follow him.
Iread and re-read my friend’s letters. I pore over the elegant script with its precisely-penned characters, and I think of how much he has changed. He no longer bears any resemblance to the person he once was. The city seems to have performed some mysterious black magic on him, driving him to write without emotion, without purpose, without stopping. I send him letters asking how he is, what he’s doing, whether or not he is planning to return. He does not utter a single word in response to my questions, but continues to write about the city that has cast its spell on him, transforming him into a mere eye that captures the details of its surroundings and a hand that records them tirelessly.
Instead of letters steeped in questions that he skips over as though they weren’t there, I began to write about my city. An invented city that lies between mountains clad in lush green plants and trees, and a relentlessly raging sea that films the air with the scent of iodine and whose waves, every morning, spit thick layers of salt upon the beach. Built entirely on the precipice that sweeps down from the mountains to the raging sea, the houses of the city appear to be in eternal freefall. Its people are caught in a never-ending battle with gravity: they walk slowly in ascent or descent, fearful of falling from this great height to the crashing waves below.
I composed a letter for every one I received from him, not commenting on what he’d written or asking about him, and he – as always – appeared to have not even read mine. Then I begin to write without pause, long letters preoccupied with details and penned with care. I dispatch some and neglect to send most, until I stop corresponding with him altogether, intent only on inking hundreds of letters that I stack high here and there throughout my house.
I write, ignoring my aching fingers and the pain in my hunched back, blurring the lines between my city and his, between the Gothic architecture with its squares and screaming faces and the perilous precipice with its houses resisting eternal freefall; between his giant with the black coat and blind eyes and the people I see when I open my window, walking cautiously up and down.
Ire-read my letters, strewn all around me; I contemplate my ornate script with its small, carefully-drawn characters and exaggerated attention to style, and I think of how much I’ve changed. I emerge from my house, surrounded by plants and thick tangled trees, and come, in shock, upon my city with its grey streets and stark squares and the leaden silence bearing down on everything. Closing my eyes, I succumb to the darkness, and the scene opens up silently before me. I see throngs of people moving slowly, staring at a still point ahead . . . I see him walking, lost in thought . . . and I hear, loud in my ears, the thud of heavy footsteps. Could it be coming from me? ?


The translation was first published by GRANTA Magazine

Monday, April 6, 2015

حياة زجاجية

  
منصورة عز الدين
                
                 
كانت العربة تشق طريقها بالكاد وسط المياه، فيما تتجمع زخات المطر على زجاجها الأمامي لتتحول إلى خيوط متداخلة لا تقوى المساحات على التخلص منها.

حوّلت بصري عن خيوط الماء.. التقت عيناي بعينيّ السائق.. بدت لي نظرته أشبه بنظرة مجنون فسحبت عينيّ بسرعة وركزت انتباهي مرة أخري علي خيوط الماء المنزلقة علي زجاج السيارة. كان يقود بيد واحدة  بينما تتحرك يده الأخري بعصبية بحثا عن شيء ما في تابلوه السيارة. ثم لا يلبث أن يكف عن ذلك ليضعها علي فمه أو يضغط بها علي جبهته بقوة. بعد لحظات بدأ جسده يهتز بطريقة غريبة وبين الحين والآخر كان يرمقني بنظرة نارية عبر المرآة..

احتمال أن يكون الرجل مجنوناً أو تحت تأثير مخدر قوي أرعبني، اكتشفت فجأة أن الرعب الحقيقي لا يكمن في تعرض أحدنا لخطر عدو شرس ذي قلب ميت إنما في أن نقع تحت مخالب مجنون لا يستطيع السيطرة على نفسه. فقدان العقل يغدو مفزعاً في مثل تلك الحالات، رغم أننا لا نفطن أصلا إلي وجوده في ما عداها.

انتبهت من أفكاري على زخات متصاعدة من المطر وعلى همهمات متألمة تصدر عن السائق الذي طلبت منه تهدئة سرعته فسمعته يخبرني بأن الأمر برمته خرج من يده. كانت نظرته عبر المرآة تحمل ما يشبه الاستغاثة فانهرت تماما. فرغم خوفي في اللحظات السابقة من بطشه بي إلا أن جزءاً بداخلي كان يرتكن إلي الراحة من قوة وثبات افترضتهما فيه شأن افتراضاتنا الساذجة عن كل الخاطفين.

كنت أظن أنه مهما فعل سيكون أكثر أمناً من الطبيعة التي كشرت عن أنيابها، لكن استغاثته حطمت آخر أمل لدي ونبهتني إلي أننا معاً تحت رحمة قوي مجهولة.
أبصرت عرقاً غزيراً يتفصد علي وجه الرجل فيما كان يلعن ويسب وهو ينظر بهلع إلي الطريق المحاط بأشجار كثيفة من الناحيتين وقد أخذ يضيق لدرجة أصبحت تعوق حركة السيارة.
بدأت أرتعش بشدة وقبل أن أغيب تماماً عن الوعي أطاحت يد عملاقة بجسدي نصف المغيب إلى خارج العربة فتدحرج عدة مرات على أرضية حديقة تشبه الدغل تحيط بالفيللا شبه المهجورة المجاورة لمنزلي.

أشواك حادة خدشت وجهي وأجزاء متفرقة من جسدي وأحسست بدماء طازجة تنزف مني في أكثر من موضع ثم بدأ وعييّ يعود إليّ.. ثمة كلب كان ينبح في مكان قريب بصوت مجروح وكائنات سوداء تشبه القطط كانت تركض بجواري مصطدمة بجسدي.

همهمة غامضة كانت تصدر من داخل الفيللا.. تحاملت على نفسي وتحركت باتجاه الدرجات الأربع المؤدية إلى الداخل، دفعت الباب الموارب ودخلت بوجل غير معتادة على خطوتي العرجاء.. كل شيء كان مختلفاً عن الأجواء الخارجية، مدفأة قديمة محاطة بطوب وردي اللون تتأجج فيها النيران كانت تتصدر المكان وبجوارها كرسي هزاز مازال يتأرجح ببطء، كأن شخصاً ما قد غادره تواً.. كنبة كبيرة وفوتيهات عدة تناثرت هنا وهناك والحوائط بأكملها كانت مكسوة بمرايا براقة انعكست عليها  صور المدفأة بنيرانها والفوتيهات والكرسي الهزاز وكل ما بالبهو إلاي، حيث لم أجد أثراً لجسدي على صفحات تلك المرايا الملعونة فانطلقت في صراخ يائس.

