Monday, February 1, 2016

ليل قوطي

  

منصورة عز الدين


لسببٍ ما كان عليه أن يسافر!

قال إن وجهته بعيدة، ونطق باسم مدينة لم أسمع بها من قبل، لكنّ حروف اسمها تُسلِم إلى الانقباض والحيرة. بدت مسألة سفره كأمر قدري مقرر سلفاً. وفي الحال رأيت مدينته المبتغاة بشوارعها الشاحبة، رمادية اللون. لم يكن هناك ألوان سوى الرمادي الذي يغطي معظم المكان، وبجواره، على استحياء، الأسود والأبيض.

بشر كثيرون يسيرون في الشوارع الباهتة ببطء مرتدين مسوحاً داكنة ناظرين إلى نقطة ثابتة أمامهم. هدوء ثقيل يخيّم على كل شيء. وهو هناك يسير متفكراً بشرود. وأنا خارج المشهد أتلصص عليه بقلق، وأحدس بمجيء عملاق ذي معطف أسود وسحنة متجهمة وخطى ثقيلة. وفجأة يسود الهرج ويبدأ الناس بالعدو هاربين.

أشعر أن الأرض تهتز على وقع خطوات رجل المعطف الأسود. أعرف أنه يظهر في الشوارع على فترات متقاربة، يخطو بقوة متكئا على عصاه الأبنوس، لا يكاد يرى شيئاً، تتحرك نظرته العمياء بين الوجوه المقابلة، إلى أن يقابل وجهاً يُعيد إليه بصره، لحظتها يشير بسبابته إلى صاحب هذا الوجه فيختفي من الوجود، ويعود العملاق إلى عماه منتظراً ضحيته القادمة.

غير أنه لم يظهر هذه المرة رغم اهتزاز الأرض والفوضى التي سادت. ثمة فقط حالة ترقّب لظهوره، وزلزلة خفيفة كالتي ترافقه أينما ذهب. بمضي دقائق أدرك من ركضوا أنهم خُدِعوا فعاودوا السير كما كانوا.

وحين نظرتُ إلى من يسير بشرود، رأيته لا يزال على خطوه البطيء. دققتُ النظر بحثاً عن نظرة الثعلب الماكرة التي تميزه، فلم أصل إليها. عدّل من وضع «فولار» أسود حول رقبته، ورفع رأسه نحو السماء كمن فوجئ بقطرات مطر في غير موعدها، ثم عاد إلى شروده من جديد.

منذ وصوله، وهو يواصل اكتشاف المدينة، يتحرك في شوارعها بلا توقف. كتب لي بحماسة أنها مدينة العالم.. «هنا كل اللغات الممكنة. لا جنسيات، ولا فوارق. لستِ حتى في حاجة إلى الكلام لتوصيل أفكارك»!! ثم تباعدت رسائله، وما وصلني منها لمدة عام كان لا يحوي أي شيء عن مدينته التي تبدو كأنها خارج العالم.

لكنه، فيما بعد، عاود الكتابة عن المدينة من جديد: رسائل مطوّلة لا وجود فيها لأي مسحة شخصية: لا معلومات عنه، ولا سؤال عني، فقط مقاطع مسهبة، عن مدينة لا تشبه المدن التي أعرفها، مكتوبة باعتناء أسلوبي مبالغ فيه، وخط منمق، وحروف صغيرة مرسومة بدقة.

كتب أنها كانت تُسمى مدينة الشمس الدائمة. لم تكن شمسها تغيب طالما بقي واحد من سكانها مستيقظاً. تغرب فقط حين ينام آخر واحد منهم، وتشرق قبل استيقاظ أولهم. حُرِموا جميعاً الليل. لم يعرفوا بوجوده أصلاً.

لم يكن ثمة عملاق، ولا شوارع شاحبة، ولا بشر راكضين. إنما نهار دائم، وشمس متوهجة تكاد لا تغيب. شوارع المدينة بالغة التشابه كأنها تكرارات أبدية للشارع نفسه. عمارتها قوطية تبعث على الرهبة بأقواس بارزة وأبراج مستدقة، وزخارف ونقوش متماثلة لوجوه صارخة بعيون متسعة بفعل الفزع. ميادينها مربعة، وحدائقها أشبه بغابات ممتدة على أطراف المدينة.

هي نفسها الغابات التي جاء منها العملاق ذو العينين المطفأتين لكنّه، وقتها، لم يكن أعمى، وكانت نظرته محمّلة بالإغواء لا التجهم. اعتاد أن يتحرك بخفة متكلماً عن شيء خارق الجمال يُدعى الليل قرأ عنه في الكتب الكثيرة التي تملأ كوخه في الغابة، وحكى له الصيادون في البحيرة المجاورة للكوخ عنه.

قالوا إنهم رأوه في مدن أخرى وقت أن كانوا يعملون على سفن الصيد الكبيرة في البحار البعيدة. يغمض عينيه المغويتين ويتكلم عن الليل كما لو كان رآه. «سواد عظيم لا تقوى آلاف المصابيح على تبديده، فقط تموّه عليه قليلاً مانحةً إياه مزيداً من الجمال».. يقول وهو يمرر لسانه على شفته السفلى متذوقاً فكرة الليل.

غادر مدينة الشمس بحثاً عن الليل. سار مئات الأميال، مرت أيام وأسابيع ثم أعوام. سأل كل من قابلوه عنه، وصفه لهم بكلمات مبتورة ومرتبكة.

مع مرور الوقت بدأ ييأس لكنه، بمكابرة، واصل المسير من دون أن يلتفت وراءه لمرة واحدة. مشى لمدة لا يعلم مداها، يأكل من ثمار الأشجار، ويشرب من مياه الينابيع، حتى وجد نفسه في طريق العودة إلى مدينته.

عرفها من الأبراج المستدقة الشاهقة، والقباب الكريستالية التي تنعكس عليها أشعة الشمس فتخلق شموسا هائلة الإضاءة. لم يقدر على إبعاد عينيه عن البريق المخيف المنعكس من قباب مدينته، حتى بدأ يشعر بالنور ينسحب منهما. توغل في المسير مقترباً،خفت بصره. لم يدرك في البداية كنه ما يواجهه، ظن أن العالم من حوله تخفت اضاءته، وتتلاشى على مهل. عندما غرق في الظلام تماماً أدرك أنه وصل إلى مبتغاه. قابل الليل وجهاً لوجه. فرح لأنه سوف يصطحب ليله الخاص عائداً به إلى مدينة الشمس.

كانت المسافة المتبقية، على صغرها، هي الأكثر صعوبة في رحلته الطويلة. تخبّط في خطواته، دار حول أسوار المدينة أكثر من مرة، قبل أن يدخلها في النهاية ليُفاجأ به أهلها وقد أصبح هذا العملاق المتجهم ذا الملابس الداكنة والخطوات الثقيلة. وليكتشفوا أن مدينتهم مع عودته أضحت أخرى شاحبة الإضاءة كأنها مترددة بين نهار غادر بلا رجعة وليل يأبى الوصول.

في رسالة تالية بدا صديقي كأنما نسي أمر خطابه السابق، إذ كرر ما جاء فيه بتعديلات طفيفة، وواصل حاكياً أن العملاق بنظرته التي أصبحت مطفأة اعتكف في كوخه بالغابة لمدة طويلة لم ينطق خلالها بكلمة واحدة. ينصت فقط لحفيف الأشجار وزقزقات العصافير وصخب الرياح حين تهبّ. وعندما يملّ من وحدته وصمته، يخرج إلى الشوارع بخطواته الثقيلة التي تهزّ الأرض تحتها.. متوكئاً على عصاه الأبنوس، محتمياً بتجهمه وعماه، ومسلحاً بخبرته في الإنصات للا شيء. تتحرك نظرته المطفأة بين الوجوه المقابلة، حتى يصادف وجهاً يعيد إليه بصره. يشير إلى الوجه بسبابته فيختفي صاحبه من الوجود. يحاول العملاق الإلمام بكل تفاصيل العالم الجديد من حوله، قبل أن يعود إلى عماه من جديد، لكنه يفشل فيرجع يائسا إلى كوخه وانتظاره.

