Friday, March 10, 2017

هيا نشتر شاعراً: جحيم العيش بلا مجاز






منصورة عز الدين





كتب الروائي الأمريكي كورت فونيجوت  مرة أن الرعب الحقيقي يكمن في أن تستيقظ ذات صباح لتجد صفك في المدرسة الثانوية يحكم البلد! وإذا فكر كل منا في هذه الاحتمالية متذكراً ما اتسم به أفراد صفه من حماقة وطيش وانعدام مسئولية في تلك المرحلة العمرية، سيفاجأ بمقدار الرعب الكامن خلف جملة بدت لأول وهلة مضحكة وساخرة. وعلى منوال مقارب يقدم الكاتب البرتغالي أفونسو كروش لقراء روايته القصيرة "هيا نشتر شاعراً" أمثولة ساخرة لكن التدقيق في تفاصيلها يضعنا أمام جحيم أو على الأقل كابوس يتحول فيه البشر إلى ما يشبه "روبوتات" غير مشغولة سوى بالربح والأرقام والماديات الملموسة.

وفق هذه الرؤية "الديستوبية" لا مكان للمجاز ولا للفن. الشعراء والنحاتون يباعون كحيوانات أليفة. لا تكمن الكارثة هنا في غياب الشعر فقط وتحول الشعراء إلى حيوانات أليفة لتزيين البيوت، بل في غياب المجاز حتى خارج الشعر والاكتفاء بالمدلول الحرفي للكلمات وحده.
التحية المتبادلة هي: "نمو وازدهار!"، وفعل التقبيل يُعبّر عنه لغوياً بـ: "ترك على وجوهنا مليغراماً أو مليغرامين من اللعاب!"

كل شيء محسوب بالجرام واليورو أو بالربح المتوقع منه: المأكل والمشرب وحتى المشاعر الإنسانية: "يقولون إنه لمن المفيد التعامل بمودة من الآخرين، وربط صلة من الألفة بين الأشخاص لتحقيق نوع من الربح، وإن كان ربحا عديم القيمة لأنه ليس مادياً، ولا يمكن تحويله إلى أرقام أو استغلاله في الضرائب، ولا هو أيضاً مصدر دخل، ولكن هناك من يعتقد – وهي مسألة إيمان – أنه يمكن تحقيق مكاسب من وراء ذلك."
باختصار يمكننا القول إن رواية كروش - الصادرة في 82 صفحة عن دار مسكيلياني بترجمة أنجزها عبد الجليل العربي - هي استعارة روائية عن موت الاستعارات، موت اللغة والخيال.
وإذا تذكرنا مقولة هايدجر الخاصة بأن "اللغة بيت الوجود"، فمن الطبيعي أنه حين تتسطح اللغة وتخلو من المراوغات والمجاز يتسطح وجودنا ذاته، ونتحول إلى أرقام.

ينجح الروائي البرتغالي في الوصول بلغة روايته إلى الدرجة المرغوبة من الخشونة والوضوح ومعاداة المجاز والصور الفنية، وحتى حين يتسلل تعبير مجازي يتم تصحيحه أو التسخيف منه في الحال، مثلاً حين استعملت الراوية تعبير "تفاحة الخد"، استدركت فوراً: "تفاحة الخد عبارة غريبة وغير مفهومة، في حين تم التأكد بصفة مطلقة من عدم وجود تفاحات على الخد وإنما الثابت حقاً هو وجودها في المراكز التجارية الكبرى."
المجازات الوحيدة المعترف بها ذات علاقة بالمادة، مثل أن يتم الإعلان عن الشعور بالملل بتعبير: "لا تكسري محفظتي."

الخطير في الرواية أنها تكثف ما هو موجود فعلاً في المجتمعات الحديثة من تهميش للفنون وتقديس للاستهلاك وعبادة كل ما هو مادي. تضع كل هذا تحت عدسة الفن المكبرة لنخرج بصورة كاريكاتورية تُركَّز فيها هذه السمات لندرك أي جحيم يمكن أن نصل إليه إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
الشاعر أيضا يتم تقديمه في مبالغة كاريكاتورية تتسق مع الجو العام للرواية فيبدو ككائن غريب ينطق ما يبدو للآخرين كألغاز ولوغاريتمات، لكن سكنه في بيت الأسرة التي اشترته يخلخل عالمها ويغير شخصيات أفرادها. ووفق منطق الحكايات الرمزية البسيط يكتشف الأب فائدة مادية ملموسة للشعر.

تمنيت فقط لو لم يضف الكاتب لروايته القصيرة الجزء الأخير المعنون بـ"ما يشبه الخاتمة" والذي يشير فيه إلى حال الفن في البرتغال، لأن هذا الجزء التقريري خصم من الرصيد الفني للرواية وحصرها في دائرة "المغزى" و"الرسالة" والصرخة ضد تهميش الفن في مجتمع مادي استهلاكي.


لكن أجمل ما في تجربة قراءة "هيا نشتر شاعراً" هو التعرف على صوت جديد لم يسبق تقديمه باللغة العربية وعلى مترجم متميز يترجم عن البرتغالية مباشرةً، ننتظر منه المزيد من الأعمال المترجمة عن لغة تتسم بثراء أدبها الذي لا نكاد نعرفه سوى عبر ترجمات عن لغة وسيطة. ولا يجب أن تفوتنا هنا الإشادة بتنوع اختيارات دار مسكيلياني وجدتها وانفتاحها على أصوات أدبية غير مألوفة عربياً.

زاوية "كتاب".. نقلاً ن جريدة أخبار الأدب.

