Showing posts with label New writing. Show all posts
Showing posts with label New writing. Show all posts

Wednesday, September 12, 2012

خيانة الآباء بديلاً من قتلهم



منصورة عز الدين

إذا كان جان جينيه كتب ذات مرة: «أغامر بتفسير: الكتابة هي الملاذ الأخير لمن خان»، فسوف أغامر بقلب جملته رأساً على عقب لتصبح: الخيانة هي الملاذ الأخير لمن يرغب في كتابة مغايرة.. خيانة الوصايا، والآباء الباحثين عن أشباه لهم.. خيانة القناعات السابقة والانتماءات الضيقة. الخيانة بمعناها الفني والجمالي هي الملاذ الأخير لكثيرين من كتاب الرواية الجديدة في مصر.
لكن مهلاً، المقدمة السابقة تحمل من اليقين ما يفوق قدرة الكتابة الجديدة ـ بما تحمله من إعلاء لقيمة الشك ونسبية المعرفة ـ على التحمل. ألا تقترب بعض الشيء من الصرخة التى أطلقها جيل الستينيات في بدايته على لسان محمد حافظ رجب: «نحن جيل بلا أساتذة»؟
حسناً سأتغاضى عنها قليلاً وإن كنت ـ حالياً على الأقل ـ أؤمن بها.
لنحوِّل تعبير «خيانة الآباء» إلى «اختلاف زاوية الرؤية عنهم»، ربما يكون أكثر دقة، وأكثر ملاءمة للحديث عن موضوع مراوغ ومن الصعب الإمساك به، كـ«الكتابة الجديدة» في مصر.
يُخيل لي أن الاختلاف الأساسي بين الكتّاب الجدد والأجيال التي سبقتهم، يكمن بالأساس في اختلاف زاوية النظر والرؤية. فالأصوات الأبرز في الكتابة الجديدة في مصر تكتب في معظمها من موقع اللا منتمي. ففي حين كان معظم الكتّاب السابقين يتناولون المجتمع وقضاياه كمنتمين له يعبرون عنه، نجد أن الكتّاب الجدد يتمسكون بوضعية الفرد اللامنتمي التي تتيح لهم التعامل مع مجتمعهم بحياد تام أو بسخرية شديدة الأمر الذي يساعدهم على التحليل البارد لمجتمع شيزوفريني يعيشون فيه مدافعين عن فرديتهم في مواجهة ضغط الجماعة. ينطبق الأمر ذاته على علاقتهم بما اصطُلِح على تسميته بـ«القضايا الكبرى»، فمع بداية جيل التسعينيات على سبيل المثال شاع الحديث عن أن كتّاب هذا الجيل لا يكتبون إلا عن ذواتهم باعتبارها الشيء الذي يعرفونه في زمن سقوط الحكايات الكبرى، وعن أنهم يخاصمون الأيديولوجيا والقضايا الكبرى، وهي مقولات تمرد عليها كثير من كتّاب هذا الجيل نفسه في ما بعد، « الأمر لا يرتبط بتقسيم القضايا إلي صغرى، أو كبرى، مهم أو غير مهم، فهذا التقسيم يعيدنا إلى ذات عارفة ملحة بكل التعريفات والتقسيمات، فكل القضايا أو الأسئلة تتعامل معها الروايات الجديدة على أنها حكاية من ضمن حكايات عديدة، لا فضل لها أنها تتصدر صفحات الجرائد أو وسائل الإعلام، فإذا كانت القضية قضية سياسية مثلا، وتشغل ما يسمى بالرأي العام، فإن حضورها في الرواية يكون من منظور أنها ابنة تأويل دائم». كما كتب منتصر القفاش في شهادة سابقة له. فكرة كتابة الذات نفسها تطورت، عبر التخييل الذاتي، بحيث لم تعد مجرد سرد تجارب ذاتية ضيقة.
