Friday, April 29, 2016

مارين


منصورة عز الدين

إلى مارين يونكلاوس.. هناك في دوسلدورف


أشاحت مارين بوجهها بعيداً مني، واستدارت مغادرةً. كدت أتشبث بمعطفها الرمادي الطويل، كطفلة تتشبث برداء أمها. تغادرني مارين ببطء، وعيناي تتعلقان بها أكثر. وصلتُ إلى مدينتها الغريبة اليوم فقط، ومن المفترض أنها الشخص المكلف باستقبالي وتوصيلي إلى الفندق المخصص لإقامتي، غير أنها تطلعت في وجهي للحظات ثم ابتعدت من دون أن تنطق بكلمة واحدة. كنت في محطة قطارات فخمة، نظيفة، ومزدحمة، والناس من حولي يتحادثون بلغة لا أفهمها ويتحركون بسرعة. لم أجد بداً من جر حقيبتي الصغيرة خلفي على الأرضية المصقولة لمحطة القطار، والسير في الاتجاه نفسه الذي سارت فيه مارين منذ قليل. أخذتُ أتبعها بوجل، وجسدها يتقافز مبتعداً تائهاً بين الجموع. أكاد أركض، بينما تحافظ هي على خطوها البطيء، ورغم هذا لا تتضاءل المسافة بيننا.

عبرنا شوارع، ميادين، حدائق، ومقابر، محافظتين على المسافة نفسها، والجموع ذاتها تكاد تحجب جسد مارين الصبياني النحيل عن ناظريّ. بقى خوفي وقلقي وإن كنت نسيت السبب الداعي لهما، أصبحت ملاحقة مارين والحرص على ألاّ تغيب عني هما الهدف الذي ينحصر فيه وجودي.

تلكأتْ مارين قليلاً ثم اتجهتْ نحو باب خشبي ضخم لبناية عتيقة على يمين الشارع فتركتُ حقيبتي وعدوتُ بأقصى ما أستطيع كي ألحق بها. دفعت الباب، وولجتْ إلى الداخل المزدحم بهدوء، وأنا في إثرها. فوجئتُ بالبار المعبّق برائحة التبغ والكحول. موسيقى غامضة انبعثت بقوة، ورجال ونساء سكارى، بعضهم يقف بين الطاولات، والبعض الآخر جالس إليها، يغنون بأصوات متنافرة وإيقاع بليد، ويضحكون ثم يواصلون الغناء.

كان المكان منقسماً لجزأين بينهما ممر طويل مشت فيه مارين كأنما لا تسمع الغناء المزعج ولا الموسيقى الغامضة. سرتُ خلفها محاولةً تحاشي الأيدي التي تمتد من الجانبين لجذبي كي انضم للسكارى المغنين، هززتُ رأسي لمن يرفعون كؤوسهم كأنما يحيونني، وأنا أتبع مارين وقد شعرتُ أن الممر طال أكثر مما ينبغي وأن الإضاءة تخفت كلما تقدمنا إلى الداخل.

كنتُ كمن يسير بصعوبة عبر أكوام من القطن الأبيض، غير أن مارين، في بعدها عني وعدم انتباهها لي، كانت تتحرك بخفة رغم سيرها بالبطء نفسه كأنها تقيس خطوتها بميزان حساس، يساعدها في جعل كل خطوة نسخة متطابقة من التي تسبقها من دون أدنى انحراف.

فجأة أسلمنا الممر الطويل خافت الإضاءة إلى باب أخرجنا للشارع من جديد. كان شارعاً مختلفاً عن كل الشوارع والطرق التي سرنا فيها، كأننا انتقلنا إلى مدينة أخرى أو نسخة أبهت من المدينة الأولى. ثمة ضباب خفيف يخيّم على كل شيء حولنا. الجموع ذاتها عادت تحجب مارين عني، فحاولتُ الصراخ مناديةً باسمها، لكنّ صوتي لم يطاوعني، أخذ اسمها يتردد في عقلي دون أن يخرج صوتي. اكتشفت عدم قدرتي على النطق، وانتبهت لأول مرة إلى أنه منذ خروجنا من البار المعبّق بروائح التبغ والكحول، لا وجود لأي صوت على الإطلاق: لا وقع لخطانا، لا زقزقة لأي طيور محتملة، ولا وشيش يحمله الهواء. صمت راسخ سيطر على الفضاء الذي نتحرك فيه.

ثم بدأت رائحة خفيفة تتسلل إلى الهواء، قبل أن تتزايد كثافتها تدريجياً، رائحة هجين من عبير الصندل وزهر الليمون والبرتقال والياسمين ممزوجة بروائح أخرى لم أستطع تحديدها، وإن كانت أورثتني شعوراً مبهماً بضيق ضاعف منه ازدياد الضباب لدرجة أخفت كل الأشياء عني باستثناء طيف مارين المستمر في خطوه الأبدي. 

خطر ببالي أن أتوقف عن تتبعها، لكني لم أجرؤ على ذلك. سرت خلفها كالمنومة. انقشع الضباب بشكل مفاجئ، وإن ظلت الرائحة الهجينة. ومرة أخرى عبرنا شوارع وميادين، حدائق ومقابر محافظتين على المسافة نفسها بيننا. ثابرت مارين على إيقاعها ذاته وأنا خلفها أرقبها ولا أرى سواها. بحركة هادئة طوّحت رأسها في الهواء مستديرة نحوي من دون أن تنظر فعلياً إليّ، ثم عادت لخطوها العابث غير المبالي بي. لم تستغرق التفاتتها إلا ثوانيَ معدودات لكنها كانت كافية كي أبصر في وجه مارين الشاحب قلقي، وفي تعبها إرهاقي وخوفي.

مارس 2010
قصة من مجموعة "نحو الجنون".. دار ميريت 2013.



