Showing posts with label article. Show all posts
Showing posts with label article. Show all posts

Monday, September 17, 2012

ثمة من لا يهتم بمحاكمة الديكتاتور العجوز



منصورة عز الدين

عن ثورة يناير قال صديق قطع آلاف الأميال كي يرى مصر في لحظتها الحالية: "لقد غيّرتم العالم! سأكتب بمجرد عودتي: المصريون لا يدركون أهمية ما قاموا به". وبسبب الثورة نفسها، صرخت فينا امرأة أربعينية بينما كنا نشارك في وقفة احتجاجية أمام السفارة السورية في القاهرة: "خربتم البلد.. منكم لله!"..

وما بين تغيير العالم و"تخريب" البلد مساحات يتأرجح بينها المصريون - على اختلافهم وتنوع اتجاهاتهم- تأرجحهم اليومي بين أعلى درجات الفرح والتفاؤل وأقصى حالات الاكتئاب واليأس.

لم يبق هذا الصديق في القاهرة حتى يشهد معنا محاكمة مبارك، لكنه وعلى مدى عشرة أيام، كان قد جمع الكثير من الملاحظات والمشاهد الكفيلة بتكوين رقعة "بازل" ضخمة، عليه أن يجلس لإعادة ترتيبها، هناك على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، علّ هذا يعينه على فهم لماذا يتعامل المصريون مع ما أنجزوه بهذا القدر من التشكك والارتياب.

تشكك طال كل شيء بما في ذلك محاكمة الديكتاتور العجوز، ففي اليومين السابقين على المحاكمة بدت مصر في قبضة الترقب والقلق. كان ثمة قناعة لدى قطاعات عريضة بأن مبارك لن يحضر محاكمته، وزاد من هذه القناعة أن الجيش صعّد من عنفه تجاه المعتصمين في التحرير لينتهي الأمر بفض اعتصامهم والسيطرة على الميدان بالكامل أول أيام رمضان، كأنما يستبق الجيش بهذا ما قد يحدث اعتراضاً على غياب مفترض لمبارك عن محاكمته.

حين مررت بميدان التحرير صباح اليوم التالي لفض الاعتصام، شعرت كأني في ثكنة عسكرية. عساكر الأمن المركزي كانوا يقفون بالمئات خلف دروعهم متحفزين، وأكثر من مدرعة من مدرعات الجيش وقفت "تحرس" مداخل الميدان. ضباط وعساكر المرور كانوا يبالغون في أداء عملهم ويرفعون أصواتهم بخشونة متحمسة. الجميع هناك كان يتصرف كالمنتصر في حرب شرسة. سائق التاكسي نظر حوله حانقاً قبل أن يوجه لي جملته: "شكلهم فضوا الاعتصام عشان يعتصموا هُمّا في الميدان". لم يقلها بصيغة المعترض على مسلك الجيش العنيف تجاه المعتصمين السلميين بالأمس، بل بطريقة الحانق على الطرفين معاً. أقول له سيُحاكم مبارك غداً بفضل الثورة، فيرد: "أفلام! حضرتك بتصدقي الكلام ده؟!".

على عكس توقع الرجل، لم تكن الجلسة الأولى لمحاكمة مبارك مجرد فيلم، رغم احتوائها على كثير من العناصر الدرامية الكفيلة بإخراج فيلم مثير.
القاعة مرتبكة والطاغية العجوز يرقد فوق فراشه في القفص. ابناه واقفان بملابس الحبس البيضاء، ووزير داخليته يتململ برداء السجن الأزرق. للوهلة الأولى يرتجف قلبي، أعرف الآن معنى المشاعر المختلطة على نحو أفضل. أرتعش وجلاً وفرحاً، لكنّ نغزة مفاجئة توترني. أشعر للحظات أن عرض محاكمة عجوز مريض على الهواء مباشرة أمام ملايين المتابعين على امتداد العالم فيه شيء من انتهاك الحرية الشخصية وحقوق الإنسان. لكن الذكريات تتالى: أستعيد قناصة نظام مبارك، وهم يصطادون المتظاهرين برصاصات موجهة نحو الرأس مباشرة. المدرعات والعربات التابعة للنظام، وهي تدهس من يقف في طريقها خلال أيام الثورة. تستحضر ذاكرتي الغازات المسيلة للدموع التي كادت تعميني وتخنقني، وضابط الشرطة العسكرية الذي ركلني ودفعني لأرتطم بالرصيف يوم جمعة الرحيل. أعود لأنفض كل شيء عني محاولةً التركيز في محاكمة مملة، إلا أنها ترسخ قيمة القانون بطريقة غير مسبوقة في تاريخنا.

ربما أراد المجلس العسكري للمحاكمة أن تكون "قطعة حلوى للثوار ليعودوا إلى بيوتهم" كما رأى روبرت فيسك، لكن ثمة شواهد كثيرة تؤكد أن هذا الإلهاء صعب الحدوث، لأن هذه المحاكمة، كما يراها الثوّار، بداية لقائمة طويلة من أهداف الثورة، كما أن المعركة الأساسية ليست مع مبارك في حد ذاته، إنما مع الاستبداد أياً كان مصدره. والأهم أن منظر مبارك وهو في القفص لن يُمحى بسهولة من نفوس المصريين، وربما يكون، في حال سارت المحاكمة كما نتمناها، فاتحة لمحاكمة كل من لا يزال يقتل ويعذب ويعتقل المواطنين حتى الآن.

الثورة لا تزال قائمة. الثوّار يواجهون العنف والبطش والاعتقال، والشهداء ما زالوا يتساقطون (آخرهم محمد محسن شهيد "موقعة العباسية")، والمجلس العسكري يخوِّن من لا يتفق مع جنرالاته الذين ينزلقون بالتدريج إلى نفس ترسانة الاتهامات التي اعتاد نظام مبارك أن يوجهها لمعارضيه. ووسط هذا كله جاءت المحاكمة لتمنح المشهد الملتبس والفوضوي بعض الحيوية.

تلقف المصريون مجرياتها وانشغلوا بتفاصيلها. رآها بعضهم تدعيماً لموقف المجلس العسكري، في حين اعتبرها آخرون ثمرة الضغط المتواصل للثوّار واعتصامهم في التحرير، لكن إلى جانب مصر الثائرة والمنغمسة تماماً في مجريات التغيير الحالي والمهتمة بلعبة موازين القوة بين الثوّار والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثمة مصر أخرى لامبالية بكل هذا الصخب، مصر محايدة متفرجة على ما يحدث حولها كمن يتفرج على فيلم سينمائي، بل أحياناً لا يهمها التفرج أصلاً لانشغالها بتصريف أمورها اليومية البسيطة.

في الوقت الذي تابع فيه الملايين محاكمة مبارك ولاحقوا أخبارها، على بعد بضعة شوارع لا أكثر، وفي منطقة شعبية قريبة من مسكني، كان ثمة من لا يهتم بأمر الطاغية المريض، ولا يأبه بمجريات محاكمته، ولا بمصير الثورة من الأساس. في مواجهة محطة مترو أنفاق فيصل كان الموت يعلن عن حضوره والرعب يلقي بظلاله الكثيفة.

مشاجرة بين رجلين تحولت فوراً إلى معركة شرسة تورط فيها الشارع كله، وراح ضحيتها خمسة أشخاص. أهاتف صديقة تسكن هناك فتخبرني أن إطلاق الرصاص المتبادل لم يتوقف ليومين متتاليين. "صيدلية مصطفى تم إحراقها وطالت النيران سوبر ماركت لاوندي" تقول بصوت مأخوذ بما يحكي، قبل أن تشوبه رنة فرح شامت وهو يعلن: "الجيش هناك بس مش عارف يسيطر على الوضع". من متابعة الصحف أعرف أن معارك ضارية أخرى نشبت في أكثر من منطقة منها حي السيدة زينب، ومنطقة السبتية القريبة من شارع الصحافة.

صباح اليوم التالي، في شارع محمد مظهر بحي الزمالك الراقي، لم يكن الناس أكثر اهتماماً.
هناك جلس العشرات أمام سفارة السويد، فوق كراسٍ صُفت بجوار بعضها بعضاً مستندة إلى حائط السفارة، منتظرين الحصول على تأشيرة ذلك البلد الاسكندنافي البعيد. الجو بالغ الحرارة والصيام جعل الناس نافدي الصبر، ومحاكمة مبارك تبدو كأنما جرت في عالم آخر، لا أحد يشير إليها أو يهتم بها، كأن الرجل بكل ما يخصه أصبح ماضياً لا يرغبون في تذكره. فقط يتشوقون لإعادة ترتيب حياتهم بعد أن تعطلت طويلاً بسببه.