تجاوز الواقع
العلاقة بالواقع من المعايير التي يمكننا الاحتكام إليها إذا أردنا الحديث عن «الكتابة الجديدة» في مصر. الكتابات السابقة في معظمها، كانت تحاول تمثل الواقع ومحاكاته، أما «الكتابة الجديدة» فتتحفظ على ذلك، إذ يرى كُتّابها أن الواقع بما فيه من تعقد وتشابك لا يمكن رصده بالعين أو عبر الكتابة البصرية وحدها. كتابة ما بعد الحداثة عموما تشكك فى قدرة العقل البشري على كشف الواقع بشكل كامل. كثير من الكتاب الجدد لا يسعون لتغيير الواقع ولا يرغبون في محاكاته، بل يحاولون فقط نقل حيرتهم المعرفية أمامه. الوجود بالنسبة لمعظمهم هو وجود إشكالي، هش، ومراوغ. والواقع نفسه غير منجز أو بالأحرى غير متفق عليه، فهو ليس فقط ما نراه بأعيننا ونعيشه بوعينا، بل هو أيضا جماع أحلامنا وكوابيسنا وهلاوس لاوعينا.
من هنا يمكننا القول إن أهم ما يسم الرواية الجديدة فى مصر، هو ذلك التوق الشديد لتجاوز الواقع بمعناه الضيق إما عبر مزجه بالغرائبي أو السخرية الشديدة منه وتحويله إلى ملهاة، أو التعامل معه بحياد مطلق، أو حتى رميه في وجه القارئ بكل تناقضاته وفجاجته دون أي محاولة للفلترة.
علاقة الرواية الجديدة في مصر بالواقع تقودنا فوراً، إلى علاقتها بالمكان، أو المكان كما يبدو فيها. وبطبيعة الحال تحظى مدينة القاهرة باهتمام خاص في الرواية التي يكتبها الشباب حاليا، غير أن القاهرة تبدو في حالات كثيرة مغايرة تماما لصورتها الواقعية، لتصبح أقرب لمدينة متخيلة ومراوغة، أو عدة مدن في مدينة واحدة. فقاهرة طارق إمام في «هدوء القتلة» مثلاً مدينة غرائبية أقرب لـ«جوثام سيتي» بدون بطلها باتمان، أو هي نموذج مصري ومختلف لـ«مدينة الخطيئة»، مدينة تبدو «لمن لا يعرفها شديدة الضخامة، غير أن القتلة فقط – وهم حالمون بالضرورة – يدركون أن ذلك غير صحيح». مدينة شاحبة، تتساوى فيها الفصول وتليق تماماً بشاعر/ قاتل يكتب قصائده بيده اليسرى ويقتل ضحاياه بيده اليمنى.
أما قاهرة أحمد العايدي في «أن تكون عباس العبد» فهي مدينة معولمة حيث تنتشر مراكز التسوق العملاقة، وحيث الواقع الافتراضي يحتل الصدارة فارضاً لغته الخاصة المستقاة من لغة الشارع ولغة الـ«تشات» ورسائل الـ sms.
تختلف مدينة العايدي تماماً عن قاهرة ياسر عبد الحافظ في «بمناسبة الحياة» حيث يطالعنا الحي الشعبي «العريق؟» بكل عنفه وقسوته بشكل صادم لمجتمع يحب أن يرى نفسه كمجتمع متسامح ومسالم في حين أنه غارق في قسوته وآليات قهره لأفراده.
في «بمناسبة الحياة» تبدو المدينة كرقعة للحرب بين جيل الآباء الذي عاش في كنف عبد الناصر وحكم العسكر، ثم ترك موت الزعيم/ الأب أفراده يتامى، وبين جيل الأبناء الكافر بكل شيء والمتمرد على كل الأفكار المسبقة بما فيها قيمة الانجاز والنجاح. حرب لا تنتهي بقتل الآباء إنما بقتل الأبناء وقهرهم.