Wednesday, April 27, 2016

مرايا حسين البرغوثي




منصورة عز الدين

"لا أرسم الجميل، بل الذي لا يُنسَى"! قال سلفادور دالي، وعلى منواله وبالتناص معه لم يطمح الشاعر والروائي والمثقف الفلسطيني حسين البرغوثي (1954: 2002) إلى كتابة الجميل بل ما لا يُنسَى. الكاتب الراحل موسوعي الثقافة، الذي لا يشبه إلّا نفسه/ ذاته المتعددة الخلّاقة، عبر سريعاً تاركاً خلفه أعمالاً عصية على النسيان وآثاراً يقبض عليها قراؤه ومحبوه كما حاول هو قبلاً القبض على حلم وثني لم يعد موجوداً.
معتمداً على "حدوس وشطحات وتخيلات" ومنصتاً لمنطق الأماكن، استنطق البرغوثي اللغة للوصول إلى ما وراءها، فتح عينيه على ما فيها من سحر وطاقة. بالنسبة له اللغة "سحر أسود" ومهارته تجلت في وصف أشياء ومشاعر وحالات "لم تُخترَع لها لغة بعد".
في حالته الشاعر ساحر؛ عرّاف يستقرئ كوناً وثنياً يغص بالإشارات والعلامات. تماهى مع تايريزياس؛ العراف الأعمى في أكثر من موضع بـ: "حجر الورد"، "مرايا سائلة"، و"سأكون بين اللوز" حيث اعترف بأنه كان ينادي نفسه بتايريزياس. هل اتخذ من هذا العرّاف الأعمى قناعاً له؟
قناع؟ أكتب الكلمة فأشعر بأنني كقارئة أخون حسين البرغوثي بشكل ما؛ أُسيء فهمه هو الذي كان هاجسه الممض أن يُساء فهمه. معه لا مجال للأقنعة السطحية لأنها "ماكياج، حفلة تنكرية، ترف، عمق التجربة هو "صدق التحول" فيها." فالشاعر "لا يلبس قناع قطة أو ثور أو شبح، مثلاً، لا، إنه يصير قطة أو ثوراً أو شبحاً."
لا أقنعة هنا، بل وجوه عدة للذات، ومرايا عديدة تتمرى فيها (الذات) وتكشف عن تعددها وثرائها بل وفصامها وشظاياها.
مع البرغوثي، لا أهمية للتصنيفات المعروفة، لا انشغال بوضع ما تقرأ تحت لافتة جنس أدبي معين: رواية، شعر، سيرة ذاتية، حيث تتصالح هذه الأجناس وتسيل الحواجز بينها وتتلاشى، ليتكثف وعيك بأنك تقرأ لكاتب لا يشبه غيره، كاتب قادر على أن يُنسِيك القواعد المحفوظة والتأطيرات الضيقة، لأنه بدل التضحية بالحرية ضحى بالقوالب.
في الأول من مايو 2002 رحل حسين البرغوثي بعد معاناة مع السرطان، كان شبح الموت مخيماً على حياته وقتها، فلجأ إلى ذاكرته إلى حكايات أهله وماضيهم وجذورهم في المكان/ الجبل. "ربما كنت أتنفس بالحكايات هواء أمكنة وأزمنة أخرى، لأشعر بفضاء مقمر آخر في داخلي، وأعود إلى "دير جواني" ما، في روحي، يمنحني قوة البدايات كي أواجه "قسوة النهايات". فالخيال طاقة." هذا ما كتبه في سيرته الفاتنة "سأكون بين اللوز" التي أعاد فيها شخصيات "دير جواني" وأشباحه وظلاله إلى الحياة.
وصف البرغوثي عودته إلى رام الله، بالعودة غير المتقنة أو غير محكمة الحبكة، لكن عودته تلك كانت وسيلته للتحديق في مرايا الذات، ولتفسير حياته انطلاقاً منها، فحين تساءل عن أية شعبة مشى فيها في بداياته، كانت إجابته على سؤاله: "ليس في طريق الوضوح، فقد عشت تائهاً ثلاثين عاماً، وليس في طريق "اللاعودة"، فقد عدت إلى الدير، وبالتالي، مشيت حتماً، في "الغموض"."

في ذكرى صاحب "الضوء الأزرق"، "حجر الورد"، "قصص عن زمن وثني"، وغيرها من أعمال، يتوقف "بستان الكتب" سريعاً أمام حسين البرغوثي وعوالمه ومراياه، على أمل أن يكون لنا وقفة لاحقة لاحتفاء موسع بصوت فريد لم ينل بعد الاهتمام المناسب لحجم موهبته وثقافته وإسهامه. 


مقدمة "بستان الكتب" بجريدة أخبار الأدب عدد أول مايو 2016.

Sunday, April 17, 2016

باصق التبغ



 منصورة عز الدين

جاءني كرجل في الخامسة والستين ذي وجه متغضن وسحابة مخيمة على عينه اليمنى، يرتدي جلباباً داكن اللون، فوقه بالطو أصفر قديم. يلف سجائره بتروٍ، وقد يمضغ بعضاً من التبغ ثم يبصقه، وهو يلفظ بكلمات مبهمة متبرماً.

كنت أرغب في كتابة قصة تحتويه، لكن جهلي بكلماته المبصوقة مع التبغ أوقفني، إذ كيف أكتب عن شخص لا أعرف ما الذي يمكن أن يقوله في موقف معين؟!

قلت سأراوغ القارئ، وأكتفي بمشهد بصري لا يفصح عما وراءه إلا بجهد ناقد متمرس، قد يتطوع لمساعدتي، فيختلق معانٍ مضمرة، فأبتسم بترفع الراوي المحايد.
لكنّ الرجل ترك ورق "البفرة" والتبغ والتفت إليّ مستهزئاً، فتراجعت، وقررت أن ألم بكل تفاصيل حياته خوفاً من أن يؤذيني ويسبقني، فيحولني إلى حكاية يرويها لزبائنه، والله وحده أعلم بما يمكن أن يدّعيه.

نسيت أن أقول إنه صاحب مقهى، حيث يمتلك كوخاً طينياً، يبعد كثيراً عن أقرب قرية، يرتاده سائقو عربات النقل المارون بالطريق، وعابرو السبيل، ونادراً ما يدخله أحد الأهالي الذين استبدلوا به آخر غير منعزل، يشاهدون فيه مباريات كرة القدم وأفلام الفيديو وما إلى ذلك.

 الخلاصة، هذا المقهى "مُعرَّش" بعروق خشبية نخرها السوس، وأحياناً ما تتسرب من بين شقوقها قطرات مطر ماكرة تتكتك ببطء على الكراسي، و"الكراوِتة" المستندة إلى الحائط، فيزوم صاحبنا، وينظر لزبائنه بقلق.

أغلق الرجل علبة التبغ الصدئة المرسوم عليها جمل كبير يتبعه آخر أصغر منه وبجوارهما نخلة عالية، وخطا إلى الزير الذي كاد أن يتحول إلى اللون الأخضر، رفع غطاءه، ومد الكوز البلاستيكي داخله، ثم قربه من فمه، وتجرع الماء بصوت مسموع، فنحيت قلمي جانباً، واختلست النظر إلى تفاحة آدم المتحركة في عنقه.

عندما عاد لجلسته من جديد، كانت تفاحة من يدعى آدم لا تزال تتحرك أمام ناظريّ، فقررت ألا أدخلها إلى القصة خشية أن تستحوذ على اهتمام القارئ مثلما فعلت معي، فتصرفه عن أمور أخرى أود التركيز عليها كانتحار زوج خالتي.

لا، لم يكن انتحاراً فلسفياً – كما يتشدق الأحمق الذي حوّل عقلي لنفاية بحديثه عن أبطال العبث المغرمين بالكم لا بالكيف – بل انتحار من قطع وريده بشفرة أخفاها طويلاً أسفل وسادته ملفوفة في قطعة ورق مهترئة، انتحار مروع يجلب معه دماءً، وصراخاً، ولعنات مصبوبة على صاحب المقهى العجوز باصق التبغ والسباب.

هذا ما حدث! انتحر الرجل المشلول، فمصمصت جدتي شفتيها وحذرتنا نحن الصغار من أن نخالف ربنا ونرتكب المعاصي كزوج خالتي سائق عربة نقل البضائع، مدمن الخمر الذي اعتاد التلكؤ في غرزة يمتلكها عجوز منكود تقع على الطريق السريع الموصل لبلبيس ليدخن الحشيش والأفيون، فانتقم منه الرب بأن أوحى له بوضع شفرة حادة أسفل وسادته.

تحذيرات جدتي ذهبت هباءً، وإن كانت قد أوحت لي بنسج تفصيلات كثيرة تخص صاحب الغرزة الذي أودى بمستقبل زوج خالتي، فتركها مرتدية السواد صامتة كعهدي بها، وترك أخرى أكثر جمالاً منها تأتي لزيارتها كل شهر. تبكيان لبعض الوقت، ثم تبدآن في الكلام، وتظهر البسمات أولاً على استحياء قبل أن تحتل كامل الوجه.