***

لم أعرف أبداً من الذي نقلني إلى بيتي لأجد نفسي في الصباح بين اليقظة والنوم على فراشي الدافئ.. كل القوانين معطلة والأشياء ليست كما أعرفها بل جد مختلفة.. الغرفة مغلفة بإضاءة حمراء ملتهبة، وقطع الأثاث في غير مواضعها المنطقية.. الباب مفتوح على الردهة التي أصبحت أضيق من حقيقتها، ومنها يبين شيش باب الشرفة، وهو يتموج تموجات شديدة الاهتزاز.

وحدها نجفة السقف الثابتة على شكل غصن شجرة به ثلاث ورقات تحمل كل منها لمبة، وحدها تلك النجفة بدت كأنها تتحداني.. تقترب مني رويداً رويداً، تكاد تصطدم بوجهي قبل أن ترتفع فجأة لتعاود كرتها من جديد.

ثمة أصوات كانت تتزاحم من حولي في أرجاء البيت كما لو أنها استغنت عن أصحابها وتحولت إلى محض صوت يتجول وحده مبيناً مدى هشاشة الأجساد.

عندما أفقت تعرفت على الحياة كما آلفها، افتقدت حالة الاهتزاز المقبضة التي عايشتها وضايقني أنني لن أعرف ما إذا كان ما مررت به حلماً أم أي شيء آخر..

حاولت أن أتناسى لكن عينيّ السائق ظلتا تلحان عليّ. فتحت باب الشرفة وألقيت نظرة على الجو بالخارج.. رأيت الشمس متوهجة والشوارع نظيفة وجافة كأن ماء المطر لم يمسسها منذ زمن، وكالعادة قبعت الفيللا شبه المهجورة المواجهة لشرفتي مستسلمة للصمت التام، فعلى عكس البيوت المجاورة تتواءم تلك الفيللا مع الظلام والسكون: لا أضواء ليلية، لا أصوات تنبعث منها، لا مشاجرات، لا شيء علي الإطلاق.

اعتدت أن أمر بها كل صباح أثناء خروجي للعمل، كما تحلو لي مراقبتها ليلا للتأكد من السكون الرهيب الذي يغمرها. ما بين السادسة والسابعة مساءً تظهر يوميا المرأة النحيلة ذات النظرة الحولاء، كأنما تبحث عن شيء ما بـ'الفراندة'. تسير جيئة وذهاباً عدة مرات قبل أن تجلس إلي كرسي البامبو ذي الوسائد المتداخلة الألوان مسندة مرفقيها إلى الطاولة المستديرة، وتظل على جلستها لبعض الوقت ونظرها مشدود إلى مدخل الحديقة الشبيهة بأحراش مصغرة تحتاج إلى من يهذبها، ثم لا تلبث أن تلتجئ إلي داخل الفيللا بخطوات مسرعة مرتبكة.

تبدو المرأة بملابسها وتصفيفة شعرها كشخصية خرجت لتوها من كتاب مصور يتناول فترة الخمسينيات من القرن العشرين. وجهها خالٍ من التعبيرات تقريباً ونظرتها الحولاء تسلمني إلي الانقباض.

أتساءل حين أحملق فيها: هل تري عيناها العالم كما تراه عيناي بالضبط؟ وهل نري كلنا الأشياء حولنا بالكيفية نفسها؟ ماذا لو كانت هناك اختلافات طفيفة جدا من شخص لآخر قد يؤدي تراكمها إلي نتائج مفزعة؟ ماذا لو كانت هذه المرأة مجرد وهم؟ لماذا لا أنادي عليها بصوت مسموع، ربما يبدر منها ما يدل علي أنها هناك؟

لكنني دائماً ما أقف عند هذه النقطة ولا أحاول المضي قدماً في تساؤلاتي المرهقة، تحاصرني الملامح الحادة والنظرة الزجاجية لامرأة في الخمسين من عمرها غير منشغلة إلا بما في داخلها فأرتب شقتي وأنظف الزهور البلاستيكية من التراب المتراكم عليها، وأتأكد من أن قطع الأثاث في مواضعها تماماً، ومن وقت لآخر أتسلى بمراقبة الوقت الذي يتفتت أمامي إلى قطع مهشمة متناهية الصغر يصعب ضمها إلى بعضها البعض، لكنها حين تقرر الالتئام تضغطني بين حوافها المدببة.

أراقب الوقت الذي لا يأبه بأحد بل يظل مسدراً في غيه مفتتاً الجميع إلى شظايا صغيرة تتشابه معه وتتحول مثله إلى غبار متطاير في الهواء، فأصل بحدسي إلى أنه مجرد شخص بالغ الوحدة والكآبة يبحث عن أشباه لكنه لا يتماهى معهم إلا بابتلاعهم في أحشائه الوسيعة، ومن ثم أقرر من تلقاء نفسي أن أسارع باتجاهي نحوه، أن أنهي قصة وجودي على نحو رائع يتماشي مع رؤيتي المتضخمة عن ذاتي، وعلى الرغم  من هذا كنت أجبن في اللحظات الأخيرة وأتشاغل بتفاصيل صغيرة تمسك بتلابيبي.. أذهب إلي العمل، وأتسكع في الشوارع، وأتأمل أعماقي في الأماكن الصاخبة، وقبل كل ذلك كنت أواصل مراقبتي للمرأة بالفيللا المجاورة.
لا أذكر الآن متي اصطدمتُ بالنظرة الحولاء لأول مرة، لكنها كانت لحظة استثنائية في حياتي الراكدة. بدت لي كرسالة مبهمة تحتاج إلى من يفك شفرتها كما بدا لي انحراف إحدى عينيّ المرأة كمؤشر على خلل رهيب اعترى روح العالم.