قاهرة عبد الحافظ تتقاطع مع قاهرة حمدي أبو جليل في «لصوص متقاعدون» في رصدها لحياة مهمشين وصعاليك خارجين على أعراف «المواطن الصالح»، إلا أنها تختلف عنها في رصدها لحي شعبي هو - على رغم فقره - من الأحياء المركزية للمدينة. أيضاً يختلف الراوي الأساسي في «بمناسبة الحياة» عنه في «لصوص متقاعدون» في أنه مديني بامتياز منقطع الصلة بالأصول الريفية لأبيه. أما راوي «لصوص متقاعدون» فهو المهاجر الذي يشعر دائما بتهديد لا يعرف مصدره، ومكانه هو ضاحية عمالية أقرب للعشوائية.
أما قاهرتي في «متاهة مريم» فهي مدينة شبحية ذات إضاءة شحيحة كأنها خارجة من رواية قوطية قديمة.. مدينة تتشابه شوارعها تماماً كأنها متاهات هائلة تمت حياكتها بيدٍ مدربة مسلمةً العائشين فيها للعبة التكرار. أو «مدينة من الورق المقوى.. مجرد مبانٍ وشوارع من الكرتون في انتظار بعض الهواء المشاكس كي يزيحها من الوجود كاشفاً عن الخراب الذي استولى على جوهرها».
وبعيداً عن القاهرة سواءً الفعلية أم المتخيلة، تأتي مدينة أحمد ناجي في روايته الأولى «روجرز»، فهي مدينة تكاد تكون متخيلة من الألف إلى الياء، مدينة ساحلية شمالية تحلق فوقها طيور الرخ، وتشهد حرباً غامضة وثورة يقوم بها تلاميذ المدراس مستعينين بطائرات سوداء كبيرة تحلق مستخدمة تقنيات طائر الرخ، و بـ«ماكفير» المولد النووي الذي يعمل بطاقة لا نهائية. حرب تكاد تتطابق في تفاصيلها مع حروب الرسوم المتحركة.
يتعامل ناجي مع روايته – نشرت أولاً كرواية تفاعلية على مدونة الكاتب - باعتبارها «لعبة تمتزج فيها الموسيقى بالهلاوس بالذكريات والسرقات الأدبية غير المشروعة»، لعبة تمتلئ بالتناصات ينصح الكاتب قراءها في بدايتها: «لممارسة هذه اللعبة بشكل ممتع يرجى الاستماع لألبوم «The Wall» لفريق «Pink Floyd» أثناء عملية القراءة». الرواية نفسها تحمل اسم «روجر ووترز» مغني الـ «Pink Floyd»
الهامشي
تتسم الكتابة الجديدة أيضا فى معظمها بالتجرؤ على الكثير من المسلمات القديمة، وإعادة النظر فيها، سواء أكانت مسلمات سياسية أو دينية أو اجتماعية، وقبل كل ذلك تتسم بالإعلاء من شأن الهامشي والخافت، بل وحتى ما اُصطلح طويلاً على تصنيفه خارج نطاق الأدب الرفيع.
فالكتابة الجديدة في مصر أعادت الاعتبار لأنواع أدبية ظلت مهمشة لفترات طويلة، فهي على سبيل المثال وضعت الكتابة الغرائبية فى مكانة بارزة في المشهد الحالى عبر كتابات عدد من الكتاب الذين رأوا أن الواقع أصبح ضيقا فسعوا إلى توسيعه عبر الخيال، صحيح أن الكتابة الغرائبية ليست جديدة تماماً على الكتابة المصرية، إلا أنها لم تكن أبداً تياراً مسيطراً يمثل ظاهرة إلا في السنوات الأخيرة مع كتّاب مثل: مصطفى ذكري، إبراهيم فرغلي، منتصر القفاش، طارق إمام، طاهر شرقاوي، نائل الطوخي، كاتبة هذه السطور، وغيرهم.