حينذاك كنت أتمسح في جلباب خالتي مستمتعة بالطقس الشهري، وكم شكرت سائق عربة البضائع الذي أتاح لي وللمرأتين مثل هذه الجلسات المتدفقة، كما شكرت صاحب المقهى الذي تلقى من اللعنات فوق ما يحتمله بشر سواء من خالتي أو من المرأة الجميلة التي كانت تأتي لزيارتها بعد أن تروي الصبّار أمام قبر المنتحر، أو من جدتي التي ظلت تمصمص شفتيها لآخر أيام حياتها قائلةً: "شوفوا ربنا!" كلما جاء ذكر زوج خالتي.

ولأنني أحب أن أشكر الناس بشكل عملي، فقد أمسكت بقلمي متتبعة صاحب الغرزة المنكود الذي أبى أن يستسلم، وفر هارباً بينما ألاحقه بقلم مشرع كالسيف.
احترت هل اختبأ مني فوق شجرة الجميز الضخمة أمام المقهى؟ أم تحت "النصبة"؟ أم في العربة التي تحولت إلى حديد خردة أمام بيت خالتي التي كانت قد حاكت لها غطاء من الشكائر القديمة وقت أن كان زوجها يرقد بالداخل؟

أقنعت نفسي بأن الرجل مختبئ في علبة تبغه الصدئة ذات الجملين والنخلة. فتحت العلبة ففوجئت به يضحك، هل ظنني ألاعبه؟

ما هي إلا لحظات وأجابني ببصقة استجمعها بجهد كبير فأغرقت وجهي. كدت أثور عليه، غير أني امتثلت لصوت الحكمة بأن نظرت حولي يمينا ويسارا فلما لم أجد أحدا في غرفة مكتبي، قررت ابتلاع الإهانة خوفاً من أي تصرف غير محسوب يُغضب الرجل مني، ويجعله يمتنع عن البوح بسر الكلمات المبهمة التي بصقها مع التبغ، أو بسر علاقته بزوج خالتي الذي أصيب بالشلل بعد حياة حافلة بالصخب والنساء والأفيون.

كان مزهواً بانتصاره المتساقط على وجهي، فخرج من العلبة، وجلس كما التقيته أول مرة يلف سجائره بتروٍ. مضغ التبغ لبعض الوقت، فأخفيت وجهي بسرعة إلا أنه بصقه في الناحية الأخرى، وهو يلفظ بكلماته المبهمة متبرماً، فلعنت كل الأشياء لعجزي عن الوصول لكنه ما قيل رغم انصاتي الجيد.


امتدت يدي إلى مناديل "الكلينكس" على المكتب وجففت وجهي بأحدها فيما تربع العجوز أمامي رامقاً إياي بظفر مختلط بالشماتة.

قصة قديمة من مجموعتي القصصية الأولى "ضوء مهتز" - دار ميريت 2001.

العامية المصرية.. بديل للفصحى أم غيتو لغوي؟


منصورة عز الدين




« ما شعورك وأنت تكتبين بلغة يُنظر إليها كلغة مقدسة؟»

سؤال وجهه لي كاتب مكسيكي في ندوة قبل سنوات خمس، وبرعونة واستخفاف أجبته بأن منطق اللغات على تعددها واحد، وأني كي أتحرر من سطوة العربية أحاول نسيان أنها إحدى أقدم اللغات المستعملة حتى اليوم، وأسعى لتطويعها وإخراجها من حيز المقدس إلى حيز العادي والمألوف.

كنت كمن ينتقم من كل إخفاقات علاقته بلغة لا يملكها، لأن لا أحد يملك لغة «أهل الجنة»، «لغة الله».

حدثت السائل عن الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية، عن العامية المصرية بحيويتها وديناميكيتها وتعددها، وعن أن العربية الفصحى، بالنسبة لي، لغة كتابة لا أكاد أسمعها في حياتي اليومية، فقط أقرأ وأكتب بها، كأنما استحالت لغة صامتة مستقرة في حروف ورسوم مطبوعة بين دفتي كتاب.

فعلى العكس من رأي د. إبراهيم أنيس الخاص بأن العربية لغة أذن وليست لغة عين، صارت الفصحى بالنسبة لي، لغة عين لا لغة أذن، لغة أقرأ بها وأرى حروفها وقلما أسمعها، ومع هذا حين أكتب مقطعاً روائياً، لا أطمئن إليه إلّا إذا قرأته بصوت عالٍ بحثاً عن إيقاع داخلي أسعى إليه، فبالقراءة وحدها تبدو لي نتوءات الجمل ومفرداتها الزائدة.

سؤال الكاتب المكسيكي رافقني طوال الوقت. كنت أسأله لنفسي بطرق مختلفة، كيف ككاتبة، أشعر بحريتي مع اللغة وارتياحي فيها، حين تكون هذه اللغة ليست حرة بالدرجة التي أتمناها، حين تكون ملتصقة بجذورها أكثر مما ينبغي وغير قادرة على التطور بما يلائم العصر؟ أو كي أكون دقيقة، لغة تتطور، لكن تطورها الأكثر حيوية يُنظر إليه كمسار غير شرعي، كلغة مدنسة تشوش على اللغة النقية المشتهاة، والمفارقة أن من ينصبون أنفسهم حماة لها هم، في الغالب، الأكثر معارضة لتطورها وعصرنتها، أي الأكثر إيذاءً لها.

حلي الوحيد، في هذه الحالة، أن أتناسى قداستها المفترضة، أن أمارس حريتي في التجول بين مستوياتها وعصورها المختلفة، أن أقرأ «فقه اللغة» للثعالبي كنص فني، وأن أغوص بالساعات في «لسان العرب» بلا غرض سوى المتعة، وأن أصالح بين المستويات المختلفة للعربية فصحى أو عامية بحثاً عن معجمي الخاص المتوائم مع إيقاعي الداخلي.

التمرد على اللغة في حالة العربية، قد يتحول فوراً إلى صدام مع المقدس، لكن ربما ليس لي كمصرية أن أشكو. فالمصريون لهم تراث كبير من التمرد على اللغة العربية القديمة بل والتمثيل بها وتهجينها بالعامية. هم أيضاً متهمون بعدم إجادة الفصحى وعدم الإخلاص لها كما ينبغي. أن أكون كاتبة مصرية في الألفية الثالثة، يعني أن هناك معارك لغوية عديدة حسمها آبائي من الكُتَّاب، أو على الأقل طرحوها للنقاش، بحيث لم تعد مثار استهجان. لن يتردد روائي مصري شاب، على سبيل المثال، قبل كتابة الحوار بالعامية، يوسف إدريس لم يكتف باللجوء للعامية كلسان لشخصياته، بل هجّن بها السرد منذ الخمسينات، ويحيى حقي وصل بالعربية إلى درجة قصوى من السلاسة والدقة والبعد عن الترهل، وتوفيق الحكيم قدم تجربته في التقليل من صرامة اللغة عبر ما أطلق عليه «اللغة الثالثة، ونجيب محفوظ، بالرغم من تعاليه على العامية ونظرته إليها كمرض ينبغي التخلص منه، لا يمكن تجاهل الجهد الذي بذله في تطويع العربية الفصحى وترويضها لتناسب فن الرواية، وتكفي المقارنة بين لغة بداياته ولغته في أعماله الأخيرة للمس مدى مشقة المشوار الذي قطعه على مدى عقود.