***

كانت المرأة النحيلة منهمكة في عمل شيء ما بشرفتها، حين انبعثت أنة مكتومة من الداخل فانتفضت ورمت لي نظرة سريعة قبل أن تستدير نحو مصدر الصوت. انتفاضتها المرتعبة حركت فضولي.

صحوت مبكراً في اليوم التالي وتسللت للبحث في أكياس قمامتها إلا أنني لم أجد فيها ما يلفت النظر. فقط مجرد ضمادات قطنية مدماة وأمبولات زجاجية مكشوطة العنق وبقع دماء جافة تغطي كل شيء. لم يكن ثمة بواقي طعام أو زجاجات عصير فارغة أو حتي قشر فاكهة، ولولا المرأة ذات النظرة الحولاء وصوت الأنين الذي بدأ يتصاعد بشدة لاقتنعت بأن هذا المنزل مهجور تماماً.

الأنين المتزايد جذبني ناحيته ولدهشتي وجدت الباب مفتوحاً ووجدتني في البهو نفسه ذي المدفأة القديمة والكرسي الهزاز والفوتيهات المتناثرة، لكن المرايا بدت وكأنها مصمتة تماماً.. لم تعكس أياً من هذه الأشياء، خطوت في الردهة التي ينبع منها الأنين وفتحت باب الحجرة.

رأيت المرأة النحيلة ترقد بجوار جثة رجل واضعة يدها فوق صدره، فيما خيط غزير من الدماء الداكنة ينساب على الأرضية باتجاه الباب.. تقدمت ببطء ودون أن أحتاط للأمر، واجهتني صورتي في مرآة صغيرة بجوار الفراش. كانت عيناي مركزتين على نظرة حولاء وجسد نحيل يتحديانني بشراسة قبل أن أغرق في ظلام دامس.

مايو 2002

 نُشِرت القصة لأول مرة في جريدة أخبار الأدب مايو 2002، ثم في مجموعة "نحو الجنون".. دار ميريت.. القاهرة.. 2013.

Sunday, April 5, 2015

The Red Gladiolus


 Mansoura Ez-Eldin

Translated from Arabic by: Paul Starkey





Her corpse lay peacefully on the bed where I had moved it with some difficulty, as I straightened my clothes in front of her bathroom mirror, put new lipstick on, and drew a long line of kohl on my upper lids. The rosy colour of my cheeks made me forget to add any other powder.
Her hoarse, rattling voice as she screamed her last words had almost made me stop . . . but I had reached a point where it was difficult to go back, so I continued my furious thrusts at her chest. Her warm, crimson blood spurted out, while I stood there shaking, my eyes fixed on her face from which the life was draining for ever.
I thought it would be stupid to bother to clean the place up. I looked at the pink, short-sleeved jacket and the short black skirt I was wearing to check that they were clean. Fortunately, the jacket had not been touched by the blood, and though my left arm had a long smudge of blood on it, it looked rather like a red gladiolus with a long stem, and four or so blooms arranged one above each other. I was pleased by the resemblance. I gave a laugh that echoed around the locked flat. I had forgotten the person lying inside with nothing resembling life inside her.
I sat down on the armchair, put my bag on the floor between my feet, and took out my packet of cigarettes. I lit one, and began to smoke, feeling completely light-headed. I felt that I had finally escaped from my previous life, with all its clamour and disappointments. I was no longer the little girl I had been a few days ago. I felt no regret. On the contrary, I felt a secret pleasure that rather stunned me, even though I made no attempt to deny it. I was seized by a fascinating feeling I had never experienced before of floating over all the misfortunes I had ever encountered.
By now completely befuddled, I started to smoke another cigarette. When I had finished it, I picked up my bag and went into the bedroom where she was lying. I looked at her blue, motionless face but did not dare touch her. She seemed taller than she had been, and I was frightened by the similarity between my features and hers.
* * *
I went back to the bathroom, turned on the tap and washed my arm more than a dozen times. This time I noticed in the mirror the blue rings around my eyes.
I left the flat quietly, shutting the door behind me. The stairs were a bit dark, so I took longer than usual to reach the street, which was almost deserted. I walked along  slowly. I couldn’t find anything to think about, so I occupied my mind counting my steps, but whenever I reached the sixth step I made a mistake and had to start counting again. When I got tired of this game I headed for a nearby café and sat down in an out-of-the-way corner. The effort I’d expended since the morning had completely drained my energy. It had also creased my clothes, making me feel dirty – an oppressive sensation that I tried to ignore as best I could. I lit a new cigarette, and took a sip from the cup of coffee that the waiter had put in front of me before going away quickly. I sipped the coffee with pleasure . . . Then I turned the cup over onto the saucer and held it up so that I could see the shape in it, which looked like a dark-coloured map. Her face was in front of me, with all the pallor and terror that had gripped her in her last moments. I couldn’t control the trembling that suddenly came over me. That face will remain imprinted on my mind. It will stick with me and I  with it. My knife thrusts had brought me closer to her.
I remembered her with affection as she tried to clutch at anything . . . as enormous quantities of her blood spurted out. I wish I could fix this moment for ever. I was never as close to another human being as I was to her at that moment we shared.

I looked at my arm. The blood-red gladiolus was there again. I tried to rub the mark off but it would not go away. It was spreading like a lazy beast. I rushed out of the café and ran for ages, without measuring the distance. When I got tired, I stopped and leaned against a lamp post in a crowded street. The flower was still spreading, and two eyes belonging to a woman resembling myself had fixed themselves on me. I walked on with heavy steps, repeating “one . . . two . . . three . . .”. I had to give her one final glance.

From the anthology "Unbuttoning the Violin".. Banipal Books - 2006.
The Original Arabic Version of "The Red Gladiolus" was published in my first book "Flickering Light" - Merit Publishing House - Cairo - 2001.

Friday, March 27, 2015

Maryam and the Minotaur


Last week at the headquarters of her new Cairo publishers, Dar Al-Ain, Mansoura Ez-Eldin read from and signed copies of her second novel, Wara' Al-Firdaws (Beyond Paradise), a sort of psychological thriller and Bildungsroman rolled into one. Comparing the new book to Maryam's Maze, her 2004 novel, translated by Paul Starkey, Youssef Rakha spoke to Ez Eldin about her work, her life and the overlap between the two.




