Showing posts with label جبل الزمرد، منصورة عز الدين. Show all posts
Showing posts with label جبل الزمرد، منصورة عز الدين. Show all posts

Monday, October 13, 2014

مقطع من رواية جبل الزمرد


منصورة عز الدين

اسمي بستان!
من يعرفونني جيدًا، وهم قلة، يسمونني "كاهنة الأبيض والأسود"!
الآخرون يرونني غريبة الأطوار. لو قُدِّر لكاتب أن يكتبني لوصفني بالمرأة الحوراء، أو ذات الشعر الفاحم والملابس السوداء، إلى آخر هذه الأوصاف المحدودة بالظاهر، غير القادرة على التقاط ما يتأجج بداخلي.

لن يتمكن أحد من اِكْتِنَاه ما أخبئه ولا ما أقدر عليه، كما لن يكون على علم بخفايا الوقائع التي جرت قبل قرون ولها نذرت حياتي، لذا عليّ أن أكون الكاتبة، أو بالأحرى الحكَّاءة المنوط بها ملء ثغرات الحكاية ولضم أجزائها معًا، حكاية لستُ بطلتها، لكنها لن تكون بدوني.

في العام الحادي عشر من الألفية الثالثة، وبشقتي المطلة على نيل الزمالك، أنكفئ على التدوين بلا كلل. عالم قديم ينهار بالخارج وأنا مشدودة إلى كلمات مراوغة لا تكف عن التسرب من بين أصابعي. كسحائب صيف عابرة، تمر بذهني مشاهد متتابعة من أزمان مختلفة، أقتنص بعضها، ويتملص مني بعضها الآخر.

أراني طفلة فوق جبال الـ"ديلم" في ستينيات القرن العشرين، أعدو خلف أبي في تسكعه الصباحي وهو ينشد أبياتًا للرومي أو العطّار أو حافظ. يسبقني بأمتار ثم ينتبه إلى تأخري عنه، فيقف منتظرًا إياي بصبر، وبخار الماء يتصاعد من فمه. ألحق به، فيُجلسني فوق صخرة مجاورة ويحكي لي، كما كل مرّة، شذرات من خبر موطننا الأصلي. رغم البرودة الشديدة يدب الدفء في جسدي، وأكمل له ما يغفله من تفاصيل، فيعانقني سعيدًا.

"نحن غرباء أبديون"! كان يقول كل مرة يُخرِج فيها تلك الرقوق والجلود العتيقة من خزانته السرية ويروح ينبه عليّ ألاّ أبوح بسرها لأحد، ساهيًا عن حقيقة أني أكاد لا أحادث أحدًا غيره. أعده بهذا، فيبدأ في تعليمي كيفية فك شيفرة ما بها. ينقل لي ما تعلمه من أبيه. يهمس لي بأن السلسلة يجب أن تتوقف عندي، أسأله عمّا يعنيه، فيرد بأن ما لديه من علامات، ينبئه بأني الكاهنة المنتظرة، ولا يزيد في الشرح.

أتذكره الآن، بينما أجلس في بيتي القاهري، فتحضرني روائح جبل "آلاموت" ونباتاته، أكاد أبصر السفوح المكسوة بالخضرة والقمم المكللة بالثلوج والسهل المنبسط محتضنًا القرى المحيطة بجبال الديلم.

ذات يوم بعيد أشار أبي إلى ما أطلق عليه "أطلال قلعة آلاموت"، وغاصت ملامحه كلها في أسى لم أدرك أسبابه. كان يقف منتصبًا مبالغًا في شد جسده، وهو يتأمل البقعة التي يصوب نحوها سبابته. لم أنظر إليها، بل تعلقت عيناي بوجهه الأليف بلحيته الخفيفة وشعره الرمادي.
انحدرنا نحو الأسفل، وبين برهة وأخرى كان يلتفت إلى الوراء ممعنًا النظر في أطلال لم أكن – إلى ذلك الوقت - أعرف عنها شيئًا. بعدها بيومين أجلسني بجانبه تحت شجرة كستناء، وحكى لي عن حسن الصبَّاح وطائفة الحشاشين. قال إن لا شيء يبقى سوى الحكايات، تنتهي الذاكرة بموت صاحبها، وتظل الحكايات كذاكرة بديلة متوارثة.

