Showing posts with label revolution. Show all posts
Showing posts with label revolution. Show all posts

Tuesday, September 11, 2012

مطر خفيف



المستقبل - الاحد 15 تموز 2012 - العدد 4400 - نوافذ - صفحة 15

«من الآن سيكون الأمر مختلفاً إن شئت، من الآن سنكون اثنين نحضر في ليالي المطر، ربما هكذا يحالفنا الحظ، وإلا سنكون مجرد اثنين في ليالي المطر».
خوليو كورتاثر (لقاء في دائرة حمراء)

منصورة عز الدين

لوحة لقاء في دائرة حمراء للفنان الفنزويلي: خاكوبو بورخيس

وجدت نفسها في مطار فخم لمدينة أجنبية، معها زميلان، كأنهم جميعاً في رحلة عمل. كان الإيقاع سريعاً والناس يسيرون كما لو أن حياتهم مرهونة بمدى اتساع خطوتهم. لغات مختلفة تسابقت على احتلال الفضاء المحيط، وشعور ثقيل بالتوتر انتابها بينما تتابع النظرات القلقة لزميليها. بدوَا كأنما يتجاهلان وجودها عن عمد. كانا مرتبكين مثلها وإن جاهدا لمحاكاة الآخرين ممن يتحركون بسرعة واثقة. اختفيا فجأة عن مجال بصرها ولم يشعرها هذا بالخوف أو الاندهاش. 
«ثمة وسيلة حتماً للذهاب إلى فيسبادن»! قالت بصوت خافت. 
أعادت ترديد الاسم فبدا غريباً بدرجة كبيرة. «فيسبادن؟ لماذا عليّ أن أذهب إلى هناك؟» لم تجد جواباً مناسباً. 
استرجعت ما تعرفه عن المدينة. لم تكن تعلم سوى أنها تقع في ألمانيا، وفي قصة تحبها لخوليو كورتاثر عن «خاكوبو»() الذي حاول شبح امرأة إنجليزية تشبه خلد الماء أن يحذره من المصير المحتوم داخل المطعم البلقاني الخاوي في ليل فيسبادن الماطر، وانتهى الأمر بهما إلى أن يصيرا معاً شبحين ينتظران في ليالي المطر.
بفضل العزيز كورتاثر، تحولت المدينة، في مخيلتها، إلى بقعة خرافية مسكونة بأشباح تجاهد لإنقاذ ضحايا محتملين من براثن قتلة باردي الأعصاب متخفين في مطعم صامت به شموع ينبعث منها ضوء شحيح، لذا كان مجرد التفكير في أن فيسبادن هي وجهتها التالية كفيلاً ببعث القشعريرة في جسدها، كأنها الضحية التالية الباحثة عن خاكوبو، وخلد الماء كي ينقذاها.
بفستان ملون قصير، وحذاء بكعب عالٍ مدبب، سارت فوق الأرضية اللامعة للمطار. خطواتها تدَّعي الطمأنينة، وتخلِّف رنيناً مزعجاً، بينما تفكر هي حائرةً في أقصر الطرق للوصول إلى فيسبادن.
انتبهت إلى أنها دخلت دهليزاً خرجت منه إلى مفترق مجموعة من الممرات المعدنية المتقاطعة. لم تعرف كيف وصلت إلى هذه النقطة رغم اتباعها علامات إرشادية كان من المفترض أن تقودها إلى محطة القطارات المتصلة بالمطار لنقل الخارجين منه إلى المدن الراغبين في الذهاب إليها. 