Youssef Rakha

Though she published only three books in nearly a decade, Mansoura Ez-Eldin (b. 22 March 1976) has maintained a high profile on the literary scene since she graduated from Cairo University in 1998. She is the books editor at the most popular cultural weekly in the country, Akhbar Al-Adab, where she got a job in the same year. By 2001, though already married to a fellow young writer whom she also met there, her first book, a collection of short stories titled Daw' Muhtazz (Trembling Light), was published to acclaim from a battalion of former teachers, mentors and admirers, including well-known figures like critic Mohammad Badawi, novelist Gamal El-Ghitani (the editor of Akhbar Al-Adab ), even the late philosopher Mahmoud Amin El-Alim. In the next two years Ez Eldin would go through both pregnancy-birth and the death and dying of her mother, experiences she would lugubriously internalize and eventually, from 2002 to 2009, transform. Working every day, however little the time left her after both job and small family are paid their dues, she draws up character sketches, composes dream studies, and occasionally develops a text into a short story -- which she might subsequently use as a chapter in a novel.



Correspondences are frequent and at least once, in the course of writing Maryam's Maze, Ez-Eldin had all but given up on resolving one particular complication when she realized that one of her early short stories provided her with exactly the narrative development she needed; she simply had to insert that short story unaltered for the novel, apparently unrelated, to flow exactly as she had envisaged it. Correspondences could also occur between literature and life, in equally unexpected ways. Ez-Eldin recounts that, during her mother's last days at the hospital, the woman "to whom I owe absolutely everything" often asked about her writing. "The idea of me writing pleased her," and so, despite the mayhem that consciously prevented her from doing it, at the hospital she would take out her old notes and exercises and pretend to be working on those texts that had made her mother proud of her when they appeared in well-known newspapers and magazines. "After a while I realized that these short stories were actually developing into Maryam." The slim volume, which makes up in intensity for what it lacks in extent, concerns a young woman, her close friend or double, and the large house of a provincial patriarch which, following the young woman's move to Cairo, appears to her as a Labyrinth, its large and deeply intermingled cast of occupants -- ghosts, dream figures, real people? -- constituting a sort of Minotaur of the mind. And so there seems to be yet a third level of correspondence: paradoxically, while she consciously rejected myth, justifying Maryam's visions with recourse to psychology, Ez-Eldin was in fact producing a grassroots version of one of the world's best celebrated myths, and feminizing its hero.

Whatever else you say about it -- and Wara' Al-Firdaws could conceivably make you say something different – Ez Eldin's writing emerges out of a place both mysterious and dark. For seven years now, while advancing her journalistic career and creating a home life sufficiently different from her family background for her to be at peace with, Ez Eldin has also been working through "existential questions, anxiety, discomfort, fear" -- personality traits, she says, that have been with her at least since the unexpected, seemingly absurd death of her father when she was aged nine (which also explains her reading Camus and other adult books at an extremely early age). "They are basically to do with the idea of death," these questions, "the idea of dissolution, breakdown. Not breakdown in the psychological sense, but the idea of this human constitution being on the verge of ceasing, at any moment. Termination," she muses. "The whole thing coming to an abrupt end. A somewhat strange imagination," she interrupts herself to chuckle. And it is at this point, no matter how much I object that her imagination is actually in no way strange, that Ez-Eldin and her work finally come together for me. I have known her for many years and she has never struck me as capable of anything more disturbing than a whimper. Of all the fiction writers and poets who emerged in the 1990s, she comes across as perhaps the most psychologically balanced -- quiet, hardworking, focused. There is a kind of no- nonsense conservatism about her, a kind of respectability. This might explain the fact that, from an early age until eight years ago, she wore hijab -- a fact she seldom mentions, and then only to say that it was an outward shift to do with her pilgrim's progress from the countryside to the city, not with the substance of her relationship to God.

This, on the one hand; and on the other hand, her work: Never mind that the very premise of the Maze is a dream in which the protagonist seems to be knifed to death by her Doppelganger: a weird rite in which the latter dies equally graphically. In Wara' Al-Firdaws a similar duo, Salma and Gamila, play out a puzzling relationship implying anything from schizophrenia in one or both of them to lesbianism; frighteningly rather than bafflingly, the precise nature of their connection is never stated. Aside from the two of them, however, there is at least one gory death, a series of encounters with the ghost of the dead man (notably sexual encounters with his as yet young attractive wife), and beatings. Despite her attempt to depict a whole world, her conscious marginalization of Salma and Gamila, the sense of mystery, of the paranormal, of unaccountable powers interfering with irrational drives, is still there. Ez-Eldin tells me that Badawi, whose lectures she attended at the time, coined a term for her earliest short stories: "writing the secret" ( kitabat al-sirr ). Each text seems to be a secret, a clockwork mini information system that, however multifarious, remains self-contained. Ez-Eldin mentions, in this context, her debt to the horror film and her interest in the therapeutic effect of writing (Salma, who edits short stories for publication in a newspaper, starts writing a novel on the advice of her psychiatrist); she identifies imagination with fear. This is not every day, realistic fear, which -- in line with the impression Ez-Eldin gives of herself -- seems to be well under control. The fear that is at odds with Ez-Eldin's poise, which nonetheless comes through with amazing intensity in her books, is something far more primal. In her mind, she explains, fear of the dark (the childhood experience par excellence) takes on the deepest metaphysical dimensions. "You'd be surprised," she says, "how basic my fears are."



Set against the backdrop of the shifting fortunes of the brick making industry in the Delta in the mid-1980s -- perhaps the first mention in contemporary Arabic literature of the otherwise oft-cited phenomenon of tagrif, which eroded agricultural land before the shift to concrete -- Wara' Al-Firdaws draws a much sharper distinction between the two settings informing Ez-Eldin's experience. First, there is the tiny village where, in the absence of basic public amenities, Ez-Eldin enjoyed a nonetheless unusually prosperous upbringing as the spoilt but remarkably successful school child at the heart of an extended family so large and close knit, so conservative and so rich that her husband, on first being introduced to it, could not help comparing it to the mob in The Godfather. Secondly, there is Cairo, the infinitely larger place to which Ez-Eldin's passage -- a hitherto unthinkable breach of tradition facilitated by her mother -- gradually allows for a clear perspective on "just how strange and unusual this experience of the countryside really was". The book began as an account of her mother's life, a fictionalized biography not unlike Hanan Al-Shaykh's Hikayati Sharh Yatoul (My Life, A Long Story) -- whose publication in 2005 discouraged Ez-Eldin from doing the same thing again -- so she quickly gave up on this side of what she was already envisaging as a larger, intergenerational variation on Maryam, one that replaced the paranormal with "the mythology of the setting" and in which the central (dual) character had less of a role to play. "As always," Ez-Eldin says with conviction, "the work imposed its own logic."