لكن من جهة أخرى، لا يجب نسيان أنه في الكتابة والفن عموماً، لا أحد يخوض المعارك نيابةً عن أحد. فكل كاتب في ما يخص اللغة التي يكتب بها يواجه تحديات ومشكلات خاصة به انطلاقاً من رؤيته لعلاقة اللغة بفن الرواية ودورها فيه، وانطلاقاً من علاقته هو بلغته وغرضه منها.

أشدد على أن من عطايا الفن الروائي للروائيين، أنه يمنحهم الفرصة للتقمص، ليس فقط تقمص شخصياتهم الفنية بأفكارها ومشاعرها، إنما أيضاً إن أرادوا تقمص اللغة المفترضة لهذه الشخصيات.

من هنا أنحاز للعامية في الحوار بين الشخصيات، إذ تمنح العمل الروائي حيوية مضاعفة. والتنقل بين مستوياتها وفقاً لكل شخصية يحقق مزيداً من التنوع ويوضح الاختلافات بين الشخصيات، فعامية مثقف قاهري تختلف عن عامية ريفية غير متعلمة في دلتا النيل، وعامية شاب يعيش في الألفية الثالثة تختلف عن تلك التي تتحدث بها شخصية أكبر في ثمانينيات القرن الماضي، وهكذا.

أشدد هنا، على أن للغة العامية جمالياتها وحمولتها الشعرية الخاصة على عكس ما يراه كثيرون من محتقريها، ولم يفاجئني أبداً أن الكتاب المصريين الأكثر انفتاحاً على جماليات العامية كانواً من أكثر الكتاب إجادة للفصحى وتذوقاً لها يحضرني هنا، على سبيل المثال لا الحصر، أسماء: يحيى حقي، محمد مستجاب، وعبد الفتاح الجمل الذي مثّلت روايته البديعة «محب» ما يشبه دراسة لغوية إبداعية عن أصول العامية المصرية وعلاقتها بالفصحى.

في روايتي الثانية «وراء الفردوس»، وهي بالمناسبة أكثر ما كتبت انفتاحاً على العامية المصرية، كان لدي طموح مجاورة أساليب لغوية مختلفة: الفصحى المحايدة نسبياً في سرد الراوي العليم، وفصحى ذاتية حميمة في المقاطع التي تكتبها البطلة سلمى، عامية الحواديت الشعبية في مقطع يتناول حدوتة شعبية مصرية بعنوان «كمونة»، وعامية دلتا النيل الريفية في الحوار على لسان الشخصيات الريفية في العمل، وأيضاً محاولة محاكاة عامية الأجانب ممن لا يجيدون اللغة العربية بدرجة كافية من خلال رسالة مرسلة من كريستا الألمانية لهشام، وهذا الجزء تحديداً كتبته مترددة كأنما أرتكب جرماً.

وأنا أكتب «وراء الفردوس»، كان في ذهني تخيل مفاده أن تجاور هذه المستويات المختلفة للغة بإمكانه إضفاء المزيد من الحيوية والواقعية والدقة على الرواية. أحب الفصحى، ولا أتخيل أنني قد أكتب مستقبلاً رواية بالعامية، بل لا أتذوق كقارئة الروايات المكتوبة بالكامل بالعامية، لكنني ككاتبة أتعامل مع اللغة العربية بمستوياتها المختلفة بشكل براجماتي بحت، آخذ منها ما يناسب الطموح الفني لكل عمل أكتبه، لست محامية مهمتها الدفاع عن الفصحى، ولا أهتم كثيراً بالألفاظ القاموسية الجافة ولا إن كانت هذه اللفظة أو تلك صحيحة تماماً معجمياً واستخدمها القدماء في كتاباتهم أم لا، يكفيني أنها لفظة حيّة وتسد نقصاً موجوداً في لغة كادت تتيبس بفعل أصولية لغوية تتناسى أن اللغة، أي لغة، كائن حي إن لم ينفتح على جديد الألفاظ مات. كم من كلمات في اللغة الإنجليزية، مثلاُ، نحتها كُتّاب ومفكرون وصارت جزءاً أصيلاً من الإنجليزية الحديثة، وكم من كلمات أخرى تغير معناها من زمن لآخر. يحدث هذا طبعاً وبغزارة في العربية، لكنه يظل في خانة اللغة «المدنسة» غير القاموسية، هذا إذا اتبعنا على المعيار الذي وضحه السيد رمضان عبد التواب خبير اللهجات بمجمع اللغة العربية في القاهرة في الاقتباس المذكور في بداية كلامي.

لم أنشغل بهذا من قبل، لأن العامية ولغة الحياة كانت دائماً تقدم حلولاً مبتكرة لا أترفع عن اللجوء إليها، لكن حين طُلِب مني أن أكتب نصاً للنشر ضمن أنطولوجيا أميركية عن ملابس النساء، وقفت وجهاً لوجه أمام عجز اللغة الفصحى عن التعبير عن كثير من مظاهر الحياة اليوم.. تمثلت مشكلتي في إيجاد مرادفات عربية دقيقة لبعض قطع الملابس العصرية، العامية المصرية في هذه الحالة تستعير المفردة الإنكليزية، أما أنا ربما لإدراكي أن النص سوف يُترجم إلى الإنكليزية - فكنت أشعر بالحرج في كل مرة أكتب فيها اسم قطعة ثياب بالإنجليزية لعدم وجود مرادف عربي دقيق لها.

كأن وعيي بترجمة النص الذي أكتبه للإنكليزية جعلني أرى لغتي الأم في مرآة لغة أخرى ودفعني للإيمان أكثر بوجوب تقليص الفجوة بين العاميات العربية على تنوعها وتعددها وبين الفصحى الرسمية، لمصلحة الفصحى نفسها قبل أن تتحول تماماً إلى لغة ميتة خرساء مسجونة في قواميس يحميها كهنة اللغة.

الخطوة الأولى لتحرير اللغة العربية تتمثل في أن نحتلها، بتعبير هـ. سامي. عالم، الذي دعا إلى احتلال اللغة في مقال نُشِر في النيويورك تايمز في 21 ديسمبر 2011، وأشار فيه إلى المفارقة الكامنة في اختيار حركة اجتماعية تقدمية مثل «احتلوا وول ستريت» لمفردة «الاحتلال»، مع كل ما تحمله من دلالات سلبية، عنواناً لها.

لم يُدِن عالِم هذا الاختيار، ولم يطالب الحركة بتغيير اسمها إلى «حرروا وول ستريت» كما فعل آخرون، إنما توقف أمام كيفية نجاح ناشطي «زوكوتي بارك» في إحداث تغيير جذري في الطريقة التي يفكر فيها الناس في مفردة «الاحتلال»، إذ قبل سبتمبر 2011 كانت تشير إلى الغزو العسكري، ثم صارت تستدعي إلى الذهن على الفور الاحتجاج السلمي المناهض للرأسمالية، وتدل على الوقوف في وجه انعدام العدالة وإساءة استخدام السلطة.

لقد ابتكرت حركة «احتلوا وول ستريت» وفقاً لعالم - معنى جديداً لمفردة قديمة، وحررتها من حمولتها الثقيلة السابقة. وفق هذا المعنى يصير «احتلال اللغة» بمثابة الاستحواذ عليها وتغييرها من الداخل.