نُشِرت المقالة في ملحق "نوافذ" بجريدة المستقبل اللبنانية بتاريخ 21 أغسطس 2011.

Friday, September 14, 2012

سطوة الصوت




منصورة عز الدين



أي سطوة للصوت على الذاكرة؟
أي سلطة تملكها نبراته وإيقاعاته على ماضينا وحاضرنا؟

من الصوت تحديداً وُلِدت غواية الحكي والتأليف:

صوت جدتي العميق الواثق وهو يطير بي نحو عوالم الجنيات والأساطير وحواديت يمتزج فيها الواقعي بالغرائبي، والقديم المتوارث بالجديد وليد اللحظة تلبية لشهوة الأحفاد التي لا تُروى للتحليق في عوالم موغلة في البعد.

صوت العم الأكبر المطمئن وهو يروي لي يومياً قصة جديدة من قصص الأنبياء ومعجزاتهم في المسافة الفاصلة بين صلاتيّ العصر والمغرب. برفقة هذا الصوت المحفور في ذاكرتي رافقت، بخيالي، يونس في أعماق الحوت، ويحيى وقد تحوّل إلى رأس مقدم على طبق من فضة إرضاءً لسالومي، وكليم الله موسى وهو يشق البحر الأحمر بعصاه إلى نصفين.

صوت العم الأصغر الساخر أبداً وهو يقص عليّ من خبر السير الشعبية التي يحفظها عن ظهر قلب، بينما يتعجب من ولع الطفلة الصغيرة التي كنتها بهكذا حكايات حافلة بأبطال قادرين على اجتراح المستحيل وتخطي حدود الواقع الضيق إلى فضاء الأسطورة الرحب.

مع هذه الأصوات وبفضلها انغرس في داخلي نهم لا يشبع إلى الميتافيزيقي والعجائبي، وتدرب خيالي على السباحة في الفضاءات الوعرة للفانتازيا.

لكن بفضل جدتي تحديداً حلمت بتأليف حكايات وحواديت تخصني. كانت تبهرني ببراعتها في الحكي والتأثير على مستمعيها الصغار، وبقدرتها على الابتكار في كل مرة تضطر فيها لتكرار حكاية سبق لها أن قصتها علينا، إذ كانت حينئذ تبتكر طرقاً جديدة كأنما تعيد خلق الحدوتة بحذف تفاصيل وإضافة أخرى.

بدا الحكي كما لو كان يمنحها سلطة هائلة، سلطة خالق مجازي يتحكم في مصائر شخصيات مخترعة، ويسيطر على آذان مستمعيه جاعلاً قلوبهم تخفق على إيقاعات صوته المتماوج بين الهمس والصياح، بين العلو والانخفاض، بين تصدير الأمل والحماسة أو الخيبة والشجن.

في ما بعد، حين تعلمت القراءة، كنت أبحث جاهدة، في قراءاتي ولاحقاً في كتاباتي، عمّا يشبه تلك الحكايات الشفاهية الآسرة، عن كتابة لا تعترف بالحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. كنت أيضاً، ولا أزال، أفتش في الكتابة عن الإيقاع، ذلك السحر المبهم، الذي يعوض صمت الكتابة ويمنحها بعضاً من ألق وحيوية الكلمات المنطوقة والمتقافزة على الشفاه ناقلةً مشاعر وأحاسيس من يحكيها وجامعةً، في حالة تمكنه، بين سحر الإبداع الكتابي، والمسرحي والموسيقي، كأننا في مواجهة عرض كرنفالي مبهج.

بعد كل هذه السنوات، أجدني أفكر أن أصوات رواة الطفولة كان لها التأثير الأهم على علاقتي بما يحكونه، علاقتي بدنيا الخيال والإبداع. تختلط التفاصيل، الآن، ببعضها بعضاً، تتوه شخصيات، وتتلاشى حبكات، وتندغم حواديت الطفولة معاً مكونةّ سحابة من حنين، ولا يبقى واضحاً في ذاكرتي إلاّ أصوات رواة، غابوا ورحلوا وظلت نبراتهم تناوشني، وتحثني على أن أحذو حذوهم. أن أتبعهم بدأب على دروب الخيال.

"وحده الصوت يبقى." على ما كتبت ذات يوم، الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، رفيقتي على درب الحيرة والأرق والتساؤلات الموجعة.

نعم يا فروغ، كلامك صحيح فـ"في الفضاء الكيميائي بعد بزوغ الشمس، هنالك فقط الصوت، الصوت الذي سيجذب ذرات الزمان".

نُشِرت المقالة في زاويتي الأسبوعية بمجلة الصدى الإماراتية.