عششت المدينة بأجوائها القوطية في عقلي. طوال الوقت أعيش مع شوارعها المتماثلة، وميادينها المربعة، والزخارف الدقيقة لوجوه صارخة على واجهات مبانيها. أحلم بها، وأفيق لأجد نفسي كأنما أسير في دروبها. أصحو فجراً مثقلة بما رأيت، ويتحرك العملاق في مخيلتي، وقد تحولت نظرته من التجهم إلى الإغواء من جديد، كأنه يدعوني إلى اللحاق به.

أقرأ رسائل صديقي وأعيد قراءتها مجدداً، أتأمّل الخط المنمق والحروف المرسومة بإتقان، وأفكر كم تغير. لم يعد يشبه ذلك الشخص الذي كانه في السابق. تبدو لي المدينة كمكان مارس عليه سحراً وثنياً غامضاً، دفعه إلى الكتابة بلا توقف ودونما مشاعر وبلا غرض. أرسل له رسائل متساءلة عن أحواله، وماذا يفعل، وهل سيعود أم لا؟ فلا يجيب عن أسئلتي بكلمة واحدة، بل يظل يكتب عن المدينة التي سحرته وحولته إلى مجرد عين تلتقط التفاصيل أمامها، ويد تدوِّن ما يراه بلا كلل.

قلت سأحذو حذوه. وبدلاً من رسائلي المفعمة بأسئلة يتجاوزها كأنما لم تكن، بدأت أكتب له بدوري عن مدينتي. مدينة مخترعة واقعة بين جبال مكسوة بنباتات وأشجار زاهية الخضرة، وبحر هائج باستمرار يغلِّف الجو برائحة اليود، وتلفظ أمواجه طبقات كثيفة من الملح على الشاطئ كل صباح. بيوت المدينة مبنية بكاملها على جرف يمتد بين الجبال والبحر الهائج، كأنها في وضع سقوط أبدي. وسكانها يقاومون الجاذبية طوال الوقت. يسيرون ببطء صعوداً أو هبوطاً محاذرين الوقوع من هذا العلو إلى جوف البحر المتلاطمة أمواجه بأصوات مجلجلة.

أخذت أرسل له رسالة مقابل كل واحدة تصلني منه، لا أعلق على ما يكتبه ولا أسأل عنه، وهو، كعادته، يبدو كأنما لا يقرأ رسائلي من الأصل. ثم بدأت أكتب بلا توقف، رسائل طويلة مكتوبة باهتمام ومشغولة بالتفاصيل، أرسل بعضها وأتغاضى عن إرسال معظمها، إلى أن كففت عن مراسلته تماماً، منشغلة فقط بتسويد مئات الرسائل التي أكدّسها هنا وهناك في أرجاء سكني.

أكتب متجاهلة وجع أصابعي، وألم عمودي الفقري من طول الانكفاء، خالطةً بين مدينتي ومدينته. بين الميادين المربعة والعمارة القوطية بالوجوه الصارخة فوق مبانيها، وبين الجرف الخطر والبيوت المقاومة سقوطاً أبدياً. بين عملاقه ذي المعطف الأسود والنظرة العمياء، وبين من أراهم حين أفتح نافذتي بسيرهم الحذر صعوداً وهبوطاً.


أعيد قراءة رسائلي الملقاة حولي بفوضى، أنظر ملياً إلى خطي المنمق، وحروفي الصغيرة المرسومة بدقة، واعتنائي المبالغ فيه بالأسلوب، وأفكر كم تغيرت. أخرج من بيتي المحاط بنباتات وأشجار كثيفة متشابكة، لأُفاجأ بـ»مدينتي» بشوارعها الشاحبة رمادية اللون وميادينها المربعة والهدوء الثقيل المخيم عليها. أغمض عينيّ مستسلمة للظلام، فينفتح المشهد أمامي بهدوء كلقطة «زووم إن» في فيلم سينمائي، لأجد أمامي بشراً كثيرين يسيرون ببطء ناظرين إلى نقطة ثابتة أمامهم، وأراه يسير متفكراً بشرود، وأسمع وقعاً صاخباً لخطوات ثقيلة كأنما تصدر عني.

نُشِرت القصة لأول مرة في ملحق نوافذ بجريدة المستقبل اللبنانية بتاريخ 9 يناير 2011، ونُشِرت ترجمتها الإنجليزية بمجلة جرانتا البريطانية خريف 2011، ثم صدرت في مجموعة "نحو الجنون" دار ميريت  - 2013.

Saturday, January 30, 2016

Una ciudad desde el insomnio



Mansoura Ez-Eldin


El Cairo | Febrero  2013

En su relato “El lenguaje del ay ay”, Yusuf Idris escribe sobre un hombre pobre de cincuenta años que no para de proferir gritos y lamentos.

Este enfermo de Idris me viene a la mente en muchas de mis noches de insomnio. Más concretamente, es su lamento el que retumba en mi cabeza como si fuera una presencia real, mientras aguzo el oído hacia la ciudad afuera.

Trato de escuchar las voces de la noche, esas que ya no me llegan en forma de murmullo vago, como antes. El estrépito de los fuegos artificiales se ha convertido en un compañero nocturno habitual. Evoca el sonido de los chaparrones de plomo que caen en otros lugares, el de los gritos entrecortados del detenido al que torturan en una comisaría, la voz de un niño que no cesa de llorar, la de un anciano que se parece al hombre atormentado de aquel relato de Idris.

Se me figura que el propio Cairo es este enfermo, y que lanza sus lamentos como un héroe trágico condenado por su destino. Porque esta ciudad que no duerme, esta fiesta nocturna que enlaza la noche con el día, no deja de repetirse a sí mismo ni de difundir sus lamentaciones y tormentos.

Pero “fiesta nocturna” no parece el término apropiado. Esto no es una fiesta. “Insomnio” es una palabra más exacta para toda esta expectación, esta violencia tergiversada que escupe la ciudad.

La ciudad de los soñadores y de los asesinos, de los temblorosos y de aquellos que se sumergen en la “comodidad” de su despreocupación. Le pega que custodie su propia fatiga día y noche, sin atender a lo que ocurre fuera de ella. Mata el sueño y se subyuga a sí misma antes de que lo hagan los demás. Persigue a sus mejores hijos hasta que se convierten en cadáveres lanzados a la cuneta de las autopistas o a las montañas de basura o a los bordes del desierto.

Ellos han entregado sus almas tras la tortura que desgastó sus cuerpos y los tornó en escombros. Ahora le llegan sus últimos lamentos a la ciudad, y ésta mira hacia otro lado,  con la vista puesta en un pasado del que solía presumir.

La ciudad cierra sus oídos; ahí se agiganta el lamento más y más hasta que sus ecos retumben en todos los rincones. Deja a la gente sumergida en el intento de discernir las voces y clasificarlas. Este es el sonido de los fuegos artificiales, tan familiar. Y aquello los disparos al aire. Aquel otro es una explosión, aunque dirá el portavoz militar que ha sido resultado de un procedimiento rutinario para deshacerse del stock de armamento caducado… Es de naturaleza distinta a la del estruendo aterrador de aquella mañana que destrozó los cristales de las ventanas y hizo despertarse a los niños sobresaltados. Y a la que el mismo portavoz achacaba a un caza militar que rompía la barrera del sonido durante unas maniobras del Ejército, a la vez que pedía a los ciudadanos “que no se molesten por esos procedimientos”, como si les dijera: “Viviréis muchos años con estas explosiones cuyas causas no conoceréis”.