دربني مبكرًا على السرد والكتابة، مسربًا لي تدريجيًا لمحات مما ينتظرني من مهام، أسمعني مئات الحواديت المستلة من دهاليز التاريخ الغابر، وأنشد لي آلاف أبيات الشعر، كنت ألتهم، بتشجيع منه، ما يقع تحت يدي من كتب.
اصطحبني تقريبًا إلى كل مكان ذهب إليه، معه زرت قبر عمر الخيام المحروس بالورود وقلوب المحبين، وخطوت في أروقة وأزقة مدينة مشهد المقدسة، وتجولت بين نيسابور وشيراز وأصفهان. "هذه مدن يتنفس فيها التاريخ ويعيش، ومع هذا يجب ألاّ تنسينا وطننا المشتهى"! يقول، ثم يغمض عينيه ويغرق داخل ذاته، فيخطر لي أن الوطن المحلوم به ليس سوى فكرة.

 "محال أن أنال صحبتك، لهذا أصاحب غبار طريقك"! اعتاد أن يكرر قول فريد الدين العطّار فأعرف أنها رسالة موجهة لي، أحدس أني مَن سوف يصاحب غبار الطريق، وأن حياتي برمتها ستضيع على الطريق المستحيل إلى وطن يسكن الكلمات. هشة، متعبة، تنهشني الأفكار والشكوك والهواجس، كان مقدرًا لي أن أخطو مخفورة بالغبار.

في الثامنة عشرة من عمري، غادرت شبه مجبرة لتصميمه أن مكاني لم يعد حيث يقيم، وأن عليّ بدء رحلتي وحدي، لم أحمل في حقيبة السفر سوى ملابس قليلة كي أتيح مساحة لما حمَّلني إياه من مخطوطات وكتب وأوراق. في ذاكرتي كانت تضطرم مئات التفاصيل، وفي مفكرة صغيرة، قبعت أسماء مدن أعبر بعضها سريعًا كما يفعل عصفور قلِق، وأنظر لبعضها الآخر من علٍ نظرة طائر، وأقيم في القليل منها لسنوات تطول أو تقصر. مدن تبدأ من نيويورك حيث كان يفترض بي إكمال دراستي، وتنتهي في القاهرة التي فهم من علامات ونبوءات، مبثوثة في ثنايا ما ورثه عن أجداده، أنها محطتي الأخيرة التي سأجد فيها ما أبحث عنه، القاهرة حيث أجلس الآن - بعد مرور اثنين وثلاثين عامًا على توديعي له - أنسج الكلمات لأحيك ثوب الحكاية الناقصة من كتاب "الليالي".

"أي حكاية تلك؟ نعرف حكايات كثيرة أُضيفت إلى "ألف ليلة وليلة"، لكننا لم نسمع بحكاية معينة نقصت منه، ثم أنه ليس كتابًا واحدًا، إنما نص لا نهائي لا يني يتغير عبر الإضافة والحذف!"
هذا ما سوف يجول بذهن من يقرأ ما أدوِّنه، لكن اسمحوا لي أولًا أن أضم أشلاء حكايتي جنبًا إلى جنب! ولتسامحوني إذا لم تتضح لكم معالمها سريعًا، ولتعلموا أن من أصعب الأمور القفز بين الأزمنة والتواريخ ومصالحة ماضٍ سحيق مع حاضر معاش. الصبر صيّاد، فليكن الصبر رفيقكم، كما كان وما يزال رفيقي الوحيد على دربي الوعر.