Wednesday, September 12, 2012

خيانة الآباء بديلاً من قتلهم



منصورة عز الدين

إذا كان جان جينيه كتب ذات مرة: «أغامر بتفسير: الكتابة هي الملاذ الأخير لمن خان»، فسوف أغامر بقلب جملته رأساً على عقب لتصبح: الخيانة هي الملاذ الأخير لمن يرغب في كتابة مغايرة.. خيانة الوصايا، والآباء الباحثين عن أشباه لهم.. خيانة القناعات السابقة والانتماءات الضيقة. الخيانة بمعناها الفني والجمالي هي الملاذ الأخير لكثيرين من كتاب الرواية الجديدة في مصر.
لكن مهلاً، المقدمة السابقة تحمل من اليقين ما يفوق قدرة الكتابة الجديدة ـ بما تحمله من إعلاء لقيمة الشك ونسبية المعرفة ـ على التحمل. ألا تقترب بعض الشيء من الصرخة التى أطلقها جيل الستينيات في بدايته على لسان محمد حافظ رجب: «نحن جيل بلا أساتذة»؟
حسناً سأتغاضى عنها قليلاً وإن كنت ـ حالياً على الأقل ـ أؤمن بها.
لنحوِّل تعبير «خيانة الآباء» إلى «اختلاف زاوية الرؤية عنهم»، ربما يكون أكثر دقة، وأكثر ملاءمة للحديث عن موضوع مراوغ ومن الصعب الإمساك به، كـ«الكتابة الجديدة» في مصر.
يُخيل لي أن الاختلاف الأساسي بين الكتّاب الجدد والأجيال التي سبقتهم، يكمن بالأساس في اختلاف زاوية النظر والرؤية. فالأصوات الأبرز في الكتابة الجديدة في مصر تكتب في معظمها من موقع اللا منتمي. ففي حين كان معظم الكتّاب السابقين يتناولون المجتمع وقضاياه كمنتمين له يعبرون عنه، نجد أن الكتّاب الجدد يتمسكون بوضعية الفرد اللامنتمي التي تتيح لهم التعامل مع مجتمعهم بحياد تام أو بسخرية شديدة الأمر الذي يساعدهم على التحليل البارد لمجتمع شيزوفريني يعيشون فيه مدافعين عن فرديتهم في مواجهة ضغط الجماعة. ينطبق الأمر ذاته على علاقتهم بما اصطُلِح على تسميته بـ«القضايا الكبرى»، فمع بداية جيل التسعينيات على سبيل المثال شاع الحديث عن أن كتّاب هذا الجيل لا يكتبون إلا عن ذواتهم باعتبارها الشيء الذي يعرفونه في زمن سقوط الحكايات الكبرى، وعن أنهم يخاصمون الأيديولوجيا والقضايا الكبرى، وهي مقولات تمرد عليها كثير من كتّاب هذا الجيل نفسه في ما بعد، « الأمر لا يرتبط بتقسيم القضايا إلي صغرى، أو كبرى، مهم أو غير مهم، فهذا التقسيم يعيدنا إلى ذات عارفة ملحة بكل التعريفات والتقسيمات، فكل القضايا أو الأسئلة تتعامل معها الروايات الجديدة على أنها حكاية من ضمن حكايات عديدة، لا فضل لها أنها تتصدر صفحات الجرائد أو وسائل الإعلام، فإذا كانت القضية قضية سياسية مثلا، وتشغل ما يسمى بالرأي العام، فإن حضورها في الرواية يكون من منظور أنها ابنة تأويل دائم». كما كتب منتصر القفاش في شهادة سابقة له. فكرة كتابة الذات نفسها تطورت، عبر التخييل الذاتي، بحيث لم تعد مجرد سرد تجارب ذاتية ضيقة.
تجاوز الواقع
العلاقة بالواقع من المعايير التي يمكننا الاحتكام إليها إذا أردنا الحديث عن «الكتابة الجديدة» في مصر. الكتابات السابقة في معظمها، كانت تحاول تمثل الواقع ومحاكاته، أما «الكتابة الجديدة» فتتحفظ على ذلك، إذ يرى كُتّابها أن الواقع بما فيه من تعقد وتشابك لا يمكن رصده بالعين أو عبر الكتابة البصرية وحدها. كتابة ما بعد الحداثة عموما تشكك فى قدرة العقل البشري على كشف الواقع بشكل كامل. كثير من الكتاب الجدد لا يسعون لتغيير الواقع ولا يرغبون في محاكاته، بل يحاولون فقط نقل حيرتهم المعرفية أمامه. الوجود بالنسبة لمعظمهم هو وجود إشكالي، هش، ومراوغ. والواقع نفسه غير منجز أو بالأحرى غير متفق عليه، فهو ليس فقط ما نراه بأعيننا ونعيشه بوعينا، بل هو أيضا جماع أحلامنا وكوابيسنا وهلاوس لاوعينا.
من هنا يمكننا القول إن أهم ما يسم الرواية الجديدة فى مصر، هو ذلك التوق الشديد لتجاوز الواقع بمعناه الضيق إما عبر مزجه بالغرائبي أو السخرية الشديدة منه وتحويله إلى ملهاة، أو التعامل معه بحياد مطلق، أو حتى رميه في وجه القارئ بكل تناقضاته وفجاجته دون أي محاولة للفلترة.
علاقة الرواية الجديدة في مصر بالواقع تقودنا فوراً، إلى علاقتها بالمكان، أو المكان كما يبدو فيها. وبطبيعة الحال تحظى مدينة القاهرة باهتمام خاص في الرواية التي يكتبها الشباب حاليا، غير أن القاهرة تبدو في حالات كثيرة مغايرة تماما لصورتها الواقعية، لتصبح أقرب لمدينة متخيلة ومراوغة، أو عدة مدن في مدينة واحدة. فقاهرة طارق إمام في «هدوء القتلة» مثلاً مدينة غرائبية أقرب لـ«جوثام سيتي» بدون بطلها باتمان، أو هي نموذج مصري ومختلف لـ«مدينة الخطيئة»، مدينة تبدو «لمن لا يعرفها شديدة الضخامة، غير أن القتلة فقط – وهم حالمون بالضرورة – يدركون أن ذلك غير صحيح». مدينة شاحبة، تتساوى فيها الفصول وتليق تماماً بشاعر/ قاتل يكتب قصائده بيده اليسرى ويقتل ضحاياه بيده اليمنى.
أما قاهرة أحمد العايدي في «أن تكون عباس العبد» فهي مدينة معولمة حيث تنتشر مراكز التسوق العملاقة، وحيث الواقع الافتراضي يحتل الصدارة فارضاً لغته الخاصة المستقاة من لغة الشارع ولغة الـ«تشات» ورسائل الـ sms.
تختلف مدينة العايدي تماماً عن قاهرة ياسر عبد الحافظ في «بمناسبة الحياة» حيث يطالعنا الحي الشعبي «العريق؟» بكل عنفه وقسوته بشكل صادم لمجتمع يحب أن يرى نفسه كمجتمع متسامح ومسالم في حين أنه غارق في قسوته وآليات قهره لأفراده.
في «بمناسبة الحياة» تبدو المدينة كرقعة للحرب بين جيل الآباء الذي عاش في كنف عبد الناصر وحكم العسكر، ثم ترك موت الزعيم/ الأب أفراده يتامى، وبين جيل الأبناء الكافر بكل شيء والمتمرد على كل الأفكار المسبقة بما فيها قيمة الانجاز والنجاح. حرب لا تنتهي بقتل الآباء إنما بقتل الأبناء وقهرهم.
