Showing posts with label نحو الجنون، منصورة عز الدين، قصص قصيرة. Show all posts
Showing posts with label نحو الجنون، منصورة عز الدين، قصص قصيرة. Show all posts

Wednesday, April 16, 2014

نحو الجنون

منصورة عز الدين

كنت أراقب جارتي وهي تخطو بدأب نحو الجنون، كانت تتجه إليه بالبساطة نفسها التي تضع بها أكياس القمامة أمام باب شقتها كل صباح، بالإتقان نفسه الذي تطهو به أصناف الطعام التي تغمرني روائحها الشهية كلما مررت بشقتها  الواقعة أسفل شقتي مباشرة.

حين انتقلتٌ للسكن في البناية لم ألحظ أى شىء غريب أو حتى غير اعتيادي فيما يخصها، امرأة في أوائل الثلاثينيات.. ربة بيت نشيطة وأم  وحيدة تبالغ قليلاً فى رعاية أطفالها الثلاثة الذين يبلغ أكبرهم تسعة أعوام كما أخبرتني.

تبتسم في وجهي كلما قابلتني على السلم وأنا متجهة لعملي أو عائدة منه، صوتها خافت وملامحها منمنمة بما يتناسب مع قصر قامتها وصغر وجهها، ورغم ارتدائها للعباءة والحجاب الذي يصل إلى ما تحت صدرها كانت لا تحرمني من تعليق مجامل على تسريحة شعري أو فستاني القصير أو حتى رائحة عطري. "تحفة" تقول وعيناها تلمعان بطريقة شخص متشوق للتواصل مع الآخرين.

عادة ما كنت أتقبل تعليقاتها بنوع من التحفظ الذي يشعرني بالذنب بعدها، حرصت منذ البداية  على وضع مسافة ملائمة بيني وبين جيراني، فنمط حياتي لا يسمح لي بتضييع أى وقت في محاولة التواصل مع أناس مختلفين كليةً عني، أنا بالنسبة لهم امرأة غريبة الأطوار تتعامل مع بيتها كمجرد مكان للنوم، إذ كنت أغادر في الواحدة ظهراً ولا أعود إلا مع اقتراب منتصف الليل.

لم يكن مألوفا بالنسبة لهم أن تعيش امرأة تعدت الثلاثين مثلي بمفردها، لا زوج، لا أولاد، ولا أقارب. لكن هذه المرأة بدت كأنما ترغب في أن تتغاضى عن كل هذه المآخذ التي أخذها الجيران علىّ.

كنت أرى في عينيها نوعاً من التوق للتواصل معي، عزوتُ ذلك للاختلاف بيننا، فأنا بالنسبة لها أشبه ذلك الغريب الذي نقابله فى سفرة بعيدة ونفضي له بأدق أسرارنا لأننا ندرك أننا لن نراه مرة أخرى.
قد أكون جنحت كعادتي إلى المبالغة فى تفسير نظراتها لي، لكني كنت واثقة من أن هذه المرأة القصيرة ذات الملامح المنمنمة لديها ما تريد إخباري به.

عندما أسمع صراخها الهستيري وهي تعنف أطفالها بشدة، ثم صوت نشيجها الذي يتلو وصلة التعنيف اليومية، كنت أصاب بالحيرة، إذ كيف للمرأة الهادئة، ضئيلة الجسم، دقيقة الملامح، التي اصطدم بها من وقت لآخر على دَرَج البناية أن تتحول لهذه المخلوقة الهستيرية التي تحوِّل صباحاتي إلى جحيم بشجارها الدائم مع أولادها، وتضطرني للاستيقاظ مبكراً حتى في أيام العطل؟

لا أتذكر الآن متى بدأ صوتها المرتفع ينطلق لتصدح به وهى تقف على بسطة الدَرَج أمام شقتها مناديةً زوجة البواب كي تشتري لها ما تريده من الخارج رغم وجود جهاز الإنتركوم الذي يمكنها من طلب ما تريده من المرأة بصوت هادئ وهى جالسة في مكانها.