Friday, February 24, 2017

تانجو الخراب: كاتدرائية روائية و"نبي" يبشِّر بالهلاك






منصورة عز الدين


يغص عالم الأدب بعدد هائل من الحكائين (مهرة أو غير مهرة)، وقليلاً ما نقابل بينهم روائياً فريداً يدفعنا لإعادة حساباتنا وإلقاء نظرة جديدة على تاريخ الرواية بعد أن تعرفنا عليه باحثين عن موقع مناسب له فيه بمعزل عن اعتبارات المجايلة والآنية. بين هذه الفئة من الروائيين المُجيدين يبرز الروائي المجري لاسلو كراسناهوركاي ككاتب متمرس يدفع قراءه داخل أتون من الأسئلة الشائكة ويسلمهم إلى متعة محفوفة بالقلق وحبس الأنفاس.
في روايته "تانجو الخراب"، التي ترجمها الحارث النبهان إلى العربية وصدرت عن دار التنوير، ينجح كراسناهوركاي في تحقيق معادلة نادراً ما ينجح فيها أحد وهي الحفاظ على قدر عالٍ من التشويق في عمل ذي إيقاع هادئ متأمل وجمل طويلة متشابكة وسرد مشغول بالوصف الدقيق والمشاهد البصرية التفصيلية.
وسر نجاحه في هذا يكمن في قدرته على المحافظة على درجة محسوبة من الغموض لا تزيد فينصرف القارئ عن العمل، ولا تقل فتضاعف من بطء الإيقاع فيغرق القارئ في الملل.
ثمة دائماً حدث رئيسي محذوف وتفاصيل غائبة تحث على التفكير في مبررات الشخصيات وتحفز الرغبة في مواصلة القراءة من أجل مزيد من الفهم، وحتى بعد الانتهاء من قراءة العمل ستظل هناك أفعال تشغلنا بحثاً عن مبررات وتأويلات مقترحة لها.
في الفصل الأول سوف ننشغل بتلمس تفاصيل العلاقة بين فوتاكي والسيدة شميدت وزوجها، وسنبدأ في تخمين أسباب تدهور حال المزرعة ورغبة الفلاحين في الرحيل عنها  ونتساءل عن هوية إرمياس هذا الذي يبدو كالعائد من بين الأموات وسر تباين ردود فعل الشخصيات الرئيسية الثلاث في هذا الفصل على نبأ عودته. وفي الفصل  الثاني لن نعرف في البداية هوية بطليه الرئيسيين ولا ماذا يفعلان في هذا المبنى (مؤسسة أمنية) ولا ما المراد منهما بالتحديد! ثم تتضح الأشياء تدريجياً حين نعرف أنهما إرمياس وظله البشري بيترينا قبل عودتهما إلى المزرعة في مهمة محددة. وهكذا مع كل فصل، ثمة أسئلة أجوبتها مؤجلة إلى حين مما يزيد من الترقب ويرفع مستوى التشويق. هناك أيضاً لعبة تزامن يلعبها كراسناهوركاي ببراعة خاصة في الجزء الأول من الكتاب الذي تتشابك فيه الخيوط ويتعقد البناء، قبل أن ينبسط في الجزء الثاني، فبعض التفاصيل يعود إليها المؤلف من زاوية جديدة من فصل لآخر، فيتضح التراتب الزمني للأحداث ولحركة الشخصيات، دون إشعار القارئ بأي ملل أو تكرار. فالرواية مُهَندَسة بانضباط مذهل مترافق مع انسيابية لا يقلل منها ولع كراسناهوركاي بالجمل بالغة الطول والتشبيهات المتتالية. هذه الانسيابية تخبرنا أن كراسناهوركاي لم يختر عنوان روايته عبثاً، فالعمل بكاملة أشبه برقصة "تانجو" أو بمقطوعة موسيقية مركبة وكاشفة، تفتح عيوننا على جمال سوداوي يمزج بين الرائع والمريع، ويكشف الخراب ويضعه تحت مجهر الرواية، فعالم "تانجو الخراب" خرِب متهالك، نسجت العناكب شباكها على كل شبر فيه، مياهه مطر مُهلِك، وبِرك راكدة عطنة، ونباتاته ينخر العفن في جذورها، أما البشر فيه فشخصيات غريبة معذّبة غارقة في خطاياها وبؤسها. يراقب كل منها الآخرين ويعد عليهم أنفاسهم، كأننا أمام منظومة للمراقبة المتبادلة. الفلاحون يراقبون بعضهم بعضاً من خلف الستائر، والطبيب يظل جالساً بجوار النافذة كي لا تفوته أي حركة يقوم بها أحد الجيران، ويتفوق على الآخرين بتدوين كل ما يراه في دفاتر يحمل كل منها اسم الشخصية المُرَاقَبة. وكما سنعرف لاحقاً، فإن المهمة الموكلة لإرمياس وبيترينا من النقيب في المؤسسة الأمنية الغامضة تنطوي على كتابة تقارير عن هذه الشخصيات. وأظن أن هذه التفاصيل تكتسب أبعاداً جديدة ومعانيَ إضافية بمعرفة أن الرواية تدور في المجر خلال الحقبة الشيوعية.
***
يلعب المخيال الديني (التوراتي والإنجيلي) دوراً مركزياً في "تانجو الخراب" التي تبدأ باستيقاظ فوتاكي على صوت أجراس كنسية غامضة. ثم يرى نفسه "مسمَّراً إلى صليب مهده ونعشه، يتألم محاولاً انتزاع جسمه بعيداً من غير أن يفلح في النهاية إلا في وضع نفسه – عارياً تماماً، ومن غير علامة مميزة، مجرداً من كل شيء وصولاً إلى الأساسيات – في عهدة الأشخاص الذين كانت مهمتهم غسل الجثث"، في استدعاء واضح لصلب المسيح. كما أن الفلاحين كانوا يظنون أن إرمياس وبيترينا قد ماتا قبل 18 شهراً، وبالتالي ينظرون لعودتهما كبعث من الموت. عناوين الفصول المختارة بعناية، يحيل معظمها بدوره إلى الكتب المقدسة.