وحدها في غابة الممرات تلك. وقع خطواتها على الأرضية المعدنية بات لا يُحتمل، ودقات قلبها أخذت تتسارع، ولا من شخص آخر في هذا الفراغ. 
ثم تلاشت محطة القطارات، ومعها المطار برواده المسرعين، وبقيت بمفردها تفكر في أنها محتجزة في اللامكان. واصلت سيرها بشكل عشوائي إلى أن فوجئت بنفسها في عمق مخزن عتيق، شبه معتم، ومزدحم بالخردة والروبابيكيا. وصلها صوت اطلاق نار ورائحة حريق، كأن العالم بأسره يتفّحم ويحترق في الخارج.
أبصرت باباً حديدياً يكسوه الصدأ، دفعته فانفتح متأرجحاً. خرجت فإذا بها في مدينتها الأم وقد تحولت إلى فخ هائل يلوِّنه دخان أبيض كثيف.
الشوارع اكتظّت برجال الشرطة والأمن المركزي. حواجز أمنية أغلقت المداخل، ومدرعات طوّقت كل شبر. على مقربة سارت خمسينية بدينة بملابس سوداء، تحمل كيساً به خضر وفاكهة وأرغفة خبز طازج، كأن الحياة على وتيرتها المعتادة. نظرت بتجهم إلى «كوردون» لجنود الأمن المركزي وهمهمت، قبل أن ترفع صوتها بغضب: «هيَّ حرب، ولاّ كانت حرب؟!» 
واصلت المرأة طريقها معتبرة أنها أدت حصتها من الاحتجاج، وتجاهلوها هم في ترقبهم الحذر خلف الدروع مدججين بأسلحتهم. 
أصوات صراخ وضجيج كانت تأتي من بعيد، المدينة، كلها، أضحت ضباباً كريه الرائحة، وهي أشاحت بعيداً عن المرأة البدينة، وحرصت على عدم النظر في أعين الجنود والضباط . 
ركضت فاتسع العالم وانهارت حوائط قديمة. كأنها بطلة في لعبة كمبيوتر، راحت ترتقي من مرحلة للتي تليها، ومع كل خطوة للأعلى تزداد الخطورة. تجاوزت حاجزاً أمنياً فواجهها حاجز أصعب. تسللت من شارع جانبي إلى آخر أكثر جانبية بحثاً عن منفذ إلى قلب الأحداث، لكن زخة من رصاص كثيف أجبرتها على الاختباء في مدخل إحدى البنايات.
في هذه اللحظات لم تكن ترتدي فستانها الملون القصير، ولا حذاءها ذا الكعب العالي والرنين المزعج إنما سروال جينز ضيق، سترة جلدية بنية اللون، حذاء رياضي، وكوفية حول رقبتها. المطار والمتاهة المعدنية صارا جزءاً من واقع آخر مراوغ. 
خطر ببالها اسم المدينة الألمانية فهزّت رأسها بفتور فيما تتأمل المكان حولها. «لستُ في قصة كورتاثر، بل في الحياة الواقعية» فكرت. 
لم يكن ثمة شوارع خالية، ولا صمت مُخَيِّم، ولا ليل ماطر، بل رقعة تتعمد بالدم وتشتعل تحت قصف جنوني. صارت المدينة بأكملها دائرة حمراء تعج بأناس يهتفون بغضب، يحاصرها رجال عنيفون بأزياء رسمية داكنة.