كنت أتعاطف مع امرأة البواب وأنا أسمع جارتي تسبها متهمة إياها بتجاهلها، وأشفق على أطفال جارتي  المشاغبين  - الذين لم أرهم أبداً- حين تعاقبهم بأن تحبسهم فى إحدى الغرف وتغلق الباب عليهم، من دون أن تكترث بتوسلاتهم أو بالجلبة التى يسببونها بطرقهم المتواصل على الباب.

بدأت أتخيل عقلها كقطعة أرض "شراقي" تشققت بفعل العطش ثم فتحت ذراعيها للماء وقد أخذ يجرى مغطيا إياها، الماء هو الجنون الذى يزحف ليغطي عقلها ويواريه في الخلفية.

لم استطع أبداً التخلص من صورة الأرض العطشى والماء يفيض عليها. كلما اصطدمت بالمرأة على الدرج أو سمعت صوتها الذي أصبح مبحوحاً بفعل الصراخ المتواصل لأتفه الأسباب، أرى شقوقا تبتلع الماء.

ذات صباح فوجئت بها تطرق بابي، كانت مرتبكة وعيناها حمراوان كأنما قضت الليل كله في البكاء، أفسحت لها الطريق فدخلت مباشرة إلى الصالون كأنها تحفظ شقتي عن ظهر قلب. لم أكن قد أفقت تماماً من أثر النوم، فتبعتها بكسل وأنا أردد كلمات الترحيب المعتادة.

عندما جلست في مواجهتها لاحظت أن نظراتها زائغة، وجسدها يرتعش بعض الشىء. أخذت تنظر حولها بتوتر للتأكد من أننا وحدنا. ثم انتفضت فجأة متجهة لجهاز التلفاز، وغطته بمفرش منضدة الصالون. ونظرت للسقف والجدران بتمعن، ثم اقتربت لتجلس بجواري على الكنبة وهي تهمس:
-         معلش. الاحتياط واجب.
لم أعلق واكتفيت بابتسامة مشجعة، فبدأت تحكي وهي ترجوني أن أصدقها وألا أتهمها بالجنون كالآخرين. قالت إنها لم تعد تتحمل الحياة على هذا النحو، وأن طليقها يراقبها ويرصد كل حركاتها حتى في غرفة نومها لدرجة تضطر معها للنوم وهي مرتدية العباءة والحجاب.
طلبت مني أن أنزل إلى شقتها لرؤية الكاميرات المزروعة في أركانها فتبعتها متضررة، حين وصلنا لباب شقتها وضعت سبابتها أمام فمها طالبة مني ألا أتكلم.

دخلت على أطراف أصابعها وأنا خلفها. بدا بيتها كأنه نسخة منقولة عن بيتي بكل تفاصيله، الأثاث، وألوان الستائر وحتى اللوحات المعلقة على الحوائط. تلفازها كان مغطى هو الآخر. اندهشت وشعرت ببعض الخوف النابع من عدم الفهم.

نظرت حولي بحثا عن أولادها إلا أنني لم أعثر لهم على أي أثر. دخلت معها كل الغرف فأخذت تشير إلى ما تظنه كاميرات سرية وأجهزة تنصت. كنت مشغولة فقط بالبحث عن أي أثر للأولاد الثلاثة المزعجين. تركتني لدقائق للذهاب إلى الحمام، فتسللتُ لغرفة نومها، كان هناك جهاز تسجيل كبير وبجواره عدة شرائط كاسيت، من دون أن أفكر فتحت بابه وأخذت الشريط الموجود بداخله وأخفيته في ملابسي واتجهت للباب.

في شقتي رحت استمع لأصوات الأطفال المنطلقة من الكاسيت، مرة يطرقون على باب ما وهم يتوسلون من أجل اخراجهم، وأخرى وهم يلعبون بأصوات صاخبة تقطعها فترات صمت تام.
كانت الأصوات نفسها التي اعتدت سماعها منبعثة من شقة جارتي، لكن من دون صوتها هي.

لم أجد أطفالها الثلاثة حين دخلت شقتها لأنهم ببساطة غير موجودين من الأساس، تذكرت أني لم أرهم أبداً، وكل معلوماتي عنهم كانت مستقاة من الكلمات القليلة التي كنت أتبادلها مع جارتي حين ألتقيها على بسطة السلم. كونت عنها فكرة الأم التي تبالغ في الاهتمام بأطفالها لحرصها على الإشارة إليهم في ثنايا كل جملة توجهها لي، ولروائح أطعمتها الشهية التي توحي بأم حريصة على تزويد أبنائها بتغذية سليمة، ولملابس الأطفال التي اعتادت أن تنشرها كل يوم تقريباً على حبل غسيلها.