Partly because it contains more comedy and juxtaposes a greater number of stylistic registers, partly because it has a more definite social-historical reference point, Wara' Al-Firdaws has already been hailed as more accessible than Maryam. Aside from widening the scope of her work without making concessions to the market, however, Ez-Eldin had no intention of compromising her notion of what writing actually involves: a process of imagining, primarily out of that primal fear of sudden dissolution, people and places that resemble the world rather than referring to it per se. Here as in Maryam, consequently, almost every character in the book is imagined. "If people back in the village read Wara' Al-Firdaws," she insists, "no one would recognize anyone." The process seems integral to Ez-Eldin's way of dealing with a suffocating environment, which has been very different from straightforward rebellion or insurgency, and reflects her view of herself not as woman writer but as a writer who happens to be a woman. She behaves like a virus, she says, working from the inside; she instills herself in the host -- "the mafia" of her extended family -- precisely in order to transcend it. And though outwardly her own life has been more or less conservative, she is careful to point out that she instituted a nuclear family ( usrah ), not an extended family or tribe ( 'a'ilah ). Like few writers of her generation, rebellion and transcendence have been matters of the mind; and she still dislikes any predetermined idea, however positive, being imposed on what she does: the Woman, the Body, the Provinces are all candidates; she rejects them all. At the most obvious level it is madness that she is really interested in, (in)sanity, "but it is not as if I studied psychology or apply it in any systematic way". Even the Novel does not bind Ez-Eldin.


It is something of a cliché by now to speak, borrowing critic Gaber Asfour's expression, of the Age of the Novel, which has driven many an excellent short story writer and poet to switch genres. Having published Wara' Al-Firdaws, by contrast, Ez-Eldin is -- by contrast -- in the process of putting together a new collection of short stories. It is a form she loves, she says, a form both difficult and rewarding, and never separate from or in contradiction to the literary project her two novels have pursued. She has no doubt that her readership will engage with her stories just as enthusiastically, and though she would be hard pressed to identify this the constituency of that readership, unlike many contemporary young writers, she distances herself totally from the discourses and debates of sales, popularity and what makes for a successful book. "People accuse serious writers of obscurity," she says, "of looking down on readers. But who is to say that readers are less intelligent or less complicated than the writers? Who is to say that it is making assumptions about how much readers can understand that means looking down on them?”

July 2009
Al-Ahram Weekly

حفيدة شهرزاد تصعد جبل الزمرد



د. صلاح فضل

منصورة عزالدين روائية وإعلامية مرموقة، تجترح فى روايتها الجديدة الفارقة «جبل الزمرد» مهمة خطيرة، هى مشارفة الغيب ومشافهة الأصل ومقارعة جدتها الساحرة «شهرزاد» بنوعين مضفرين من السرد، أحدهما مغمس بالخيال الذى ينطلق من قلب الأساطير الغارقة فى ضباب الأزمنة السحيقة، والآخر من صميم الحياة المفعمة بدفء الوجود وعطر المشاهد اليومية وأشواقها الأليفة. يتلاقى النوعان فى زؤابة «جبل قاف» الملفع فى غياهب السماء والمسكون بالعجائب، حيث تشب الأميرة زمردة لتكسر تابوهات الأجداد وتبحث عن المجهول لتكتشف أحلام الخلود وبهجة التواصل الجميل.

تطرز منصورة عزالدين هذه السردية الفائقة بعناية صانعة المجوهرات، تمزج الأحجار والألوان والأشكال بحرفية متقنة، حيث تبعث فى الأسطورى شهوة الخلق الأولى، وفجيعة النبوءات والمصائر، وهى تخرق قانون التدوين المفترض الذى حرم المرأة من الإبداع، كما تسقى فى البث اليومى ماء الحياة الذى ينبت عشبة الخلود، تستغرق فى متعة التحليق فى أفق «ألف ليلة وليلة» بخيال مجنح، يصطنع لغته، ويضبط إيقاعه، ويصل ما انقطع من حكاياته فى مغامرة خاصة، لإنتاج لون مشرقى جديد من واقعية مسحورة مطعمة بالأحجار الكريمة السخية.

تصنع الكاتبة لسرديتها رواية على عينها، تتجسد حيناً فى سيدة إيرانية الأصل هى بستان البحر، تقدم نفسها فى السطور الأولى قائلة «فى العام الحادى عشر من الألفية الثالثة، وفى شقتى المطلة على نيل الزمالك، أنكفئ على التدوين بلا كلل.. أرانى طفلة فوق جبال (الديلم) فى ستينيات القرن العشرين، أعد وخلف أبى وهو ينشد أبياتاً لجلال الدين الرومى أو العطار أو حافظ.. فى الثامنة عشرة من عمرى غادرت شبه مجبرة لم أحمل فى حقيبة السفر سوى ملابس قليلة كى تتسع لأكبر قدر مما حملنى إياه من كتب ومخطوطات وأوراق، فى ذاكرتى كانت تضطرم مئات التفاصيل، وفى مفكرة صغيرة قبعت أسماء مدن أعبر بعضها سريعاً وأقيم فى القليل منها لسنوات تطول أو تقصر، مدن تبدأ من نيويورك حيث كان يفترض بى إكمال دراستى، وتنتهى فى القاهرة التى فهم من علامات ونبوءات مبثوثة فى ثنايا ما ورثه من أجداده أنها محطتى الأخيرة أجد فيها ما أبحث عنه».