 صدرت الرواية في يناير 2014 عن دار (التنوير القاهرة- بيروت- تونس)

Thursday, July 24, 2014

بين ألف ليلة وليلة وحي الزمالك ثمة جبل الزمرد


عناية جابر | الثلاثاء 22/07/2014

في قاهرة 2011 تسعى "بستان البحر" المولودة على مقربة من أطلال قلعة الموت في إيران، خلف هدف مخاتل يتمثّل في استعادة زمردة أميرة "قاف" الغائبة، عبر تنقية سيرتها من تحريف طالها على مدى قرون. من فصل لآخر تلاحق ما ترويه "بستان" وتتواطأ على إخفائه. نراقبها تُحيي أسطورة "جبل قاف" لإعادة أهله من الشتات، ولا وسيلة لها في ذلك سوى جبر ما تحطّم عن طريق الكتابة.

استهلال لرواية الكاتبة المصرية منصورة عز الدين: "جبل الزمرّد" تشتبك فيه مع "ألف ليلة وليلة" اشتباكاً يتجاوز العنوان، لتقدّم عملاً يلعب مع "الليالي" ويحاورها متبيناً بعض أساليب السّرد المستلهمة منها. عمل يتفّحص بحساسية علاقة الكتابي بالشفاهي، ويشتغل على فكرة رواية الرواية، أي الوعي بفعل كتابة منبثقة من قلب "ألف ليلة"، ومتمّاسة مع الموروث الديني في آن.

كاهنة الأبيض والأسود، أو "بستان" كما شاءت الكاتبة اسماً لبطلة روايتها، مهووسة بالكتابة والانكفاء على التدوين دون كلل، فيما العالم خارج بيتها في الزمالك، العالم القديم ينهار. درّبها مبكراً والدها على السرد والكتابة، مُسرّباً لها تدريجاً لمحات مما ينتظرها من مهام، كما أسمعها مئات القصص المستّلة من دهاليز التاريخ الغابر، وأنشد لها آلاف أبيات الشعر. من هذه الكثافة تبدأ "بستان" رحلتها وحدها، فتنطلق مازجة الخيال بالواقع في سرديات تختلف جذرياً في النوع، فهي أحياناً قصة قصيرة وهي ريبورتاج وقصيدة ودراسة طرية ومقال. ما يمنح رواية عز الدين تكنيك تعدد الأصوات في "جبل الزمرد" الصادرة عن "دار التنوير"، في شكل ثوري وجديد.

ما من تزامن في السّرد، فهي قصص معبّأة داخل "صندوق" الرواية، ونجد ذلك التكنيك (الصندوق) في كثير من روايات القرن السابع والثامن عشر، إنما مطوّرة بطريقة تسمح بالهروب من الخط التصاعدي المألوف. طريقة يمكن تسميتها كتعرف أفضل بالوحدة غير المنفصلة لكن المشغولة في آن، ويربطها موضوع عام كاف تماماً للتجوال في رحابة تقترب من حد المتاهة. التمزّق الإيجابي في السرد يقع في مكان آخر، ويتمثل في عدم تقابل هذه الأصوات. الرواية مع ذلك، تنال انتباه القارئ الذي احتاج كل تركيزه، من شساعة السرد وغوصه ومخاتلته وأسراره ووفرة المعلومات التي استخدمت من أجله.

تحتوي الرواية من خلال إيغال الكاتبة في عوالم قديمة وعوالم متخيلة، على تعقّد الحياة في العالم الحديث. وتلعب عز الدين على فكرة أن الأعمال الكبيرة (خاصة التي ترغب أن تبدو كبيرة) تحتوي على شيء لم يتحقق، لذلك يجول السرد في الماضي والحاضر وفي ما بينهما، متنقلاُ في الزمن وفي الشخصيات في محاولته الى احتواء تعقّد الوجود الراهن، عبر هذه المراوغات الزمنية من دون أن تفقد الكاتبة الوضوح المعماري لروايتها.

وحتى لو كانت الكاتبة هي التي تسرد وتتكلم، فأفكارها مرتبطة بالشخصية المروي عنها، تفكر بمواقفها، بطريقتها في رؤية الأشياء، ولا تريد أن تكون بديلة عنها أو أعمق مما تستطيعه الشخصية في الرواية.


