Monday, March 4, 2013

ما تخفيه الصورة

 



منصورة عز الدين


كانت الصورة على هذا النحو: لوحة خشبية خضراء هي أوّل ما يخطف البصر بالعبارة المكتوبة عليها: "التعليم حق للجميع". اللوحة يحملها شاب بملابس سوداء بيد فيما يده الأخرى تخفي وجهه. خلفه مرمى كرة قدم عوارضه متكسرة، وجندي أمن مركزي جالس على كرسي، ونيران تلتهم المرمى الثاني الملقى بعيداً عن موضعه الأصلي. يسار الصورة ثبتت الكاميرا حركة قرابة سبعة أشخاص.
المكان ملعب مدرسة تحترق، غير أن الحريق لا يظهر في الصورة إلاّ لمحاً على هيئة لهب تخفي اللوحة وحاملها معظمه. يُذكِّر الملعب بأن اللعب، كالتعليم، حق للجميع.
على الجدار، تماماً خلف الأشخاص السبعة، نلمح عبارة "القصاص أو الفوضى"، وبما أن لا قصاص حتى الآن، نستنتج أن هذه هي "الفوضى" وقد أطلّت برأسها، فحالة الملعب تدلنا على أن الجملة على الجدار تعدّت كونها تحذيراً لتصبح واقع الحال.
ثمة صور أخرى أكثر تعبيراً عن الحريق الذي طال مدرستيّ "ليسيه الحرية" و"الحوياتي" العريقتين يوم 26 كانون الثاني - يناير الماضي، بعضها يُظهِر أجزاءً التهمتها النيران بالكامل، أو كتباً وكراسات تحولت وقوداً. غير أن هذه الصورة بالذات، وبسبب العبارة على اللوحة الخشبية، صارت أيقونة مؤقتة على الـ "فيس بوك"، إذ أُعيد نشرها أكثر من 500 مرة خلال يومين، قبل أن تتوارى - على عادة هذا الموقع - مفسحةً المجال لصرعات جديدة لا تلبث أن تُنسَى هي الأخرى.
 البعض، مأخوذاً بملاءمة "الحقّ في التعليم" لأهداف الثورة، راح يفترض أن الشاب حُرِم من استكمال دراسته لذا انضم إلى التظاهرات رافعاً لافتته هذه في وجه قاهريه وسارقي حقوقه. افتراض رومانتيكي تكرر على أكثر من صفحة "فيسبوكية" مع بهارات تخيلية تنوعت من شخص إلى آخر. وكردّ فعل على هذه الحماسة الثورية أكد آخرون، بينهم من قال إنه كان موجوداً وقت حرق المدرستين، أن بطل اللقطة بلطجي شارك في نهب محتويات مدرسة "الليسيه"، وما يحمله ليس لافتة احتجاجية إنما إحدى مسروقاته!
ثائر أم بلطجي؟! لا نعرف، بل أكاد أقول لا يهمّ. المهم أنه وفي اللحظة نفسها حُرِم طلاّب مؤقتاً من حقهم في التعليم ليس فقط بسبب الحريق، إنما لتمترس الشرطة في المدرستين لضرب المتظاهرين خلال الأيام التي أعقبته.
ثائر أم بلطجي؟! سيخفت السؤال ويتلاشى مع الوقت، وستبقى عبارة تخجلنا بديهيتها، وصورة مفعمة بشحنة دلالية لا ينتقص منها ولا يقلّل من إثارتها للخيال كونه سارقاً مفترضاً. بل على العكس من ذلك سيزيد هذا من مكر الصورة وحمولتها التأويلية. ستبدو كما لو كانت تخرج لنا لسانها ساخرةً من سذاجة تعمينا عن رؤية المساحات البينية، وهازئةً بكليشيهات صار بعضنا يرتكن إليها منساقاً إلى تقسيم العالم إلى ثنائيات ضدية تبسيطية.
الصورة هنا كوّة نتلصّص عبرها على مشهد فاتنا في الواقع، لكنها كوّة مراوغة تضمر أكثر مما تعلن. "لمح تكفي إشارته" بحسب قول البحتري في سياق آخر. فالفكرة، في حالتنا هذه، ليست في ما تقوله الصورة، بل في ما تخفيه، ما تصمت عنه وتخبّئه خلف دخان الحريق.
حامل اللوحة الخشبية ستبقيه الكاميرا أسير زمن ميّت لا يتقدم. سيستمر مصراً على إخفاء وجهه بيده، محتمياً بالتباس تتيحه طبيعة اللحظة الحالية، بينما نحدق نحن في عالم مُحنّط في ألبوم صور سرعان ما تنفلت منا موغلةً في إبهامها وإلغازها.