لم تعد وحدها. هي الآن ضمن حشد كبير، نقطة في نهر، حبة رمل في صحراء شاسعة ومع هذا تشعر بفرديتها على نحو مكثف. يجتمع الحشد في الشوارع ويتفرق تحت ضغط الهجوم عليه، ثم يعاود الالتحام. 
عادت من جديد، طفلة بعينين متسائلتين، وشعر بنّي طويل، تتسلق - حافية القدمين - تلاًّ رملياً ذات ظهيرة حارقة. تدوس الرمل، الملتهب بفعل الشمس، فيلسعها. ترفع إحدى قدميها بالتبادل مع الأخرى، للتخفيف من حدة اللسع بلا فائدة. 
حقل شاسع من الرمال الساخنة كان عليها اجتيازه، بعدما فقدت حذاءها وهي تركض خوفاً من كلب ضال طاردها قليلاً ثم عاد أدراجه مكتفياً برؤيتها تخلِّف الحذاء وراءها. 
فوق التل، جلست لترتاح وذهنها خالٍ إلاّ من الألم المتسلل إليها من سخونة الرمال. لم يشغلها وقتذاك ماذا ستقول لأمها، ولا المدى الذي قطعته بعيداً عن بيتهم. تمددت وأغمضت عينيها مستحضرة النيل القريب وقت انحساره شتاءً. تخيلت نفسها نقطة في مائه أو حبة من رمال التل منسجمة مع محيطها ومتوحدة به. 
تماهت مع لحظتها تلك ولم تعد تشعر بأي شيء آخر. وجدها أهلها، لاحقاً، بعد بحث مرهق، فاقدة الوعي ومصابة بضربة شمس. خافوا عليها، وظنوها في حالة خطرة، مع أنها حافظت على ابتسامة هادئة حتى وهي نائمة غير قادرة على الحراك.
بعد سنوات عديدة ها هي الآن، تراوغ الموت المتجول على مقربة منها. تسعل وتبكي، رغماً عنها، لكنها لا تكف عن الهتاف. طنين عجيب يرن في رأسها، كأن صدى هتافات العالم أجمع عبر تاريخه كله يحيط بها. 
لم تعد تتذكر شيئاً عن خاكوبو أو خلد الماء أو ليل فيسبادن الماطر. تكثّف الضباب الأبيض ليغطي الأفق. كان ثمة رائحة حريق تلتصق بجزيئات الهواء، عربات مجنونة تدهس العشرات، وشظايا مطاطية تخترق الأجساد.
خرجت من مدخل البناية إلى ممر ضيق بين شارعين، كادت تتعثر في فوارغ قنابل الغاز، تجاهلت وجع ساقها وخطت بتثاقل.
جرَّت ساقها التي تحولت إلى عبء يثقل عليها، وواصلت سيرها. معظم المحال مغلقة، والبنايات أوصدت بواباتها بإحكام على قاطنيها. بعضهم شرع يتلصص بفضول قلِق - من الشرفات أو عبر النوافذ المواربة - على ما يجري بالخارج. والبعض الآخر حاول المساعدة بإلقاء زجاجات مياه أو أي شيء يحسبه مفيداً لمن بالأسفل، أما الباقون فاعتصموا بالداخل كأنه رحم حنون يقيهم أهوالاً هائلة.
استمرت في الخطو فوق أرصفة متكسرة. عيناها تؤلمانها، وقدماها لا تكادان تحملانها. قابلتها جموع تعدو، التصقت بباب حديدي قريب، فاكتشفت أنه غير مغلق. دلفت إلى الداخل لتتعرف على المخزن المهجور بظلمته الخفيفة، بحثت بعينيها يائسة عن مساحة تستريح فيها. في النهاية تمددت على ظهرها فوق الأرضية وأخذت تحدق في الظلام ساهمةً قبل أن تغمض عينيها وتغرق في ليل ماطر لمدينة باردة. 
جاءها أزيز الرصاص بالخارج كموسيقى تصويرية تؤطر العالم من حولها. رأت نفسها تسير تحت مطر خفيف في مدينة غريبة مع شخص لا تعرفه وإن بدا كـ»خاكوبو» كما تخيلته. كانت جميلة كما لم تكن من قبل، جميلة كفكرتها عن الجمال. مرت أمامها مشاهد متعددة من يومها الصاخب. شعرت أن خطوات ذات رنين معدني تتبعهما، استدارت فلم تجد إلا الفراغ. الرصيف المبتل بماء المطر انعكست عليه اضاءة المصابيح فامتَدَّ برَّاقاً.