في السياق نفسه تمت إعادة الاعتبار إلى الكتابة البوليسية وكتابة الرعب عبر الاستفادة من تقنياتها بعيدا عن التحفظات القديمة، بل إنها استفادت أيضا من شخصيات وعوالم الكارتون والرسوم المتحركة و ثقافة البوب آرت، الأمر الذي مثّل خرقاً محموداً لأسطورة الأدب الرفيع بمفهومه القديم وللفصل الحاد بينه وبين البوب آرت ولكل ما كان يتم وضعه في السابق في خانة الأدب الخفيف. (ليست مصادفة أن تظهر أول «جرافيك نوفيل» مصرية – وأقصد بها «مترو» لمجدي الشافعي- على يد كاتب وفنان ينتمي لتيار الكتابة الجديدة).
هذه الاستفادات من الفنون التي تم التعالي عليها طويلاً ينتج عنها أعمال أدبية بامتياز. فالأنواع الأدبية الخفيفة بطبيعتها كالرواية البوليسية وروايات الرعب وغيرها هي الأنواع الأكثر التزاماً بقواعد كتابتها، ونادراً ما يتم فيها التمرد على القواعد المحفوظة والمتوارثة، وبالتالي تتيح دراستها والتشبع بها تدريبا مثاليا على تقنيات الكتابة المختلفة، فالرواية البوليسية مثلاً هي الأكثر قدرة على تدريب الكاتب المبتدئ على الحبكة والإيقاع المشدود المشوق، وروايات الرعب هي الأكثر قدرة على نقل أقصى درجات التوتر عبر اللغة وحدها. سنلاحظ أن أكثر الكتاب الجدد اهتماما بالحبكة والبناء المركب والإيقاع المشوق هم من تأثروا بهذه الأنواع. فالخروج علي تقنياتها الجامدة والتلاعب بها بعد اتقانها يمكنه أن يقدم عملا أدبيا مشوقا مكتوباً بدرجة أكبر من الحرفية، ومنفتحاً في الوقت نفسه على أسئلة الوجود الشائكة.
إعادة الاعتبار لأنواع تم تهميشها والتعالي عليها في السابق رافقه أيضا إعادة الاعتبار لآباء محليين لم يحظوا بالاهتمام الذي يستحقونه مثل: بدر الديب، نبيل نعوم، عبد الفتاح الجمل، إبراهيم عبد القادر المازني، ورواد الحركة السوريالية المصرية بالفرنسية مثل: جورج حنين، أحمد راسم، جويس منصور، إدمون جابيس. والقائمة قد تطول وتختلف من كاتب لآخر.
كما رافقه الانتماء لأسلاف وآباء عالميين منهم ميلان كونديرا، إدجار آلان بو، بول أوستر، بورخيس، خوليو كورتاثر، وإيتالو كالفينو، بل وحتى كوانتين تارانتينو، ديفيد لينش، ديفيد فينشر، وفرانك ميللر خاصة أننا في لحظة تتداخل فيها الفنون وتتمازج مع بعضها البعض.
هذا يعيدنا مرة أخرى لفكرة الخيانة التي بدأنا بها، فهي لا تعني رفض الآباء أو الأسلاف الأدبيين بشكل مطلق، بل خيانة أسلاف لصالح أسلاف آخرين ينتمون إلى الأسئلة الجمالية التي يطرحها كل كاتب على نفسه وعبر كتاباته. أسلاف يتبدلون وفقاً لتبدل الذائقة وتطورها.
في النهاية أود التأكيد على أن ما سبق مجرد ملاحظات كتبتها من موقعي ككاتبة، منحازة بطبيعة الحال لذائقتي وحدها. أى كمتورطة في المشهد الذي أحاول قراءته، الأمر الذي يسم قراءتى السريعة بنقصان يضاعفه أن مشهد الكتابة الجديدة في مصر مشهد متغير على الدوام ويتسم بالفوضى والزخم في آن. 