ومع تجسد هذه الراوية فى شخص محدد يتراءى من حين لآخر فإنها تلبست بدور الراوى العليم فى حكى ما لم تره، بل تقصمت أصواتاً أخرى فى الرواية، حيث نفذت إلى أعماق «هدير» وكتبت ما لم تعرفه عن نفسها وتابعت أمها منذ طفولتها حتى مهجرها الكندى، كما تابعت خواطر الأميرة «زمردة» ومغامراتها فى الصمت والكلام، سكنت جبل الحياة وصعدت مع «بلوقيا» إلى جبل قاف، ونزحت إلى أسرار الكون فتلاشت فى فصول كثيرة كأنها ذابت فيه، لكنها ظلت فى معظم الأحوال تقبض على الزمام بقول محكم وهدف مرقوم، لكن كل ذلك يتم على ضفاف عوالم تنبثق من البؤرة السحرية المركزية لألف ليلة وليلة، حيث يلتقى فريق من الباحثين الذين يشبهون الدراويش فى تحلقهم حول قطب يجمعهم، تحكى بستان البحر قصة لقائها بهؤلاء فى بيت أستاذ ضليع فى الألفيات، انكفأ مع عشرة أشخاص على بساط من الفرو يناقشون الأصل الذى استلهمت منه حكاية «مدينة النحاس» فيروى أحدهم من الذاكرة مقتطفاً من حكاية حسن البصرى الذى رحل إلى جزر واق الواق لاستعادة زوجته منار السنا، ثم يتحاورون حول التأثيرات الدينية على حكايتى «حاسب كريم الدين» و«رحلات السندباد» قبل أن يختم أحدهم الحلقة بمداخلة حول طيف النبى سليمان المهيمن على فضاء الليالى.

وكان الأستاذ شغوفاً بتتبع ما يسميه النص الأصلى وتمييزه من القصص المزورة، لكنه اهتم بحديث بستان البحر عن الحكايات المضافة وتمثيلات الجبال فى ألف ليلة، ومن هنا تنطلق الراوية فى إعادة تخليق مجموعة الجبال فى روايتها ابتداءً من جبل المغناطيس وأحجاره التى تصيب من تلتصق به بعاهتى الضحك والعمى، إلى جبل قاف والزمرد ومن قبلهما جبل الحياة ومدينة الشمس التى لا تعرف الليل أبداً، حيث يشب فيها عملاق يبشر بجمال الليل. إلى غير ذلك من تجليات الخيال الإبداعى النزق فى الرواية.

النبوءة والرؤية:

توجز الراوية المتألهة العليمة فلسفة الرواية على لسان أحد النساك من السلالة التى انتشرت فى حنايا الأرض من جدودها وهو يستشرف المستقبل بنبوءته مؤمناً بإخلاص بالقوى السحرية للكلمات قائلاً «بكلمة واحدة تنهار ممالك وإمبراطوريات، وبنسج حرف وراء آخر تنتهى حيوات، ووحدها زمردة ستسير بمهارة مغمضة العينين، بين حقول ألغام الكلمات عارفة خيرها من شرها، كم ابتهل كى يشهد عودة الأميرة، كان سيتعرف عليها حال تساقط مطر من زمرد حبات خضراء لا يراها إلا المؤمنون بجبل قاف، من عداهم سيرونها كأى مطر آخر، أعمار أجيال من أسلافه النساك ضاعت فى انتظار هذا المطر الزمردى الآذن بعودة ابنة ياقوت التى ما إن تتجسد من جديد وتستفيق إلى واقعها وتستعيد تفاصيل ماضيها حتى ينتصب قاف مجدداً ويتراقص ابتهاجاً. ساعتها ستبعث العنقاء.

وتعود رعية ملك الجبال الناجية إلى موطنها، يواصلون حياتهم بعد تخلصهم من لعنة الإخفاء والتيه، سيمثل لهم الملك يا قوت كراع سرمدى، فى حين تحكمهم الأميرة مستفيدة من حكمة قاف وفلسفته، حكمة مؤدية إلى فهم الذات، ومن ثم فهم العالم».

هذا الوضوح الفكرى فى رؤية الناسك الديلمى يشهد بأن بانية الرواية فى اعتمادها الأساس الميثولوجى لقصص الخلق وحكمة الأجداد ترى خلاص الكون فى حكمة الأنثى التى تجيد فهم ذاتها وفهم العالم من حولها، فتصبح النبوءة رسماً للهدف وتجلية للمقاصد.

ومع أن الكاتبة ترتكز على بعض العناصر المختمرة فى الضمير الجماعى للثقافة العربية فإنها تجيد تفجير هذه العناصر وشحنها بحيوات نابضة بطريقة خصبة، وقد مهدت لذلك فى عتبات الرواية بإيراد بعض المرويات التى تهيئ ذهن القارئ لاختراق هذه العوالم، فتقتطع من تفسير القرطبى ما يشير إلى جبل قاف بأنه «طبقاً لابن زيد وعكرمة والضحاك جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، اخضرت السماء منه وعليه طرفا السماء المقببة، وما أصاب الناس من زمرد فهو منه» لكنها عندما تدفع بإحدى شخصياتها للوصول إلى جبل الزمرد هذا فى روايتها سرعان ما يتمدد الخيال ويضرب أطنابه العريضة من الغرائب التى تحدث فيه، حيث يستمر القمر بدراً لأسبوعين متتاليين، وتتصاعد أبخرة ساخنة من بحيرات الفضة المذابة الموزعة بين أرجاء المدينة، توقفت الطيور فى حدائق قصر الزمرد عن التغريد، غمر الخوف الأهالى، وقد بدأوا يسمعون أصواتاً غريبة بجمل لا يفقهون كنهها، وذبلت الورود وتساقطت عن أغصانها.