Recuerdo que alrededor de finales del primer año de la Revolución, durante uno de los enfrentamientos violentos entre los revolucionarios y los militares, un amigo que estaba de visita en El Cairo me contó que desde su hotel, situado cerca de la plaza Tahrir, podía distinguir fácilmente los diferentes tipos de disparos. Incluso podía discernir qué disparo había dado en el blanco y cuál había errado para perderse en el aire. Cuando observó mi sorpresa, me recordó con cierto orgullo que él, como periodista, había cubierto guerras civiles y batallas desde África hasta América Latina.

Ahora me ha tocado a mí el turno de acostumbrarme a clasificar los sonidos que me llegan e intentar diferenciar el traqueteo de los fuegos artificiales de otras supuestas explosiones.


Por fuerza de la costumbre, todos estos sonidos continúan como una música gráfica que pone marco a los detalles de la vida. Uno es la voz de lamento que me persigue en las noches de El Cairo sin que me pueda acostumbrar a ella ni habituarme. Se me desvanecen las facciones imaginadas del héroe de Yusuf Idris que convirtió los suspiros en un sustituto de idioma. Y se me aparece Mohamed al Yundi al que la tortura salvaje le cambió los contornos del cuerpo y el rostro. Todo lo acompaña la voz del niño Omar Salah, el vendedor de patatas, que repite la frase que es lo más similar a un puñetazo en nuestras caras, las de todos nosotros: “Estoy harto de este curro y necesito cambiar como sea”. Cuando lo alcanzan dos balas traicioneras de un soldado al que no le importa el dolor entre los pliegues de las palabras.

Publicado en Al Modon  •  19 Feb 2013 • Traducción del árabe: Ilya U. Topper/Belén Fernández Escudero

Via: m'sur

فيرديدوركه والتحرر من سطوة الشكل: محاكاة ساخرة للكابوسية!





منصورة عز الدين

في الغالب لن يغضب قارئ رواية "فيرديدوركه" لفيتولد غومبروفيتش حين يقرأ جملتها الختامية: "النهاية... ياللإبهار وقارئ هذه الرواية حمار."
فلو غضب سيكون قد فاته جوهر العمل وروحه الساخرة، فالجملة الختامية وإن كانت أشبه بصفعة، فإنها مثل الصفعات المتكررة في "فيرديدوركه": صبيانية عابثة. ومثل العنوان المخادع منبت الصلة بالمتن: لعبة أخرى تضاف لألعاب الرواية العديدة.
"فيرديدوركه" مغلفة بحس صبياني فاتن، يجيد غومبروفيتش - المولع باللعب كقيمة جمالية عليا – توظيفه لإضفاء الجدة والتشويق على عمله. وأظن أن هذا اللعب هو ما حمى الرواية من أن تكون مضجرة مثل كثير من الروايات التي تطرح أسئلة فلسفية أو تتسربل بالتأملات الذهنية.
يتذكر الشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش أن غومبروفيتش لم يكن يحب الحديث عن شيء سوى الفلسفة ويرى آخرون أن كتابه "دليل إلى الفلسفة في 6 ساعات و15 دقيقة"  يعد مفتاحاً أساسياً لفهم أعماله الروائية والمسرحية، لكن ماذا بالنسبة لقارئ عربي تمثل "فيرديدوركه" لقاءه الأول بعوالم غومبروفيتش؟
كان هذا السؤال ماثلاً في ذهني بينما أقرأ الرواية التي صدرت طبعتها العربية مؤخراً عن منشورات الجمل بترجمة لأجنيشكا بيوترفسكا ومعتصم بهائي ومراجعة هاتف جنابي. "فيرديدوركه" ليست أول ما قرأت لغومبروفيتش، لكنني تظاهرت بأنها كذلك، لمحاولة تخيل رد فعل من سيتعرفون عليه لأول مرة عبرها.
الرواية حافلة بالإشارات البولندية، ومع هذا تتسم بحس عالمي، يتيح للقراء من مختلف أنحاء العالم التواصل معها، ورغم أنها صدرت للمرة الأولى خريف 1937 وتغص بإشارات إلى تلك الفترة بممثليها وزعمائها ونمط العيش فيها، إلّا أنها عصية على التقادم، فهي من الروايات القادرة على تحدي الزمن والحفاظ على جدتها.
***
مثل "مسخ" كافكا تبدأ الرواية باستيقاظ البطل من النوم إثر حلم مزعج. في حالة جريجوري سامسا نعرف أن ليلته كانت حافلة بالأحلام المزعجة دون ذكر تفاصيلها لأن الأهم هو الكابوس اللاحق الممثل في تحول سامسا إلى حشرة، لكن في حالة جوي يعرض لنا غومبروفيتش تفاصيل الحلم المتمحورة حول عودة بطله إلى مراهقته، وسرعان ما يتحول هذا الحلم إلى "حقيقة" مهدِدة حين يحضر الأستاذ بيمكو ويتجاهل سنوات الراوي الثلاثين ويعامله كما لو كان مراهقاً ثم يعود به إلى مقاعد الدراسة، ومن هنا تتناسل سلسلة مواقف وأحداث يمتزج فيها الهزل بالعبث والهراء.
هكذا نجد أنفسنا أمام "واقع حلمي" كان ليبدو بالغ الواقعية لولا غياب المنطق عنه، وعالم كابوسي تحجم هزليته من كابوسيته.
وربما تنبع فرادة غومبروفيتش من صعوبة حصر عالمه في تصنيف واضح نرتاح له. القارئ الخبير بالكتابة المفارقة للواقع سينتبه لهذا على الفور. هذا ليس واقعاً حلمياً على المنوال الذي نقابله لدى كتاب آخرين، كما أنه ليس فانتازياً بالمعنى المتعارف عليه، ومنسوب الهزل العالي فيه يحد من كابوسيته ويحول الكابوسية نفسها إلى farce، بحيث يمكن المجازفة بقول إننا في مواجهة محاكاة ساخرة للكابوسية.
يبدو الراوي/ الكاتب مدركاً لهذا، يعرف أن هذا ليس الواقع المألوف، لكنه حائر في تحديد كنهه: "هل هذا حلم؟ يقظة؟" يتساءل في أكثر من موضع. وستتكرر جمل أخرى تصب في خانة الحيرة نفسه، منها: "فجلست في هذا الهراء غير الواقعي كأنني في حلم!"، "بدا لي أنني كنت أحلم- لأنه فقط في الأحلام نكون في مواقف أكثر غباء مما يمكن أنت نتخيل."، "تخطى الواقع حدوده وبلغت التفاهة ذروة الكابوس وتحول كل حدث غريب إلى محض حلم".