() القصة المشار إليها هي «لقاء في دائرة حمراء» التي استلهمها كورتاثر من لوحة بالعنوان نفسه (تعرف أيضاً بدائرة المجانين) للفنان الفنزويلي خاكوبو بورخيس.

الصعود لأعلى







منصورة عز الدين

 حين نزلتِ إلى الشارع في ذلك المساء فوجئتِ بهدوء مريب يغطي كل شيء، كأن أصوات الصراخ والسحل والضرب، التي وصلتكِ قبلها بقليل، كانت تنبع من عالم آخر. كنتِ خائفة، عليكِ الاعتراف بهذا، ورغم هذا طفتِ بالشوارع تبحثين عن مظاهرة ما للالتحاق بها. هنا مكانك، مع هؤلاء الغاضبين وبينهم. عربات الأمن المركزي الكئيبة كانت تسيِّج كل شبر. والهدوء المخاتل، لم ينجح في تبديد الرائحة الكريهة للغازات المسيلة للدموع. رائحة تبدو كأنها مادة صلبة تقف حاجزاً بينك وبين العالم. كان الليل قد ألقى بعباءته الداكنة، المصابيح المضاءة هنا وهناك لم تنجح في إزاحته، لتبدو المدينة كما اعتدتِ أن تصفيها: مدينة شبحية تجاهد كي تبدو على غير حقيقتها.
في لحظتكِ تلك، كان ثمة اختلاف، فهذا الغضب الرائع اللامبالي بالعنف والوحشية وضع البلد بكامله في الضوء.. عرّى التجاعيد، وكشف ذلك السوس الهائل - الذي اعتاد أن ينخر في الجسد العجوز- تمهيداً للقضاء عليه. وقتها، بينما تسيرين في الشوارع تتسولين بعض الأكسجين بعيداً عن الغاز الكريه، بدت النتائج النهائية ضبابية، لكن حدسكِ أسرّ لكِ، بأن ما يجرى وما سيجرى يختلف عن كل ما مر.

في أيام تالية، كان ثمة: صدور عارية تستقبل الرصاص الحي والمطاطي.  عصابات مسلحة تهاجم البيوت. امرأة وحيدة بملابس شعبية، تخطو في الحي الفخم، باكيةً ابنها، العامل البسيط، الذي اخترقت رصاصة حلقه تاركةً إياه في المستشفى غير قادر على الحراك. وصديق للعائلة قتلته رصاصة غادرة قبل أن ينتهي من رسم اللوحة، التي تركها في مرسمه على عجل، من أجل مشاركة رفاقه الغاضبين في رقصة الحياة في الشوارع والميادين.

وأنتِ وسط هذا كله. كنتِ تتحركين كمن سيفقد حياته بعد قليل ويرغب في التهام أقصى ما يستطيعه منها قبل فقدها. غير أنكِ لم تفقدي حياتك، بل على العكس قمتِ باستعادتها. الضابط المتجهم الذي صرخ في وجهكِ وألقى بكِ كي ترتطمي بحافة الرصيف، منحكِ سراً صغيراً، قررتِ لحظتها، ألاّ تبوحي به لأحد: كدمات زرقاء، رحتِ تتخيلينها منطبعة في جسدك، تدربكِ على التعاطي مع الألم، لفترة لا بأس بها. حين بدأ عنفه نحوكِ يتصاعد، قلتِ لنفسكِ: ما معنى كدمات سخيفة أمام الأرواح التي تحصدها آلات القتل البشرية الحاقدة؟ ولمّا شرع في جرّكِ من شعركِ وركلكِ دونما توقف، أخذتِ مغمضة العينين، تستعيدين أفكار حنا أرندت عن عادية الشر، كشذرات بلا رابط يجمعها.
كنتِ كالملقاة في جب عميق، أسفله مغطى برمل يتسرب إلى أنفاسكِ، ويترّسب في رئتيكِ، مسمماً احساسكِ بالوجود. تصحر من نوع جديد كان يزحف بداخلك، وأنت مرمية في ذلك القاع، تصرخين مغمضة العينين. العالم كله يجرى في الداخل، تراه عيناكِ المغمضتان كأنما تراقبان حياتك تنفصل عنك وتتوه منكِ في الزحام. عمياء، ومقيدة بأصفاد قاسية، بدأتِ تتخيلين نفسك تصعدين دَرَجاً وهمياً بعد أن ظللتِ طوال عمرك تراوحين مكانك. ثلاث درجات لأعلى تتبعينها بثلاث درجات لأسفل، هكذا عشتِ حياتك السابقة.
كان إغماض العينين لحظة احتضان الرصيف لكِ، هو سبيلكِ الوحيد لاستدعاء البهجة، لرؤية ما وراء الإهانة والألم والركلات: قوس قزح، لحظات الطفولة الهاربة، أزهار الخوخ، وأريج الياسمين.