وفي رأييّ أننا أحوج من غيرنا إلى «احتلال اللغة» بالمعنى الذي يقصده سامي عالِم، أي إعادة تشكيلها واخراجها من معانيها الجامدة إلى آفاق جديدة. غير أننا كي نصل إلى هذا، علينا أولاً اجتياز مرحلة أولية أكثر صعوبة، هي أن نسمي الأشياء بمسمياتها، بدلاً من الاستسلام لآليات استخدام اللغة كأداة تضليل وقهر وإفساد، وأن نحرر اللغة العربية من التعبيرات الخشبية والصيغ الجاهزة والكليشيهات.

وهو ما نجح فيه الشباب من مستخدمي الفايسبوك إلى درجة كبيرة خاصة قبل ثورة يناير مباشرة وخلال السنة الأولى التالية لها. فبالتوازي مع ثورة الميادين كان هناك ثورة أخرى على مستوى اللغة، تسعي إلى القطيعة مع لغة فاسدة متواطئة تبناها النظام السابق، وتنحاز إلى أخرى حيوية دقيقة تعبر الكلمة فيها عن معناها. بدت اللغة على الفايسبوك، وقتها، مقتحمة مشاكسة وبالغة القسوة والذكاء في تعريتها خراب الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، وفي سخريتها من كل شيء بما في ذلك الذات والثورة، يحضرني هنا شعار: «الثورة متنيلة بنيلة مستمرة»!

واللافت أن هذه اللغة كانت تتألق وتصل إلى أقصى مستوياتها التعبيرية خلال فترات قوة ونجاح الثورة، وتترنح وتميل إلى التقليد والخمول في فترات الاخفاق والتراجع.

لكن بشكل عام، وبعيداً عن 25 يناير، يبدو الفايسبوك المصري، حتى لكثير من المصريين، كغابة من الشيفرات والطلاسم الغريبة، كأن العامية المصرية تحولت من خلاله، من وسيلة للتواصل بسهولة مع أكبر قدر ممكن من الناس، إلى وسيلة للتواطؤ المشترك بين جماعة شبه مغلقة على من فيها.

المفردات تتغير بسرعة هائلة، ولا يمر يوم دون قراءة تعبير لا أفهم المقصود به في البداية، ثم أكتشف أنه إحالة ضمنية مستلة من فيلم أو مسرحية أو جملة لأحد المشاهير.

هذه «الحيوية» الزائدة عن الحد، تبدو كانتقام هستيري من ثبات الفصحى وجمودها، بالمبالغة في التغير والاختلاف.

لغة الشباب المصري على الفايسبوك ليست منبتة الصلة بلغتهم في الشارع بطبيعة الحال، إذ تجد ماضيها في ما أطلق عليه علماء الاجتماع في السابق «اللغة السرية»، لكن تأمل هذه اللغة مكتوبة ومعروضة علناً بهذه الطريقة يلقي الضوء عليها أكثر ويبرز سماتها وجوانب غرابتها.


عامية المصريين على الموقع الأزرق خليط من كل شيء وأي شيء، فهي تدين للأفلام والأغاني والبرامج الشهيرة بكثير من مفرداتها كما أغنتها ثورة يناير بمادة هائلة من الأحداث والمفردات والتعبيرات التي صارت أشبه بأقوال مأثورة مجرد النطق بها يستدعي خبرات ومشاعر جمعية حميمة، وبالتالي من الصعب بل من المستحيل ترجمتها إلى الفصحى، لأنها ليست مجرد كلمات إنما علامات وإشارات لخبرات عاطفية متراكمة ومشتركة.

مقطع من شهادة طويلة بالعنوان نفسه شاركت بها في فبراير 2015 في ملتقى "اللغة العربية وشبكات التواصل الاجتماعي" ببيروت. الشهادة كاملة نُشِرت في كتاب "العربية على محك شبكات التواصل" الذي صدر مؤخراً في بيروت عن جمعية "أشكال ألوان". الكتاب حرره د. أحمد بيضون ومنال خضر، وشارك فيه كل من: د. أحمد بيضون، د. عماد عبد اللطيف، د. فريدريك لا غرانج، هلال شومان، يوسف بزي، رستم محمود ومنصورة عز الدين.

Monday, April 4, 2016

كنا شهوداً على إفساد اللغة وإخراج الكلمات عن معانيها



منصورة عز الدين

كنت في قرابة الرابعة من عمري حين تولى حسني مبارك حكم مصر خلفاً لأنور السادات، ربما تكون هذه المعلومة هي أول ما وعيته عن العالم خارج حدود عائلتي. كانوا يسألونني عن اسم الرئيس الجديد، فأجيبهم بفرحة من يعرف معلومة مهمة، ويضحكون هم من حماستي وطريقة نطقي لاسمه.

وطوال ثلاثين عاماً ظلت الإجابة عن اسم رئيس مصر واحدة لا تتغير، لذا أزعم أن الجيل الذي أنتمي إليه والجيل التالي له، يعرف الكثير عن معنى أن يعيش المرء حياة كاملة من الركود والموات. تمر السنوات ولا شيء يتغير: الوجوه نفسها، أو نسخ بديلة أسوأ من سابقتها، الكلمات والأفكار مكرورة، والأحلام تُسرق أو تتحول الى كوابيس.

نحن، أطفال الثمانينات، نعرف الكثير عن اللاشيء واللاأفق، عن خطابات طويلة مستهلكة حول البنية التحتية، والخطط الخمسية المزعومة، و"أزهى عصور الديموقراطية"، و"الضربة الجوية" التي صدّعوا رؤوسنا بها لسنوات، لدرجة أن أحدهم كتب في صفحته على موقع الفيس بوك في الذكرى الأخيرة لحرب أكتوبر: "يا ريته ضربنا إحنا الضربة الجوية وحكم إسرائيل 30 سنة"! هذه الأمنية/ النكتة التي انتشرت بسرعة كبيرة في الصفحات الأخرى كانت لسان حال جيل كامل ملّ الأكاذيب والفساد والتدليس وقرر فجأة الخروج من خانة الأمنيات الى خانة الفعل. جيل كان شاهداً منذ سنواته الأولى على إفساد اللغة وإخراج الكلمات عن معانيها الحقيقية الى معانٍ أخرى مناقضة، بحيث تصير "الحكمة" مرادفاً للبلادة، وتصبح حريتهم المدّعاة مرادفاً للديكتاتورية والطغيان.