شعرت بالتعاطف معها وقررت أن أزورها في اليوم التالي متعللة بأي حجة، رغم معرفتي بأنها نظراً للبارانويا التي بدت واضحة عليها ونظراً لخروجي المفاجئ من شقتها ربما تظنني جاسوسة لطليقها عليها.
في الصباح وجدت نفسي واقفةً أمام الشقة الواقعة أسفل شقتي. طرقت الباب ثلاث طرقات خفيفة، ففتحت لي امرأة فى حوالي الخمسين ترتدي ملابس بيت قطنية وتبتسم ابتسامة مرحبة. سألتها عن..... عن ..... اكتشفت أنني لا أعلم اسم جارتي فوصفتها لها وقلت إنها تسكن هذه الشقة.

أخبرتني المرأة الخمسينية أنها تسكن هنا مع ابنتها الجامعية منذ عشر سنوات، ولا تعرف عمّن أتحدث. بدا عليها نفاد الصبر وهى ترمقني بنظرة متشككة. فاعتذرت وأنا أغادرها محرجة.



***


كنت أتابع المرأة غريبة الأطوار التي تسكن في الشقة التى تعلو شقتي، دون أن أتكلم معها. اعتدت أن أقابلها  من وقت لآخر على دَرَج البناية، كانت دائما في عجلة من أمرها، تهبط درجات السلم أو تصعدها عدواً كأن هناك من يطاردها.
امرأة في الثلاثينات تقريباً بجسد ضئيل وملامح منمنمة، تترك شعرها الطويل منسدلاً على كتفيها، وترتدي ملابس قصيرة وأحذية ذات كعب عالٍ بدرجة ملحوظة.

حرصت على تجنبها منذ البداية إذ بدت لي غير متزنة بعض الشىء سمعتها أكثر من مرة تحادث نفسها وهي تصعد أو تهبط، كنت فقط أتبادل معها تحية الصباح أو المساء حين أقابلها على الدرج فترد دون أن تنظر إليّ ثم تواصل همهماتها غير المفهومة.

كان من الممكن أن تظل كغيرها من الجيران بالنسبة لي، فعدم اتزانها يخصها وحدها طالما بقيت مسالمة وغير عدوانية، غير أنني بدأت أتضايق من الجلبة التي تصدر بشكل دائم عن شقتها رغم معرفتي بأنها تسكن وحدها. كانت هناك ضوضاء ناجمة عن بكاء أطفال صغار وشجارهم مع بعضهم البعض. وصوت امرأة تبدو كما لو كانت أمهم تعنفهم وتصرخ فيهم بشكل دائم.

حين شكوت لحارس البناية وطلبت منه أن يبلغها بانزعاج الجيران من الأصوات المرتفعة الصادرة من عندها ليل نهار، فوجئت به يخبرني أن جارتي غير المتزنة نفسها اشتكت من تلك الضجة مؤكدة له أنها تصدر من شقتي أنا!!

ذات يوم كنت على وشك الصعود إليها كي أبدي لها انزعاجى وعدم استطاعتي النوم بسبب صخبها، إلا أنني وجدتها هي من يطرق بابي لتسألنى عن امرأة ضئيلة الجسم ترتدي العباءة والحجاب مدعيةً أنها تسكن شقتي.

أصبت بالذهول، وأنا أراها تلفق هذه الادعاءات السمجة، فالمرأة ذات العباءة والحجاب تشبهها هي تمام الشبه لدرجة تصورت معها حين رأيتها للمرأة الأولى أنها توأمها وتسكن معها، إلا أن البواب أخبرني أنه لم ير الاثنتين معاً ولو لمرة واحدة، وأنه يعتقد أنهما الشخصية نفسها.

تمالكتُ أعصابي واكتفيتُ بقول إني أسكن هنا مع ابنتى وحدنا منذ عشر سنوات ولا نعلم شيئاً عن المرأة التي تسأل عنها. بدا اندهاشها حقيقياً وهي تسمع مني ذلك. كانت على وشك أن توجه لي أسئلة أخرى، فأمسكتُ بالباب كأني على أهم بإغلاقه وأنا ابتسم لها بود مصطنع فغادرتْ محرجة.