للياسمين مكانة خاصة في ذاكرتكِ، أريجه مختلطاً بالفانيليا، وعبير زهر البرتقال، مزيج يعني الحياة. نعم، ثمة أشياء، كانت لا تزال قادرة على استدعاء الحياة وايقاظها بداخلك، وإلاّ كيف أنتبهتِ لدفقة النور الهائلة التي انبثقت أمامك فجأة لتساعدك على صعود الدَرَج إلى أعلى، حيث الحياة كما هي لا كما كنتِ تراقبينها عن بعد.

ا.ل.ح.ي.ا.ة كانت تنتظرك هناك وسط الجموع الهاتفة الغاضبة: أصوات رصاص، نيران تشتعل خلفك وبجوارك، غازات تحرق جلدكِ وتعميكِ عن الرؤية، ويد باطشة تلقيكِ بقسوة فوق الرصيف الصلب. كل هذه الأشياء كانت دليلاً على أنك لا تزالين حية.

أبريل 2011.. تُرجِمت القصة للسويدية والسلوفينية

الصورة بعدسة: راندا شعث

تمارين على الحياة


منصورة عز الدين


لو كانت هذه قصة خرافية، فلن تكون سوى "الجميلة النائمة"، حيث لعنة شريرة تغرق البطلة في سبات لن تخرجها منه إلا قبلة أمير عاشق، تبعث دفء الحياة في أوصالها، وتبعد شبح الموت المتربص بها. لكنّ الحياة ليست قصة خرافية.. هنا والآن، على أرض الواقع، لا ساحرات طيبات، ولا أمير وسيم يجترح المستحيل، وبالأخص لا أميرات ينتظرن المساعدة. رغم هذا ثمة "معجزات" شهدناها تتحقق. فهذا الم
كان المتأرجح دوماً بين الممكن والمستحيل صار يمتهن مفاجأة نفسه والخروج على 
السيناريوهات المعتادة.
استيقظت مصر من غيبوبتها بفضل قبلة الثورة، اُزِيل الحاجز السميك الذي كان يفصلها عن الحياة. من حقها الآن أن تختبر
 التقلبات التي يمر بها غيرها بعيداً عن خرافة "الاستقرار". ثمة جرح هائل وعليه أن يتطهر من صديده بدلاً من أن يندمل عليه. المشكلة أن الصديد يتكثف ويتكاثر محاولاً احتلال المشهد بكامله. فالجني المخيف الذي حبسه نظام مبارك في قمقم على مدى عقود، وجد نفسه مطلق السراح بفضل ثورة لم يشارك في صنعها، ووجد من يتواطأ معه كي يصبح لاعباً أساسياً في لعبة أرادوها خطرة. السلفيون يهدمون الأضرحة ويطالبون بتطبيق حدود الشريعة الإسلامية. الإعلام يعامل عبود الزمر، بمجرد الافراج عنه، معاملة تليق بزعيم سياسي، وهو لا يفوِّت الفرصة ويقترح انشاء مجلس أعلى للتكفير! أما "الإخوان المسلمون" فيواصلون التحرك بانتهازية بحثاً عن السلطة بأي ثمن.
يشعر معظم من أعرفهم ومن أتحدث معهم بالرعب من هذا الهجوم المفاجئ للسلفيين، يتصرفون من موقع المهددين، كأنما ظنوا أنه بمجرد سقوط مبارك وحبس رموز نظامه ستتكفل الساحرة الطيبة بحل جميع المشكلات بعصاها السحرية. لكنهم في الوقت نفسه يختبرون فرحة لم يجربوها من قبل، فرحة أنهم كانوا، ولا يزالون، جزءاً من تغيير حلموا به وشاركوا في صنعه.
مصر، في لحظتها الحالية، منهكة كأنما أفاقت من غيبوبة طويلة، لكنها حرة ومختلفة وراغبة في الحياة. لأول مرة منذ سنوات أجدني أركز في تفاصيلها، أحدق في مياه النيل، وفي تفاصيل البنايات والبشر، كأنني أستعيد الأماكن والأشياء وأعيد امتلاكها، بعد أن اعتدت طوال عشر سنوات أن أمر بها كمن وجد نفسه مأسوراً داخل يوم واحد رتيب لا تتغير تفاصيله ويتكرر بشكل أبدي. أتكلم مع الآخرين فأجدهم يشعرون بمشاعر مشابهة. نتحرك جميعاً الآن في بلد مرتعش من فرط النشوة والترقب والقلق.