"جرّبنا كتير أزهى عصور «الديموقراطية»"، خلينا مرة نجرّب أزهى عصور «الديكتاتورية»، هكذا أخبرني أحد الشباب المتحمسين في طريقه لميدان التحرير. كنت سعيدة به ومعه. الجميع متفائل رغم الدموية والعنف من جانب قوات الشرطة والأمن المركزي، الجميع مصمم على هدفه الأساسي وهو الإطاحة بالنظام الحاكم والمشاركة في خلق مصر جديدة من دون التنازل عن خفة الدم والروح الساخرة رغم صعوبة الموقف. اتسمت الهتافات والشعارات بطرافة ليست غريبة على المصريين، أحدهم رفع لافتة مكتوباً عليها: «عفواً.. لقد نفدت مدتك»، وآخر كتب: «يا مبارك يا طيار.. الطيارة في المطار»، وثالث كتب على صورة الرئيس: «انتهت صلاحيته في 25 يناير». أجواء كرنفالية اتسمت بها المظاهرات الحاشدة بعد انسحاب الشرطة والأمن المركزي ونزول الجيش الى الشوارع، فالقوات المسلحة، حتى كتابة هذه السطور، لم تخيّب ثقة الشعب فيها، على الأقل لجهة عدم دخولها في مواجهة معه واعترافها العلني بشرعية مطالبه. شتان بين الحشود المليونية المنددة بمبارك ونظامه في ظل وجود الجيش، وبين الحشود الهادرة بالمطالب نفسها وهي تعاني من بطش قوات الشرطة والأمن المركزي وعنفها الدموي الذي أدى لسقوط مئات الشهداء وحوّل الشوارع والميادين الى ساحات حرب ضد الثائرين العزّل. منذ البداية، تقمّص مبارك دور الفرعون.. بالغ في تجاهل مطالب الثائرين وترك لحبيب العادلي برجاله المدربين على العنف والتعذيب المنهجي مهمة قهرهم ووأد ثورتهم من دون أن يظهر هو لمدة ثلاثة أيام. بلغ عنف أجهزة الأمن ودمويتها الحد الأقصى يوم جمعة الغضب من دون أن يثير ذلك أي خوف أو تراجع وظل الثوار على صمودهم. ومع نزول الجيش الى شوارع القاهرة مساء الجمعة، بدا واضحاً أننا أمام إعلان فشل النظام وأجهزته الأمنية التي اختفت من كل مكان في خيانة كاملة للشعب لم تشهد مصر مثيلاً لها من قبل. نزول الجيش بدا كأنه بداية لحقبة جديدة مفتوحة على احتمالات شتى.. ورغم كل هذا لم يظهر مبارك إلا بعد منتصف الليل بكلام إنشائي متعالٍ يقفز فوق الحقائق ويؤكد من جديد المدى البعيد الذي وصل إليه من الانفصال التام عن الشعب والاحتقار لإرادته، لذا كان من الطبيعي أن يزيد الشارع اشتعالاً بمجرد انتهاء مبارك من خطابه الأول.

رغم مأسوية الوضع بالنظر الى أن نظام مبارك ومنذ بداية الثورة قد احتجز الشعب المصري كرهينة شبه معزولة عن العالم ومحرومة من أبسط وسائل الاتصال الحديثة، وبالنظر الى دماء الشهداء التي أغرقت الشوارع والميادين، وأعمال السلب والنهب وترويع الآمنين، رغم كل هذا لم يخلُ الوضع من مسحة كوميدية، وإن كانت سمجة وحارقة للأعصاب، تمثّلت في هذه الاستماتة، من جانب مبارك، في التشبث بالكرسي مع ضربه عرض الحائط بمصلحة مصر وإرادة شعبها.

المتابع لصفحات المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي في السنتين الأخيرتين، سيعرف أن نفوسهم تحوّلت الى مراجل تغلي بالثورة والغضب، وإن تلوّن هذا الغضب بالسخرية المريرة القريبة من اليأس.

قبل ثلاث سنوات خرجت جماعة 6 أبريل من الفيس بوك الى أرض الواقع مدشّنة ثقافة الإضراب والتظاهر الشبابي لشباب من خارج دوائر المعارضة التقليدية المتكلسة. وجاء الشهيد خالد سعيد الذي تم تعذيبه حتى القتل على يد الشرطة ليزيد وعي الشباب الصغار بالسياسة. بسرعة البرق أصبح الوجه الوديع الباسم لخالد سعيد أيقونة مصرية على مواقع الإنترنت ودلالة على المدى البشع الذي وصل إليه التعذيب وعدم احترام حقوق الإنسان في دولة تتباهى بأن جذورها تعود الى فجر التاريخ. لا بد أن آلاف المتظاهرين كانت في أذهانهم صورة خالد سعيد وهم يندفعون الى الشوارع والميادين، في طول البلاد وعرضها، خصوصاً أن عيد ميلاده التاسع والعشرين توافق مع يوم الخميس السابق على جمعة الغضب. شخصياً لم تفارقني صورته منذ الثلاثاء 25 يناير وحتى الآن.

فما شهدناه من ثورة شعبية في جميع المدن والمحافظات المصرية أعاد الى الأذهان بقوة كل ضحايا التعذيب وانعدام العدالة الاجتماعية في مصر مثل خالد سعيد وعبدالحميد شتا الذي انتحر قبل سنوات بعدما حُرم من العمل كملحق تجاري رغم نبوغه العلمي بحجة أنه «غير لائق اجتماعياً». لأجل هؤلاء جميعاً ولأجل أمثالهم ممن تم وأد أحلامهم وحُرموا من أبسط حقوق العيش الكريم في ظل تنامي الفساد وازدياد سطوة رجال الأعمال المقرّبين من النظام الحاكم قامت ثورة الغضب. التي بدأت بشباب الفيس بوك وتويتر، ثم توسعت لتشمل الشعب المصري بجميع أطيافه وفئاته. يوم جمعة الغضب 28 يناير وفي قلب الأحداث أدركت تماماً أن الثورة لم تعد ثورة الشباب وحدهم. قبل المظاهرة التي خرجت من جامع عمرو بن العاص قلت لصديقتي هالة صلاح الدين يبدو أننا الوحيدتان القادمتان من أجل التظاهر. ردت بأن الأمور ستتضح بعد قليل. كنت أبحث عمن يشبهوننا، من خريجي الجامعات ومستخدمي الفيس بوك وتويتر، ولا أجدهم. ما أن انتهت الصلاة حتى فوجئت بأن النساء البسيطات المجاورات لي هن أول من هتفن بسقوط النظام. كن يهتفن بحماسة وعزيمة لم أشاهدها من قبل. خجلت من نفسي لحظتها. إذ كيف لم أدرك أن ما يحدث في مصر هو ثورة شعبية حقيقية وصلت الى كل طبقات المجتمع. في مظاهرة أخرى بوسط المدينة رأيت فتاة شابة تبكي بحرقة وتصرخ كأنها فقدت عزيزاً منذ قليل، هذه الجميلة الباكية مثل غيرها من ملايين المصريين إن لم تكن فقدت أحد أقاربها في عبّارة غارقة، فقد يكون احترق في قطار من قطارات الصعيد، أو غرق، في طريقه الى إيطاليا، في أحد قوارب الموت، أو عانى من المرض نتيجة المبيدات المسرطنة ومياه الشرب الملوّثة، أو حتى وببساطة قد تكون مثلنا جميعاً شاهدت عن قرب كيف تُسرق الأحلام وتُحتقر إرادة الشعب ويتم تزوير صوته.

أزعم أن وعياً جديداً تفتّح بين المصريين. طوال الأيام الماضية نتفاجأ ببسطاء ربما لم يذهبوا حتى الى المظاهرات، لكنهم يدركون مغزاها وما تمثله. عامل البناء في البناية قيد الإنشاء المجاورة لبيتي كان يردد بصوت مرتفع لآخر يهاتفه من خارج مصر: «الجماهير صحيت ومفيش مفر من إنه يرحل»، يجادله الطرف الآخر، على ما يبدو، فيرد بفرح واثق: «الثورة مش هاتقف إلاّ إذا تنحى.. صدّقني». طفلتي ذات السنوات الثماني التي رجتني مساء الخميس ألّا أشارك في جمعة الغضب وأن أظل معها، هي نفسها التي سألتني مساء الجمعة عبر الهاتف بعد اضطراري للمبيت خارج البيت: «متى سيرحل مبارك كي تستقيم حياتنا؟». على طريقتها بدأت في التعاطي مع ما يحدث حولها من خلال أسئلة توجهها وإجابات تتلقاها ثم آراء تكونها بناء على ما تسمعه وما تراه على شاشات التلفاز. تتصل بي كل ساعة تقريباً - وأنا في بيت صديقتي هالة المطل على مشهد عنيف مجنون وباعث على الأمل في آن واحد لتعرف معلومات أكثر عن مطالب المتظاهرين وسمات النظام الحاكم في مصر.