***

يبدو حضور الجسد لافتاً في "فيرديدوركه" خاصةً عبر المؤخرة أو "البوبو" والوجه. الجسد هنا سائل ولا يكف عن التشكل، أعضاؤه تنفصل عن بعضها البعض تارة وتزدري وتغتصب بعضها البعض أخرى. ثمة خوف من الجسد وغربه عنه. أما الوجوه فتحضر في الرواية بعيدة عن مفهوم الوجه: مجعدة ومرهقة ومضغوطة ومستعدة لأخذ شكل أي وجه. أو "وجوه مخلوعة ومشوهة ومقلوبة من الداخل إلى الخارج، حيث انعكس وجهي فيها كأنها مرآة مشوهة."
سيولة الجسد هذه وذوبان أعضائه واستعدادها للتشكل بأشكل أخرى، فكرة محورية في "فيرديدوركه"، تصادفنا على مدار العمل فنستحضر الوجوه الذائبة والمصهورة في لوحات فرانسيس بيكون، كأن الفنان البريطاني استلهمها من "فيرديدوركه".
وإذا كان الوجه لا يكف عن التغير وإعادة التشكل، (المسألة هنا أبعد وأعمق من ثنائية الوجه والقناع) فإن العمل بكامله، يحاكي الوجه في تبدله وتمرده على الشكل (Form). الطموح للتحرر من طغيان الشكل وسطوته تيمة محورية عند غومبروفيتش ولا تقتصر على "فيرديدوركه" وحدها.
ينصحنا الراوي/ الكاتب: "اجتهدوا في التغلب على الشكل، التحرر من الشكل". يهجو الشكل ويشبِّه مطاردة الفنانين والكتاب له بلا كلل بسعي الديدان إلى رزقها.  تمرداً على طغيان الشكل يقطع غومبروفيتش أحداث "فيرديدوركه"  بقصة "فيليدور المبطن بالطفل" التي يسبقها بمقدمة يقارن فيها بين أجزاء الجسد وبين البناء الروائي ويقدم رؤاه الفنية وتأملاته حول الشكل. من المهم لفت النظر هنا إلى أن غومبروفيتش لا يتخفى خلف راويه، بل يتسلى بالإيحاء بأنه والراوي شخص واحد، فهذا يتيح له أن يتمرد على الشكل ويتلاعب به، وأن يعرض أفكاره حول العمل المكتوب
بعد المقدمة والقصة يعود الكاتب لملاحقة راويه في عالم عدم النضج، قبل أن يقطع السرد بقصة ثانية بعنوان "فيليبرت المبطن بالطفل" يسبقها بمقدمة يعلن فيها أنه أسير المقدمة ولا يستطيع أن يعمل بدونها، ويوضح أن قانون التماثل يفرض عليه أن قصة فيليدور يجب أن تقابلها قصة فيليبرت والمقدمة الأولى تقابلها المقدمة الثانية! عن أي تمرد على الشكل كان يتحدث إذاً في مقدمة القصة الأولى؟
الإجابة مخبأة في ثنايا العمل "حتى لو أردت فإنني لا أستطيع أن أتفادى القوانين الحديدية للتماثل والقياس". و"يبدو لنا بأننا الذين نقوم بالبناء – وذلك وهم لأننا على حد سواء يتم بناؤنا من قِبل البناء."

***
مع غومبروفيتش واسع الثقافة المتبحر في الفلسفة، ندخل دوامة يمتزج فيها الهزل باللامعقول بالهراء الكامل بالخفة المعدية دون أن يخدعنا هذا أو يغرينا بأننا أمام لعبة لا معنى لها. وإذا كان ككاتب مسكوناً بفكرة عدم النضج، فهو يستفيد منها استفادة قصوى، ويحول "فيرديدوركه" إلى ساحة لكل الألعاب المتخيلة.





 عن أخبار الأدب

Thursday, January 28, 2016

Lo que oculta la fotografía


Mansoura Ez-Eldin


El Cairo | 27 Febrero 2013

Hay una fotografía. Muestra una pizarra de madera verde, en la que lo primero que llama la atención son las palabras escritas sobre ella: “La educación es un derecho de todos”.

Quien lleva la pizarra en la mano es un chico vestido de negro, que oculta su rostro con la otra mano. Tras él se observan los postes rotos de un portería de un campo fútbol y un soldado de la Seguridad Central sentado sobre una silla; el fuego consume la otra portería, tirada lejos de su emplazamiento original. A la izquierda de la imagen, la cámara ha congelado el movimiento de unas siete personas.
El lugar es el patio de una escuela en llamas, aunque el incendio sólo aparece en la imagen como un atisbo de llamaradas, en su mayor parte tapadas por la pizarra y el chico que la lleva.  El patio nos hace recordar que el juego, al igual que la educación, es un derecho de todos.

Justo detrás de las siete personas se observan las palabras “El castigo o el caos” y como no ha habido castigo hasta ahora, deducimos que es el caos que aquí hace acto de presencia. El estado del patio nos indica que lo que hay escrito en el muro es una advertencia o amenaza que se ha convertido en una realidad.

Hay otras imágenes, que muestran con más claridad el incendio que arrasó los dos colegios veteranos “Liceo de la Libertad” y “Al-Huiati” el pasado día 26 de enero. Algunas muestran trozos que han sido devorados por completo por el fuego, o libros y cuadernos convertidos en combustible. Sólo que esta foto en concreto, por las palabras escritas en la pizarra verde, se ha convertido en un icono momentáneo en facebook, habiéndose publicado más de quinientas veces en sólo dos días, antes de desaparecer antes de desaparecer – como es habitual en este medio – y ceder el espacio a nuevos conflictos que tampoco tardarán en ser olvidadas a su vez.

Algunos, seducidos por lo bien que encajaba lo del “Derecho a la Educación” con los objetivos de la Revolución, fueron suponiendo que al joven se le había impedido concluir sus estudios y que por eso se había unido a las manifestaciones, levantando esta pancarta en la cara de los tiranos que le habían robado sus derechos. Una interpretación romántica, que se repite en la mayoría de las páginas de Facebook, con adornos imaginarios que varían de una persona a otra.

Como reacción a ese ardor revolucionario, otros – entre ellos algunos que dicen haber estado presentes en el momento del incendio de los dos colegios – afirman que el héroe de la instantánea era un baltaguí [sicario] que estaba participando en el saqueo de los bienes del colegio El Liceo y lo que portaba no era una pancarta de protesta sino parte de su botín.

¿Un rebelde o un baltagui? No lo sabemos pero casi diría que no tiene importancia. Lo importante es que, en este preciso momento, hay estudiantes a los que temporalmente se les priva de su derecho a la educación no sólo por causa del incendio, sino porque la policía se enzarzaba en los dos colegios para pegar a los estudiantes durante los días siguientes.

¿Rebelde o baltagui? La pregunta se irá desvaneciendo y desaparecerá con el tiempo. Quedará una moraleja que nos avergüenza por su obviedad, y una fotografía cargada de significado, a la que no le quita ni le resta impacto la idea de que muestre a un supuesto ladrón. Más bien al contrario: esto le añade a la imagen sorna y carga interpretativa; parece como si nos sacara la lengua, mofándose de nuestra simpleza que nos impide ver los espacios intermedios, burlándose de los clichés sobre los que algunos nos apoyamos en el intento de simplificar el mundo y dividirlo en dos bandos enfrentados.

La fotografía es, así, un agujero a través del cual atisbamos una visión fascinante de la realidad, pero es un agujero trampa, que oculta más de lo que muestra.
“Basta con una breve señal para entender el aviso”, según dijo el poeta Buhturi en otro contexto diferente. La idea en este caso no es lo que dice la imagen, sino aquello que esconde y aquello que calla y oculta el humo del incendio.

El portador de la pizarra de madera permanecerá atrapado por la cámara en un tiempo muerto que nunca avanza. Seguirá insistiendo en ocultar su rostro con la mano, protegido por una ambigüedad a la que favorece la naturaleza del momento actual. Seguirá insistiendo en ocultar su rostro con la mano, protegido por una ambigüedad a la que favorece la naturaleza del momento actual.
Mientras tanto, nosotros observamos un mundo momificado en un álbum de fotos que se nos escapan de pronto y se adentran en la confusión y el enigma.



Publicado en Al Modon  •  27 Feb 2013 • Traducción del árabe:  Belén Fernández Escudero / Ilya U. Topper