منذ البداية نستشعر أن ثمة "أبوكاليبس" وشيك الحدوث. كارثة توراتية ستطيح  بالمزرعة المنعزلة وتحولها إلى "مدينة" هالكة لا محالة، سدوم أو عمورة أو إرم ذات العماد في ثوب معاصر. المطر الغزير المستمر وملامح الخراب والعطن والركود في كل ركن يشعرنا أن الكارثة المنتظرة ستأتي في هيئة طوفان، يترسخ هذا الإحساس عندما يبدأ الفصل الثالث على هذا النحو: "في الحقبة الباليوزية، قبل ملايين السنين، بدأ غرق أوروبا الوسطى كلها. ومن الطبيعي أن بلدنا الأم هنغاريا كان جزءاً مما جرى."
يتوازى هذا مع انغمار دائم بماء المطر الغزير. وفي الجزء الثاني من الرواية حين يأتي إرمياس لنقل المجتمعين في قصر ألماسي، بشاحنة أحضرها معه، تبدو هذه الشاحنة كأنها فُلك نوح مفترض لإنقاذهم من الخراب والهواجس والشكوك في مصداقية مخلِّصهم، لكن الفكرة أن إرمياس شخصية ملتبسة بالغة التعقيد، وليس نبياً أو مخلِّصاً كما يرونه. لن يكشف كراسناهوركاي سر عودة إرمياس لنقلهم بالشاحنة بعد أن أعطوه نقودهم قبلها بالفعل كما خطط ورغب، كما سيترك تفصيلة طلبه شراء أسلحة ومتفجرات - من تاجر السلاح "باير" - عالقة في الهواء موحية بهلاك مستقبلي لا يبقي ولا يذر، هلاك يذكرنا بكلمات إرمياس في الفصل الثاني، والتي بدت حينها أقرب إلى هلوسات شخص يائس: "سننسف جسورهم؛ وبيوتهم؛ والبلدة كلها؛ والحدائق؛ وصباحاتهم؛ وبريدهم، سنفعل ذلك خطوة بعد خطوة، سنفعله كما ينبغي، كل شيء وفق الترتيب الصحيح..."، "المدن كلها. واحدة بعد أخرى!"، "والقرى. حتى أبعد كوخ!"
إرمياس ليس نبياً إذاً حتى ولو جاء لنقلهم من القصر بعد أن يئسوا من مجيئه، وهو ما أدركه فوتاكي بذكائه وتبصره. هو (أي إرمياس) أقرب إلى رسول للخراب والهلاك. (لا يمكننا تجاهل أن اسمه تنويعة على اسم النبي إرميا أو النبي الباكي المتنبئ بخراب أورشليم والشاهد عليه.)
في جملة عابرة في بداية الرواية يشير الراوي إلى أن فوتاكي كان "مرغماً على النظر إلى الشرط الإنساني من دون أي أثر من شفقة". ويبدو لي أن الأمر نفسه ينطبق على كراسناهوركاي في روايته هذه إذ ينظر بدوره إلى الشرط الإنساني دونما شفقة، مشرِّحاً إياه ومتعاملاً مع شخصياته الفنية – العصية على النسيان - بعين قاسية مُعرية راغبة في الفهم لا التعاطف، ومن أجل هذا وحده تجلب التعاطف نحو هذه الشخصيات، فحتى أكثرها شراً نجدنا متورطين في تأمله بمحبة متفهمة، كأن شره هذا ابتلاء وقدر لا قدرة له على تغييرهما. أو كأن الشرط الإنساني المحكوم بالفناء يسم الجميع بالهشاشة ويدفعهم إلى انتظار ما لن يأتي أبداً، فالرواية ليست عن الخراب فقط بل عن الانتظار أيضاً، حيث تبدأ بجملة كافكا: "في تلك الحالة، يجعلني انتظار الشيء أخسره!" ويخيم الانتظار الممض على أجوائها مذكراً إيانا  بعوالم صمويل بيكيت وبكل آمالنا المهدرة وأمانينا العصية على التحقق.
***
إذا كنت قد شبهت رواية كراسناهوركاي بالكاتدرائية نظراً لبنيانها الفخم ومعمارها المُهندَس بدقة، فإن بنيتها لا تخلو من مفاجآت وألاعيب، فمنذ بدايتها حتى الفصلين الأخيرين تبدو "تانجو الخراب" كراوية كلاسيكية معاصرة مكتوبة بإتقان وتماسك، لكن في الفصل قبل الأخير يفاجئنا المؤلف بموظفين داخل المؤسسة الأمنية البيروقراطية وهم يحررون الوثائق المقدمة لهم عن فلاحي المزرعة محاولين تهذيب لغتها دون التخلي عن وضوحها ودقتها. في الغالب هي التقارير الأمنية التي كتبها إرمياس في إطار المهمة الموكلة إليه في الفصل الثاني. وفي الفصل الأخير، يعود المؤلف إلى شخصية الطبيب، بعد أن غيّبه معظم الرواية، فنراه وحده في بيته بالمزرعة عقب خروجه من المستشفى، متسائلاً عن سر اختفاء الآخرين، وبادئاً في تحويل ما سبق ودونه عنهم في دفاتره إلى رواية، هي على الأرجح "تانجو الخراب".
في النهاية تبقى الإشارة إلى أنه إذا كان إرمياس هو رسول الخراب؛ المبشر به والمؤدي إليه، فإن لاسلو كراسناهوركاي هو رائيه ومدوِّنه ومُشيِّد كاتدرائيته الروائية.