***

لا أعرف على وجه اليقين من أوصلني إلى هذا المكان القبيح، لكني أعتقد أن المهووسة ذات العباءة السوداء والملامح الدقيقة لها علاقة بالأمر، أو قد تكون المرأة الخمسينية التي وجدتها تسكن في شقتها بدلاً منها.

أريد العودة إلى بيتي وعملي من جديد. لن أزعج أحداً مرة أخرى رغم تيقني من أنني لم أزعج أى أحد في المرة الأولى. لماذا لم يصدقوني حين أخبرتهم أن المرأة الهستيرية التي تسكن أسفل شقتي هي من يزعجهم؟
وجود عباءتها وملابس أطفالها في دولاب ملابسى لا يثبت أي شىء. يجب أن يصدقوني. يمكنهم أن يتصلوا بطليقها الذي انتزع أطفالها منها بحكم محكمة كي يؤكد لهم جنونها هي لا أنا.


مارس 2009



Monday, February 17, 2014

"نحو الجنون".. كيف تصنع كابوساً محكماً


حسن عبد الموجود

بالتأكيد هناك تيمات تتكرر في أعمال منصورة عزالدين، الجنون، الوحدة، الفقد، المتاهة، وغيرها مما يشكل الخيط القوي الذي يربط أعمالها، ويشكل عقدها الإبداعي الذي يزينه عملها الأهم "وراء الفردوس"، وفي الوقت ذاته يبدو كل عمل لها قائماً بذاته، بعوالمه، بشخوصه، والأهم بلغته، واللغة في مجموعتها الجديدة "نحو الجنون" الصادرة عن دار "ميريت" تناسب رحلة في متاهة جديدة، متاهة الإنسان المعاصر، المحاط بالخوف، والمطارد، حتى، من أفكاره. مجموعة قصص تشكل كابوساً مرعباً وممتداً في مدن غريبة.

في فيسبادن تستعيد البطلة قصة "خاكوبو". لقد حاول شبح امرأة إنجليزية تشبه خلد الماء أن يحذره من المصير المحتوم داخل المطعم البلقاني الخاوي وانتهى بهما الأمر إلى أن يصيرا معاً شبحين ينتظران في ليالي المطر. في تلك المدينة وجدت نفسها فجأة تدخل من دهليز إلى آخر، "غابة الممرات" بتعبير منصورة، وإمعاناً في الكابوسية يبدو صوت وقع الحذاء على الأرضية المعدنية قريباً من موسيقى تصويرية لفيلم رعب شديد الإحكام، ومن الدهاليز إلى اللامكان، ثم في مواجهة باب حديدي صدأ ومنه إلى المدينة الأم. ستجد نفسها في مواجهة جيش من رجال الشرطة، وهي تحتج بجملة واحدة ويغطون هم في ترقبهم الحذر. تركض فتنهار حوائط قديمة "كأنها بطلة في لعبة كومبيوتر". تشبيه يناسب حتى تغيُّر ملابس البطلة من مستوى إلى مستوى ومن مرحلة إلى أخرى، فمن فستان ملون وحذاء بكعب قصير، إلى سروال جينز ضيق وسترة جلدية بنية اللون وحذاء رياضي، ثم حافية تسير في محيط شاسع من الرمال الملتهبة، ثم فوق أرصفة متكسرة، فتاة ينهمر الرصاص فوق رأسها، وأخيراً تشاهد نفسها "تسير تحت مطر خفيف في مدينة غريبة مع شخص لا تعرفه وإن بدا كـخاكوبو كما تخيلته". هل تماهت البطلة مع شبح المرأة الإنجليزية؟ أم أنها هي ذاتها تلك المرأة؟