Via: m'sur

Sunday, November 22, 2015

نحو الجنون.. عن أقنعة اللحن الأساسي



محمود عبد الشكور


لا تلجأ منصورة عز الدين فى مجموعتها القصصية "نحو الجنون" (دار ميريت) الى استعارة عوالم غرائبية أو واقعية سحرية أو قوطية كنوع من التشويق المجانى، ولكنها تستخدم هذه الأشكال لتعميق رؤيتها لأبطالها من زوايا متعددة، فيتبادلون الأماكن والتجارب، وتنعكس صورهم فى مرايا الآخر. لاتوجد شخصية واحدة أحادية الجانب، ولم يعد ممكنا استخدام مجهر واحد بسيط لسبر أغوار الروح، لذلك تعمل هذه الأشكال كأقنعة للسارد، تستوعب رؤية مزدوجة، وكأنها مجهر متعدد العدسات . فى التصوف عندما تتسع الرؤية ، تضيق العبارة، وفى فن الكتابة: عندما تتسع الرؤية، تتنوع أقنعة السرد.
كان من الممكن أن نسمع صوتا أو لحنا واحدا، أو أن نشاهد صورة واحدة، أو أن يصبح الضباب والمطر مجرد إكسسوارات لمشاهد واقعية، ولكن طموح الكاتبة كان أكبر من ذلك، فاختلطت الأصوات، وتعددت الألحان، وتداخلت الصور، وأصبحت الأمطاروالأجواء الضبابية عناصر أساسية فى التمهيد لحرية الحركة فى الزمان والمكان. ساهم كل ذلك فى تحقيق أمرين هامين: تقديم التجربة بصورة ثرية أشبه ما تكون باللحن الذى تسانده خطوط لحنية إضافية، أتحدث هنا عن الثراء الفنى، أما الأمر الثانى فهو نقل اللحظة الإنسانية بكل أعماقها وتعقيداتها المركبة. ونتيجة لهذا الثراء الفنى والإنسانى، فإن القارىء يصبح شريكا فى التجربة، ولديه أيضا هامش معتبر فى التأويل، بل ربما يلعب النص نفسه دور المرآة بالنسبة للقارىء، فيرى فيه مخاوفه وهواجسه، لحظات أحلامه، وساعات جنونه. هناك حقا مفاتيح للتفسير، ولكن هناك بالمقابل أشياء متروكة عمدا للقراءة بين السطور.
نحن إذن أمام محاولة لاستخدام الخيال لإعادة تأمل الواقع، واقع الشخصيات، أو واقع "المدينة" التى تعنى فى قاموس منصورة الروائى والقصصى الوطن نفسه. فى قصة "مطر خفيف" مثلا، وفى المطار الفخم، الذى سيقود الساردة الى مدينة  فيسبادن، يختفى المرافقون، وتتغير ملامح المكان، و لاتستحضر الساردة إلا ارتباط فيسبادن ( المدينة الألمانية) بقصة قرأتها لخوليو كورتاثر عن "خاكوبو" الذى حاول شبح إمرأة إنجليزية يشبه خلد الماء، تحذيره من المصير المحتوم، وكان ذلك داخل أحد المطاعم الخاوية فى فيسبادن. هذا الإستدعاء لقصة تتحدث عن مدينة خطرة، تحاول فيها الأشباح تحذير سكانها من قتلة باردى الأعصاب، سيكون الجسر الذى سيعمق الفكرة، ذلك أن الساردة ستجتاز الزمان والمكان الى مدينتها الأم، لتشاهد صدام قوات الشرطة مع المتظاهرين. كأن منصورة قد استعارت حكاية خوليو كورتاثر، وأجواء مطار ضخم يقود الى فيسبادن، لتحكى عما يحدث فى مدينتها. هذا ما قصدته بالمجهر متعدد العدسات، وباللحن الأساسى الذى تصنع منه الألحان الموازية سيمفونية ثرية. لا تنافر بالمرة بين وقائع حكاية خاكوبو، وما يجرى فى المدينة الأم، وما يجرى داخل عقل فتاة تكتشف مطارا غريبا، سيأخذها الى مدينة أكثر غرابة. كلها تنويعات على لحن أساسى، وكلها أقنعة ملونة تستوعب وجوها مختلفة لرؤية أعمق، لايوجد خط واحد، وإنما خطوط وظلال وهوامش كثيرة. ليس سهلا ذلك على الإطلاق، لأنه يحتاج أولا الى الإمساك باللحن الأساسى، ثم اختيار تنويعات متوافقة، لا تطغى على اللحن الأساسى، ولكنها تعمل على إبرازه وتعميقه.
فى قصة "ليل قوطى" تحضر أيضا المدينة، مدينة الساردة، ولكن منصورة لا تبدأ أبدا باللحن الأساسى، وإنما تجعل الرؤية مزدوجة، إذ تحكى لنا عن مدينة عجيبة ذات طابع قوطى، مكان يسوده اللون الرمادى، يطلقون عليها مدينة الشمس الدائمة، لأنها لا تغيب عنها الشمس. عبر رسائل من صديقها القاطن هناك، نستحضر أجواء غريبة، يظهر فيها كائن عملاق أعمى، يحاول أن ينقل الليل ( الذى يعرفه) الى مدينة الشمس. الساردة تقرأ الرسائل بحياد، ثم باستغراب، ثم تقرر هى أيضا أن تكتب عن مدينتها. تتخيل أنها تقبع على جرف، وأن أهلها يقاومون الجاذبية، وكأنهم يمكن أن يسقطوا فى أية لحظة. يكتسب الحديث عن مدينة الساردة ثراء كبيرا لأنه يردّ بالخيال على خيال الصديق فى مدينة الشمس. يأخذ الواقع المأزوم والمهدد فى أى لحظة بالسقوط لون الأسطورة. نكتشف أن رسائل الصديق لم تكن إلا تحريضا للساردة لكى تتأمل مصير مدينتها هى.
وفى قصة "مارين" تتحول مارين التى ترافق الساردة الى مقر إقامتها فى المدينة الغريبة الى مرآة حقيقية تنعكس عليها مخاوف وقلق وإرهاق الساردة. لا تفعل منصورة أكثر من أن تجعل الساردة تتبع مارين، ولكن بينهما مسافة لا تضيق، تصبح الشوارع خرائط للتعبير عن الإكتشاف، واستدعاء روائح محددة لابد أنها قابعة فى حواس الساردة. مارين تجعلنا ندخل الى عقل الكاتبة، يفترض أنها تسير بها فى الخارج، ولكنها فى الواقع تسير بنا الى داخل الساردة. يكتسب المشهد ثراء إنسانيا وفنيا واضحا، يصبح الدليل مرآة، ويبدو الخارج عنوانا على الداخل. مرة أخرى، تزدوج الرؤية وتتعمق، بهذا التواصل بين الذات والآخر، فى شوارع مدينة غريبة.
فى قصة "ست شمعات" تستخدم منصورة نفس الحيلة، حيث لن تستعيد السادرة تاريخها كلها، إلا بزيارة لمنزل غامض، يوم كامل لا بد أن تقضيه صامتة فى حجرة بها شمعدان فضى عليه ست شمعات. امرأة غامضة كانت فى انتظارها ( تطورت هذه الشخصية الغامضة لتلعب دورا محوريا فى رواية "جبل الزمرد") . كان يمكن أن تستدعى الساردة ماضيها بأكمله، وهى تقود سيارتها مثلا، ولكن الأجواء التى تقدمها القصة تجعلها جزءا من طقس كامل. صمت كامل فى مقابل أصوات مسموعة، تجربة تترك بصماتها فى صورة آلام  تشعر بها السادرة. الآخر يقودنا من جديد لاكتشاف الذات، والشمعات الست تضىء الداخل لا الخارج، والمكان الذى يبعث على الخوف، هو وسيلة مواجهة الماضى.
وفى قصة "نحو الجنون" لا تؤلف منصورة بين اللحن الأساسى والألحان الموازية فحسب، بل إنها تفصل أيضا بين الاثنين. تستخدم هنا صوتين للسرد: ساكنة فى بناية تقول عن جارتها الى تسكن تحتها أنها مجنونة، وأنها تتصرف بشكل غريب، والجارة  تستغرب بدورها تصرفات الساكنة التى تعيش بمفردها. فى هذا القصة بالذات كشفت منصورة اقنعة اللعبة، وقالت عبر السرد المزدوج أنها ستتلاعب بالفكرة، فتجعل من الساردة التى تتهم الجارة بالجنون، شخصية مضطربة بعد أن حرمت من أطفالها بحكم محكمة. المجهر المتعدد العدسات جعلنا نرى المأساة من خلال عيون صاحبتها، جعلها تجمع بين السفور والحجاب، وتسقط مأساتها على جارتها، رأينا المأساة أيضا من خلال عيون الآخر.
وتعمق قصة " الصعود لأعلى" لحظة ضرب وإهانة لفتاة فى مظاهرة، فتصعد بها هذه المحنة الى عالم آخر، تلمس فيه بيدها حياة حقيقية: "بدأت تتخيلين نفسك تصعدين درجا وهميا بعد أن ظللت طوال عمرك تراوحين مكانك. ثلاث درجات لأعلى تتبعينها بثلاث درجات لأسفل. هكذا عشت حياتك السابقة. كان إغماض العينين لحظة احتضان الرصيف لك، هو سبيلك الوحيد لاستدعاء البهجة، لرؤية ما وراء الإهانة والألم والركلات: قوس قزح، لحظات الطفولة الهاربة، أزهار الخوخ، وأريج الياسمين. للياسمين مكانة خاصة فى ذاكرتك، أريجه مختلطا بالفانيليا ، وعبير زهر البرتقال. مزيج يعنى الحياة". الموت يستدعى الحياة، والأحداث لا تمر مرورا عابرا، ولكنها توقظ الذاكرة.
فى "ربيع داكن" و"ديجا فو" و" امرأة أخرى" و"حياة زجاجية" يلعب الآخر دور المرآة التى تقود السارد الى تغيير ما. فى القصة الأولى تستغرب المدينة أولئك الذين يرتدون اللون الأسود، ويتحفظ الناس على دعوات الإضراب، ولكنهم يجدون أنفسهم فى النهاية، وقد انتقل إليهم اللون الداكن، وفى "ديجا فو" تبدو شخصيات مثل العشيق السابق والعشيق الحالى والخادمة مجرد مرايا تكشف الأرستقراطية سميحة التى يطاردها الشك فيمن حولها، شعورها بتكرار ما يحدث لها، ترجمة لحياة لا تتغير تقريبا، حتى العشيق الجديد يستدعى العشيق القديم، وفى "امرأة أخرى" تراجع الساردة حياتها بأكملها أثناء رحلتها لزيارة صديقة قديمة مختلفة عنها جذريا، يتعثر اللقاء فى النهاية لأنهما فى طريقين متوازيين، وفى "حياة زجاجية" نخوض عالما غرائبيا وسط المطر والسيارة والكلاب والفيلا المهجورة والمرأة العجوز الحولاء والغامضة، ولكن الرحلة تنتهى الى مرآة تشاهد الساردة فيها صورتها:" تقدمتُ ببطء ودون أن أحتاط للأمر، واجهتنى صورتى فى مرآة صغيرة بجوار الفرش. كانت عيناى مركزتين على نظرة حولاء وجسد نحيل يتحديانى بشراسة قبل أن أغرق فى ظلام دامس" . هذا هو أخيرا اللحن الأساسى، بعد أن استغرقتنا الألحان الموازية.
فى قصة "جنيات النيل" يتبادل الحكى كلا من: زينات  المرأة التى تسكن على النيل، والتى تظهر لها أطياف جنيّات الماء، وصوت زوجها سائق عربة النقل الذى ينتهى مريضا ملازما الفراش. جنيات النيل هن ملاذ زينات للتحرر والإنطلاق من حياة فارغة، الزوج يتركها ليعمل، ثم تفقد ابنهما فى حادث للسيارة العملاقة. عندما تتعرى زينات وسط الجنيات، فإنها تحاول أن تعيش عالما آخر لا تجده. يتغير الزمن سريعا، تختفى الجنيات، ويقبع الزوج مريضا على فراشه، تزوره بين وقت وآخر سيدة تدعى إنعام. تترك لنا منصورة حرية تخيل العلاقة بين الزوج وإنعام. قد تكون عشيقة أو زوجة ثانية. ليست المشكلة فى هؤلاء. زينات هى اللحن الأساسى الحزين، الذى كتبت عليها الظروف أن تعيش بلا زوج، وبلا ابن، وبلا جنيّات تراهن، وتسمع أغنياتهن، وقت صلاة الجمعة.
مجموعة "نحو الجنون" لا تهرب بالخيال الساحر من الواقع، ولكنها تسخدمه لكى نعيد تأمل واقعنا العام، وواقع الشخصيات، ونفوسها المعقدة. وعندما تعمل منصورة عز الدين على الهواجس والمخاوف والإحباطات الصغيرة والكبيرة والعامة والخاصة، فإن أفضل وسيلة للإكتشاف هى استخدام أكثر من عدسة فى نفس الوقت، وإعادة بناء الزمان والمكان، بما يناسب تحرر الأفكار والمشاعر، وإقامة علاقات  جديدة بين الأشياء والأشخاص.
ولكن يبقى دوما حلم الساردة بمدينة تقاوم الموت، وتشم الياسمين، وتستقبل المطر، وليس زخات الرصاص، وحلمها بإنسان أكثر تصالحا مع نفسه، ومع الآخر، ومع الحياة.
عن موقع "الكتابة"...