 نُشِرت المقالة في جريدة "المدن" بتاريخ 27 فبراير 2013

Saturday, March 2, 2013

مرآة 47




منصورة عز الدين

يجمع كثيرون على أن النازية قبل أن تقتل ملايين البشر، كان عليها أولاً أن تغتال اللغة الألمانية، أن تثقلها بالتعبيرات الخشبية، وتفرغ كلماتها من معناها، وتحولها إلى وسيلة قهر وقتل. فاللغة أيضاً يمكنها أن تقتل، خاصة حين يتم التضحية بها أولاً على مذبح "البروباغندا".
"من الملاحظات الجلية، أنه حيث يُمارَس العنف على الإنسان، يُمارَس أيضاً على اللغة"! هكذا لخص الكاتب الإيطالي بريمو ليفي الأمر، وهو من أُعتِقل في "أوشفيتز" لمدة عام وعرف الكثير عن ألمانية معسكرات الاعتقال، وكيف أنها كانت لغة أخرى بربرية لها قاموسها الخاص ومفرداتها القاسية التي تحوِّل الإنسان إلى مجرد رقم  (حرفياً لا مجازياً)، وتنزع عنه آدميته وهويته ممعنةً في حيونته.

وكتب آخرون عن ما أطلقوا عليه "لغة الرايخ الثالث"، أو تلك الرطانة الدعائية التي انحدرت بالألمانية من كونها لغة فلسفية عميقة وثرية تبحث عن الحقيقة، إلى نسخة مشوهة ومسطحة ابتذلها الإعلام النازي الذي حصر العالم في ثنائيات ضدية ضحلة، وخدر وعي الجماهير عبر مجازات مبالغ فيها، أفسدت اللغة وجردتها من ثقلها الأخلاقي.
لقد ألقى معتقد النقاء العرقي بظلاله على اللغة حيث كان يُنظر إلى استخدام الألمان لمفردات أجنبية باعتباره خيانة لغوية، من جانب آخر اخترعت آلة البروباغندا النازية، وأعادت إحياء، مفردات عنصرية أرادت بها أن تشرعن الإبادة العرقية وتمنح غطاءً وتبريراً للعنف غير المسبوق.

كانت مهمة الأدب الألماني بعد الحرب العالمية الثانية عسيرة، إذ كان على الأدباء الجدد تخليص اللغة من المفردات والمصطلحات الرنانة الخالية من المعنى التي كانت تضخها آلة "البروباغندا" النازية ليل نهار لتزييف الوعي والواقع، ويرددها خلفها الملايين من مؤيدي هتلر وممالئيه.

ولعب كتّاب جماعة 47 دوراً مهماً في هذا الصدد، حيث انطلقوا من إيمان بأن اللغة الألمانية أُضيرت ضرراً بالغاً بالمصطلحات النازية، وانحدرت تحت وطأة أكاذيب غوبلز لتفقد حيويتها وقدرتها التعبيرية بسبب الضلالات والبيئة المنافقة التي عاش فيها الألمان في عهد هتلر. بدأ هؤلاء الكتاب بهجر المجازات المتفاخرة والتعبيرات الخاوية، منحازين لسرد يقدم الواقع بشكل بسيط وواضح.