قاهرة عبد الحافظ تتقاطع مع قاهرة حمدي أبو جليل في «لصوص متقاعدون» في رصدها لحياة مهمشين وصعاليك خارجين على أعراف «المواطن الصالح»، إلا أنها تختلف عنها في رصدها لحي شعبي هو - على رغم فقره - من الأحياء المركزية للمدينة. أيضاً يختلف الراوي الأساسي في «بمناسبة الحياة» عنه في «لصوص متقاعدون» في أنه مديني بامتياز منقطع الصلة بالأصول الريفية لأبيه. أما راوي «لصوص متقاعدون» فهو المهاجر الذي يشعر دائما بتهديد لا يعرف مصدره، ومكانه هو ضاحية عمالية أقرب للعشوائية.
أما قاهرتي في «متاهة مريم» فهي مدينة شبحية ذات إضاءة شحيحة كأنها خارجة من رواية قوطية قديمة.. مدينة تتشابه شوارعها تماماً كأنها متاهات هائلة تمت حياكتها بيدٍ مدربة مسلمةً العائشين فيها للعبة التكرار. أو «مدينة من الورق المقوى.. مجرد مبانٍ وشوارع من الكرتون في انتظار بعض الهواء المشاكس كي يزيحها من الوجود كاشفاً عن الخراب الذي استولى على جوهرها».
وبعيداً عن القاهرة سواءً الفعلية أم المتخيلة، تأتي مدينة أحمد ناجي في روايته الأولى «روجرز»، فهي مدينة تكاد تكون متخيلة من الألف إلى الياء، مدينة ساحلية شمالية تحلق فوقها طيور الرخ، وتشهد حرباً غامضة وثورة يقوم بها تلاميذ المدراس مستعينين بطائرات سوداء كبيرة تحلق مستخدمة تقنيات طائر الرخ، و بـ«ماكفير» المولد النووي الذي يعمل بطاقة لا نهائية. حرب تكاد تتطابق في تفاصيلها مع حروب الرسوم المتحركة.
يتعامل ناجي مع روايته – نشرت أولاً كرواية تفاعلية على مدونة الكاتب - باعتبارها «لعبة تمتزج فيها الموسيقى بالهلاوس بالذكريات والسرقات الأدبية غير المشروعة»، لعبة تمتلئ بالتناصات ينصح الكاتب قراءها في بدايتها: «لممارسة هذه اللعبة بشكل ممتع يرجى الاستماع لألبوم «The Wall» لفريق «Pink Floyd» أثناء عملية القراءة». الرواية نفسها تحمل اسم «روجر ووترز» مغني الـ «Pink Floyd»
الهامشي
تتسم الكتابة الجديدة أيضا فى معظمها بالتجرؤ على الكثير من المسلمات القديمة، وإعادة النظر فيها، سواء أكانت مسلمات سياسية أو دينية أو اجتماعية، وقبل كل ذلك تتسم بالإعلاء من شأن الهامشي والخافت، بل وحتى ما اُصطلح طويلاً على تصنيفه خارج نطاق الأدب الرفيع.
فالكتابة الجديدة في مصر أعادت الاعتبار لأنواع أدبية ظلت مهمشة لفترات طويلة، فهي على سبيل المثال وضعت الكتابة الغرائبية فى مكانة بارزة في المشهد الحالى عبر كتابات عدد من الكتاب الذين رأوا أن الواقع أصبح ضيقا فسعوا إلى توسيعه عبر الخيال، صحيح أن الكتابة الغرائبية ليست جديدة تماماً على الكتابة المصرية، إلا أنها لم تكن أبداً تياراً مسيطراً يمثل ظاهرة إلا في السنوات الأخيرة مع كتّاب مثل: مصطفى ذكري، إبراهيم فرغلي، منتصر القفاش، طارق إمام، طاهر شرقاوي، نائل الطوخي، كاتبة هذه السطور، وغيرهم.
في السياق نفسه تمت إعادة الاعتبار إلى الكتابة البوليسية وكتابة الرعب عبر الاستفادة من تقنياتها بعيدا عن التحفظات القديمة، بل إنها استفادت أيضا من شخصيات وعوالم الكارتون والرسوم المتحركة و ثقافة البوب آرت، الأمر الذي مثّل خرقاً محموداً لأسطورة الأدب الرفيع بمفهومه القديم وللفصل الحاد بينه وبين البوب آرت ولكل ما كان يتم وضعه في السابق في خانة الأدب الخفيف. (ليست مصادفة أن تظهر أول «جرافيك نوفيل» مصرية – وأقصد بها «مترو» لمجدي الشافعي- على يد كاتب وفنان ينتمي لتيار الكتابة الجديدة).
هذه الاستفادات من الفنون التي تم التعالي عليها طويلاً ينتج عنها أعمال أدبية بامتياز. فالأنواع الأدبية الخفيفة بطبيعتها كالرواية البوليسية وروايات الرعب وغيرها هي الأنواع الأكثر التزاماً بقواعد كتابتها، ونادراً ما يتم فيها التمرد على القواعد المحفوظة والمتوارثة، وبالتالي تتيح دراستها والتشبع بها تدريبا مثاليا على تقنيات الكتابة المختلفة، فالرواية البوليسية مثلاً هي الأكثر قدرة على تدريب الكاتب المبتدئ على الحبكة والإيقاع المشدود المشوق، وروايات الرعب هي الأكثر قدرة على نقل أقصى درجات التوتر عبر اللغة وحدها. سنلاحظ أن أكثر الكتاب الجدد اهتماما بالحبكة والبناء المركب والإيقاع المشوق هم من تأثروا بهذه الأنواع. فالخروج علي تقنياتها الجامدة والتلاعب بها بعد اتقانها يمكنه أن يقدم عملا أدبيا مشوقا مكتوباً بدرجة أكبر من الحرفية، ومنفتحاً في الوقت نفسه على أسئلة الوجود الشائكة.
إعادة الاعتبار لأنواع تم تهميشها والتعالي عليها في السابق رافقه أيضا إعادة الاعتبار لآباء محليين لم يحظوا بالاهتمام الذي يستحقونه مثل: بدر الديب، نبيل نعوم، عبد الفتاح الجمل، إبراهيم عبد القادر المازني، ورواد الحركة السوريالية المصرية بالفرنسية مثل: جورج حنين، أحمد راسم، جويس منصور، إدمون جابيس. والقائمة قد تطول وتختلف من كاتب لآخر.
كما رافقه الانتماء لأسلاف وآباء عالميين منهم ميلان كونديرا، إدجار آلان بو، بول أوستر، بورخيس، خوليو كورتاثر، وإيتالو كالفينو، بل وحتى كوانتين تارانتينو، ديفيد لينش، ديفيد فينشر، وفرانك ميللر خاصة أننا في لحظة تتداخل فيها الفنون وتتمازج مع بعضها البعض.
هذا يعيدنا مرة أخرى لفكرة الخيانة التي بدأنا بها، فهي لا تعني رفض الآباء أو الأسلاف الأدبيين بشكل مطلق، بل خيانة أسلاف لصالح أسلاف آخرين ينتمون إلى الأسئلة الجمالية التي يطرحها كل كاتب على نفسه وعبر كتاباته. أسلاف يتبدلون وفقاً لتبدل الذائقة وتطورها.
في النهاية أود التأكيد على أن ما سبق مجرد ملاحظات كتبتها من موقعي ككاتبة، منحازة بطبيعة الحال لذائقتي وحدها. أى كمتورطة في المشهد الذي أحاول قراءته، الأمر الذي يسم قراءتى السريعة بنقصان يضاعفه أن مشهد الكتابة الجديدة في مصر مشهد متغير على الدوام ويتسم بالفوضى والزخم في آن. 