 *نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.

Friday, January 20, 2017

عاشق مولع بالتفاصيل: إيروتيكية التجزيء






منصورة عز الدين




يبدأ ألبرتو مانغويل روايته "عاشق مولع بالتفاصيل" الصادرة عن دار الساقي، بوصف بواتييه؛ المدينة الفرنسية المتفردة التي "تكشف عن نفسها تدريجياً، تفصيلاً إثر آخر، دون أن تتيح للزائر إدراكها تماماً بكليتها." يرد الراوي هذا الميل للتجزيء إلى "شهوانية موزونة لكائن في الشمس يظهر نفسه قشرة إثر أخرى، طبقة إثر أخرى، كالأميرة التنين ميلوزين من مدينة لوسيغنان القريبة."

مع مواصلة القراءة سيكتشف القارئ أن بورتريه المدينة هذا يكاد يتطابق مع شخصية بطل الرواية أناتول فازانبيان المولود في العقد الأخير من القرن التاسع عشر والذي كان نتاجاً نموذجياً لبواتييه، المغرمة بالتفاصيل لا بالمشهد الكلي.

لا يكتفي مانغويل بالمماهاة بين فازانبيان ومدينته، بل يماهي أيضاً بينه وبين أحجار كنيسة نوتردام. يكتب: "لكي يفهم المرء شخصية فازانبيان (يقول تيراديو وأعتقد أنه محق)، لا بد عليه أن يفهم السمة اللافتة للكنيسة التي وُلِد فازانبيان في ظلها، لأن السمرة الظاهرية لفازانبيان، المماثلة بقدر كبير لحجارة بناء الصرح، تخفي فعلياً نيراناً بيضاء داخلها."

يبدو الأمر كأن ثمة إصراراً من الكاتب على تشييء شخصيته، ودمجها بمحيطها المكاني والمعماري وحتى النباتي بكل الطرق الممكنة. فالمعادل البيولوجي لأناتول فازانبيان وفقاً للراوي هو نبات "سابروفيت" الذي يقتات على المواد العضوية الميتة. وفي سياق غير بعيد يجعل صاحب "تاريخ القراءة" الموزاييك والبلازون (نظم موزون في مديح شخص ما أو أمر ما، وتحديداً أجزاء من جسد الأنثى.) من المنابع الأصلية لموهبة فازانبيان الفريدة.

كما يتعمد إضفاء مسحة جروتسكية واضحة على بطله،  تساهم في وضع مسافة بين القراء وبينه ليتفحصوه كما لو كان موضوعاً للفرجة. فازانبيان كما يصوره مانغويل شخص باهت كادح بعينين عليلتين حتى نهاية حياته، متبلد بمظهر معدني يقتات على ما لا حياة فيه مثل الـ"سابروفيت".
يبدو الأمر متعمداً، ومختاراً كتقنية يراها الكاتب الأمثل في تقديم بطله الذي حوّل التلصص إلى فن. ما يدفعني لترجيح احتمالية التعمد والقصدية هو الحرص على هذا المسلك على امتداد الرواية القصيرة (95 صفحة) والتأكيد عليه بطرق مختلفة.

***

إذا كان مانغويل قد عمد إلى تشييء فازانبيان منذ السطور الأولى للرواية، فإن الأخير بدوره يُشييء من يوجه عاطفته/ عدسته نحو أجسادهم الغافلة عن العين الميكانيكية المتلصصة عليها. هو لا يشتهي الأجساد نفسها بقدر ما يشتهيها وقد تحولت إلى صور صماء (فن؟) يفردها فوق سريره.

بالنسبة له "لم يكن الجنس مهماً لأن الكائن البشري بأكمله أصبح، في عينيه، كتلة من الإغواءات الجنسية اللانهائية، وموزاييكاً من الرغبة، وخلية نحل من الاحتمالات الإيروتيكية التي تتحول وتتجمع بتقلب موشوري لوني."

 الرواية، التي ترجمها المترجم السوري يزن الحاج، والمتمحورة حول سيرة هذا الفنان الغريب تنزع إلى التقريرية في معظم أجزائها. ثمة ميل للإيحاء بأن دور الروائي هنا ينحصر في رصد كيف وصل بطله إلى مصيره التراجيدي النهائي، وفي تبيين منابع ولعه بالتفاصيل وموهبته غير المألوفة كمصور فوتوغرافي. قد يتساءل القارئ إن كان أناتول فازانبيان هذا شخصية حقيقية أم لا، وفي هذه الحالة أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التخييل؟ غير أننا في النهاية  أمام رواية، وعلينا التعامل مع بطلها كشخصية فنية بغض النظر عن إن كان له وجود واقعي خارج صفحات العمل أم لا.

الأجزاء المروية على لسان فازانبيان باعتبارها شذرات من يومياته، هي ما قلل من جفاف النزعة التقريرية للرواية، ومنح فازانبيان صوتاً يعبر من خلاله عن آرائه ورغباته وتفضيلاته. في موضع ما يكتب مثلاً: "لا أرغب في رؤية المزيد. الاكتمال لا يترك فسحة للرغبة."
وفي موضع آخر: "الفارق بين التصوير الفوتوغرافي والنظر هو أن فعل الأول يدوم إلى الأبد، فيما يحدث فعل الآخر في شذرة زمنية لا تشبع حواسي الشرهة على الإطلاق."

***

يذكِّر فازانبيان ببجماليون لكنه يكاد يكون معكوس النحات الذي وقع في غرام تمثال من صنع يديه وابتهل كي تدب فيه الحياة. حوّل بجماليون بشكل ما الفن إلى كائن حي، أما بطل مانغويل فكان يحول الأجساد الحية (أجزاء منها لو شئنا الدقة) إلى فن. وكان يشتهي النسخة الفنية من الأجزاء التي تختلس كاميرته صورها من أجساد المستحمين في الحمام العمومي حيث كان يعمل أكثر من اشتهائه للأصل.

فشهوته - كما سبق وذكرت - لم تكن موجهة لهذه الأعضاء والأجزاء المتقطعة والعاجزة عن تكوين جسد كلي، بقدر ما كانت منصبة على صورها، أي على ما صنعت يداه من فن. يمكننا تأويل هذا بأنه غرام بالذات (بموهبتها؟)، لكن بطريقة ملتوية ومركبة، ووفق هذا التأويل يمكننا النظر إلى فازانبيان على أنه نرجس معاصر.
لكن الأهم أن رواية مانغويل القصيرة هي، في وجه من وجوهها، أمثولة للعلاقة الشائكة بين الفنان (فازانبيان في حالتنا هذه) وعمله الفني، لذا كان من الطبيعي أن ترتبط نهاية البطل بإخفاقه في مغامرته الأخيرة كفنان.