اشتبكوا بأشكال مختلفة مع السياسة، مؤكدين بانتاجهم وإنشغالاتهم أن مسؤولية الكاتب تمتد إلى ما هو أبعد من الكلمات لتصبح إلتزاماً أخلاقياً وإنسانياً بالمعنى الأوسع. إلاّ أن إنجازهم الأهم، هم والجيل التالي للحرب، هو أنهم واجهوا الماضي المخيف لوطنهم، حدقوا فيه ولم يديروا ظهورهم له، بل ووضعوا مواطنيهم أمامه وجهاً لوجه. لم يكن ثمة إعفاء للنفس من المسؤولية عن الفظاعات التي ارتكبتها النازية، بل فضح للجموع التي سارت خلف الفوهرر ثملة بادعاءات التفوق العرقي ومخدرة بحلم السيطرة على العالم.

كان هذا الأدب بمثابة الحجر الذي أُلقي في بركة الوعي الألماني المثقل بالذنب، والصرخة التي دوّت في وجه جيل الآباء، والمفارقة أنه بعد قرابة العقدين على نشوء جماعة 47، وبعد أن تحولت بدورها إلى سلطة أبوية بالنسبة لجيل أحدث، قوبلت بانتقادات عديدة، أشهرها اتهام الكاتب النمساوي بيتر هاندكه كتّاب الجماعة بالعجز عن الوصف، وبأن كتابتهم عبارة عن نثر غبي مزخرف يشبه الموسوعات المصورة ويقدم للناس رؤية مزيفة للواقع!

لكن بعيداً عن انتقادات هاندكه فإن طموح جماعة 47 وسعيها من أجل جبر ركام اللغة الألمانية، يصلح كمرآة نرى فيها أنفسنا ولغتنا التي عانت – لأسباب أخرى وكنتيجة لظروف تاريخية مختلفة - من إفساد منهجي أدى لما نراه اليوم من غلبة للّغة الشعاراتية الإنشائية في السياسة والصحافة بل وحتى في كثير من الكتابات الأدبية.

احتلوا اللغة!