ثمة عند عز الدين ذلك التموضع، جملتها الناحية مناحي الشعر، التأمل الماكر والتريث الطويل حول العلاقة المتبادلة بين الجسد والروح، وعندها في مواضع تلك الجملة الناحية مناحي الشعر وذلك القص المتعلق بالأحلام والرؤى، وهو الخيال متحرراً أحياناً من سيطرة العقل ومن الاهتمام بالاحتمالات.


الحلم إلى حد، والأساطير والغيبيات والمرويات المثبتة وغير المثبتة، هي نماذج مفضلة عند عز الدين، وهي هنا تلعب دور الاستنطاق الواضح للحياة الحقيقية، والأحلام عند الكاتبة في إصدارها الجديد مثل جزر داخل الرواية تعينها على الذهاب الى أبعد حد في الإضاءة على أفكارها، حتى ليبدو في المجمل كما لو الحلم والواقع مترابطين ومختلطين بحيث يتعذّر على القارئ تمييز أحدهما عن الآخر. 

نُشِرت المقالة في جريدة "المدن" بتاريخ 22 يوليو 2014

Tuesday, March 18, 2014

سؤال الفن والتاريخ في جبل الزمرد

إيهاب الملاّح

إنها رواية «بديعة» حقا وصدقا، جديرة بأن تجذبك إلى عالمها دفعة واحدة، ولك أن تطلق ما شئت من أوصاف دون تحفظ أو رصانة مصطنعة، على رواية «جبل الزمرد» لمنصورة عز الدين، حفيدة شهرزاد ووريثتها المقتدرة الحكاءة البارعة، الساردة المتدفقة، المهجوسة بسؤالها الوجودى والمعرفى وطارحته فى الآن ذاته فى سرد خلاب، ساحر، يمتح من معين الليالى دون أن ينزلق إلى شبهة محاكاة أو تقليد أو الاستسلام لغواية «التماهى» فى النص السردى الأكبر. بحثت منصورة عن سؤالها وانشغلت به، وحفرت حوله للإمساك بجذوره العميقة، سؤالها المؤرق، سلطة المعرفة وقدرتها على التغيير. فالتدوين مفتاح الخلود، وثمرة المعرفة المحرمة، و«التذكر هو السبيل الوحيد لانبعاثها من الرماد».. التذكّر حياة، والنسيان محو وفناء، هو الموت ذاته، ولا سبيل إلى استعادة ما نريد استعادته إلا عبر الذاكرة، عندما يفقد المرء ذاكرته يُنفى خارج مدار الزمن والتاريخ. شخوص روايتها البديعة تحيا على الأعراف، بين الواقع والخيال تعيش، تكتب سيرتها فى المنطقة المعلقة بين السماء والأرض، هكذا نتعرف على «بستان البحر» أو «كاهنة الأبيض والأسود» الراوية، وحفيدة أحد الحكماء السبعة لجبل قاف أو «مملكة الزمرد»، الكائنة إلى مصيرها باستعادة سيرة الأميرة زمردة، بنت الملك ياقوت، حاكم المملكة ومدبر شؤونها، زمردة التى أعلنت قبل زوالها «الحكاية ستعيدنى، وكاهنة الأبيض والأسود ستجمع شظاياى»، تلك النبوءة / اللعنة التى تملك سر بعثها وبقائها إلى ما لا نهاية. أما «هدير» حفيدة «شيرويت» المناضلة اليسارية العجوز التى لا تملك إلا اجترار ذكرياتها وحث حفيدتها الشابة على التحرر والسفر وخوض تجربتها الخاصة، فهى تلك الفتاة التى تحيا فى قاهرة 2011، تحركت لعنتها وثارت بعد خمود، لترقب مصيرها المجهول، فالخلاص لا يكتمل إلا بحلول اللعنة ونزولها.. والثمن لا بد أن يسدد كاملا غير منقوص. وبين هدير وشيرويت، هناك «نادية» الجميلة، أم هدير المفتونة بالزمرد وحاملة اللعنة ومُورِّثَتُها فى آن، «رابونزل» المصرية، التى تضحك لها المرايا، باحثة عن خلاصها الذى وجدته فى «الهجرة» والمغادرة إلى حين. أما «مروج» حفيدة كبير الحكماء، فهى كاتبة السيرة ومفجرة اللعنة، خارقة المحظور هاتكة المحرم، صانعة الحكايات التى ستكتب بماء الذهب وتحفظ فى خزائن الملوك كالجواهر، أو تدون فى السجلات لأجل أن يطلع عليها الخلف فيعرف أخبار السلف، أو يسعى إليها الساعون فى البلدان المختلفة، لينسخوها بأدق ما يستطيعون، كى يعودوا بها هدية إلى ملوكهم الذين يحفظونها فى خزائنهم، ليطالعها من يبحث عن «الحكمة المتجددة» فى الزمان والمكان. «مروج» هى حاملة الحكمة المتجددة، «حكمة الكتابة» التى تصل الماضى بالحاضر بالمستقبل، فتهدم حواجز العرق والجنس واللسان والعقيدة، وتجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة والتجارب الحكيمة ما يصل القرون الماضية والأمم البائدة بالقرون الحالية والأمم الآتية، مؤصلة فى الإنسان انتماءه إلى المعمورة الإنسانية كلها فى أحلامها