Thursday, November 19, 2015

Déjà vu


Mansoura Ez-Eldin

Ilya U. Topper   (Traducción)


De repente, la escena se iluminó en la mente de Samiha mientras paraba su coche en aquel mercadillo de verduras.
Conducía a gran velocidad por la circunvalación que va de la parte nueva de El Cairo a los Parques de las Pirámides donde vivía, mientras tarareaba una canción de Najat Saghira. Se descuidó y se desvió por la salida de Saft Laban en lugar de hacerlo por la de Mariutía y se encontró de pronto en un barrio que le era completamente extraño. Tanto que el lugar no le parecía siquiera formar parte de la ciudad en la que había nacido.
Era un barrio popular; las calles eran estrechas y sin pavimentar. En medio había un mercadillo de verduras que hacía imposible atravesarlo con el coche sin arrollar las capas de tomates, berenjenas y cebollas esparcidas por aquí y allá. Un barrio que se parecía mucho a cómo Karim solía describir el lugar donde vivía.
Cierta ansiedad se apoderaba de ella y prefirió reducir la velocidad del coche. De repente sintió que ya había atravesado esta calle antes: la fuerza con la que recordaba haber estado aquí en el pasado hacía sentirle que no se hallaba en él ahora. Todo lo que sucedía a su alrededor parecía ser un mero recuerdo almacenado en su mente, un recuerdo que hubiera permanecido secuestrado durante años y de repente se liberase para imponerse al presente.
No era la primera vez que experimentaba la sensación de ‘déjà-vu’, sólo que ahora era más extraña. Otras veces simplemente sentía que ya había vivido ese instante antes y que estaba obligada a pronunciar determinadas palabras para hacerlas coincidir con las de su recuerdo. Luego se borraba todo de su memoria y el recuerdo se convertía en sólo una mancha de luz que se desvanecía en un vasto desierto de sombras.
Esta vez, sin embargo, sentía que el lugar que visitaba por primera vez le abría una puerta a una zona oscuro de su fuero interno, tal vez a una vida anterior. Se vio a sí misma luchando para salir de entre los destrozos de un terrible accidente, luego todo se desvanecía de nuevo y volvió a ser una mujer que bregaba por salir con su coche de este barrio estrecho y atascado.
Torció para tomar una calle paralela a la del mercadillo pero más amplia, luego se encontró en el borde del barrio Mariutía desde donde pudo salir hacia los Parques de los Pirámides. Empezó a calmarse.
Como si la escena brotara en su cabeza de la nada, emergió también el rostro de una mujer joven con ojos grandes y una mirada profunda, una frente ligeramente abultada, una mujer que se parecía totalmente a su criada Nora.
Las dos caminaban juntas por un lugar similar al mercadillo; Nora tosía fuerte y Samiha le daba palmadas en la espalda mientras intentaba animarla con una cháchara ininterrumpida.
La tos de Nora resonaba en sus oídos como si fuera un hecho real, fue como si la viera y su cuerpo temblara ligeramente al no poder parar de toser. Sólo que el lugar por donde se desplazaban seguía estando a oscuras; se asemejaba al mercado de verduras por el jaleo y el agolpamiento pero aparecía sumido en una densa niebla.
Intentó ignorar el asunto y concentrarse sólo en la carretera que tenía delante. Pero el cuerpo tembloroso de Nora y su cara, sus ojos grandes, seguían bailando ante Samiha hasta que llegó a su casa.
Sentía una angustia cuyo motivo no lograba entender. Entró en su dormitorio y se tumbó sobre la cama con los ojos fijos en el techo. Sin preámbulos le llegaron los sucesos como si los estuviera soñando: Nora sufriendo a su lado con una voz herida, sin que ella pudiera verla, apretada como estaba en el asiento del conductor e incapaz de distinguir nada a su alrededor, excepto esta voz quejumbrosa y mezclada con un ruido molesto, un zumbido que casi le partía la cabeza y un golpeteo continuo en las puertas del coche. De entre el ruido se distinguió la frase “Ha muerto” antes de que todo se desvaneciera.
Se hundió en el sueño. Cuando despertó, aún llevaba su ropa de salir. Sufría un fuerte dolor de cabeza y sentía esa gran opresión que sigue normalmente a una noche llena de pesadillas, aunque hoy no se acordaba de ninguna. Su mente estaba saturada de gotas opacas que generaban una tristeza incomprensible. La frase “Ha muerto” empezó a sonar en su cabeza sin parar.
Creyó ver que Nora se escondía durante instantes en una oscuridad espesa antes de volver a aparecerle. Una tos y un cuerpo temblando y dos ojos grandes... Dos mujeres que caminaban juntas por lo que parecía ser un antiguo mercado popular. Y nada más.
Cogió el teléfono de la cómoda y llamó a Karim.