منصورة عز الدين


في مقال نُشِر في النيويورك تايمز قبل قرابة العام، تناول الكاتب والأكاديمي هـ. سامي عالِم، المفارقة الكامنة في اختيار حركة اجتماعية تقدمية مثل "احتلوا وول ستريت" لمفردة "الاحتلال"، مع كل ما تحمله من دلالات سلبية، عنواناً لها.
لم يُدِن عالِم هذا الاختيار، ولم يطالب الحركة بتغيير اسمها إلى "حرروا وول ستريت" كما فعل آخرون، إنما توقف أمام كيفية نجاح ناشطي "زوكوتي بارك" في إحداث تغيير جذري في الكيفية التي يفكر فيها الناس في مفردة "الاحتلال"، إذ قبل سبتمبر 2011 كانت تشير إلى الغزو العسكري، ثم صارت تستدعي إلى الذهن على الفور الاحتجاج السلمي المناهض للرأسمالية، وتدل على الوقوف في وجه انعدام العدالة وإساءة استخدام السلطة.
لقد ابتكرت حركة "احتلوا وول ستريت" معنى جديداً لمفردة قديمة، وحررتها من حمولتها الثقيلة السابقة. وفق هذا المعنى يصير "احتلال اللغة" بمثابة الاستحواذ عليها وتغييرها من الداخل.
وفي رأييّ أننا، في هذا الجزء من العالم، أحوج من غيرنا إلى "احتلال اللغة" بالمعنى الذي يقصده سامي عالِم، أي إعادة تشكيلها واخراجها من معانيها الجامدة إلى آفاق جديدة. غير أننا كي نصل إلى هذا، علينا أولاً اجتياز مرحلة أولية أكثر صعوبة، هي أن نسمي الأشياء بمسمياتها، بدلاً من الاستسلام لآليات استخدام اللغة كآداة تضليل وقهر وإفساد.
خلال الثمانية عشر يوماً الأولى من عمر الثورة المصرية، بدا لي أنها خلقت لغتها الخاصة، وسعت إلى القطع مع لغة فاسدة متواطئة تبناها النظام السابق، منحازة إلى أخرى حيوية دقيقة تعبر الكلمة فيها عن معناها. كتبتُ وقتذاك، بأمل وحماسة، عن الثورة كتحرير للّغة.
الآن وبعد قرابة عامين على ما أُطلق عليه "يوتوبيا" التحرير عادت اللغة لتكون شريكاً في الفساد، إذ ثمة اغتيال متواصل تتعرض له. ثمة انتهاك دائم حوّلها بدروها إلى أداة انتهاك، بحيث صارت ضحية ومجرمة في الوقت نفسه.
من خطاب المجلس العسكري الخشبي الغارق في الكليشيهات والإنشائية، انتقلنا إلى خطاب المتأسلمين حيث العنف والإقصاء، وحيث المفردة تعني نقيضها، فيصبح الثوّار خونة، ويصير الطغيان حماية للثورة ودفاعاً عن الديمقراطية.
غير أن ما يعنيني حقاً هو لغة الثوّار التي بدأت مقتحمة وبالغة القسوة والذكاء في تعريتها خراب الواقع السياسي والاجتماعي المحيط، ثم أخذت تترنح من وقت لآخر، لدرجة تقليد خصومها والاستعارة من معجمهم. علينا هنا التذكير بأن مفردة "الفلول" ظهرت - في سياق ثورة يناير - لأول مرة في أحد بيانات المجلس العسكري، وسرعان ما تلقفها الجميع وبالغ في استعمالها حتى كادت تصبح غير ذات معنى في ظل تعقيد المشهد الحالي وفوضاه، كما أن ألقاباً مثل "أيقونة الثورة"، "ضمير الأمة"، "قائد ثورة التغيير"، التي يتبناها بعض المنتمين للثورة لوصف هذا السياسي أو ذاك، تبدو أكثر انتماءً لدولة يوليو وإعلامها منها لثورة تطمح إلى قطيعة جذرية مع عقود من الاستبداد.
على المنوال نفسه نجد بين الثوّار من يصر على تكرار مصطلحات مستلة من ترسانة  لغة الانقلابات العسكرية في إنشائيتها وخوائها، مصطلحات تضع الثورة في وضع المطلق غير القابل للمراجعة أو المساءلة، مع أن أكثر ما ميّز لغتها في البداية كان الكفر بكل الأصنام والطواطم والسخرية المُرّة منها.
لكن اللافت والمطمئن أن الثورة كلما استعادت زخمها وعادت إلى الميادين تزداد لغتها حيوية وقطيعة مع المعجم الخامل الموروث. تبدو كأنما تسترد نفسها وتستعيد اقتحاميتها. تجترح خيالها الخاص وتسخر، على لسان أبنائها، من كل شيء، بما في ذلك نفسها وعثراتها.

Wednesday, October 10, 2012

A new review of Maryam's Maze


I've just come across this fresh review of "Maryam's Maze" written by the Indian writer Viswanathan Somanathan who wrote: "Another thing which I found quite interesting about the book was this. It would have been easy for Mansoura Ez Eldin, as a woman writer from an Arab country, to take potshots at the patriarchal establishment and portray her country in not-so-good light. International readers would have lapped it up. But she hasn’t done that. She hasn’t taken the easy way out. She has written a book where each sentence is beautifully sculpted and where the whole story is a work of art. I admire her for that. (Of course, this is my own opinion. A more informed reader might see underlying subtext in the story.)
I loved ‘Maryam’s Maze’. It is a beautiful, slim gem. I want to read other works of Mansoura Ez Eldin now".

Sunday, September 30, 2012

كهوف الذاكرة


 منصورة عز الدين

في قصته "ذاكرة فونس" يحكي الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس عن رجل يحيا تحت وطأة ذاكرة لا نهائية، لا تنسى أياً مما يمر بها. أو كما يصف هو نفسه: "لديّ وحدي ذكريات تفوق كل ما تذكره كافة البشر منذ أن صار العالم عالماً".

لم يكن "فونس" يتذكر كل ورقة في كل شجرة على كل جبل فحسب، بل أيضاً كل مرة رآها أو تخيلها. يكتب بورخِس في القصة التي ترجمها د. محمد أبو العطا: "كان يعرف كل تكوينات السحب الجنوبية في فجر الثلاثين من أبريل من عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين، ويستطيع أن يقارنها في الذاكرة بخطوط ورق الكتب الإسباني التي رآها مرة واحدة لا غير وبخيوط من الزبد التي خلفها مجداف في النهر الأسود عشية حركة كبراتشو".