وأشواقها، مؤكدة أن حاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى، واحتياج الأقصى إلى معرفة الأدنى، فذلك هو طبع البشرية وفطرة الإنسانية التى تؤكدها «أمثولة شهرزاد»، وموازياتها الأخريات «زمردة» و«مروج» و«هدير» فى ما تؤكده من دلالات أو تومئ إليه. «المعرفة سبيل التحرر.. ولا تحرر إلا بهتك أستار اللعنة وحلولها» هذا هو الدرس الأهم للّيالى، الذى استخلصته منصورة واستوعبته جيدا عبر معايشتها لنص الليالى، مدركة أن «شهرزاد فى الليالى، إنما كانت تقدم أمثولة المثقف الذكى فى مواجهة السلطان الجائر، إلاّ أن قدرة المعرفة على التحرير لا تتوقف فى ذلك النص الثرى على شهرزاد وحدها، إنما تكاد تتكرر فى كل حكاية من حكايات اللّيالى، إذ تتناسل «الشهرزادات» ويتعدد الرواة البارعون فى سرد حكايات مخلِّصة». تدور أحداث الرواية فى فضاءات مكانية متعددة، من قلعة ألموت بإيران حيث جاءت حفيدة أحد الحكماء السبعة إلى القاهرة لتبحث عن «المنذورة» المعاصرة لاستكمال الحكاية الناقصة من الليالى، مرورا بالقاهرة وثاكاتيكاس بالمكسيك، التى ستلتقى فيها «كريم خان»، الحفيد الآخر لأحد الحكماء السبعة، وجبال الليالى الأسطورية، وممالكها السحرية، جبل قاف، وجبل المغناطيس، وما بينها تدور الدوائر وتتكشف الأسرار وتروى الحكايات وتتتابع الوقائع. هكذا تبدو رواية «جبل الزمرد» (أو الحكاية الناقصة من الليالى)، سردية رمزية كبرى، تترك قارئها، أو بالأحرى أسيرها المسحور، لاهثا يتمرى فيها لاستخلاص ليس المتعة فقط، إنما بالأساس «الحكمة والعظة»، كما حملتها الجملة المفتاحية المتكررة فى الليالى «حكاية لو كُتِبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن يعتبر»، وهى الجملة التى صدرت بها منصورة نصها الروائى الجميل، باعتبارها «جملة مفصلية» توصف بها الحكايات العجيبة والمهمة. فالعبرة / السؤال / والاشتباك الوجودى والمعرفى مع الموروث ومع الحاضر، هدف أساسى للحكى جنبا إلى جنب مع الإمتاع.. من هنا تؤسس منصورة لنص موازٍ لليالى، يستلهمه، ويشتبك معه، يناوشه ويحاوره يجاذبه من حيث هو «النص الأكبر» المكرس بكامله لمديح فن الحكى، والاحتفاء به بوصفه الفعل الأكثر إمتاعا وجلبا للتسلية والعِبرة. تتفحص منصورة فى نصها متاهة الحدود الملتبسة بين التاريخ والفن، فما يواريه التاريخ ويسكت عنه، ينطق به الفن متحررا من أسر أى سلطة زمنية أو أى حدود ينبغى أن تحد، ذلك ما تبحث عنه منصورة جاهدة «عما يشبه تلك الحكايات الشفاهية الآسرة، عن كتابة لا تعترف بالحدود الفاصلة بين الواقع والخيال»، من خلال ثنائية «الشفاهى والكتابى»، فالحكى عند منصورة كما فهمته عن جدتها الأسطورية شهرزاد «يمنحها سلطة هائلة، سلطة خالق يتحكم فى المصائر، ويسيطر على آذان مستمعيه جاعلا قلوبهم تخفق على إيقاعات صوته المتماوج بين الهمس والصياح، بين العلو والانخفاض، بين تصدير الأمل والحماسة أو الخيبة والشجن». إن الرواية تجسد ببراعة لا نظير لها ذلك الخوف اللا شعورى من القوة الكامنة فى عملية الكتابة «التدوين»، وهو خوف يوازى سوء الظن المتأصل بالأنثى، وكما لو كانت «الكتابة / الشر» هى الفعل الذى إذا أطلق سراحه أحال الكبير إلى صغير والصغير إلى كبير، والمقموع إلى متمرد، والسادر فى ظلمات الجهل والخرافة إلى حائر متشكك فى محيطات المعرفة، واستبدل الأدوار وعبث بالمواضعات والأعراف وفتح من أبواب الوعى ما ينقض كل قمع ويزرع بذرة التمرد فى أعماق كل مقموع. ويبدو أن «الكتابة» التى أصبحت العلم المحيط للكون اكتست المعنى الرمزى لشجرة المعرفة المحرمة التى كان على الإنسان أن يقطف ثمارها مقترفا فعل الخيانة الذى اقترفه بروموثيوس حينما سرق نار المعرفة من الأرباب التى حرمتها عليه فاستحق العقاب الذى خرج به من جنة الطبيعة إلى جحيم الثقافة / المعرفة. فى ظنى ستكون «جبل الزمرد» واحدة من الروايات التى ستملأ الدنيا وتشغل الناس طويلا، وهى جديرة بأن تشغلهم وتمتعهم وتخلب ألبابهم.. فلتحيا مملكة الرواية!