لقد انتهت قصة "مطر خفيف" من حيث بدأت، وهذه سمة أخرى لكتابة منصورة القصصية، وأقصد الدائرية، التي تناسب فكرة المتاهة، وهو ما تكرر أيضاً في قصة "ليل قوطي"، ففي المدينة الجديدة تبدو مشكلة البطلة تلك المرة، في العملاق ذي المعطف الأسود وصاحب السحنة المتجهمة الذي يسير بخطى ثقيلة، فهذا العملاق حينما يشير بسبابته إلى أحد الأشخاص يختفي من الوجود. لست معنياً بسرد تاريخ العملاق، ولا قصة فقده لبصره في المدينة التي لا تعرف الليل، ولا في الأشخاص الثانويين الذين يأتي السرد عليهم، وإنما في دائرية النص. لقد انتهى بتلك الجملة "أسمع وقع صاخب لخطوات ثقيلة كأنما تصدر عني". أسأل أيضاً.. أليست الخطوات الثقيلة للعملاق؟ هل حل في البطلة الجديدة كما حلت المرأة الشبح في بطلة القصة السابقة؟ بالتأكيد هناك قصدية كبيرة في هذا. البطلة أيضاً في القصة التالية "مارين" ستبصر نفسها في وجه الشخصية التي تحمل اسم القصة "لم تستغرق التفاتها إلا ثواني معدودات لكنها كانت كافية كي أبصر في وجه مارين الشاحب قلقي وفي تعبها خوفي وإرهاقي". في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها "نحو الجنون" يبدو الأمر أكبر من الحلول في شخصية واحدة. الجارات يشبهن مرايات للبطلة. أنت لن تصدق شيئاً في كل الأحوال، والبطلة أيضاً في دفاعها عن نفسها ستدفعك إلى عدم تصديقها. لقد قالت إنها تعيش بمفردها بلا زوج أو أبناء، قبل أن تؤكد لإحدى الجارات أنها تعيش مع ابنتها. الجارة "غريبة الأطوار" تنشر ملابس أبنائها بانتظام، وتعنفهم بشدة. البطلة لم تر هؤلاء الأطفال أبداً وفي أول زيارة للجارة ستسرق شريط كاسيت منها، ومن خلاله ستكتشف الكذبة الكبيرة التي تحياها الجارة، فلا وجود للأطفال، وهم مجرد صوت مسجل على الشريط. ستقفز منصورة من هذه العلاقة إلى علاقات عابرة بين البطلة والجارات الأخريات. من هم؟ لا تعرف. المقصود بذلك صناعة المتاهة حتى ولو كنا في الواقع، ثم تعود مرة أخرى في ختام النص إلى بدايته كما تفعل في معظم النصوص "وجود عباءتها وملابس أطفالها في دولاب ملابسي لا يثبت أي شيء. يجب أن يصدقوني. يمكنهم أن يتصلوا بطليقها الذي انتزع أطفالها منها بحكم محكمة كي يؤكد لهم جنونها هي لا أنا". مرة جديدة هل حلت البطلة في جسد جارتها أم أنهما شخص واحد من البداية؟ في الأغلب أميل إلى تصديق فكرة الشخص الواحد، والشكل الدائري أيضاً يخدم تلك الفكرة. نحن نبدأ من حيث ننتهي، ولكننا سنضيف معلومة جديدة أن الشخصيات تشكل مرايات لبعضها البعض.

هل الحياة في مدن غريبة تعني أننا نحيا بلا قوانين؟ الإجابة لا. في إحدى المدن "كان الإيقاع سريعاً والناس يسيرون كما لو أن حياتهم مرهونة بمدى اتساع خطوتهم"، وفي مدينة أخرى "بشر كثيرون يسيرون في الشوارع الباهتة ببطء مرتدين مسوحاً داكنة"، وفي مدينة أخرى مهما غطاها السواد فإن الربيع قادر على معادلته.

هل الشخصيات تعشق المتاهات؟ الشخصيات في الأغلب خائفة من مطاردة الكوابيس، وهي أيضاً تبحث عن الحياة في مواجهة الشر الكامن في كل التفاصيل "ا.ل.ح.ي.ا.ة كانت تنتظرك هناك وسط الجموع الهاتفة الغاضبة: أصوات رصاص، نيران تشتعل خلفك وبجوارك، وغازات تحرق جلدك وتعميك عن الرؤية ويد باطشة تلقيك بقسوة فوق الرصيف الصلب. كل هذه الأشياء كانت دليلاً على أنك لا تزالين حية".

نُشٍرت المقالة في موقع 24 بتاريخ 23 يناير 2014.