قلت لنفسي سوف أخبرها بمجرد عودتي أن الحل لا يتمثل فقط في رحيل مبارك أو الإطاحة بنظام أثبت فشله المرة تلو الأخرى، فالفساد في مصر ضارب في الجذور، وعلى مدى عقود طويلة جداً تحوّل الى نمط حياة. مشاكلنا تبدأ من قاعدة الهرم، من نظام تعليمي مهترئ يساهم في تغييب العقل، ونظام صحي يحتاج الى الكثير من الجهد، ومؤسسات لا تقوم بدورها ومنظمات مجتمع مدني تم خنقها والتضييق عليها طويلاً، ودورنا جميعاً أن نتّخذ من 25 يناير نقطة انطلاق للمساهمة في خلق مصر جديدة أكثر ديموقراطية وعدالة.

لكنني حين عدت لم أجد الوقت الكافي كي أقول لها أياً من هذا، فيوم السبت 29 يناير كان يوماً مجنوناً بامتياز. فمع انتشار عمليات السلب والنهب والسطو المسلح، وبينما يُطلق الرصاص بكثافة أسفل البناية التي نقيم فيها، ويتعالى الصراخ فيما يحاول بلطجية مسلحون تحطيم البوابة الحديدية بالأسفل، لم أستطع، وسط خوفي على نادين ومحاولاتي اليائسة للاتصال برقم الإغاثة التابع للقوات المسلحة، أن أفسر لها حتى سبب انسحاب أجهزة الأمن المفاجئ من كل أنحاء الجمهورية، ولا كيف تم إطلاق السجناء من كثير من السجون المصرية. وبالأساس لم أجد رداً يقنعها حين سألتني عن كيفية تحوّل وظيفة أجهزة الأمن من حماية الشعب الى إطلاق الرصاص عليه والعنف الدموي ضده. أخبرتها فقط أن الاستقرار يتحوّل الى وهم وأكذوبة إذا جاء على حساب كرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة.


كُتبت المقالة قبل موقعة الجمل (2 فبراير) ونُشرت في جريدة المستقبل اللبنانية (ملحق نوافذ) بتاريخ 6 فبراير 2011 

Sunday, April 3, 2016

الجزيرة.. فكرة الأرض وجوهرها


منصورة عز الدين

في أولى رحلات السندباد البحري وصلت السفينة إلى ما ظنَّه ركابها جزيرة جميلة، استراحوا وأشعلوا ناراً فتحركت الجزيرة المزعومة التي لم تكن سوى حوت عملاق نائم، تسابق الركاب على صعود سفينتهم فنجا بعضهم وغرق البعض الآخر.
ويُهيأ إليّ أنه في عصر الاحتباس الحراري والمشكلات البيئية التي لا تُحصَي، فإن الجزر على إطلاقها فيها شيء من هذه الجزيرة/ الحوت، أي فيها شيء من الخطورة والتهديد بالغرق.
ويكفي فقط أن نتخيل كم عدد الجُزُر التي ستظل صامدة خلال العقود القادمة، إذا صحت النبوءات الخاصة بارتفاع منسوب البحار، في مقابل عدد الجزر التي قد تبتلعها المياه.
لكن بعيداً عن هذه التصورات الكابوسية تظل الجزر قادرة على إثارة الخيال والمثول كفردوس ممكن ومرفأ أمان بعيداً عن ضغوط الحياة وإيقاعها السريع. لكنه فردوس مخاتل قد يحمل بين طياته بعض صفات الجحيم، ويحضرني هنا مثال صغير لطالما انبهرت بجماله المترائي لي من بعيد قبل أن أعاين بنفسي ما يتهدد هذا الجمال من قُبح ومشكلات. المثال المقصود هو جزيرة نيلية صغيرة تُدعى "جزيرة الذهب".
في مواجهة حي المعادي القاهري الراقي تقبع "جزيرة الذهب" هادئة في قلب النيل.
من ينظر إليها من إحدى ضفتيّ النهر سوف يؤخذ بنخيلها ونباتاتها وسوف يسأل نفسه مندهشاً كيف حافظت على عالمها الريفي البسيط كما هو دونما تأثر بقسمي مدينة القاهرة شرق وغرب النيل، فجزيرة الذهب من بعيد وعد بطبيعة نقية وجنة لم يعبث بها الإنسان. مكان ريفي يعيش أهله على الزراعة وصيد الأسماك وتربية الماشية ويقصده الفنانون للتأمل والهرب من الصخب والضجيج.
غير أن التوغل في جزيرة الذهب وعالمها الخاص يكشف أن هذه الجنة المتخيلة تضمر بداخلها جحيماً، إذ لا يوجد في الجزيرة مستشفى أو مدرسة أو قسم شرطة، أو صرف صحي وينتقل سكانها منها وإليها عبر معدية خشبية متهالكة، أي أنها باختصار تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية ويعاني أهلها من الفقر والإهمال والأمية التي ترتفع نسبتها في الجزيرة الصغيرة إلى 90%، وهي المعاناة التي لخصها أهالي الجزيرة مراراً بقولهم إنهم يشعرون أن جزيرتهم لا وجود لها على الخريطة المصرية.
لا مبالغة في هذه الشكوى، فعزلة جزيرة الذهب الموجعة واختلافها البيّن عن الأحياء المطلة على النيل على مقربة منها، يشعران زائرها أنها تقع في فجوة زمكانية تفصلها عن المدينة من حولها، كأنها عالقة في زمن غابر ومنطقة لا مرئية مهمشة.
قد لا تصلح حالة جزيرة الذهب النيلية الصغيرة معياراً نقيس عليه أحوال الجزر الأكبر في المحيطات والبحار، لكنها بالتأكيد تحوي سمات تدل على جوهر الجُزر وفكرتها، وأقصد بها قدرتها على جمع المتناقضات، على التأرجح بين كونها جحيماً أرضياً وجنة مبتغاة. فالعزلة التي توفرها الجزر والهدوء الذي يسمها والجمال المتمثل في نباتات وشواطئ وطبيعة ساحرة، قد تكون مقرونة بانقطاع عن العالم وصعوبة في الانتقال إلى الخارج، وقلة في الموارد الطبيعية. والامتداد الأزرق الرائق المحيط بها والمكمِّل لجمالية مشهدها هو نفسه الحاجز الطبيعي القاهر الذي كافح أبناء الجزر القدامى لترويضه والتحايل عليه.
هذا الاحتواء على الفكرة ونقيضها بان أيضا في استطلاع سريع سألت فيه قرابة ستين صديقاً عن أول ما يرد إلى أذهانهم ما أن تُذكر أمامهم كلمة "جزيرة" وكم اندهشت حين تشابهت الأجوبة وتمحورت حول نقاط بعينها تعكس ثنائية الجنة/ الجحيم:
ملجأ، مهرب من ضغوط الحياة، عزلة، جنة، روبنسون كروزو، هاواي، استرخاء، إجازة، وحشة، خوف، سجن. لكن كي أكون دقيقة كان من الواضح كثرة الآراء التي عكست الجزيرة كجنة، عن تلك التي قرنتها بالخوف والوحشة والسجن.