تثقل الذكريات على فونس، يغرق في تفاصيلها فتتحول قوتها من هِبة إلى لعنة!
أفكر فيه فأراه كشخص لا يفعل شيئاً سوى الاستعادة الدائمة لما يراه حوله، كأنه لا يعيش الحياة بل يتذكرها ويحلم بها. أن تعيش بذاكرة معصومة من الخطأ يعني أن تغرق في عالم يعادي الانتقاء والفرز، يساوي بين الذكريات المهمة والتافهة، ويؤرشف أوهن الأشياء بالدقة نفسها التي يحفظ بها أكثر الأحداث مصيرية.
هكذا تصير الحياة جحيماً من التفاصيل والجزئيات، متاهةً يستحيل سبر غورها.

في مقابل مثال "فونس" الخيالي يبرز نموذج مريض الـ"ألزهايمر" الذي يعيش في عالم من نسيان تام.. أسيراً للتشوش، والتقلبات المزاجية، وانهيار اللغة.
وبين المثالين المتطرفين تتنوع علاقة كل منا بذاكرته الخاصة، تنوعاً يحتوي على تشابهات بالتأكيد، وإن ظل كل شخص حالة فريدة.

يحلو لي تخيل جماع ذكريات كل فرد باعتبارها عمله الأدبي الخاص، نصه الذي يتشارك في صياغته الوعي واللاوعي بشكل غامض، بحيث يحصل في النهاية على "حكاية" هي مزيج من العاطفة، والعقل، والأحلام، والتهويمات، والوقائع التي حدثت فعلاً.

لا يمكننا أبداً فهم كيف تعمل الذاكرة؟ أو ما الآليات التي تدفعنا لتذكر أشياء معينة وجرف أخرى إلى هاوية النسيان؟

تأمل الذاكرة الإنسانية يدفع حتماً للدهشة. يعايش كل منا معجزة يومية من دون أن يفطن إليها ربما من فرط الاعتياد. أعني معجزة أن تقودك رائحة، أو كلمة أو لمحة عابرة للغوص في كهوف ذكريات قديمة والعودة بصيد من تفاصيل عايشتها قبل سنوات طويلة.

لا يهم إن جاءتك الذكريات ناصعة ودقيقة كما حدثت بالضبط أم لا، فقد تصلك مغلفة كما لو بضباب كثيف، أو محرّفة بآثار رغباتك وأمنياتك لما كان يجب أن يكون لا بما وقع فعلاً.

ما يهم هو أن الهوية الشخصية تتأسس على الذاكرة، وتغيب وتضمحل بفقدانها. أن حياتنا، من وجهة نظر كثيرين، ليست ما نحياه، إنما ما نتذكره مما عشناه. أي ما يتبقى من حياة حافلة من أثار "تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد" لو استعرنا كلمات طرفة بن العبد.

* عن مجلة الصدى

Friday, September 21, 2012

Dreams and reality, Memory and forgetting



Zuzana Kratka reviews

Maryam’s Maze

by Mansoura Ez-Eldin

AUC Press, 2007 ISBN 978-1-84659-025-2 pbk 154pp



Maryam’s Maze is the first novel by a young Egyptian woman writer, Mansoura Ez-Eldin. Writing about the life of an individual, emotions, inner thoughts, the relation between dreams and reality and their impact on human psychology, Mansoura Ez-Eldin belongs to the generation of new Egyptian writing that tackles the issues of individualty rather than those of society as a whole, marking them out from classic Egyptian authors such as Naguib Mahfouz, Yusuf Idris or Mahmoud Taymour. Mansoura Ez-Eldin began writing short stories in newspapers and magazines before publishing her first short story collection Shaken Light (2001), and now her debut novel Maryam’s Maze (published in Arabic by Merit Publishing in 2004). Born in 1976 in a small town in the Egyptian Delta, Mansoura Ez-Eldin graduated in journalism from Cairo University in 1998 and started her career working for Egyptian TV, progressively moving into press journalism, where she presently works as Reviews Editor of the weekly Akhbar al-Adab [Literary News].