نخطو بوجل فوق بقايا دولة رعب، وفوق ما تبقى من سنوات تعذيب وقمع وقهر. أقول لنفسي: "عليكِ ألاّ تغمضي عينيكِ عن رؤية كل هذا واختزانه. عليكِ العمل على فك الشيفرات المخبأة بعناية خلف كل ما يواجهكِ".
الآن، وهنا، أبسط حركة تبدو كأنما تقترح شيئاً أكبر: صوت يعلو بغتة عن المعتاد، انحرافة خطرة لسيارة في الطريق، أو ضجة مفاجئة. هذه الأشياء العادية في أوقات أخرى يتم تلقيها حالياً كمقدمة لعنف ما أو فوضى محتملة، كـ"مؤامرة" يجب الانتباه لها. تأخذ الأشياء والأحداث أبعاداً مغايرة، وتتسع لتُحمّل بمعانٍ ودلالات أبعد. أيام كهذه تجعلك أكثر حساسية، وأكثر اهتماماً بالتفاصيل، تدفعك للاندماج بالواقع رغماً عنك. لحظات تضعك أمام أسئلة الوجود الكبرى، تحفزك على الحفر في قلبك وأعماقك، وتطرد عنك شبح عدمية اخترتها وأقنعت نفسك قبل الآخرين أنك لا تكترث بشيء، لا يهمك شيء، ولا ترغب في شيء. تغدو مرحباً، على غير عادتك، بالتوهان في صخب مربك وفوضوي.
لا أتحدث هنا عن سيناريو الفوضى الذي كان مرغوباً من جانب فلول النظام المنهار، إنما عن درجة من الارتباك التلقائي، والرغبة في اختبار حدود الحرية المتاحة. بعضنا يبدو كمن يجرب حريته للمرة الأولى مبهوراً بغياب جهة تردعه أو تحاكمه، فيصل بها إلى حد أقصى قد يكشف عن أسوأ ما فيه. هكذا يمكن لمشاجرة عائلية بين اشخاص نعرفهم أن تتحول إلى خطر يهدد سكان شارع بأكمله.
كان عليّ قبل أسبوعين أن أتصل بالنجدة. ربما تكون تلك هي المرة الأولى التي أفعل فيها هذا. أرفض الفكرة في البداية، وأحاول اللجوء لأرقام الاستغاثة التابعة للجيش، فلا يرد عليّ أحد. أكرر الاتصال بلا طائل. كان الرصاص ينهمر في الشارع أسفل نافذتي. استيقظت منزعجة بعد منتصف الليل على وقعه المصحوب بضجيج مشاجرة حامية لم أتبين سببها وأنا بين النعاس والصحو. مع استمرار إطلاق النار، وجدت نفسي مضطرة للاتصال برقم النجدة، ترددت لثوان حين وصلني صوت ودود عبر الهاتف. أبلغته بما يحدث وباسم الشارع، فقاطعني بلهجة مهذبة قائلاً إن كثيرين من الشارع نفسه اتصلوا به، وإن الجيش والشرطة هناك بالفعل!
اندهشت من اللهجة بالغة التهذيب، غير أن دهشتي زالت في الصباح حين عرفت أن لا الشرطة ولا الجيش حضرا لانهاء النزاع رغم الاستغاثات العديدة من سكان المنطقة. السيارة المركونة بجوار سيارتي كانت محطمة تماماً وزجاجها المتكسر كان يفترش أرضية الشارع. حارس البناية حكى لي تفاصيل المشاجرة بابتسامة محيرة. خلاف عائلي بين شقيقين حول شقة، تحول إلى معركة هوليوودية مصغرة بسبب تقاعس الشرطة عن دورها وانشغال الجيش بما هو أهم: قمع المتظاهرين، تعذيب المعتقلين، اخضاع المعتقلات لاختبار كشف العذرية، والثناء على آداء الشرطة كلما سنحت الفرصة لهذا!
استعان أحد طرفي النزاع ببلطجية لترويع الطرف الآخر الذي فضّل لغة السلاح عبر اطلاق نار كثيف استمر لمدة لا بأس بها.