نُشِرت المقالة في جريدة السفير بتاريخ 25 ديسمبر 2009

Tuesday, September 11, 2012

ملاحظات على هامش الأدب والثورة


منصورة عز الدين


كنا، نحن الكتّاب الجدد، نقول: لسنا مثل من سبقونا. ليس لدينا ما نخسره.
لم نخسر "حلماً جميلاً" لأننا ببساطة كنا بلا أحلام. عشنا منشغلين بالفرار من كوابيس خلفتها أحلامهم المجهضة. وفي غمرة هذا الانشغال اليائس مرت حياتنا من دون أن نحياها. انقضى جزء كبير منها بلا أحداث حقيقية.
ثم فجأة وجدنا أنفسنا في خضم حدث مزلزل. ثورة خضناها ونحن نتدرب على النطق بحروف اسمها ونتعلم فهم معناها ومغزاها. الجيل الذي لطالما هرب من الكلمات الكبيرة والمشاعر العميقة، وتحاشى العاطفة والحنين في الكلمات والأفعال، تنازل طوعاً عن عدميته، وانخرط مع الجموع بحثاً عن غد أفضل. جيل عرف معنى اليأس جيداً، وأدرك أنه كالخوف، يأكل الروح. لذا كان من المنطقي أن يتشبث بحلم الثورة ما إن لاح في الأفق.

هي ثورة خيال. تقول صديقة فأؤمن على كلامها وأحدثها عن صعوبة أن تنكشف الحجب،  بحيث يحدق المرء بكل حواسه في الجحيم وقد فُتِحت أبوابه. صعوبة أن يتحول الالتباس إلى حقائق واضحة. أن تجد نفسك فريسة لوابل من الرصاص الحي والمطاطي وقنابل غاز تترك في نفسك وجهازك التنفسي أثراً لن يمّحي. مأسور في شوارع تحولت إلى فخاخ مرعبة. هناك من سقطوا على مقربة منك غارقين في دمائهم. ثمة قتلة رأيتهم يرتكبون جرائمهم مبتسمين ببرود، و"مواطنون شرفاء" تعاموا عن مذابح تجري على بعد خطوات منهم.

في آخر نوفمبر الماضي، كان ثمة مذبحة في شارع محمد محمود المؤدي إلى ميدان التحرير. الشوارع القريبة من الميدان كانت هادئة هدوءاً خادعاً كأنها تتواطأ لإقناع نفسها قبل الآخرين أن لا شيء يحدث. المارة هنا وهناك يواصلون روتينهم المعتاد. وحده، الهواء المثقل بالغازات المسيلة للدموع ومعه دوي الطلقات النارية، كانا يفضحان القتلة ويعريان الجريمة الوحشية.
بدا "محمد محمود" غارقاً في الدخان الأبيض لقنابل الغاز، ومرتعشاً تحت ثقل القصف العنيف من قوات الأمن لمتظاهرين مثابرين ذوي عزيمة هائلة.
في لحظات مماثلة، تحمل الأشياء معانىَ مغايرة عمّا ألفناه، يكتسي كل شيء بحمولات رمزية مكثفة. يُعاد تعريف الشجاعة والبطولة، ويواجه كل فرد دخيلة نفسه بلا أقنعة ويقترب من حقيقته العارية.

تصبح الحياة، في حد ذاتها، نَصاً فنياً جديراً بالتأمل. على الرغم من الألم والأسى يبرق في الذهن سؤال: كيف نترجم هذا النص إلى فن يليق به؟ كيف يمكن أن نعاود الكتابة بالمكر القديم بعد أن تورطنا إلى هذه الدرجة في الحدث الدائر؟ كيف يمكننا أن نخترع لغة موازية لما عايشناه؟ الفن ماكر شرير، لا مكان فيه للميوعة العاطفية، أو التورط المبالغ فيه أو المديح المجاني. لا يليق بالثورة "السنتمنتالية" المفرطة ولا النحيب الساعي للابتزاز العاطفي. تحتاج إلى فن يشبها. جسور، مقتحم، ومباغت لا يتسول منها شهرة لكاتبه أو بطولة وهمية تسحب الضوء عن الأبطال الفعليين، ملايين الجنود المجهولين الذين كتبوا، ولا زالوا يكتبون بدمائهم الطاهرة ولحمهم الحي نص الثورة.