Focusing on relations between dreams and reality, on the one hand, and, on the other, memory and forgetting, with a particular focus on women, Maryam’s Maze builds on Ez-Eldin’s short story writing. Concentrating on the internal life of her heroine, Maryam, Ez-Eldin seeks to capture the feelings and experiences of a young girl unable to distinguish clearly between dream and reality and who has lost consciousness of time and space. The narrative starts with the scene of Maryam dreaming about going to El-Tagi’s palace, the place where she grew up, and feeling that there is a ghost girl, her alter ego walking beside her. When they enter the palace together, its former inhabitants appear as ghosts before they all disappear leaving nothing but blood stains behind them. The scene finishes with Maryam’s ghost-like alter ego stabbing the real Maryam, who then wakes up from this terrifying nightmare only to discover that she is no longer in the hostel where she went to bed the night before, but in a flat that belonged to her grandmother a long ago. The reader is then taken on a journey of Maryam’s sparse memories in which she attempts to re-establish her past – ‘I’m nobody,’ said Maryam, […] Maryam felt that she had been reduced to nothingness. She no longer had any physical existence to fill a space in the void. From this moment on, she had to face the world like someone experiencing life for the first time.

Interested in feminism, but also in the human body, as she acknowledged in an interview for Camden New Journal in 2006, made while on the Banipal Live UK tour, Ez-Eldin offers her readers numerous flashback insights into relationships between individuals and their bodies. Maryam’s mother Narges, for example, is described as a woman who feels she was forced to abandon her dreams and her ambitions for marriage and family life, a woman too focused on herself and in love with the body of her eighteen-year-old self, who found pregnancy [with Maryam] a painful and negative experience.Maryam’s Maze is a novel that stands out not only for its content, but also because of its structure.

Each chapter begins with fragments from the story of El-Tagi, Maryam’s ancestor who founded the family and built the palace to which most of the narrative is linked. Besides this intertextual feature, each chapter opener carries a symbol, which is then demonstrated in the narrative of the novel itself. For instance, in the sixth chapter we can find a parallel between apricot trees in El-Tagi’s garden and Maryam . . . the small trees would grow until they reached a certain stage, then stop. And we learn about Maryam’s upbringing and education, how despite being a very gifted child in science subjects, Maryam couldn’t reach minimum marks in others, and as a result had to make alternative choices in her studies and life.

The novel has now been made available to the English language readership in a remarkable translation by Paul Starkey, who is professor of Arabic at the University of Durham and translator of a number of Arabic novels into English. Starkey has also written widely on the subject of Arabic literature, most recently authoring Modern Arabic Literature (EUP, Edinburgh, 2006). Maryam’s Maze is an intriguing, intellectually challenging and yet very enjoyable piece of writing. It can be read, re-read and read again from many different angles, bringing each time new views and opening new perspectives. Highly recommended.

From Banipal 30 - Autumn\ Winter 2007.

كتاب عن الحياة وفاتورتها الباهظة: منصورة عز الدين تكشف أسرار العائلة




الأسلوب الذي ميَّز نبرة الكاتبة المصرية فقد غرائبيّته السينمائية في «وراء الفردوس»، لمصلحة أحلام تجد تفسيرها في التراث الإسلامي

حسين بن حمزة

نقرأ رواية «وراء الفردوس» (دار العين ـــ القاهرة) للمصرية منصورة عز الدين، فنحسّ بأننا نقلب صفحات مجلد عائلي ضخم. فكرة العائلة أو السلالة هي الخيط الذي يضم خرز الشخصيات والمصائر والوقائع كلها تقريباً. الرواية تبدأ من سلمى، القادمة من القاهرة إلى بيت أبيها في القرية، مدفوعةً بحلم رأت فيه أنها تقتل جميلة ابنة عمها المقيمة، مثلها، في القاهرة.