أما الأميرة زمردة فتقع فى براثن الصمت وتمتنع عن الكلام»، فإذا جمع أبوها حكماء الجبل انتهوا إلى أن مرد هذه الظواهر هو دخول شخص غريب إلى فضاء الجبل مما يسبب اختلال نواميسه، وعندما يكتشف شخص بلوقيا الذى اقتحم هذا العالم تعود نواميس الكون إلى حالتها الطبيعية، هذا الدور الرئيسى للكهانة والسحر هو ما كان يدير تصورات الأقدمين وأخيلتهم عن الوجود، وهو الذى حلت محله قوانين العلم فى العصر الحديث، لكن الراوية المستغرقة فى عوالم السحر والكهانة لم تشأ أن تنتبه إلى ذلك، مع أن وعيها يجمع بين الأزمنة والأمكنة، ورؤيتها تحاول اختراق الغيب دون نور العلم. أسطورة النساء:

إذا كانت الليالى هى أبرز ما تبقى فى ذاكرة الإنسانية من رؤية مقنعة تنسب لشهرزاد فإن رواية «جبل الزمرد» تكشف عن نوع من الأسى الكامن فى أعماق الإنسان من الوجود ذاته، وقد أتيح الراوية أن تجوب أكثر مدن العالم بهجة واشتعالاً بالفن، لكن أسى الروح كان الانطباع الغالب عليها، فبستان البحر تلتقى بكريم خان فى فيينا فلا تستحضر ليالى الأنس الشهيرة، بل تقول «أدرك أن ثمة ما هو مأساوى فى فيينا، فشىء ما فى المدينة العريقة يثير الأسى، إنها تبدو كطلل مجد غابر، كأنما تخبر الآخر بأن هذا هو ما تبقى من إمبراطورية كادت تحكم أوروبا كلها.

ذكرنى هذا بالأسى المغلف لذكرى أرض أسلافنا والموشوم على أرواحنا، نحن المنحدرين منها حتى ولو لم نعترف به»، ربما كان ما يترسب من الأسطورة فى أعماق الوعى الإنسانى، وما يبقى فى حنايا الروح من صولات الخيال قديماً وحديثاً هو هذه الخميرة من الحزن التى تلون وجدان الإنسان، وخاصة من هن أكثر حساسية ورهافة وتمركزاً حول العواطف وتقلباتها وهن النساء على وجه التحديد.

وعندما تتطرق الراوية العليمة لحياة نادية - أم هدير - وهى تتقمصها أحياناً، تركز فى وصفها على شعرها الطويل باعتباره مظهراً لجمالها الباهر الذى كانت ضحيته، فالحزن كان رفيقها الدائم، وتربط الراوية بينها وبين «ريميديوس» بطلة رواية «جارثيا ماركيث» التى طارت إلى السماء فى لفتة دالة، تشير إلى أن الكاتبة عايشت هذه العوالم السحرية وتمثلتها بشدة، لكنها استطاعت أن تنتزع نفسها من قبضتها المغناطيسية لتهرع لمكنونها العربى المميز والذى يفوق المكنز الأسطورى لأمريكا اللاتينية.

لكن اللافت أن هذا الجمال الذى كان كفيلاً بأن يسعد أى امرأة لم يعقبه سوى البكاء الذى كانت تعود به نادية كل يوم من المدرسة، على أننا لا نستطيع أن نفرغ من قراءة الرواية دون أن نشير لبعض المعادلات الرمزية التى تتمحور حولها، وأهمها جبل قاف الذى انتهكت أسراره وتشرد أهله، وأخذت أجسادهم تجف تحت الشمس المحرقة، وأرواحهم الملتاهة تحلق حول المشهد الأخير لأميرتهم المخلوقة من ضوء، ينظرون خلفهم فيفاجأون بالجبل وقد بدأ يفقد لونه الأخضر الزمردى تدريجياً ويصير إلى بهوت كما لو كان مثل حرباء محنطة..

فى الصباح أفاقوا ليجدوا أن كثيرين منهم قد شنقوا أنفسهم فوق أغصان أشجار المانجو وبقيت أجسادهم الخالية من الحياة معلقة كثمار عملاقة، كانوا فى معظمهم من الفريق الذى تشبثت أنظاره حتى آخر لحظة بقاف وماضيه» هل نستخلص الدلالة الأخيرة للرواية من هذا المشهد المأساوى لشنق النفس عند التعلق بأهداب الماضى والموت أسى عليه، أم نلتمس معنى آخر فى حياة «مروج» ابنة حكيم الجبل التى لم نعرض لها لكثرة تفصيلات الرواية وصعوبة الإحاطة بها فى هذا المقال، وقد خرقت مروج قانونا يحرم التدوين على المرأة مع أن النساء أقدر على الوصف والتحليل ووضع التفاصيل فى سياقها الصحيح، وهل كان انتهاك هذا الشرط الافتراضى سبباً فى لعنة الجبل أم كان وسيلة للتحرر من أغلال الماضى؟ وأيا ما كانت الأسئلة التى تثيرها رواية «جبل الزمرد» فهى بلا ريب عمل إبداعى فائق وجسور، يطرح أخيلة غرائبية، ويطمح إلى تشكيل 
شعريته الخاصة، ويشهد باقتدار كاتبته على أن تكون مفيدة لجدتها صانعة الأساطير الكبرى.