قد يبدو سؤال الكتابة ترفاً في أوقات كالتي نعيشها، لكني أراه في القلب مما يحدث حولنا. فالكلمات هي تميمتنا ضد العدم، ضد النسيان. ما أحوجنا إلى التذكر في أوطان مفخخة تحترف النسيان وعدم الإكتراث. أوطان تلونت في 2011 بثورات مبدعة وخلاّقة تتهددها أخطار شتى.

باغتني سؤال الكتابة الإبداعية في قلب الأحداث الدامية في شارع محمد محمود، وكان قد مضى على بدء الثورة المصرية قرابة السنة. كنت أسير بنصف وعي محاطة بضجيج قنابل الغاز وطلقات الخرطوش ورصاص القناصة. خلال نصف ساعة رأيت جثث أربعة متظاهرين غارقة في دمائها محمولة إلى المستشفى الميداني. كان مشهداً صادماً، أصعب من كل ما سبق بما في ذلك أحداث جمعة الغضب بحرائقها وعنفها. لم أكن أسأل نفسي عن كتابة المقالات أو اليوميات، إذ أنني واظبت على متابعة الثورة بالمقالات منذ بدايتها. بدأ الأمر ببساطة ودونما حيرة أو ارتباك. ضُحى يوم 29 يناير 2011 عدت إلى بيتي مهدودة الجسد بعد أن قضيت اليوم السابق (المعروف بجمعة الغضب) في الشارع مع غيري من المتظاهرين. تعرضنا للضرب بقنابل الغاز والرصاص المطاطي والحي، رأيت المصريين البسطاء يواجهون قوى الأمن الغاشمة دون رهبة أو خوف من الموت، وفي المساء اشتعلت المدينة بنيران الحرائق قبل أن تنزل مدرعات الجيش إلى الشوارع. كان الموت يتجول بيننا والنيران تهدد بالتهام مدينة عريقة بمن وما فيها. ما أن ولجت إلى بيتي، وبعد الاطمئنان على طفلتي الصغيرة، وجدتني ألجأ إلى الورقة والقلم لأكتب بينما أبكي تفاصيل ذلك اليوم العنيف. من دون تفكير كنت كأنما أقول إن الكتابة هي سلاحي في مواجهة القهر والظلم. كتبت من غير أن أفكر هل سيُنشر ما أكتبه ولا أين سيُنشر؟ في منتصف الكتابة تلقيت مكالمة هاتفية تطلب مني مقالاً عن جمعة الغضب للنيويورك تايمز، وهو ما كان. بعدها تواصلت المقالات المتابعة لمنحنيات الثورة والموثقة لانعطافاتها والناقدة لها إذا لزم الأمر. كنت أشعر أن هذه الكتابات مكملة لمشاركتي في التظاهرات على الأرض، ولا تقل عنها في الأهمية.
غير أن ما لفت نظري أني صُمت عن الكتابة الإبداعية طوال عام كامل؛ هجرت روايتي التي كنت بدأت في كتابتها قبل شهرين على بدء الثورة، وركنت المجموعة القصصية التي كنت قد انتهيت منها في أحد الأدراج القصية، ولم أدفع بها للنشر إلاّ قبل شهر واحد. وأعتقد أن هذا غير مستغرب، فالكتابة الإبداعية تخضع لشروط أخرى، والطريق إلى جحيمها مفروش بالنوايا الطيبة.