تبقى الإشارة إلى أن شخصية فازانبيان بالغة الثراء، وحافلة باحتمالات ومساحات وإمكانات فنية لم يستغلها ألبرتو مانغويل كما ينبغي.

زاوية "كتاب"، نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.

Wednesday, January 18, 2017

Le Mont Émeraude









Sindbad/Actes Sud
« Mondes arabes »

Mansoura Ez-Eldin
Le Mont Émeraude
Roman traduit de l’arabe (Égypte) par Stéphanie Dujols


2011, Le Caire, peu après la révolution. Enfermée dans son appartement, une femme, Bustân al-Bahr, cherche à ressusciter Zomorroda, princesse du mont Qâf, dont le récit maudit aurait été déformé puis délaissé par les conteurs des Mille et Une Nuits. Recueillant cette légende perdue, elle en recoud la trame, la rapièce, l’épure, tout en l’entrelaçant avec l’histoire de Hadir, une jeune Égyptienne d’aujourd’hui qui se retrouvera embarquée dans l’aventure, dans un va-et-vient permanent entre les temps et les lieux, mais où les personnages, qu’ils viennent du fond des siècles ou évoluent autour d’elle, se ressemblent dans leur errance, leur choix de la marge ou de l’ailleurs, leur quête obstinée.

Les Mille et Une Nuits ont toujours été un trésor d’inspiration pour les écrivains du monde entier, y compris, bien sûr, ceux du monde arabe, qui les ont adaptés à l’intention des publics jeunes ou adultes, mais ont aussi mené un “dialogue” subtil avec la matière littéraire et philosophique qu’ils recèlent.  Dans ce roman, Mansoura Ez-Eldin croise à merveille ce qui est propre aux Nuits (l’étrange, le fantastique le plus échevelé, le récit à tiroirs) et une recherche narrative tout à fait contemporaine.

Mansoura Ez-Eldin est née en 1976 dans le Delta (Égypte). Journaliste littéraire à l’hebdomadaire Akhbar el-adab, elle est l’auteur de deux recueils de nouvelles, Lumière tremblante (2001) et Vers la folie (2013), et de trois romans: Le Dédale de Maryam (2004, traduit en anglais), Au-delà du Paradis (2009, nominé pour le Booker Prize arabe et traduit en allemand et italien), et Le Mont Émeraude (2014, prix du roman du Salon du Livre de Sharja).

.



Friday, January 13, 2017

برونو شولتز: صانع الأساطير الذي تحول إلى أسطورة



بورتريه ذاتي رسمه شولتز


منصورة عز الدين


"يغوص الأدب عميقاً في اللاوعي بحثاً عن الأساطير المخفية والذكريات المدفونة وأحلام الطفولة." هذا ما كان يؤمن به الكاتب والرسام البولندي برونو شولتز، فالكتابة بالنسبة له كانت غوصاً في أعماق اللاوعي حيث الأساطير والذكريات والأحلام المغيبة التي تحتاج إلى نبش وتمحيص وإعادة تشكيل بحيث تتحول إلى مكون فني خلاق.

في واحدة من قصص شولتز الأخيرة، يقول شلوما – الخارج لتوه من السجن - للطفل جوزيف حينما رأى رسوماته: "بإمكان المرء قول إن العالم مر عبر يديك كي يتم تجديده." وهذا الوصف ينطبق تماماً على كتابات شولتز نفسه وكذلك على رسوماته، إذ كان بارعاً في إعادة صياغة العالم وإعادة خلق الواقع بحثاً عن جوانبه الميثولوجية لتكثيفها وإبرازها.

في عوالم برنو شولتز لا حواجز بين البشر والموجودات من حولهم. ثمة سيولة ما – إن جاز لنا استخدام هذا التعبير – كفيلة بإشاعة حالة من التحول الدائم. فالبشر لا يتحولون فقط إلى حيوانات أو طيور أو حشرات، بل إلى جمادات أيضاً. والجمادات لدى شولتز ليست مثلها في العالم الواقعي، ففي كثير من القصص تبدو كأنما تملك سمات إنسانية، ولا أقصد هنا "أنسنة" للجمادات بالمعنى الساذج أو المباشر لدى كتاب آخرين، ففي حالة شولتز المسألة أكثر تركيباً وترتكز على فلسفة توحي بأن خلف كل شيء أشكال مخفية من الحياة، بحيث يكون الموت نفسه مقدمة لشكل مغاير من أشكال الحياة.

في قصة "دراسة حول المانيكانات، أو سفر التكوين القادم"، وفي واحدة من تنظيرات الأب الهذيانية يقول إن القتل ليس خطيئة، بل عادة ما يكون خرقاً ضرورياً ضد أشكال عنيدة ومتحجرة من الكينونة، كفت عن أن تكون مميزة. وفي هذه الحالة قد يمثل القتل خدمة. وقرب نهاية القصة نفسها يعلن الأب هدفه: "باختصار، نريد خلق الجنس البشري مرة ثانية على مثال وصورة المانيكان!"

***

التحول إذاً ثيمة مركزية لدى شولتز، وللأب النصيب الأبرز في هذه الثيمة، إذ نراه في حالة تحول دائم. يموت ويعود للحياة بلا توقف. يغادر حالته البشرية إلى حيوان أو حشرة أو حتى إلى جماد. في قصة "الصراصير" مثلاً  يتماهى الأب مع الصراصير ويصير صرصاراً بالتدريج. قد يستدعي هذا كافكا إلى الذهن بقوة، لكن الفارق واضح، فالتحول أو المسخ لدى شولتز لا يتم تصويره كعقوبة كما في حالة كافكا، لا "دراما" هنا بل حس طفولي لاهٍ وساخر.