نقلاً عن المصري اليوم  

جبل الزمرد: نص يتمرد على لعنة الإرهاب




 أمل المكي
بدأت مطالعة رواية "جبل الزمرّد" مباشرة اثر استفاقتي من صدمة أحداث باردو... كان لا بدّ لي أن أهرب من بشاعة الموت إلى جمال الحياة بين صفحات كتاب... وبدل أن تمنحني الرواية الطمأنينة التي كنت أنشد، قذفت بي وسط متاهات الأسئلة المشبعة بالقلق والحيرة... إنّها رواية محرّمة على مريدي الأجوبة الجاهزة...
في شقّتها المطلّة على نيل الزمالك، ذات قاهرة 2011، تنكفئ "بستان بحر" على التّدوين بلا كلل... هي التي ولدت في ستينات القرن العشرين، على مقربة من أطلال قلعة ألموت الإيرانية، مشحونة بهاجس الإحياء... فلقد درّبها والدها مبكّرا على السّرد والحكاية وبثّ فيها ما حفظه من حكايات وقصص وأشعار، وحمّلها أمانة استعادة زمرّدة أميرة جبل قاف المختفية، وتنقية قصّتها ممّا شابها من تحريف واعتراها من نقصان...
تكتب "بستان" قصّة سقطت من "ألف ليلة وليلة"، أو هكذا توهمنا منصورة عزّ الدّين... فهي تسند لروايتها، الصادرة عن دار التنوير،عنوانا فرعيا هو "الحكاية الناقصة من كتاب الليالي" ليشتبك نصّها الحديث مع الحكاية القديمة اشتباكا بنيويا مخاتلا... في 224 صفحة مقسّمة إلى 17 فصلا سرديّا، نجحت الكاتبة في تفكيك حكاية حاسب كريم الدّين في "ألف ليلة وليلة" ومن ثمّة نقضها وإعادة كتابتها بأسلوب تخييلي مختلف. 
ولا عجب أن تستهدف منصورة عزّ الدّين كتاب الليالي بالتفكيك والنقض، باعتباره أقدم نصّ كان له وما يزال أثر في النصوص الأدبية اللاّحقة شرق اليابسة وغربها.
يتناوب الواقعي والغرائبيّ في "جبل الزمرّد" تناوب الزمان والمكان في فصول الرواية... فمن عالم ألف ليلة وليلة بشخصيّاته القصصية الأسطورية (نورسين، زمرّدة، بلوقيا، ايليا، الملك ياقوت، مروج، الرّاعي،...) وفضاءاته الغريبة (جبل المغناطيس، جبل قاف، جولستان...) إلى عالم الرواية الواقعي بشخصياته (هدير، شيرويت قنديل، كريم خان، نادية، كمال...) وفضاءاته الحقيقية (ميدان التحرير، الزمالك، مدينة ثاكاتيكاس المكسيكية...)
عالمان مختلفان متنافران لم يجتمعا إلا بقدرة محور الرواية ومركز ثقلها "بستان دريا"... كان لا بدّ للبطلة والراوية في "جبل الزمرّد" أن تكون منحدرة من بلاد فارس، حاصلة على اسم له وقع السّحر وتأثير الغرابة، مغلّفة بالغموض كبطلات الليالي، ممحونة بهاجس القصّ كشهرزاد...
تكتب منصورة عزّ الدّين فتتمرّد على قانون "قاف" الذي يقضي بمنع النساء من التدوين... كما تمرّدت "مروج" من قبلها فكتبت سيرة الأميرة زمرّدة ليكون في ذلك هلاك هذه الأخيرة وتهاوي مملكة والدها وتشرّد سكّانها...
اللّعنة محرّك أساسيّ من محرّكات أحداث الرواية بشقّيها الواقعي والغرائبي... فلعنة الملك ياقوت والد زمرّدة طالت كتاب "ألف ليلة وليلة" فـ"صار مطاردا منبوذا في ثقافته الأمّ، من يقرؤه كاملا يموت مع انتهائه من آخر كلمة فيه"... ولعنة الحنين انقضّت على نورسين والدة الأميرة زمرّدة الرّاغبة في الهرب من "قاف" والعودة إلى مدينتها جولستان فانتهت بين جذع "ملكة الحيّات" التي اعتصرتها حتى أسلمت الرّوح... ولعنة البحث عن اللّيل أصابت عيني إيليا بالظلام الدّائم فسافر إلى جبل المغناطيس بحثا عن حجر الفضّة الذي يعيد إليهما نورهما فكان مصيره الخلود في النسيان... ولعنة التدوين المحرّم على نساء "قاف" أصابت مروج وأهلكت زمرّدة ومملكة أبيها وحكمت على شعبها بالتّيه طوال قرون... أمّا في الواقع، فكان الجمال لعنة نادية، والاستسلام في مركز التحقيق لعنة شرويت قنديل، وإضاعة خاتم الزمرّد لعنة هدير...
السرّد في "جبل الزمرّد" غير متزامن، فهو عبارة عن قصص محشوّة في "صندوق" الرواية، وهو تكنيك أدبيّ انتشر كثيرا في روايات القرنين السّابع عشر والثامن عشر... لا تكتب "بستان دريا"، ومن ورائها منصورة عزّ الدين، لتخبر بل لتسائل... فيجد القارئ نفسه باذلا قصارى جهده لفهم مكنونات السّرد المغرقة في المخاتلة...
لا تكاد تقبض في الرواية على حقيقة مصرّح بها واحدة... فالترميز فيها أسلوب وغاية ... والسّؤال محرّك ثان من محرّكات الأحداث... فالراوية كما شخوص روايتها يدفعهم السّؤال إلى الرغبة في كشف المخبوء، أو تعرية الأسرار المكنونة، أو القبض على المعرفة، أو معانقة الخلود... أسئلة ورغبات تقود أصحابها إمّا إلى الجنون أو الموت...
في هذا الإطار، تعتمد منصورة عزّ الدين، على تراث أدبي وديني متنوّع... فأسلوبها في الغرائبية مشابه لألف ليلة وليلة قاطع معه في آن، ومراجعها مستمدّة من فريد الدين العطّار وابن الوردي وأفلاطون وابن فضل الله العمري، ومصائر شخصيات روايتها محكومة بمآل التاريخ في تيه آل "قاف" المشابه لتيه بني إسرائيل...
تجعل الاستعارات والرموز التي بثّتها عزّ الدين في جسد روايتها، القارئ محكوما بعبء تفكيك الشفرات... فهي تارة تسري به نحو عالم الغيب والماورائيات وتارة أخرى تعرّج به الى ميدان التحرير حيث آثار ثورة 2011 ما تزال قائمة... فالثورة المصرية، وان كانت زمنا واقعيا لكتابة الرواية، تبدو في "جبل الزمرّد" إطارا موازيا لا محورا رئيسيا للأحداث...
حصدت "جبل الزمرّد" جائزة أحسن رواية في معرض الشارقة لعام 2014، ولا شكّ أنّ لجنة التحكيم رأت فيها ما رآه كلّ قارئ أصابته الرواية بفيروس الحيرة... فهي نصّ مضادّ لألف ليلة وليلة، لكنّه يبدو مضادّا لكلّ المسلّمات التي تواضع البشر عليها...
رواية تحكي ثورة مصر دون أن تحكيها فعلا، وترافق المرتحلين إلى عوالم المعرفة الطالبين الخلود في طيّات كتاب أو رواية أو في أحضان الموت... نصّ يتمرّد على لعنة الإرهاب بنعمة السؤال... 

 نقلاً عن: حقائق أونلاين.