نُشِرت المقالة في جريدة السفير بتاريخ 25 ديسمبر 2009

Tuesday, September 11, 2012

الوجه الآخر لثورة يناير: الشعب يريد تحرير اللغة




منصورة عز الدين
مساء الخميس 10 فبراير غادرت بيتي مسرعة للّحاق بما ظننته احتفالات بتنحي مبارك. كنت قد قضيت النهار بكامله في ميدان التحرير، وفي حوالى الخامسة مساءً عدت إلى بيتي، لكن عندما تتالت أخبار وتكهنات عن أن مبارك سوف يعلن تنحيه عن السلطة في خطابه الذي سوف يلقيه بعد قليل، قررت الرجوع إلى الميدان للاحتفال مع المحتفلين هناك لأن المكان أصبح أيقونة ورمزاً للثورة رغم أنها تعدّته لتنتشر في كل أنحاء مصر.
في طريقي إلى هناك، شعرت أنني في مصر أخرى غير التي أعرفها. الهواء بدا مختلفاً لم أشم فيه رائحة العوادم المعتادة، ولم ألحظ في الشوارع تلك الروح الكئيبة اليائسة التي سيطرت خلال السنوات الماضية. بدا الأمر كأن عالماً قديماً ينزاح مفسحاً الطريق لعالم آخر جديد. الجميع في حالة نشوة وابتهاج منتظرين خطاب مبارك وقد تخيلوا أنه سيكون الخطاب المكلل لنجاح الثورة. في التاكسي انساب النشيد الوطني السابق «اسلمي يا مصر» من جهاز الكاسيت مذكراً بمصر الليبرالية قبل حكم العسكر، ومن البعيد حيث ميدان التحرير تسربت إلى أذنيّ إيقاعات الهتافات والأغاني الحماسية. في الميدان نفسه كانت الأجواء احتفالية أكثر منها أجواء نهار. ثمة استرخاء لا تخطئه العين، وشبه تيقن من أن جهد الأسبوعين السابقين سيكلل بالنجاح بعد قليل. في هذه اللحظة بدت الثورة كأنما تحولت إلى عيد: ثمة أضواء أعطت للمكان رونقاً خاصاً، وأغانٍ احتفالية وحماسية، وأحاديث تحاول التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في النهاية.
بعد ما يقرب من الساعتين بدأنا نتململ ساخرين من احساس مبارك ونظامه المتبلد بالزمن. خفنا ألاّ نتمكن من الاستماع للخطاب بوضوح وسط صخب المكان، فقررنا البحث عن أقرب مقهى على أن نعود بمجرد الانتهاء من الخطاب للاحتفال مع المحتفلين. وكان أن تحلقنا حول عربة تاكسي فتح سائقها أبوابها الأربعة لنستمع من جهاز الراديو فيها إلى الخطاب المخيّب للآمال الذي أطلق عليه أحد الواقفين ساخراً «حديث الذكريات»، كون الرئيس المخلوع أخذ يحدثنا فيه عمّا قدمه للوطن منذ شبابه. قرابة العشرين شخصاً، معظمهم لا يعرفون بعضهم بعضاً، تحلقوا في ذاك المساء بأعصاب عارية منتظرين سماع جملة محددة وواضحة وضوح جملهم ومطالبهم، لكنهم استمعوا بدلاً من هذا إلى مجرد لغو وثرثرة مراوغة تحاول الالتفاف على المعنى والقفز فوق الحقائق الجلية.
على مقربة مني وقف شاب في أوائل العشرينات، يرتدي سترة جلدية على أحدث صيحة وبنطالاً من الجينز الأميركي ويعتمر «كوفية» فلسطينية بدت كإكسسوار يمنحه مظهراً ثورياً من دون أن يعني بالضرورة انتماءه إلى النمط الثوري القومجي القديم. كان مهتاجاً نافد الصبر وهو يتابع لغو مبارك الذي بدا لنا بلا معنى. «لخّص»، هكذا كان يردد محتداً بين لحظة وأخرى، قبل أن يبدأ في تفنيد كل جملة ينطق بها محيلاً إياها إلى معناها الحقيقي، كأنما يترجم لغة فاسدة متواطئة إلى أخرى واضحة، واثقة، تسمي الأشياء بمسمياتها، لغته هو والجيل الذي ينتمي إليه. قبل أن ينتهي الخطاب صاح بقوة وفي عينيه كل تصميم الدنيا «سنموت في الميدان، لا بل سنزحف الآن إلى قصر العروبة». نطق جملته كأنه وحده من يملك قرار استمرار الثورة من عدمه. مع انتهاء جملته المتزامنة مع نهاية الخطاب، بدا ميدان التحرير من خلفنا كأنما يشتعل بفعل الصراخ الهستيري الذي انطلق كرد فعل على استهانة الرئيس المخلوع بالثائرين وعدم أخذه مطالبهم بجدية كافية. جاء رد الفعل عفوياً ومتناغماً من الجميع تقريباً. انقسموا بسرعة إلى فريق سيظل مرابطاً في الميدان، وآخر سيزحف نحو «قصر العروبة»، وثالث سيحاصر مبنى الإذاعة والتلفزيون. شيء ما في تصميم هذا الشاب وفي ثقته وتناغم رد فعله مع رد فعل كل الموجودين، جعلني أدرك بشكل غامض أن نهاية مبارك ونظامه باتت أقرب مما نتخيل، وأن ثمة لغة جديدة تولد من رحم الثورة.
***
كنت أقول إن الشاب المتحدي لمبارك بندية لم أرها من قبل، كان يترجم (بالأحرى يحرر) لغة مبارك، رادّاً إياها إلى معانيها الحقيقية دونما أقنعة أو أكاذيب، ويُخيل إليّ الآن أن هذا ما كانت تقوم به الثورة ككل. فإلى جانب مطالبها المعلنة بدولة ديمقراطية مدنية قائمة على العدالة الاجتماعية، حقق الثوار - بخطابهم المتماسك والعقلاني - هدفاً آخر هو تحرير اللغة مما علق بها في مصر من فساد وإفساد على مدى عقود طويلة.
ذاك أن ثورة 25 يناير، أو انتفاضة الغضب كما يحلو للكثيرين تسميتها، لم تكن موجهة فقط ضد نظام قمعي فاسد عمل على اخراس الشعب وتهميشه وإفقاره، إنما كانت أيضاً ثورة على لغة فاسدة مراوغة (تحمل المعنى ونقيضه) وإنشائية سادت على مدى عقود. فبعد لغة شعاراتية منبتّة الصلة بالواقع ومحملة بيقينية غير محتملة سيطرت في عهد عبد الناصر، جاء عصر السادات مدشناً الدرجة الأعلى من توظيف الخطاب الديني في السياسة، إذ لعب الرئيس «المؤمن» بمهارة على لغة الخطاب الديني. كما استفاد، وهو هاوي التمثيل في شبابه، من نبرات صوته ولغة جسده إلى أقصى درجة، وقبل كل هذا نجح في ترسيخ القيم الريفية في المجتمع بأكمله، لتحل مؤسسة العائلة محل الدولة ومؤسساتها وليصبح هو «رب العائلة المصرية» مُعلياً من قيمة العيب وأخلاق القرية على قيمة القانون.
أما مبارك فلم يكن هو وحكمه الممتد على مدى عقود ثلاثة على درجة كافية من الإبداع والابتكار كي يأتي بجديد. استفاد فقط من تركة سلفه واصلاً بها إلى مستويات جديدة، وهو ما بدا واضحاً خلال أيام ثورة 25 يناير، خاصة لجهة محاولة الإعلام الموالي لمبارك تصويره في هيئة الأب كبير العائلة المصدوم من عقوق أبنائه (الشعب الثائر) والحريص على «أمن واستقرار» الأم/ الوطن.
على منوال السادات نفسه استلهم مبارك تمثيلية الديمقراطية المزيفة والأحزاب الصورية، مروجاً عبر إعلامه مقولة أن مصر تعيش «أزهى عصور الديمقراطية» في عملية إفساد مستمرة بلا كلل للّغة، بحيث تحولت اللغة السائدة في مصر إلى لغة فاسدة متواطئة، بل أصبح الفساد عصب الدولة ومؤسساتها. ثقافة الفساد هذه سيطرت على كل مجريات الأمور، لذا لم يندهش كثيرون حين علموا بكل قضايا الفساد التي تم تسريبها بمجرد سقوط مبارك.
لقد أثبت عصر مبارك بما لا يدع مجالاً للشك أن اللغة أيضاً يمكنها أن تصير شريكاً في الفساد، تتواطأ معه وتتمادى في مراوغاتها تاركة الحقائق تتخبط في عتمتها. عادة ما تأبى اللغة التأثر السريع بالتحولات الاجتماعية، لكن ثمة شواهد كثيرة، في الخطاب السياسي والاعلامي السائد في مصر، تبين أثر تجليات الفساد في تشظي اللغة حيث تتناثر الكلمات وتتحول إلى مدلولات متناقضة. هذه الشواهد قد تتبدى واضحة أو تظل بينية ومراوغة. لنتأمل مثلاً مصطلحات مراوغة المدلول مثل «اعادة جدولة الديون» و»المستثمرون المتأخرون في السداد» إذ تحاول هذه المصطلحات تجميل الفساد أو على الأقل التقليل منه. هذان المصطلحان كانا يستخدمان بغزارة للحديث عن رجال الأعمال اللصوص ممن هربوا بملايين وأحياناً بمليارات البنوك المصرية ممن كانوا يوصفون بـ«المستثمرين المتأخرين في السداد» بدلاً من اللصوص الهاربين بأموال البنوك، أي أن ثقافة الفساد السائدة كانت تبتدع لغة خاصة بها تتظاهر بالموضوعية فيما تمتلك مراوغاتها وألاعيبها.
افساد اللغة تم بمنهجية وإصرار عبر وسائل متعددة منها إضفاء معانٍ جديدة على التعبيرات اليومية، أو توقف الكلام عن كونه ضمير اللغة، أو عدم الاستخدام الصحيح للكلمات والتلاعب بالألفاظ ووضعها في سياق غير محايد.