أيضاً نثر شولتز أكثر تعقيداً وتركيباً من كافكا بمراحل. فمقابل جمل كافكا الواضحة ولغته السلسة، نجد أن جمل شولتز الوصفية التفصيلية القادرة على تجسيد المجردات وإحيائها وعلى بث الحياة في أشد التفاصيل مواتاً، أهلته لأن يوصف ببروست الغرائبية.

كما أن مركزية الأب في كتابة شولتز وإن تشابهت ظاهرياً مع مركزيته لدى كافكا، فإن العلاقة مختلفة. لدى شولتز، أو راويه الطفل غرام بالأب وافتتان بغرابته وأحواله المتغيرة. كما أن غرائبية شولتز أو واقعيته الحلمية لا تخلف في النفس شعوراً بالقلق أو الانزعاج، إذ ثمة حس احتفالي حنون يغلِّف عوالم الكاتب البولندي، بحيث تبدو شخوصه كأنما رغم دهشتها مما تقابله من غرابة سرعان ما تندمج فيها لتكتشف وجهها السحري وتفتتن به.

في قصة "دكاكين القرفة" على سبيل المثال، يطلب الوالدان من الطفل الصغير جوزيف العودة لجلب حافظة نقود الأب من البيت ليلاً. وحده في ليلة شتوية وفي مدينة تحولت شوارعها إلى متاهة من الطرق المزدوجة والمتشابهة، يفكر الابن أنه تهور لا يغتفر أن ترسل طفلاً في مهمة عاجلة وهامة في ليلة كهذه، فالشوارع نصف المضاءة سوف تصبح متشابكة ومتعددة. وكل شارع منها سيبدل مكانه مع شارع آخر. هكذا يبدو متوجساً في البداية، لكنه مع هذا لا يغفل عن جمال الليلة ودفئها البعيد عن برودة الشتاء ويتذكر حلمه بزيارة الدكاكين التي يطلق عليها اسم "دكاكين القرفة"، ويقرر زيارتها حتى لو تسبب هذا في تأخره في تنفيذ المهمة المكلف بها. لا يجد الشارع المطلوب ويدخل بدلا منه شارعا آخر بيوته بلا أبواب، فقط بنوافذ محكمة الإغلاق. ليبدأ بهذا رحلة اكتشاف وافتتان لا رحلة معاناة كابوسية.

***

الفضاء المديني  هو محور قصص شولتز، وقلبها النابض، وإذا كان نقاده يقولون إن مدينته الإقليمية  دروهوبيتش هي الأساس الواقعي للمدينة في كتاباته، فإن مدينة شولتز المتخيلة مفارقة للواقع حتى ولو نبعت منه. هي مدينة ميثولوجية إن جاز التعبير، فضاء يمتزج فيه الواقعي بالأسطوري، نسجه الكاتب على مهل ووضع مخططه المعقد بدأب مخطط مدن أدواته الكلمات والميثولوجيا والخيال.

وأنا أقرأ "شارع التماسيح" أو "جمهورية الأحلام" أو "دكاكين القرفة" على سبيل المثال لا الحصر، أتخيل برونو شولتز كدليل سحري يقود قراءه بين طبوغرافيا مدنه وجغرافيتها، ويخلق الشارع أو الحي أو الغابة بمجرد ما أن ينطق بوصفها. كأنها تنبني على وقع صوته أو كلماته الواصفة لها.

ولأن التحول خصيصة أساسية في كتابة شولتز، فإن مدينته بالتبعية متحولة، فأكثر من مرة تفقد المدينة ملامحها ويكون من الصعب التعرف عليها سواء بتأثير الليل وعيون الطفل الصغير غير المعتاد على أن يكون وحيداً في فضاء المدينة الليلي كما في قصة "دكاكين القرفة" أو بتأثير عاصفة قوية تغير كل شيء بحيث: "ربما فعلًا لم تعد هناك مدينة ولم يعد هناك ميدان سوق بعد الآن." كما في قصة "العاصفة".

كتب شولتز مدينته (مدنه؟) الميثولوجية قبل إيتالو كالفينو ومدنه اللامرئية بعقود، لكن إن كان كالفينو في عمله الفريد يميل إلى التجريد والإيجاز، وتحويل المدن إلى استعارات بشكل ما، فإن شولتز يبدو مستمتعاً كعادته بالوصف التفصيلي، بحيث يمكننا المجازفة بقول إن هناك شهوة للوصف تحركه، كما أن مدنه ليست عجائبية تماماً كما هي الحال بالنسبة لمدن كالفينو، بل مدن متحولة، كما سبق وذكرنا، تتمازج فيها تفاصيل الواقع اليومي مع الأبعاد الأسطورية والميثولوجية والحلمية. من دروهوبيتش، رسم شولتز مدينة كتاباته المتعددة بدكاكين قرفتها، وشارع تماسيحها، وميدان سوقها، وعاصفتها الكفيلة بإخفاء شوارع وميادين، كما ادعى الأخ وتيودور المساعد في المحل المملوك للأسرة، حين عادا دون تنفيذ المهمة الموكلة إليهما بتوصيل الطعام إلى الأب.

***

في رسالته إلى ستانيسلاف إجناتسي فيتكيفيتش يُظهِر شولتز وعياً حاداً بكتابته، كما يكشف بعضاً من خبايا عالمه سواء ككاتب أو كرسام، يصف مثلاً "دكاكين القرفة" بأنها سيرة ذاتية، وهو وصف دقيق، لكنه لن يكون مكتملاً إلّا بإضافة أنها سيرة ذاتية خرافية إن جاز التعبير، حيث الأسطورة والخرافة والغرابة عناصر أساسية فيها، كأننا أمام سيرة لأساطير الذات وإرثها الخرافي والميثولوجي، وليس فقط سيرة ذاتية بالمعنى الواقعي المتعارف عليه. وهو ما يدركه شولتز حين يضيف في الرسالة نفسها: " إنها سيرة ذاتية أو على الأصح أنساب روحي، أنساب، بما أنها تكشف خط نسب روحي حتى لبه، حيث يتسرب في داخل الميثولوجيا، حيث يضيع نفسه في هذيان ميثولوجي. لقد شعرتُ دائما أن جذور الروح الفردية لو تتبعناها إلى أعماقها بما فيه الكفاية، سنجدها ضائعة في جحر ميثولوجي ما. هذا هو القاع النهائي، الذى من المستحيل أن نصل إلى ما بعده."