كثير من الكتابات التي نُشرت عن الثورة في مصر خفيف ولا يرقى لمستوى الحدث، بعضها لا يضيف جديداً لمن تابعوا الحدث عبر شاشات الفضائيات، فما بالكم بمن شاركوا فيه؟ معظمها حسن النية هدفه دعم الثورة والتوثيق لها وفضح استبداد النظام السابق، لكن كما قلت سابقاً النوايا الحسنة لا تكفي وحدها في ما يخص الفن.

من جانب آخر تسابق أدباء كثيرون لإعلان أن أعمالهم تنبأت بالثورة قبل وقوعها، كأنه مطلوب من كل كاتب أن يكون متنبئاً؟ أو كأن فعل التنبؤ (بفرض صحته) سيمنح نصوصاً رديئة قيمة أدبية تفتقدها؟!
ويطالب آخرون المبدعين بمواكبة الثورات بسرعة بالإبداع المعبر عنها.

 ينسى هؤلاء وأولئك أنه بينما كانت الطبول تُقرَع لبدء الحرب العالمية الأولى كتب كافكا روايته "التحول أو المسخ"، وفي خضم آتون هذه الحرب وُلِدت "المحاكمة" لم يجد كافكا نفسه مضطراً لأن يوثق في إبداعه لمجريات الحرب الواقعية، لكن كابوسية عالمه تطل علينا كأنها وجه آخر لكابوسية الحروب والمآسي البشرية في عالم يفقد عقله وإنسانيته.
أما مواطنه ياروسلاف هاشيك فقارب في روايته "الجندي الطيب شفيك" الحرب نفسها من زاوية الكوميديا السوداء التي حولتها إلى مهزلة كاملة الأوصاف وأظهرت عبثيتها ولا معقوليتها أكثر مما كان يمكن لمئات الصفحات من الكتابة الدعائية المباشرة أن تفعل.
ومن جانبه صمت نجيب محفوظ لخمس سنوات بعد "ثورة" يوليو 1952 انطلاقاً من وعيه بأن الكتابة الإبداعية عن حدث مماثل تتطلب مسافة تتيح للكاتب تأمله والإلمام بوجوهه المتنوعة وتأثيراته غير المرئية.

أرجو ألاّ يُفهَم من كلامي أني ضد الكتابة الإبداعية عن الثورة الآن. فهذا بعيد عمّا أعنيه، لأن في النهاية الفن قرين للحرية، كما أن العمل الأدبي المنجز هو الفيصل. والمسافة المطلوبة قد تكون مسافة زمنية أو مسافة وجدانية. فقط ما أتخوف منه، بعد الإطلاع على عدد من الأعمال التي نُشِرَت في مصر، هو التعلل بالثورة لمنح المشروعية لنصوص ركيكة تنتمي للبروباجندا أكثر من انتمائها للفن. أتخوف أيضاً من أن نعود لطرح أسئلة قديمة تجاوزها الزمن. أكتب هذا وفي بالي احتجاج الناقد محمود أمين العالِم على الحزن في أشعار صلاح عبد الصبور في زمن السد العالي ومطالبته إياه بأن يكتب عن الجمعيات الزراعية والتأميم وبناء السد! يعود كلام العالِم لذاكرتي كلما قرأت لأحدهم، في مقام نقده لرواية ما: هل هذه الكتابة ملائمة لزمن الثورات؟! أو قرأت لآخر يتساءل: متى يواكب الإبداع الثورة؟! كأن المسألة مرتبطة بالضغط على زر معين: كن فيكون!

لكن في كل الأحوال، الثورة قد تكون مناسبة كي يطرح كل كاتب على نفسه أسئلة حول علاقة الفن بالواقع وبالمجتمع، مناسبة لوضع كثير من المسلمات الذاتية موضع الشك والتساؤل. وفي ظني أنها بدأت بالفعل في تحريض عدد من كتاب الأجيال الجديدة في مصر على طرح أسئلة مماثلة.