من جهة أخرى نجد أنه من اللافت للنظر أن الأصل اللغوي لكلمة "جزيرة" في اللغة العربية يشير إلى هشاشة وعدم ديمومة الجُزر واستثنائيتها، ففي المعجم القديم "لسان العرب" جاء أن "الجزِيرةُ أَرضٌ يَنْجَزِرُ عنها المدُّ. الجزِيرةُ أَرض في البحر يَنُفَرِجُ منها ماء البحر فتبدو، وكذلك الأَرض التي لا يعلوها السيل ويُحْدقُ بها، فهي جزيرة. الجزيرة واحدة جزائر البحر، سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأَرض".
كأن أصل "الجزيرة" أن تكون مغطاة بالماء وتظهر فقط حين ينحسر عنها، كما أن الانقطاع عن معظم الأرض سمتها الأساسية!
لكن هل الانقطاع عن الأرض لا يحوي نقيضه هو الآخر؟ الإجابة تأتينا من تاريخ العالم القديم ذلك العالم الذي مثَّل البحر المتوسط مركزه الرئيسي وموطن كثير من حضاراته، فلطالما لعبت جُزر البحر المتوسط مثل صقلية وسردينيا وقبرص وغيرها دوراً مهماً كنقاط اتصال ثقافية بين الحضارات المختلفة، كما تنافست عليها القوى العسكرية الطامعة في مد نفوذها خارج أراضيها.

تكلمت في ما سبق عن الجُزُر وفقاً للتعريف الجغرافي المحدود، لكن ماذا لو غيرت زاوية الرؤية وجازفت بقول إن الجزيرة هي الأصل، هي فكرة الأرض وجوهرها، وأعني بهذا أن الماء يكوِّن ثلثي مساحة كوكبنا الأزرق، كل اليابسة محاطة بالمياه، وفق هذا المعنى تصبح اليابسة جُزر عملاقة تتخللها جُزر أصغر.
في طفولتي اعتدتُ فتح الأطلس على خريطة العالم والتحديق في المساحة الشاسعة الملونة بالأزرق، تلك التي نطلق عليها البحار والمحيطات، ثم النظر إلى القارات المختلفة المحاطة بالمياه، فينتابني شعور بأن ثمة معجزة ما منعت المحيطات من التمدد وابتلاع اليابسة، شعور كان يتضاعف حين أتأمل الجُزُر الصغيرة التي تُرَّقِّش خريطة العالم وتمنحها بعضاً من السحر، ربما لهذا رسخ في ذهني منذ الصغر أن الجُزُر تعكس هشاشة ما وإحساساً بالتأرجح وعدم الأمان، فرغم الجمال الذي تحويه فكرة وجود قطعة صغيرة من اليابسة وسط محيط شاسع، نراها (أي الفكرة) أيضاً تحوي درجة من خطورة ولو متخيلة ومحتملة.

نُشِرت المقالة في مجلة Kulturaustausch الألمانية.



Saturday, April 2, 2016

البعث من رماد الاحتراق


منصورة عز الدين

“ما لنا والقصص؟ لنتركها للكُتَّاب المشغولين بالحكايات ذات المغزى، ولننغمس نحن في ألعاب تعيننا على تمضية الوقت أو تجاهل قبضته الغليظة على أعناقنا”.
بهذا المفتتح تبدأ الرّواية التي أكتبها حاليًا؛ بتمجيد اللعب وقطيعة مشتهاة مع القصص والحكايات ذات المغزى. هل يضمر المفتتح أيضًا قطيعة مع الواقع السّياسي والاجتماعي؟

ما أعرفه أن ما بدأ لاهيًا هادفًا للانغماس في ألعاب فنية وجمالية بحتة، صار مسكونًا بالجحيم الأرضي، الذي يحاصرنا، كلّما توغلت في الكتابة، ليس بطريقة مباشرة أو حتى واضحة. فالرّواية لا تقترب من الأهوال الجارية حولنا، لكن المذبحة مضمرة بين سطورها، والقسوة والغرق وهشاشة الوجود مفردات مفتاحية فيها.

أسئلة وانشغالات روايتي السابقة “جبل الزمرد” كانت – هي الأخرى – وليدة أهوال المنطقة من دون أن تتناولها بشكل مباشر. كانت كتابتها تميمتي ضد النسيان والتحريف، ومحاولتي المرتبكة للإيمان بإمكانية البعث من رماد الاحتراق.

أجازف بالقول إنه من المستحيل إدارة الظهر للواقع، مهما خُيِّل لنا أن ما نكتبه مغرق في الخيال والفانتازيا. فالكتابة الحقيقية لا يمكنها الانفصال عن الواقع والهرب منه، فحتى في أقصى درجات قطيعتها معه، نجدها تفكّكه وتعيد تركيبه مجددًا بغية القبض على جوهره، نجدها تقدم مجازًا للعالم لا صورة فوتوغرافية جلّ طموحها أن تكون نسخة باهتة منه، مجازًا للمذبحة لا مجرد رصد لها.

منذ 2011 وأنا غارقة بين مئات الصور والمشاهد القاتمة، مختنقة بالركام والأنقاض وغبار الهدم، ومسكونة بمدن تتحول إلى قبور لأهلها، وجغرافيا مفخخة أقرب للورطات منها للأوطان.

أسأل نفسي عن معنى الكتابة الإبداعية وسط كل هذا القتل، بل عن جدوى الكتابة طالما تعجز عن إنقاذ حياة إنسان. أراني أترنح بين الكفر التام بها والإيمان بقوتها وقدرتها على مواجهة العدم.

لا أزعم أنني توصلت إلى أجوبة أرتاح إليها؛ لا تزال الحيرة والتساؤلات والارتباكات هي المسيطرة، ليست حيرة بشأن موقفي الإنساني والشخصي بطبيعة الحال، ما يحيّرني هو الفن: أسئلته ومتطلباته وحساسيته تجاه المباشرة والضجيج.

أعرف، بشكل غامض، أني سوف أكتب، يومًا ما، عمّا يحدث الآن. ربما عندما أجد حلولًا فنية لأسئلتي المؤرّقة. أصبِّر نفسي بأن أهم الكتابات التي كُتِبت عن التحولات التاريخية، والأهوال المرعبة، احتاجت وقتًا كي تنضج، بل وأحيانًا كتبها من لم يعايشوها. أتكلم هنا عن الفن لا الوثيقة أو الشهادة أو محاولات الرصد. أقصد هنا الكتابة بصوت الضحايا وعنهم، لا المتاجرة بأوجاعهم والتسلق على عظامهم من أجل مجد أدبيّ متوهم.

أسأل نفسي في النهاية: هل من الترف الانشغال بالشرط الجمالي في زمن المذبحة وأنهار الدّم؟!

وأجيب كمن يفكّر بصوت عالٍ: ربما، لكن ما سبق وتعلمناه، من تجارب من سبقونا، أن الرداءة الفنية لن تضيف جديدًا، وأن البروباغندا ستظل بروباغندا حتى لو سُخِّرت لصالح قضية عادلة.

نُشِرت هذه الشهادة بمجلة الجديد (عدد أبريل 2016) ضمن ملف بعنوان "الحرائق تكتب والروائيون يتساءلون".