هذه الآليات تم استخدامها بكثافة خلال أيام الثورة، مضافاً إليها كل ارتباكات وتوترات ومآزق النظام الذي تم فضحة بقوة أمام العالم، لنخرج في النهاية بجمل مرتبكة متهافتة تحمل المعنى ونقيضه في الوقت نفسه.
***
شهدت ثورة 25 يناير صراعاً بين خطابين. الأول حيوي، حديث، ومنفتح على العالم، والثاني تلفيقي متناقض ومرتبك. وكشفت عن فجوة كبيرة تفصل بين الشباب الذين بدأوا الثورة وبين النظام الحاكم الذي عجز، وعلى رأسه مبارك، عن فهم لغتهم وعقليتهم، وغرق في اتهامات أخرجها من خزانة الماضي السحيق، بالعمالة والخيانة والتآمر على الوطن بأجندات أجنبية. وبرزت السخرية كسلاح استخدمه الثوّار بمهارة وقسوة لدحض كل هذه الاتهامات وتسخيف قائليها وإظهارهم كمن يعيشون في كهوف تخرجهم عن روح العصر.
لعب النظام وإعلامه على فكرة الخوف على مصر وأمن الوطن المهدد، وهي فكرة إن نجحت في مخاطبة فئة من جيل الآباء والأمهات في الطبقة الوسطى، فإنها لم تجد آذاناً صاغية من الشباب ومعهم بقية الثوّار الذين انضموا اليهم مع الوقت. لم ينتبه النظام وإعلامه الرسمي إلى أن الأجيال الجديدة تحمل صورة أخرى عن مصر وعن الوطن ككل، صورة كفّ معها الوطن عن أن يكون ذلك الصنم الذي تدعونا الأنظمة الديكتاتورية إلى تقديم الحرية قرباناً على مذبحه. فمصر وأمنها واستقرارها استُخدمت حجة لقمع الشعب لعقود، وتناسى من لجأوا إليها أن مصر (الوطن) ليست مجرد بقعة أرض ذات موقع عبقري، ولا هي التاريخ والآثار فقط، إنما وبالأساس هي الشعب. هي المصريون لأنهم كأفراد هم من يصنعون الوطن ويخترعونه كفكرة وكأرض حقيقية صالحة للعيش عليها والتضحية من أجلها?. الوطن ككل هو المكان القادر على توفير الأمن والحياة الكريمة والحرية لأبنائه، أو هذه على الأقل فكرة كثيرين من الأجيال الجديدة عنه. مصر بالنسبة إلى الثوّار عنت شيئاً مختلفاً عما عنته للنظام والمتحدثين باسمه، الثوّار (مع اختلافات بالطبع بين فئة منهم وأخرى) رأوا مصرهم المتمنّاة والمحلوم بها كدولة حديثة ديمقراطية تحترم مواطنيها، ولا تُستخدم كفكرة مطلقة يتم جلدهم بها. والنظام لم يرَ في مصر سوى مبارك/ الفرعون الضرورة والملهم المخّلِص، أو على الأقل هذا ما حاولوا فرضه من خلال الايحاء للشعب بأنه إما مبارك ونظامه أو الفوضى المطلقة.
وطوال أيام الثورة لم ينجح النظام في فك شيفرات لغة الشباب ولا فهم المفاتيح التي يمكنه من خلالها التأثير عليهم، خاصة مع فجيعته النابعة من أن كل العنف والهمجية لم ينجحا في التخويف. وعلى الجانب الآخر كان الثوّار يتلقون إشارات النظام ومفردات «خطابه» ويقومون على الفور بتفكيكها والسخرية منها في لعبة اقتربت أحياناً من طقوس «التجريس» الشعبي بصورته القديمة وتحول معها ميدان التحرير في جزء منه إلى بديل لمسرح الشارع أو ساحة كرنفالية واسعة لأناس حُرموا طويلاً من امتلاك الشوارع والميادين بعيداً من سطوة الأمن.
***
في خطابه الأول، بدا مبارك عاجزاً عن فهم أبعاد ما يحدث، كما بدا غير مدرك لحجمه الحقيقي، فغرق في جمل إنشائية مستلّة من خطاباته السابقة. وبوجه متجهم وسحنة مهدِدة وصف الثورة بأعمال شغب تهدد القانون، ولم ينس التذكير بتنويع آخر للحن «أزهى عصور الديمقراطية» الشهير حين أعلن أن هذه التظاهرات ما كان لها أن تتم لولا حرية الرأي والتعبير في عهده. وعلى خلاف زين العابدين بن علي الذي قال لشعبه «فهمتكم» بما تحمل من اعتراف بعدم فهمه لهم من قبل، أظهر مبارك درجة أعلى من اللؤم والمراوغة حين ذكر أنه يعي التطلعات المشروعة للشعب، ولم ينفصل عنها يوماً، أي أنه يفهم تطلعات الشعب وهمومه منذ بداية عصره، ما يعني أنه تغابى عن فهم مغزى الثورة ومبرر قيامها، بل أضاف أن هذه التطلعات لن يحققها اللجوء الى العنف، كأن الشعب الذي سقط منه العشرات في هذا اليوم تحديداً (جمعة الغضب) وتعرض لهمجية غير مسبوقة هو من قام بالعنف.
صلف مبارك في الخطاب وإصراره على عدم الاعتراف بأخطائه، وعلى التمسك بكليشيهات من قبيل القلة المندسة وانحياز نظامه للفقراء، وكذلك إصراره على عدم الاعتذار عن سقوط شهداء، هذ الصلف كان الوقود الذي ساهم في استمرار شعلة الثورة وتقويتها. فمع كل خطأ لمبارك أو رمز من رموز نظامه كان سقف مطالب الثوار يرتفع وجذريتها تتزايد. في هذا الخطاب الأول بدا مبارك كـ»بطل» تراجيدي تخلّف عن الزمن الحاضر وفقد القدرة على فهمه أو الإنصات له. كان كأنما يبحث بين الوجوه الغاضبة الثائرة والمتحدية عن «شعبه» الذي يعرفه، ويقول عنه لقادة الغرب، حين يطالبونه بمزيد من الديمقراطية، «أنتم لا تعرفون الشعب المصري كما أعرفه».
في خطابه الثاني، وربما لأنه تيقن من كونه لا يتكلم لغة الثوار ولا هم يتكلمون لغته، ركز على الفئات المحايدة والمتعاطفة مع الثورة دونما نزول إلى الشوارع والميادين. لعب على عواطفهم ومارس ابتزازاً عاطفياً يصل إلى درجة التسول، وهو يتحدث عن رغبته في أن يموت ويُدفن على أرض مصر! كما لعب على الوتر الحساس لدى المصريين في ما يخص احترام كبار السن، وقدم نفسه من جديد وبدرجة أكبر كرب العائلة المصرية الضامن لأمنها واستقرارها والمكلّف تكليفاً دونما سعي منه لهذه «الرسالة» وهذا العبء. نجح هذا الخطاب إلى درجة كبيرة في التأثير على قطاع كبير من المصريين ممن رأوا في مبارك لحظتها شيخاً مهزوماً استجاب لمطالب ابنائه وقرر عدم ترشيح نفسه بعد انتهاء مدته وسيعمل على حدوث انتقال سلمي للسلطة.
«ماذا يريدون أكثر من هذا؟» كان هو السؤال الذي ردده كثيرون صباح اليوم التالي على خطاب مبارك الثاني. لكن المفارقة التي لوحظت بقوة أنه في اليوم التالي لكل خطاب من الخطابين الأولين لمبارك كان النظام يرتكب جريمة أبشع من سابقتها. فعقب خطابه الأول، وبعد الانسحاب المفاجئ للشرطة وأجهزة الأمن، تم اطلاق السجناء وانتشرت أعمال السلب والنهب التي قام بها بلطجية النظام وأفقدت الشعب الثقة في مبارك ونظامه كما لم يحدث من قبل. وعقب خطابه الثاني حدث الهجوم الهمجي بالجمال والخيول وقنابل المولوتوف على المتظاهرين في ميدان التحرير في ما عُرِف بالأربعاء الدامي، فكنا كأننا امام عصابة بالمعنى الحرفي للكلمة يديرها أكثر من شخص كل منهم يتصرف بطريقة مناقضة للآخر، ومن الطبيعي أن تكون الفوضى هي النتيجة الحتمية.
كان لأحداث الأربعاء الدامي وجه ايجابي إذ أبطلت جزئياً تأثير الابتزاز العاطفي الذي مارسه مبارك في خطابه الثاني على كثيرين. لكن الإبطال شبه الكامل لهذا التأثير جاء بعد أيام على يد وائل غنيم أحد من دعوا الى الثورة في البداية عبر صفحة «كلنا خالد سعيد» على الفيس بوك. إذ كانت دموعه وهشاشته في برنامج «العاشرة مساءً» هما التميمة التي فكت سحر الابتزاز العاطفي الذي قام به مبارك ونجح من خلاله في تأليب بعض البسطاء على الثائرين. قدم وائل غنيم في ظهوره التليفزيوني الأول هذا نموذجاً جديداً للبطولة هو النقيض والضد لمفهوم البطولة في تراثنا العربي. ونال بهذا تعاطفاً كاسحاً.
وبالعودة الى خطابات مبارك فإن الخطاب الثالث، الذي أطلق عليه الشاب بالقرب من ميدان التحرير «حديث الذكريات»، كان الأكثر حرقاً للأعصاب وإثارة للملل، إذ غرق في ما يشبه حواديت تذّكر بـ«عطاء» الرئيس المخلوع لمصر وشعبها، في الوقت الذي انتظر منه الجميع جملة واحدة مفادها أنه سوف يتنحى. في هذا الخطاب تجرد مبارك من صلفه وكبريائه وتحدث، وفقاً لكلماته، «حديث الأب لأبنائه وبناته»! مستعيداً استراتيجية كبير العائلة المصرية بطريقة يحسده السادات نفسه عليها. ما تعهد به مبارك في هذا الخطاب، ربما كان ليهدئ الخواطر لو تم في الأيام الأولى للثورة، لكنه كعادته أخطأ تقدير الموقف واختيار التوقيت، بحيث تسبب كل خطاب/ خطأ من أخطائه في زيادة تصميم المحتجين وتأجيج شعلة الغضب في داخلهم. ومع كثرة هذه الأخطاء وصبها كل مرة في صالح الثوّار كان من الطبيعي أن تنتشر بعد سقوط مبارك نكتة مفادها أن «الثورة نجحت بفضل توجيهات السيد الرئيس» أي أخطائه!