مشاجرة مماثلة في حي آخر راح ضحيتها أربعة قتلى. قبلها بأيام وبينما أقترب من ميدان الدقي، كان ثمة إطلاق نار كثيف في الهواء وتزاحم بشري أعاق سير المرور في الشارع المختنق مرورياً بطبيعته. قوات جيش منتشرة بكامل عدتها، عدد كبير من العسكر يلوحون ببنادقهم بعد ساعة من الاعلان عن قانون منع التظاهر، وجزء لا يستهان به من المتفرجين في الشارع يتابعونهم بإعجاب. "الجيش بياخد حد" هتف سائق تاكسي شاب بابتهاج لا يتناسب مع درامية الموقف. غادرت المكان مسرعة ما أن فتحت إشارة المرور كأنني أهرب من مسرح جريمة. كنت مشغولة بسر هذا الإعجاب الذي تكنه شرائح عريضة من المجتمع للجيش، كأنما وجدت فيه أباً بديلاً. ابتهاج سائق التاكسي ليس حالة نادرة. الأهالي في حي بولاق أبو العلا القريب من الجريدة حيث أعمل، رسموا بمجرد سقوط مبارك، علم مصر في كل مكان، يجاوره وبالحجم نفسه شعار الجيش. قاموا بهذا من تلقاء أنفسهم تعبيراً عن فخرهم بقواتهم المسلحة. كثيرون يعيشون في حالة إنكار رافضين أن يناقشوا أي سلبيات في آداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة. صارحتني صديقة بأن هذا خط أحمر بالنسبة لها، وأنها لم تسمح حتى لنفسها بمجرد التفكير في احتمالية أن تباطؤ الجيش في تنفيذ مطالب الثورة كان تواطؤاً. مع توالي الأخبار عن تعذيبه للمعتقلين وتحويله المتحف المصري إلى ما يشبه السجن، صارت تتمنى أن يكون كل ما يحدث "مجرد أخطاء فردية"، وحين صدرت القرارات بحبس مبارك ونجليه ومعظم رموز نظامه على ذمة التحقيقات معهم كانت في قمة سعادتها. "أرأيتِ.. أرأيتِ؟" أخذت تقول لي! كانت تكرر جملتها كأن التكرار سيمحو أي أثر لشكوكها السابقة.
في خضم هذا كله، يكتب لي فيتو من سياتل متفهماً احتمالية ألاّ أرد عليه بينما تضمر كلماته أني أعيش في قلب جحيم إكزوتيكي، ويقترح ماتاييس من برلين أن نشترك سوياً في إنجاز فيلم عن الثورة، أما مينيه فتسأل من اسطنبول عن كنه ما حدث متمنية أن أكون بخير قبل أن تواصل حياتها التي أتابع شذرات منها بين وقت وآخر عبر الفيس بوك.
وحدها بياترس لا تكف عن عقد المقارنات بين مصر وبين وطنها (المكسيك) مطالبةً أن أمدها بمزيد من المعلومات عن بلدي مقابل ما تكتبه لي عن الاوضاع في بلدها، كأننا معاً في مجموعة علاجية مخصصة للشعوب التي عانت من أنظمة قمعية، غير أني لا أرغب سوى في أن أُترَك وحدي للتدرب على إيقاعات حياتي الجديدة. إنها تمارين على الأمل الموجع.. أو بالأدق تمارين على الحياة بعد أن عشت لسنوات، مثل كثير من المصريين، كالمسرنمة.
(ملحق نوافذ.. جريدة المستقبل.. 24 أبريل 2011)..