في"دكاكين القرفة" ومعظم نصوص شولتز الأخرى نشعر أننا أمام رواية مقسمة إلى حلقات أو رواية وحدتها الأولية عشرات القصص المنفصلة والمتصلة في آن. ثمة حضور مهيمن للأب جاكوب متعدد الميتات والتحولات وللطفل جوزيف الذي يختبئ خلفه المؤلف، والخادمة آديلا والأم والفتيات العاملات في محل الأب.

ثمة أيضاً موتيفات متكررة نستنتج أنها ولع شخصي من طفولة الكاتب مثل عربة الحنطور، والتفاصيل المدينية والتأثيرات التوراتية. ودائماً وأبداً هناك هذا الحضور القوي للألوان، فقصصه مليئة بالألوان والضوء والظلال. مشاهد مرسومة بعناية بحيث تذكرك طوال الوقت أن شولتز كرسام في نفس براعته ككاتب، وأن الكتابة والرسم عنده لا ينفصلان.

في مقاله له عن برونو شولتز يكتب روبرت فولفورد: "في أرض الأدب يشغل شولتز وادياً صغيراً، مكاناً ما بين قمة بورخيس وجبل كافكا. صانع أساطير، هو نفسه أسطورة الآن". وبغض النظر عن الهوس بالمقارنات، فإن أصدق ما في كلام فولفورد هو أن صانع الأساطير برونو شولتز قد تحول إلى أسطورة. ولا أظن أن هناك كاتباً آخر قد ألهم، بشخصيته وكتبه، كل هذا العدد الهائل من الكتاب اللاحقين. بداية من فيليب روث وجون أبدايك، وسينثيا أوزيك وليس انتهاءً بسلمان رشدي.

نُشِرت المقالة في "أخبار الأدب" ضمن ملف عن شولتز ضم أيضاً خمسة نصوص ترجمتها عن البولندية المترجمة والباحثة أجنيشكا بيوتروفسكا بمساعدة المترجم معتصم بهائي.


Saturday, December 31, 2016

أخيلة الظل









خلال أيام تصدر روايتي الجديدة "أخيلة الظل" عن دار التنوير.  

 في "أخيلة الظل" نحن أمام لعبة افتراضات وتخيلات لا يتضح تمامًا من يديرها: كاميليا؟ أولجا؟ أم راوٍ خفي يحرك الجميع بين مدن واقعية وأخرى متخيلة، ويجوس في ذاكرة الشخصيات التي تشبه الأواني المستطرقة؟
سردية تتشكل من التمازج بين الوعي والذاكرة، الحلم والواقع، الماضوي والآني في لعبة سردية مثيرة؛ لعبة كتابة -أو "تراسل"- متبادلة، تتخللها قصص ومرويات يكتبها أبطال اعتادوا تبادل حكاياتهم، رغبةً في القفز لآبار الذكريات المعتمة، أو سعيًا لتفسير لحظة حاضرة، أو لملامسة خبرة الألم التي تحاصر الجميع كالهاجس أو الكابوس.
من مقعد خشبي على ضفة نهر الفلتافا في براغ، ينفتح صندوق حكايات، تُنسَج منها مرويّة ذات إرث ثقافي متنوّع.

منصورة عز الدين كاتبة مصرية من أعمالها: "متاهة مريم" و"جبل الزمرد" و"وراء الفردوس" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2010.
تُرجِمت رواياتها إلى الإنجليزية والإيطالية والألمانية والفرنسية، وقصصها القصيرة إلى أكثر من عشر لغات.


من أجواء الرواية:

"الحلم والكابوس مغزولان من الخيط نفسه، أحلامي وكوابيسي من القماشة ذاتها. بكلماتي نصبتُ الفخاخ لنفسي. كنتُ الصياد والفريسة، لم يكن "لافكرافت" سوى حجة لمعانقة الخوف. في مناماتي تطاردني طفلة لها عيون جدتي، صغيرة منهكة في مسيرات الموت. لا تبكي ولا تصرخ، فقط تنظر إليّ وفي عينيها هلع العالَم، خوفه الأكثر بدائية وقِدمًا. لم تكن جدتي ابنة المذبحة، بل يتيمتها."








Friday, December 23, 2016

بارتلبي وأصحابه: الشعاب المهلكة لمتاهة الصمت الأدبي






منصورة عز الدين


تأخرت كثيراً في قراءة هذه الرواية وهذا الكاتب، فرغم أن ترجمتها العربية صادرة عام 2010 إلّا أنني لم أنتبه لها حتى قرأت مؤخراً مقالاً للشاعرة منى كريم عن كاتبها. الرواية هي "بارتلبي وأصحابه" (ترجمها الكاتب العراقي عبد الهادي سعدون وصدرت عن دار سنابل)، وكاتبها هو الروائي الأسباني أنريكه بيلا-ماتاس.
في "بارتلبي وأصحابه" يتعقب بيلا-ماتاس كتاب الـ"لا"؛ من توقفوا عن الكتابة أو ركنوا إلى الصمت وتشككوا في جدوى الكلمة. يسميهم "البارتلبيين" نسبة إلى شخصية بارتلبي الآسرة في عمل هرمان ملفيل: "بارتلبي النسّاخ"، ذلك الذي كان يقول دوماً: "أفضل ألّا أفعل ذلك."