***
قادت خطابات مبارك الطريقة التي تعامل بها الإعلام الرسمي مع الثوّار. إذ بعد الخطاب الأول كرر إعلاميو النظام خلف الرئيس المخلوع اتهام المحتجين بالشغب وتعريض استقرار البلاد للخطر والنزوع للعنف. وبعد الخطاب الثاني تبنوا جميعاً ومعهم عمر سليمان نظرية القلة المندسة، وأن الثورة بدأها شرفاء تم استغلالهم في ما بعد من جانب من سرقوا الثورة من عملاء لديهم أجندات أجنبية.
شهدت هذه الفترة أعلى درجات التخبط والتناقض والتضحية بالمعنى، بحيث تحول كلامهم إلى محض لغو. فـ«الخطاب» الذي واجه النظام الثورة به حينئذ كان خطاباً رثاً ومتناقضاً ومضللاً إلي درجة مفزعة.? ?كان من الطبيعي أن نسمع جملتين متتاليتين على لسان مسؤول أو إعلامي أو? «?خبير استراتيجي?»: الجملة الأولى تمدح الشباب الذين بدأوا الثورة وحماسهم وغيرتهم على الوطن،? ?والجملة الثانية تتهم الثورة بأنها ذات أجندات أجنبية وتمت سرقتها من جانب? «?مخربين?» يتآمرون على مصر. ?أحياناً? كانت الجملة الواحدة تحمل احتراماً? ?للثوّار من الشباب وإدانة للثورة في الوقت نفسه?. ?حتى ليخال للسامع أن اللغة تتضرع صارخة من أجل احترام المعنى وإعمال العقل?.?
تحدث «الخطاب» الرسمي عن أجندات أجنبية للثوار،? ?وعن عمالتهم لإيران وحماس،? ?وحزب الله،? ?وإسرائيل،? ?وأميركا في وقت واحد?! ?اتهمهم بخيانة «الوطن» مقابل وجبة كنتاكي ومائتي يورو، وظل يردد هذه الاتهامات الساذجة، عبر أبواقه، مرة بعد الأخرى، كأن التكرار سيحول الترهات والأكاذيب إلى حقائق?. ?هو انعدام الخيال لا? ?غيره الذي سمح باستدعاء ترسانة الاتهامات البالية من خزانة الماضي،? ?دونما اعتراف بأنهم أمام ثورة شعبية حقيقية تعبر عن إرادة الشعب بكل أطيافه وبأنه ينبغي التعامل معها علي هذا الأساس،? ?بدلاً? ?من تجاهلها والنظر إلى المصريين كشعب من المرتزقة والخونة?. ?وهو انعدام الضمير ما دفع إلى اختلاق الأكاذيب أو اللجوء إلى أنصاف الحقائق في أفضل الأحوال لتزييف الوعي وتقليب البسطاء ضد الثوار الباحثين عن? ?غدٍ? ?أفضل مهما كانت التضحيات?.?
على الجانب الآخر جاءت لغة الثوّار والمحتجين، لغة شابة واثقة، ساخرة، وواضحة في الوقت نفسه، تسمي الأشياء بأسمائها. على أرض الواقع تبلور الخطاب ونضجت المطالب بشكل فاجأ الجميع بمن في ذلك الثوّار أنفسهم. أتذكر أن بيان المطالب الأولى الذي تم تداوله على الفيس بوك قبل 25 يناير بعدة أيام لم يكن لينبئ أبداً بما تحقق بعدها على أرض الواقع. فعلى رغم تسمية الحدث المزمع القيام به بـ«ثورة 25 يناير»، كانت المطالب المكتوبة بسيطة مقارنةً بما طالبت به الثورة ثم أنجزته في ما بعد. أحد أبرز المطالب وقتها كان «رفع الحد الأدنى للأجور»، وهو الأمر الذي استفز صديقاً لي فأعاد نشر البيان على صفحته مسبوقاً بجملة «يا جماعة الخير الثورات لا تطالب برفع الحد الأدنى للأجور إنما تطالب بالسلطة»!
لكن ما رأيناه في ساحة التحرير يوم 25 يناير وفي السويس وأماكن أخرى كان باهراً بحق. لخص شعارا «الشعب يريد اسقاط النظام» الفصيح والبسيط في آن، و»سلمية... سلمية»، هدف الثورة ورسالتها الأخلاقية معاً. كان هناك تصميم على عدم العنف والتمسك بالسلوك المتحضر مهما بلغت وحشية النظام وهو ما حدث، وما أكسب الثورة المصرية تعاطف العالم واحترامه. احتوى ميدان التحرير والشوارع المحيطة به نهار جمعة الشهداء مثلاً على قرابة الـ5 ملايين متظاهر. كانت المعنويات مرتفعة للغاية، وقلب وعقل الجميع كانا مع من زحفوا نحو «قصر العروبة». كان ثمة تخوف مضمر من أن يواجههم الحرس الجمهوري بعنف تنتج عنه مذبحة جديدة، إلا أن المشهد هناك كان أحد أروع مشاهد الثورة كلها، إذ ألقى الثوّار وروداً كانوا يحملونها معهم نحو الحرس الجمهوري المحيط بالقصر. وما إن فعلوا هذا، حتى رد الحرس تحيتهم بأفضل منها، وقام بتوجيه فوهات مدافعه نحو القصر بعد أن كانت موجهة نحو الثوّار!
لكن هل كان الثوّار بلا أسلحة؟ الحقيقة أنهم كانوا مسلحين بقوة الخيال واللغة وقبل كل شيء بسلاح السخرية الحادة البالغة القسوة والذكاء في آن. عبر أغنيات ذكية مرحة، واسكتشات تمثيلية نقلوها من ميدان التحرير إلى الفضاء الافتراضي، ولافتات طريفة، ونكات لاذعة، نجحوا في التمثيل الرمزي برموز النظام وعلى رأسه مبارك. لعبوا على الثغرات والتناقضات في خطاب السلطة المهترئ، ألفوا أناشيد ونكات، عن الأجندات الأجنبية والقلة المندسة ووجبات كنتاكي، انتشرت بسرعة رهيبة، ولم يجد النظام المرتبك لا القدرة ولا الخيال الملائمين للرد عليها أو التعامل معها. بطاقة الجنون الخلاّق والخيال المتحرر من الثوابت والكليشيهات القومية القديمة نجح أبناء العولمة والفضاء الافتراضي في صياغة خطاب يشبههم، ولفرط ذكائه وطرافته قام بتعرية تهافت الخطاب الرسمي وركاكته كما لم يحدث من قبل. أعرف طبعاً أن الثورة المصرية تجاوزت من خططوا لها، واستطاعت الوصول إلى كل الشعب بكافة أطيافه وطبقاته وتياراته، إلا أن من اضطلعوا بالجانب الأكبر في ما يخص الترويج لها والحفاظ على جدة لغتها وصوتها هم هؤلاء الشباب.
وكما كشفت لغة النظام عن تناقضاته وارتباكاته، وكشفت لغة الثوار عن جدتهم وتجاوزهم لأفكار راسخة في المجتمع المصري مثل قيم العائلة والبنية الهيراركية، وما يسمى بأخلاق القرية، فإن لغة الجيش بدأت غامضة ومحايدة قبل أن تشرع مع توالي الأيام في إرسال إشارات تطمينية للشعب. لقد انسجمت لغة الجيش تماماً مع المنحى التصاعدي لموقفه: فطوال أيام الثورة اعتاد المصريون أن يستقبلوا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة رسائل قصيرة غامضة على هواتفهم النقالة من قبيل: «نناشد المواطنين الشرفاء تضافر جهودهم لنصل معا بالوطن إلى بر الأمان»، «نهيب بالمواطنين تهيئة المناخ المناسب لإدارة شؤون البلاد...». لا توضح الرسائل ما بر الأمان المطلوب وكيفية الوصول إليه في ظل عنف السلطة اليومي والمجاني، ولا ما هو المناخ المناسب، ولماذا على الأخوة المواطنين وحدهم تهيئته؟!
لكن مع الوقت تخلت لغة الجيش عن حذرها وصارت أكثر وضوحاً وتعاطفاً مع الشعب، وإن ظلت على نفس درجة الهدوء. «تفّهم المجلس الأعلى مطالبكم وتم تكليف الجهات المعنية لتحقيقها في الوقت المناسب». هذه آخر رسالة وصلتني على هاتفي المحمول أثناء كتابة هذه السطور، و«مطالبنا» واضحة ومعروفة، فالثورة قامت من أجل دولة مدنية حديثة، والجيش أول من يدرك هذا، إذ يُحسب له أنه كان أكثر تواصلاً مع اللغة الجديدة التي أرساها الثوّار وحاول فهمها وتعلمها بسرعة على عكس مبارك ونظامه، وإلا ما معنى أن يفتح المجلس الأعلى للقوات المسلحة صفحة رسمية له على الفيسبوك بعد نجاح الثورة لنشر بياناته والتواصل مع شباب الفيسبوك عبرها؟!
... في النهاية وبعيداً عن تواطؤات اللغة وألعابها وخياناتها، تبقى الأيام القادمة الأهم والأخطر في عمر ثورة 25 يناير، إذ ستوضح لنا هل فهم الجيش لغة الثوار ومطالبهم بالفعل أم إذا كان يماطل من أجل الحفاظ على بقايا النظام؟
كُتِبت المقالة في فبراير 2011، ونُشِرت في مجلة كلمن، العدد الثاني، ربيع 2011.