نُشِرت المقالة في جريدة التحرير بتاريخ 18 مارس 2014



Monday, March 10, 2014

جبل الزمرد.. سيرة الغرباء الأبديين



أحمد الفخراني

تخطو منصورة عز الدين في روايتها "جبل الزمرد" الصادرة عن "دار التنوير"، خطوة طموحة. تمتلك أدواتها حقاً. تكتب بنَفَسٍ معتّق عن الرؤية، تكتب بثقل "العماء"، لغة ثقيلة كحجر كريم معتم، محكمة كخيوط اللعبة التي تنسج

تختار اللعب هذه المرة مع أقدم النصوص، وأكثرها إلهاماً "ألف ليلة وليلة"، بل وتتحدّاها بتقديم الحكاية الناقصة من الليالي، القصة "الأكثر إمتاعاً"، التي تتحول حكايتها إلى لعنة وعدم روايتها إلى لعنة أكبر.

الحكّاءة، ليست بطلة الحدث، بل عقدة الخيط التي تجمع هؤلاء "الغرباء الأبديين"، المشّاءين في الأرض على غير هواها وشريعتها، الذين لا تجمعهم سوى النصوص الغرائبية. تتكئ منصورة على هذا البعد في قصص "الليالي"، إنها السيرة الأولى التي جمعت المهمّشين، السحرة، الجنّ، المنبوذين، المغامرين، اللصوص، غرباء الأطوار والخلقة.. تربط بينهم وبين قصص فرقة الحشاشين، الصوفية، المنثورين في أبيات الرومي وعمر الخيام، ومنطق الطير-لا الأرض- لفريد الدين العطار. هنا ينتفي الزمن، عبر الحكاية الناقصة من الليالي، التي تحيي شعب "الغرباء الأبديين". خلف جبل قاف، نصّ تجمع أشلاءه في "المسافة النهائية بين جبلي المغناطيس وقاف تكمن أسرار الوجود وخباياه"، والقاف هو الحرف "القابض على سرّ هذا الوجود. قصة تربط أجزاء العالم من طهران إلى نيويورك إلى القاهرة، بلغات الأسرار، أحدى عتباتها مخطوط "النزوح إلى العالم".