ستتصادى رواية بيلا-ماتاس هذه مع أفكار الكتاب/ القراء المتسائلين عن جدوى الكتابة، إذ سيجدون أنفسهم فيها، وسيلتقون مع أشباههم ويختبرون أفكارهم الخاصة في مرآة أفكار الكتاب المشار إليهم في العمل. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه موجه لشريحة معينة من القراء، فالقارئ العادي سوف يستمتع به أيضاً إذ سيجد نفسه أمام تشكيلة كبيرة من "كتاب الـ"لا""، بعضهم مألوف لديه، وبعضهم الآخر يتعرف عليه للمرة الأولى.

الرواية تسير على الحافة بين الرواية التخييلية المتعارف عليها وبين الـ”Non-Fiction”، إذ كانت ستبدو أقرب لموسوعة مخصصة لهذا النوع من الكُتّاب لولا أن المؤلف يدخل البعد التخييلي فيها عبر الراوي الذي نتعرف عليه من خلال شذرات عابرة يخبرنا فيها من وقت لآخر عن نفسه وحياته المختلفة عن تلك الخاصة ببيلا-ماتاس. في السطور الأولى مثلاً نعرف أنه أحدب منعزل ولا حظ له مع النساء. وأنه نشر رواية قبل خمسة وعشرين عاماً، لم يعد للكتابة بعدها بسبب صدمة انتابته حين أهدى كتابه لأبيه ففهم الأخير أن جزءاً من الكتاب يضم تجديفات ضد زوجته الأولى، فأجبر ابنه على كتابة إهداء على نسخة من نسخ الكتاب بكلماته هو.
بالنسبة للراوي كان الأدب الوسيلة الوحيدة لشعوره باستقلاليته عن أبيه، لكنه في الختام رضخ وكتب ما يريده الأب: "شعرت برعب التحول لناسخ يعمل بأمر ديكتاتور إهداءات".

ولأننا أمام عمل مخصص للكتابة وعنها، فمن الطبيعي أن تنحل عقدة الراوي عبر قراءته لكتاب هو "معهد بيير مينارد" لروبرتو موريتي: "ساعدني على تهيئة الأرضية لقراري بشطب صدمتي النفسية القديمة والعودة للكتابة". الكتاب المشار إليه يدور في أجواء معهد يعلمون فيه قول كلمة (لا) بأكثر من ألف وسيلة!
يخبرنا الراوي أيضاً منذ البداية أنه بدأ تدوين هذه "اليوميات" في 8 يونيو 1999، واصفاً إياها بـ: "دفتر هوامش في أسفل الورقة تتضمن تعليقات على نص غير مرئي، والذي أرجو أن يبين قدرتي بتتبع الشخصيات الـ بارتلبية".

الكتاب بكامله جولة داخل أروقة ما وراء الكتابة، إذ يمضي المؤلف متنقلاً بين كُتّاب بارتلبيين تنوعت خلفياتهم واختلفت أسباب صمتهم، وشخصيات فنية وروايات أو كتب تناولت هذه الظاهرة بشكل أو بآخر. إنها الشعاب المهلكة لمتاهة الـ لا، كما يطلق عليها. ووسط هذا كله، يشركنا معه في كواليس وأسرار رحلة تدوينه لكتابه هذا في سرد شائق عميق وساخر في الآن نفسه.

في "بارتلبي وأصحابه" يتوقف بيلا-ماتاس أمام خوان رولفو صاحب رائعة "بدرو بارامو" الذي كان يرد على المتسائلين عن سبب توقفه عن الكتابة بـ": "لأن العم ثيلرينو قد مات، وهو من كان يلقنني القصص"! وخوان رامون خمينث الذي هجر الكتابة وسقط في صمت أدبي مطلق بعد موت زوجته زنوبيا، وله جملة تعد من أهم مقولات "تاريخ الـ لا": "عملي الأهم هو ندمي على أعمالي".

وموباسان الذي هجر الكتابة لاعتقاده أنه قد أصبح خالداً. لكن ربما يكون "ب. ترافن" هو أكثر كُتّاب الـ لا إثارة للخيال، فلا أحد تقريباً عرف اسمه الحقيقي ولا جنسيته ولا حتى الحصر الكامل للأسماء التي تخفي خلفها: "كاتب مراوغ لا مثيل له. لقد استخدم ترافن الخيال كما لو كان واقعاً، أسماء متعددة ساحقة ليغطي على حقيقته".
الشخصيات المتخيلة في رواية بيلا-ماتاس، على قلتها، لا تقل لفتاً للانتباه عن الكتاب الحقيقيين. شخصية ماريا ليما منديس مثلاً التي يشير الراوي إلى أنه تعرف عليها في باريس حيث وصلت إلى هناك مع بدء السبعينيات واستقرت في الحي اللاتيني بفكرة أنها عبر هذا ستتحول إلى كاتبة على غرار الكتاب اللاتينيين الذين سكنوا قبلها الحي نفسه، إلّا أنها "أصيبت بخرس أن تكون كاتبة".

وشخصية لويس فيليبه بينيدا، زميل دراسة الراوي، الذي كان لا ينهي قصائده، واحتفظ بدفتر أزرق سمّاه "أرشيف القصائد المنسية". وكتب أمام الراوي قصيدة على ورق لف السجائر، ثم لف بها سيجارة دخنها فوراً: "لقد دخنها، أعني دخن القصيدة"!

قراءة "بارتلبي وأصحابه" نزهة مثيرة في أروقة الأدب ودهاليزه بصحبة كاتب موسوعي واسع الثقافة. نزهة لا يقلل من كمالها سوى حاجة الكتاب إلى مزيد من التدقيق اللغوي وتدقيق أسماء الكتاب غير الأسبان وفقاً لقواعد نطقها في لغاتهم الأصلية.

* زاوية "كتاب"، نقلاً عن جريدة أخبار الأدب.