سلمى وجميلة ذريعتان سرديتان لرواية تاريخ طويل ومتشعب لعائلة ريفية ميسورة الحال. الرواية ليست ريفية. الريف حاضر هنا كحاضن واقعي لا كطموح روائي. كذلك فإن شخصيات عديدة فيها تنتقل بين القرية والقاهرة، وبين ماضي العائلة وتقاليدها وبين خياراتٍ الشخصية مؤلمة.

سلمى التي تشرف على صفحة مخصصة لنشر النصوص الإبداعية في إحدى الجرائد، والمتزوجة بـ«ظيا» البريطاني ذي الأصل الباكستاني، تعود إلى القرية لتفتح صندوقاً أودع والدها مفتاحه عندها. قراءة محتويات الصندوق تترافق مع خطين رئيسيين في الرواية: في الأول، تُكشف تفاصيل العائلة وأسرارها أمام القارئ من خلال إعادة سلمى معاينتها. وفي الثاني، نعرف أن سلمى تكتب رواية بناءً على نصيحة من طبيبتها النفسية بكتابة أي شيء يساعد في علاجها. تتحرك الأحداث وفق تقنية رواية داخل رواية، فضلاً عن حضور كثيف للأحلام والحكايات الشعبية في ثنايا الكتابة. الأحلام التي ميَّزت نبرة منصورة عز الدين في مجموعتها القصصية الأولى «ضوء مهتز» تتخلى هنا عن غرائبيتها السينمائية لمصلحة أحلام مفسَّرة في التراث الإسلامي. الرواية مكتوبة من وجهة نظر المؤلفة. سنعرف أن جميلة هي ابنة الخادمة بشرى التي تزوجها العم وطلق زوجته الأولى، وأنها كانت دائماً الوجه الآخر لسلمى. جميلة ترفض الزواج بهشام رغم أنها تفقد بكارتها معه، بينما تتأزم علاقة سلمى بزوجها الذي يتركها ويعود للعيش في مانشستر.

حضور كثيف للأحلام والحكايات الشعبية

لا تنجو الرواية من حضور هاتين الشخصيتين. نستسلم في البداية لفكرة أنّهما بطلتان وحيدتان للرواية بسبب نفوذهما الملموس والخفيّ في مجرياتها، إلا أن منصورة عز الدين لا تكتفي بالحفر في هذا الموضع رغم ثرائه وقابليته ليكون رواية كاملة. الثراء الموجود في لعبة المرايا المتبادلة بين ابنتي العم اللدودتين يحضر بطرق مختلفة في حياة شخصيات العائلة الأخرى، إذ تُبدي صاحبة «متاهة مريم» مهارة واضحة في توريط القارئ داخل شبكة العلاقات العديدة في الرواية. وإذا كان الروائيون يفكرون بخلق التشويق لأنه استراتيجية ضرورية للقارئ، فإن التشويق في «وراء الفردوس» موجود في قماشة السرد نفسه. تقلِّب سلمى تاريخ عائلتها فنصاب بعدوى عدد من شخصياتها: خالتها لولّا التي حملت جنيناً من مجهول ثم انتحرت بجرعة زرنيخ، الأب رشيد الذي أدار مصنع الطوب الأحمر بمشاركة عمها جابر، والدتها ثريا، الجدة رحمة، العمة نظلة، العم سميح، بدر المجنونة التي يربطها أبوها بجنزير لمنعها من الخروج... لا تروي لنا المؤلفة حكاياتٍ فقط. ثمة طبقات تاريخية واجتماعية تربض تحت الحكايات. نعرف أن السرد محكوم بلذة الكتابة والتأريخ معاً. الشخصيات هي ابنة أزمنة ومنعطفات. السبعينيات والثمانينيات هما الماضي الذي تعود إليه سلمى باحثة عن «فردوس» الدِّعة والطمأنينة. لكن الحنين وحده لا ينقذها من براثن حاضرها. الحياة ـــــ بحسب الرواية ـــــ هي عملية متواصلة لدفع الأثمان الباهظة للعيش.

نُشِرَت المقالة في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 8 سبتمبر 2009