تمارين على الحياة


منصورة عز الدين


لو كانت هذه قصة خرافية، فلن تكون سوى "الجميلة النائمة"، حيث لعنة شريرة تغرق البطلة في سبات لن تخرجها منه إلا قبلة أمير عاشق، تبعث دفء الحياة في أوصالها، وتبعد شبح الموت المتربص بها. لكنّ الحياة ليست قصة خرافية.. هنا والآن، على أرض الواقع، لا ساحرات طيبات، ولا أمير وسيم يجترح المستحيل، وبالأخص لا أميرات ينتظرن المساعدة. رغم هذا ثمة "معجزات" شهدناها تتحقق. فهذا الم
كان المتأرجح دوماً بين الممكن والمستحيل صار يمتهن مفاجأة نفسه والخروج على 
السيناريوهات المعتادة.
استيقظت مصر من غيبوبتها بفضل قبلة الثورة، اُزِيل الحاجز السميك الذي كان يفصلها عن الحياة. من حقها الآن أن تختبر
 التقلبات التي يمر بها غيرها بعيداً عن خرافة "الاستقرار". ثمة جرح هائل وعليه أن يتطهر من صديده بدلاً من أن يندمل عليه. المشكلة أن الصديد يتكثف ويتكاثر محاولاً احتلال المشهد بكامله. فالجني المخيف الذي حبسه نظام مبارك في قمقم على مدى عقود، وجد نفسه مطلق السراح بفضل ثورة لم يشارك في صنعها، ووجد من يتواطأ معه كي يصبح لاعباً أساسياً في لعبة أرادوها خطرة. السلفيون يهدمون الأضرحة ويطالبون بتطبيق حدود الشريعة الإسلامية. الإعلام يعامل عبود الزمر، بمجرد الافراج عنه، معاملة تليق بزعيم سياسي، وهو لا يفوِّت الفرصة ويقترح انشاء مجلس أعلى للتكفير! أما "الإخوان المسلمون" فيواصلون التحرك بانتهازية بحثاً عن السلطة بأي ثمن.
يشعر معظم من أعرفهم ومن أتحدث معهم بالرعب من هذا الهجوم المفاجئ للسلفيين، يتصرفون من موقع المهددين، كأنما ظنوا أنه بمجرد سقوط مبارك وحبس رموز نظامه ستتكفل الساحرة الطيبة بحل جميع المشكلات بعصاها السحرية. لكنهم في الوقت نفسه يختبرون فرحة لم يجربوها من قبل، فرحة أنهم كانوا، ولا يزالون، جزءاً من تغيير حلموا به وشاركوا في صنعه.
مصر، في لحظتها الحالية، منهكة كأنما أفاقت من غيبوبة طويلة، لكنها حرة ومختلفة وراغبة في الحياة. لأول مرة منذ سنوات أجدني أركز في تفاصيلها، أحدق في مياه النيل، وفي تفاصيل البنايات والبشر، كأنني أستعيد الأماكن والأشياء وأعيد امتلاكها، بعد أن اعتدت طوال عشر سنوات أن أمر بها كمن وجد نفسه مأسوراً داخل يوم واحد رتيب لا تتغير تفاصيله ويتكرر بشكل أبدي. أتكلم مع الآخرين فأجدهم يشعرون بمشاعر مشابهة. نتحرك جميعاً الآن في بلد مرتعش من فرط النشوة والترقب والقلق.
نخطو بوجل فوق بقايا دولة رعب، وفوق ما تبقى من سنوات تعذيب وقمع وقهر. أقول لنفسي: "عليكِ ألاّ تغمضي عينيكِ عن رؤية كل هذا واختزانه. عليكِ العمل على فك الشيفرات المخبأة بعناية خلف كل ما يواجهكِ".
الآن، وهنا، أبسط حركة تبدو كأنما تقترح شيئاً أكبر: صوت يعلو بغتة عن المعتاد، انحرافة خطرة لسيارة في الطريق، أو ضجة مفاجئة. هذه الأشياء العادية في أوقات أخرى يتم تلقيها حالياً كمقدمة لعنف ما أو فوضى محتملة، كـ"مؤامرة" يجب الانتباه لها. تأخذ الأشياء والأحداث أبعاداً مغايرة، وتتسع لتُحمّل بمعانٍ ودلالات أبعد. أيام كهذه تجعلك أكثر حساسية، وأكثر اهتماماً بالتفاصيل، تدفعك للاندماج بالواقع رغماً عنك. لحظات تضعك أمام أسئلة الوجود الكبرى، تحفزك على الحفر في قلبك وأعماقك، وتطرد عنك شبح عدمية اخترتها وأقنعت نفسك قبل الآخرين أنك لا تكترث بشيء، لا يهمك شيء، ولا ترغب في شيء. تغدو مرحباً، على غير عادتك، بالتوهان في صخب مربك وفوضوي.
لا أتحدث هنا عن سيناريو الفوضى الذي كان مرغوباً من جانب فلول النظام المنهار، إنما عن درجة من الارتباك التلقائي، والرغبة في اختبار حدود الحرية المتاحة. بعضنا يبدو كمن يجرب حريته للمرة الأولى مبهوراً بغياب جهة تردعه أو تحاكمه، فيصل بها إلى حد أقصى قد يكشف عن أسوأ ما فيه. هكذا يمكن لمشاجرة عائلية بين اشخاص نعرفهم أن تتحول إلى خطر يهدد سكان شارع بأكمله.
كان عليّ قبل أسبوعين أن أتصل بالنجدة. ربما تكون تلك هي المرة الأولى التي أفعل فيها هذا. أرفض الفكرة في البداية، وأحاول اللجوء لأرقام الاستغاثة التابعة للجيش، فلا يرد عليّ أحد. أكرر الاتصال بلا طائل. كان الرصاص ينهمر في الشارع أسفل نافذتي. استيقظت منزعجة بعد منتصف الليل على وقعه المصحوب بضجيج مشاجرة حامية لم أتبين سببها وأنا بين النعاس والصحو. مع استمرار إطلاق النار، وجدت نفسي مضطرة للاتصال برقم النجدة، ترددت لثوان حين وصلني صوت ودود عبر الهاتف. أبلغته بما يحدث وباسم الشارع، فقاطعني بلهجة مهذبة قائلاً إن كثيرين من الشارع نفسه اتصلوا به، وإن الجيش والشرطة هناك بالفعل!
اندهشت من اللهجة بالغة التهذيب، غير أن دهشتي زالت في الصباح حين عرفت أن لا الشرطة ولا الجيش حضرا لانهاء النزاع رغم الاستغاثات العديدة من سكان المنطقة. السيارة المركونة بجوار سيارتي كانت محطمة تماماً وزجاجها المتكسر كان يفترش أرضية الشارع. حارس البناية حكى لي تفاصيل المشاجرة بابتسامة محيرة. خلاف عائلي بين شقيقين حول شقة، تحول إلى معركة هوليوودية مصغرة بسبب تقاعس الشرطة عن دورها وانشغال الجيش بما هو أهم: قمع المتظاهرين، تعذيب المعتقلين، اخضاع المعتقلات لاختبار كشف العذرية، والثناء على آداء الشرطة كلما سنحت الفرصة لهذا!
استعان أحد طرفي النزاع ببلطجية لترويع الطرف الآخر الذي فضّل لغة السلاح عبر اطلاق نار كثيف استمر لمدة لا بأس بها.

مشاجرة مماثلة في حي آخر راح ضحيتها أربعة قتلى. قبلها بأيام وبينما أقترب من ميدان الدقي، كان ثمة إطلاق نار كثيف في الهواء وتزاحم بشري أعاق سير المرور في الشارع المختنق مرورياً بطبيعته. قوات جيش منتشرة بكامل عدتها، عدد كبير من العسكر يلوحون ببنادقهم بعد ساعة من الاعلان عن قانون منع التظاهر، وجزء لا يستهان به من المتفرجين في الشارع يتابعونهم بإعجاب. "الجيش بياخد حد" هتف سائق تاكسي شاب بابتهاج لا يتناسب مع درامية الموقف. غادرت المكان مسرعة ما أن فتحت إشارة المرور كأنني أهرب من مسرح جريمة. كنت مشغولة بسر هذا الإعجاب الذي تكنه شرائح عريضة من المجتمع للجيش، كأنما وجدت فيه أباً بديلاً. ابتهاج سائق التاكسي ليس حالة نادرة. الأهالي في حي بولاق أبو العلا القريب من الجريدة حيث أعمل، رسموا بمجرد سقوط مبارك، علم مصر في كل مكان، يجاوره وبالحجم نفسه شعار الجيش. قاموا بهذا من تلقاء أنفسهم تعبيراً عن فخرهم بقواتهم المسلحة. كثيرون يعيشون في حالة إنكار رافضين أن يناقشوا أي سلبيات في آداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة. صارحتني صديقة بأن هذا خط أحمر بالنسبة لها، وأنها لم تسمح حتى لنفسها بمجرد التفكير في احتمالية أن تباطؤ الجيش في تنفيذ مطالب الثورة كان تواطؤاً. مع توالي الأخبار عن تعذيبه للمعتقلين وتحويله المتحف المصري إلى ما يشبه السجن، صارت تتمنى أن يكون كل ما يحدث "مجرد أخطاء فردية"، وحين صدرت القرارات بحبس مبارك ونجليه ومعظم رموز نظامه على ذمة التحقيقات معهم كانت في قمة سعادتها. "أرأيتِ.. أرأيتِ؟" أخذت تقول لي! كانت تكرر جملتها كأن التكرار سيمحو أي أثر لشكوكها السابقة.
في خضم هذا كله، يكتب لي فيتو من سياتل متفهماً احتمالية ألاّ أرد عليه بينما تضمر كلماته أني أعيش في قلب جحيم إكزوتيكي، ويقترح ماتاييس من برلين أن نشترك سوياً في إنجاز فيلم عن الثورة، أما مينيه فتسأل من اسطنبول عن كنه ما حدث متمنية أن أكون بخير قبل أن تواصل حياتها التي أتابع شذرات منها بين وقت وآخر عبر الفيس بوك.
وحدها بياترس لا تكف عن عقد المقارنات بين مصر وبين وطنها (المكسيك) مطالبةً أن أمدها بمزيد من المعلومات عن بلدي مقابل ما تكتبه لي عن الاوضاع في بلدها، كأننا معاً في مجموعة علاجية مخصصة للشعوب التي عانت من أنظمة قمعية، غير أني لا أرغب سوى في أن أُترَك وحدي للتدرب على إيقاعات حياتي الجديدة. إنها تمارين على الأمل الموجع.. أو بالأدق تمارين على الحياة بعد أن عشت لسنوات، مثل كثير من المصريين، كالمسرنمة.
(ملحق نوافذ.. جريدة المستقبل.. 24 أبريل 2011)..