Estaba segura de que él aún no se habría despertado. Por eso no se rindió cuando no respondió a la primera llamada. Volvió a intentarlo con una insistencia a la que él no podía sustraerse.
Su voz salió tensa a su pesar: ¡Ven de inmediato...! ¡búscame!
Colgó como de costumbre antes de escuchar su respuesta. Luego se le ocurrió que él tal vez aún estuviera dormido y no la hubiera reconocido. Pensó en llamarlo otra vez. No lo hizo por recordar una frase suya que había golpeado sus oídos durante uno de sus raros momentos de rabia: que él se aburría de este tipo de llamadas suyas y que sólo iba a verla por miedo a sus espirales de quejas y lloriqueos con los que lo ahogaría si la ignoraba. Ya no le preocuparía mucho que ella estuviera realmente en un aprieto.
Se lo imaginó levantándose despacio de la cama después de despertarse con la llamada. Imaginó otra joven durmiendo a su lado. Le molestó la idea y la reemplazó por otro escenario en el que le veía apartar con presteza la manta de su cuerpo y levantarse rápidamente, a tropezones, caerse de bruces sobre su antebrazo derecho, maldecir su mala suerte. Se acordaría de que no la había visto en diez días y reconocería que su suerte tampoco era tan mala: al fin y al cabo era ella la que le llamaba, en lugar de que él tuviera que visitarla por sorpresa o insistirle para que le diera cita.
Este segundo escenario le dejó una tristeza que no quería aliviarse. Se preguntó cómo podía ser que él no la había llamado en diez días.
A las diez en punto escuchó el timbre de la puerta. Prestó atención a la voz de Nora que lo saludó con entusiasmo y luego lo llevó adonde estaba sentada ella, en el salón que daba a las pirámides.
Samiha estaba absorta, triste; a veces se alzaba todo el pelo negro con las manos. Llevaba un vestido de algodón azul sin mangas; en la mesita tenía una botella de vino y unos platos llenos de picoteo. No solía beber tan temprano pero hoy no habría podido soportar su desánimo sin beber.
En cuanto apareció Karim, ella le escanció una copa de vino. Sin una sola palabra de saludo le señaló la silla enfrente de la suya para que se sentara. Durante un buen rato no le habló. Sólo miraba, abstraída, las cercanas pirámides o se dedicaba a observar las plantas del jardín: las buganvillas, el jazmín, los claveles. Se comía los frutos secos y de vez en cuando tomaba un trago de su copa. Él se entretenía picoteando los anacardos y las almendras y ella se acordaba de Mustafa, su anterior amante, el que le había presentado a Karim. Solía compararlos; había querido mucho a Mustafa y soportaba su mal humor pese a dudar siempre de su fidelidad.
Ahora le asaltaron las dudas: ¿tal vez Mustafa le presentara a Karim cuando empezó a aburrirse de ella? ¿Y si lo había hecho precisamente por estar convencido de que a ella le gustaría su amigo? Cuando ella desapareció, ¿fue la oportunidad que él buscaba para librarse de ella sin exponerse a sus reiteradas amenazas de suicidarse? De repente se arrepintió de estas amenazas y deseó borrarlas completamente de su vida, no sólo de su memoria. ¿Y si Karim le había contado a Mustafa que la relación entre los dos había empezado aún antes de que su amigo renunciara a la suya? No supo por qué ella había llamado a Karim al día siguiente de conocerlo. Ni cómo acabó el asunto con los dos juntos en la cama.
Finalmente se volvió hacia él y adoptó de nuevo su sonrisa mágica, como si hubiera apretado un botón que borrase la tristeza y la ansiedad e hiciera aparecer una sonrisa de empleado de relaciones públicas.
Le preguntó:
—¿Crees que yo sería capaz de matar? O al menos de inducir la muerte de alguien?
Él respondió sin pensárselo:
—Si tú pudieras matar, ya habrías matado a Mustafa.
Ella se molestó mucho con la simple mención del nombre de Mustafa. Entre los dos había un acuerdo tácito de evitar pronunciar este nombre... Como todas las normas de su relación, ésta ley también la había establecido ella sin decirlo de forma clara.
Solía referirse a su amante anterior como “él”. Decía que ella le debía mucho... Él le enseñó como disfrutar con las canciones de Umm Kulzum después de que toda su vida no había escuchado más que música extranjera. Y se explayaba sobre cómo él le había hecho aceptar los olores orientales que antes no soportaba. Era capaz de hablar durante horas de sus más nimias virtudes sin señalar que él se había apoderado de gran parte de su riqueza. Al igual que Karim era más de veinte años más joven que ella y se había criado en una familia pobre. Solía vigilarla en cualquier sitio que se encontrase como si fuera su sombra. Pero cuando iba con ella no parecía ser en absoluto su amante sino más bien un asistente personal o un secretario que era obsequioso con sus amigos y amigas. Era lo que hacía Karim ahora, aparentemente convertido en un doble o un heredero de él. Un heredero menos habilidoso y menos sexual.
Karim captaba su molestia y se arrepintió mucho de haber pronunciado el nombre de Mustafa. Pero ella —afortunadamente— volvió a ignorar sus palabras y continuó hablando:
—Karim, me siento como si yo hubiera inducido la muerte de Nora. ¿Puede ser que yo la haya perjudicado en una vida anterior y ella ahora vuelva para vengarse de mí?
Una expresión de sorpresa, que él consiguió suprimir en seguida, se le dibujó en la cara antes de responder burlón:
—¿Qué vida, señorita?
Ella le miró con desconfianza, como si pensara en meterlo junto con Nora en la categoría de los enemigos de vidas anteriores. Pero de repente borró la mirada suspicaz y empezó un monólogo largo sin relación con lo que había estado diciendo antes.
Hablaba del cambio climático, del carácter de la chusma que dominaba la sociedad, del aumento de la pobreza y del fundamentalismo. Hablaba como si expresara opiniones serias en un programa de televisión y de vez en cuando miraba rápidamente alrededor como si hubiera ahí espectadores inivisibles que le siguieran con interés.
Continuó su retahila sin darse cuenta de que Karim no prestaba atención y no oía ni una sílaba: él se entretenía observando sus labios carnosos, contemplando los detalles de su cuerpo que empezaba a tender hacia cierta corpulencia, la caída de sus ojos, ocultos bajo una espesa capa de maquillaje vivificador que combatía las marcas dejadas en su piel por los años inclementes. Ella lo observó de reojo y por su mirada se dió cuenta de que él la deseaba. Pensó que le habría gustado tener sexo con él ahora.
Incluso durante el sexo, ella nunca se quitaba esa sonrisa dibujada en sus labios con tanto esmero. Cerraba los ojos y hacía como si estuviera en otro mundo. Cuando acababan, empezaba su ansiedad: se encerraba en sí misma y a veces lloraba. O lo trataba con una dureza sin motivos, antes de pedir perdón llorando unas horas más tarde o al día siguiente.
Sus ojos captaron la disminución del deseo que expresaba su cara, su intento de volver a escucharla. Continuó, pues, su monólogo del que fingía creerse ella misma cada palabra.
Esta seguridad que mostraba en todas sus actitudes, sobre todo cuando mentía, era lo que más caracterizaba a Samiha. No era una actuación, o tal vez fuera este tipo de actuación en la que se funden el actor y el personaje, tanto que el personaje acaba borrando la existencia real del actor. Lo asombroso en este caso era que ella asumía a diario un nuevo personaje al que encarnar, sólo para abandonarlo al día siguiente por otro distinto. A veces pasaba de un papel a otro con una velocidad alarmante: en una sola sesión podía ser la mujer perfecta necesitada de pasión, luego la chica débil al borde de un ataque de nervios, despues la femme fatal de fuerte carácter y obsesionada con el poder. O cualquier otro personaje distinto: entre todos se movía sin abandonar nunca su porte aristocrático ni la sonrisa fina dibujada en sus labios y que le daba una ambigüedad aun mayor.
De repente apareció Nora. Pasó cerca de los dos, miró a Samiha y durante un instante se turbó. Luego abandonó el salón; Samiha le pidió a Karim que la disculpas un momento y le siguió rápidamente. Al volver, su sonrisa seductora refulgía aún en sus labios pero una profunda tristeza empezó a habitar su mirada.