كتبت قبل سنوات أن الاختلاف الأساسي بين الكتّاب الجدد والأجيال التي سبقتهم، يكمن بالأساس في اختلاف زاوية النظر والرؤية. فالأصوات الأبرز في الكتابة الجديدة في مصر تكتب في معظمها من موقع اللا منتمي. ففي حين كان معظم الكتّاب السابقين يتناولون المجتمع وقضاياه كمنتمين له يعبرون عنه، نجد أن كثيراً من الكتّاب الجدد يتمسكون بوضعية الفرد اللامنتمي التي تتيح لهم التعامل مع مجتمعهم بحياد تام أو بسخرية شديدة الأمر الذي يساعدهم على التحليل البارد لمجتمع شيزوفريني يعيشون فيه مدافعين عن فرديتهم في مواجهة ضغط الجماعة. ينطبق الأمر ذاته على علاقتهم بما اصطُلِح على تسميته بـ«القضايا الكبرى»، فمع بداية جيل التسعينيات على سبيل المثال شاع الحديث عن أن كتّاب هذا الجيل لا يكتبون إلا عن ذواتهم باعتبارها الشيء الذي يعرفونه في زمن سقوط الحكايات الكبرى، وعن أنهم يخاصمون الأيديولوجيا والقضايا الكبرى، وهي مقولات تمرد عليها كثير من كتّاب هذا الجيل نفسه في ما بعد، ومنهم منتصر القفاش الذي كتب في شهادة سابقة له « الأمر لا يرتبط بتقسيم القضايا إلي صغرى، أو كبرى، مهم أو غير مهم، فهذا التقسيم يعيدنا إلى ذات عارفة ملمة بكل التعريفات والتقسيمات، فكل القضايا أو الأسئلة تتعامل معها الروايات الجديدة على أنها حكاية من ضمن حكايات عديدة، لا فضل لها أنها تتصدر صفحات الجرائد أو وسائل الإعلام، فإذا كانت القضية قضية سياسية مثلا، وتشغل ما يسمى بالرأي العام، فإن حضورها في الرواية يكون من منظور أنها ابنة تأويل دائم».

ظاهرياً، قد تبدو السمات السابقة مناقضة لحدث مهم وسردية كبرى كسردية الثورة، لكنّ مزيداً من التدقيق يقودنا إلى ملامح كثيرة مشتركة. فالثورة المصرية، خلال بدايتها على الأقل، بدأها وشكل خطابها الأساسي شباب منفتح على العالم الواسع ينظر إلى نفسه باعتباره جزءاً لا يتجزأ منه، كما بدا واضحاً في الشعارات واللافتات. دافع هؤلاء أيضاً في المقام الأول عن الفردانية وحرية الأفراد في مواجهة الجماعة/ السلطة القاهرة. وثاروا على السلطة الأبوية ممثلة في صورة الزعيم الذي نصب نفسه أباً مهيمناً وحوّل المجتمع بمؤسساته إلى عائلة تقتل الأفراد على مذبحها، واللافت أن ثيمة قتل الأب والتمرد على سلطة العائلة ثيمة مركزية في الكتابات الجديدة في مصر.
لغة هذه الكتابات، في معظمها، اتسمت بالسخرية المرة، ومقاطعة المجاز والزخارف اللغوية. اتسمت أيضاً بالقسوة، بل والعنف وكسر التابوهات والتجرؤ على المسلمات وهو ما لمسناه في لغة الثوّار.
كيف لا وشباب الثوّار عاشوا الواقع نفسه الذي عاشه شباب الكتّاب وتأثروا معاً بالمؤثرات نفسها. قضوا معظم سنوات عمرهم في مجتمع راكد شبه ميت، لا يتغير فيه شيء، وإن حدث تغيير يكون للأسوأ.

قُدِمت هذه الورقة في مؤتمر EURAMAL 10 الذي عُقِد في باريس في مايو 2012، ونُشِرت بالألمانية في جريدة NZZ السويسرية.