جبل قاف حيث تكمن المعرفة الحقّة والنهائية، يكمن خلفه أيضاً الوعيد بالعقاب، فالرهبة من أن تعرف أشد أنواع "الوعيد". نحن لا نعرف إلا ما قيّض لنا أن نعرفه من قبل أنواع السلطة، الخوف من أن تعرف هو الضمان الوحيد لتظلّ السلطة كذلك.

تتقاطع حياة الحكّاءة، في القرن الواحد والعشرين مع بطلة الحكاية الناقصة لليالي: زمرّدة. كلاهما معدّ لأمر جلل. حياتهما منذورة بالكامل، من حكاية إلى أخرى، كحكايات الليالي، تتشظّى الرواية الواحدة، قبل أن تُجمع في عقد واحد.

رحلة إبطال اللعنة عن المعرفة "اسمي بستان البحر، أو بوستان دريا، أو باغ دريا، لا فرق! أغادر العالم على أطراف أصابعي في طريقي إلى جبل الزمرد. إن لم تبعث أميرتنا من جديد، سأفنى في رمادي الخاص، ستتبخّر كلماتي كأنها لم تكن. من له أن يؤبِد الحكاية؟ من سينقيها من آثار التحريف بحيث تبطل اللعنة وينفك السحر!".

تحمل وعداً غامضاً بأن تصير "ما تشاء، وأن يكون لها ما تتمنّى من قدرات"، إذا استعادت في نهاية الطريق المنذورة إليه "أميرة جبل قاف"، حيث ستحرّرها المعرفة اللا نهائية، مما نظنّ أننا نعرفه.

ولأن "الكتابة لم تكن يوماً قنطرة وصل، بل خنجر قطع، غير أن رومانسيتنا هي ما أوهمتنا بالعكس"، الجمل المنثورة على رأس الفصول عن التصوّرات عن الكتابة، عن وطن من الكلمات، وتعمل كدليل يشير إلى أن فعل الكتابة هو خوض في المعرفة المحرمة، أو ينبغي أن يكون كذلك، بل إن الكلمات التي لا تكتب، وتموت فور أن تنطق لأنها لا تدوّن، تتحوّل إلى أشباح تطارد صاحبها وتعاقبه، كلعنة الحكاية إن روت وإن لم تُروَ.

زمردة، بطلة قصة الليالي التي تتقاطع مسيرتها مع حياة بطلة الألفية الجديدة، عندما دوّنت قصتها مع جبل قاف، حوكمت أمام قاض بتهمة "التدوين المحرّم على النساء"، يظل هذا الفعل سارياً حتى في زمن بطلة الألفية الجديدة، الكتابة المرفقة بالإحساس بالذنب، بالثقل، بضرورة الاختباء، هنا تكون الكتابة/المعرفة. ثقل الوريث امتداد غيره، الذي عليه أن ينجو من سلفه وينجيه، أن يحييه ويقتله. إنها أيضاً عقدة السلف وسبب حياته، فزمردة بطلة الليالي "ما خطت خطوة إلا تلاقي، وريثها، لعنة تسير على قدمين إلى صاحبها، لعنة لا تعرف الزمن أو المكان، الذي لا حل لمصاحبته سوى أن "تكفر به أولاً، أن تضيّعه تماماً، لتتمكن من استعادته"، الروح الموشومة بماضي الأسلاف وأخطائهم، لا مفر من النجاة من حكمتهم، إلا باستعادة الخيط الساري للغرباء الأبديين.

 عن جريدة المدن الإلكترونية.. 5/3/2014