Parecía absorta y se preguntó si su cuchicheo enfadado con Nora habría llegado a los oídos de él. Hasta este instante no le había vuelto a explicar la verdadera causa de su llamada telefónica de la mañana y su insistencia en hacerle venir de inmediato. Decidió discutir con él tranquilamente de todo eso pero luego volvió a vacilar.
Su voz se fue apagando y de vez en cuando miraba el lugar donde había estado Nora poco antes.
Nora regresó con pasos ruidosos. Llevaba en las manos un ramo de claveles, aparentemente cogidos en el jardín. Escudriñó a Karim con la mirada mientras caminaba hacia el florero en la mesita del otro extremo del salón. Sacó las rosas, plenamente florecidas, que había en el recipiente y colocó el ramo de claveles en su lugar. Luego se llevó las rosas y se fue tarareando la letra de una vaga canción. Mientras tanto, Samiha permanecía completamente muda y se sintió sacudida por un ligero temblor.
Nada más salir Nora de la habitación, Samiha se estremeció y se puso de pie. Karim también se levantó. Ella dijo con voz apagada:
—Aquí no conseguimos hablar. ¿Qué te parece que salgamos por ahí esta noche?
Él respondió en el mismo tono que ella:
—No me hace, estoy de bajón y sin un duro.
Ella se volvió activa; desapareció durante algunos minutos y volvió con una suma de dinero que le entregó con una sonrisa, luego lo condujo al exterior. Salieron al jardín y se quedaban entre los arbustos de buganvilla y los claveles; finalmente ella le pidió su dirección, al tiempo que le prometió una alegre sorpresa.
Cuando él se hubo alejado, ella comenzó a pasearse sola por el jardín. Se acercó a un rosal y extendió su mano hacia una rosa roja que aún no había florecido. Una espina aguda la alcanzó. Retrocedió un poco y las lágrimas le saltaron a los ojos. Se las enjugó rápidamente y regresó a la casa; durante unos instantes creyó ver que Nora la estaba vigilando desde detrás de la cortina de la ventana, pero cuando agudizó la mirada no distinguió a nadie.
Pasadas las cuatro de la tarde, Samiha le informó a Nora de que se iba a una recepción en casa de una amiga suya y que no volvería hasta tarde. Dejó su coche y cogió un taxi. Le pidió al conductor que la llevara a la dirección que le había dado Karim. El hombre miró su ropa sofisticada y su gusto aristocrático intentando adivinar por qué razón ella pudiera dirigirse a semejante lugar. Pero no dijo nada.
Se acordó de repente de que Nora había colocado las rosas en el florero y que había vuelto una hora después para reemplazarlas, sin motivo, por un ramo de claveles. Alejó su mente de este pensamiento e intentó conjurar la imagen de Karim. Le molestó haberle observado rozar a su joven criada con una mirada inequívoca. Ahora, el taxi estaba llegando al barrio Saft Laban por calles estrechas y polvorientas. Contempló el caos alrededor, las viejas casas casi pegadas unas a otras, y se le hizo presente qué distancia separaba a Karim de ella. La idea le angustió. No dudó de que la misma sensación la tenía que experimentar él cuando iba con los vecinos de ella al club de la Isla o a las fiestas de cóctel en casa de sus amigas.
El taxi se paró y el conductor señaló un edificio cercano. Samiha se bajó del coche y se encontró en un mercado similar a aquel por el que había errado el día anterior. Caminaba fingiendo calma, pero todo el mundo la observaba con asombro. Supo que su entrada en el apartamento de Karim atraería definitivamente las miradas, de forma que desistió de sus intenciones y se quedó en una esquina aislada para contemplar el lugar donde vivía él. Pensó que si hubiera venido Nora aquí y hubiera querido colarse en el apartamento de Karim, le habría sido más fácil. Nora no parecía ser igual de ajena a este sitio.
Regresó al coche que no había dejado de esperarla. Cuando llegó a su casa no llamó al timbre. Abrió la puerta con su propia llave porque Nora estaba acostumbrada a salir cuando ella le advertía de que iba a volver tarde. Entró y escuchó la voz de Karim desde el salón. Se dirigió hacia allí y le vio sentado junto a Nora, en una conversación sólo interrumpida por su llegada. Nora se fue rápidamente. Karim le aseguró a Samiha que había vuelto con intención de tranquilizarla, porque la había encontrada muy tensa por la mañana, pero que no la había encontrado en casa.
Ella se sentó y le oyó hablar largamente sin escuchar en realidad ninguna de sus palabras. Fingió prestarle atención mientras intentaba dibujar su sempiterna sonrisa. Esperó pacientemente hasta que Karim terminó su visita, luego fue hacia su escritorio. Cerró la puerta y sacó un album de fotografías. Empezó a contemplar sus fotos antiguas: una en la que era una niña con el uniforme escolar del Ramses College, otra en la que llevaba un traje de baño que dejaba al descubierto la mayor parte de su cuerpo, firme y modelado por sus ejercicios de yoga; ahí tenía veinte años. Una tercera en los sesenta con sus padres en un viaje a Inglaterra... Pasó rápidamente por las demás fotos y cuando llegó a las más recientes cerró el álbum de golpe. Abandonó la habitacion evitando mirarse en el espejo al lado de la puerta.
No preguntó a Nora por qué se había sentado con Karim, ni le reprochó que le hubiera dejado entrar en su ausencia. Sólo le pidió que se viniera rápidamente de viaje con ella al chalé que poseía en la costa norte. No se llevaba nada, excepto un bolso de mano que agarró de prisa, y arrastró a Nora tras de sí.
Conducía a gran velocidad por la carretera de El Cairo a Alejandría a través del desierto, mientras tarareaba, de nuevo, la letra de la cancion de Najat. Se sintió tan ligera como no se había sentido en años. Se había vuelto a convertir en una joven guapa que brillaba por su belleza y por su cuerpo firme. Levantó la voz y aumentó la velocidad del coche. El aire fresco le azotaba la cara y no prestó atención. Nora le preguntó por el motivo del viaje imprevisto y no le respondió. De repente no pudo dominar el volante; el coche dejó de obedecerle, luego ya no fue consciente de nada que ocurriera a su alrededor. Sólo le llegaba una voz herida y quejumbrosa, un zumbido que casi le partía la cabeza y un ruido que envolvía todo.