Showing posts with label متاهة مريم، منصورة عز الدين. Show all posts
Showing posts with label متاهة مريم، منصورة عز الدين. Show all posts

Wednesday, March 12, 2014

فصل من متاهة مريم





 منصورة عز الدين

تسير مريم في شوارع المدينة كالمنومة، لا تدري هل هي في عالم حقيقي أم لا؟ كل الأشياء صارت بعيدة عنها؛ موغلة في تنائيها لدرجة مرعبة. الأشخاص الذين كانوا جزءاً من حياتها تحولوا إلى مجرد أشباح تزورها من آن لأخر ثم تغادرها فجأة تاركة إياها لدوامات الحيرة والجنون دون أدنى شفقة.

تسير مريم بلا وعي تقريبا. تضم ملابسها على جسدها بقوة. تتكئ على الأرصفة بقدميها. تجبر نفسها على كلمات بلا معنى لمجرد إقناع نفسها أنها لا تزال موجودة، لا تزال في هذا العالم الذي دأب على لفظها خارجه منذ لحظتها الأولى فيه.
كانت طفلة مريضة، أقرب للموت منها للحياة، تطرد معدتها كل ما يدخلها سواء عن طريق القيء أو الإسهال الدائمين. فتضطر نرجس إلى إعطائها جرعات هائلة من الجلوكوز، كي لا تتسرب الحياة من بين خلاياها. بدأت مريم مؤخراً تستعيد مذاق ذلك السائل في فمها، تشعر به في أي مشروب تتجرعه؛ أي طعام تزدرده، كأنها لم تتذوق سواه طوال حياة تحولت إلى شذرات لا تستقيم إلى جوار بعضها البعض، ولم يتبق منها سوى هذا الطعم اللاذع.

اختارت العيش وحيدة بعيداً عن كل من تعرفهم، لكن هل هي من اختار ذلك بالفعل؟! هل يمكن لأسرة كأسرتها أن تترك ابنتها تعيش بمفردها دون مجرد سؤال عنها أو حتى زيارة لها؟ أين هذه الأسرة إذن؟ ولماذا لم تجد ما يدل عليها حينما زارت البلدة التي من المفترض أن تكون بلدتها؟ لم يعرفها أحد هناك. ولم تعرف هي أحداً كانت تخطو كشبح.. خفيفة.. أثيرية.. محمولة بفعل هواء خفيف يهدهد المكان. بحثت في كل شبر من القرية عن النمر، عن نرجس وكوثر وصالح، عن بقايا يوسف وصوفيا بلا طائل. سرايا التاجي نفسها لم يكن لها وجود. المقابر التي تعرفها جيداً والتي ظنّت حتى آخر لحظة أنها ابتلعت من أحبتهم لم تكن هي ذاتها. كان كل شىء مخالفاً لفكرتها السابقة عنه إلى درجة مروعة.

أحست مريم أنها في مواجهة مع العدم.. آدم جديد نزل إلى البحر الهائج للوجود. جلست في ممر بين صفين من المقابر المتقابلة واستندت بظهرها إلى أحد القبور.. أشعلت سيجارتها بيد مرتعشة وبدأت تدخن علّها تهدأ قليلاً.

رائحتا النعناع والريحان ذكرتاها بصوفيا فابتسمت رغماً عنها وهي تتخيلها مستمرة في تجولها الأبدي حاملةً معها أوراقها القذرة وأعواد النعناع والريحان متبوعة بالدوي القوي لخطوتها والرائحة الثقيلة لسائل الصبار اللزج الذي يلوث يديها وملابسها. أين هي الآن؟! هل ترقد في هوة مظلمة أم وجدت هناك مقابر أخرى يغلبها النعاس أمامها وطرقات عامرة بالأوراق القذرة تلتقطها دون تأنيب من أحد؟ هناك حيث لا شيء ولا أحد سيناسبها حتماً.

باتت مريم موقنة أن كل ما ترتكن إليه باطل، لكنّها لم تعد تعرف: من هؤلاء الذين يطاردونها أينما حلّت مطالبين إياها أن تعود للانضمام إليهم.. أن تعترف بهم. تمنت أن تكون في كابوس طويل ينتهي باستيقاظها في فراش دافئ متثائبة تقص لذويها التفاصيل المربكة التي حلمت بها.

مر يحيى بخاطرها فرجته ألا يتركها وحدها في عراء الأسئلة، وأن يعود كي تأتنس به، إلا أنها كانت مدركة أنه يقف معهم ضدها. كان مصيره مرتبطاً بمصيرهم. فوجودهم يعنى وجوده، وتلاشيهم يعنى أنه أيضاً لم يكن هناك في أي وقت من الأوقات. انتفضت قائمة، نفضت التراب عن ملابسها وعدلت شعرها بيدها. وسارت ببطء خارجة من المكان.

*      *      *

الأشياء والذكريات التي تبتعد موغلة في اختفائها لا تبتعد بالفعل، لكنها تتوغل فينا تمتصها دمانا، وتمتزج بكل ذراتنا لدرجة تنجح معها في خداعنا.. تجعلنا نظن أن الذاكرة قد محتها تماماً إلى أن نفاجأ بانبثاقها فجأة كشذرات متفرقة تصنع حالة كلية بلا تفاصيل واضحة.. حالة تدفعنا إلى الحزن أو الحنين أو النشوة التي لا نصل أبداً إلى منبعها.

هكذا يمكن لرائحة النعناع والريحان أن تستدعي صوفيا بشحمها ولحمها، ويمكن لسحابة من الدخان أن تُذكِّر بيوسف، وعلى الفور تختزل تكشيرة محفورة على ملامح الوجه كل تفاصيل نرجس، وتستحضر سرادقات العزاء روح صالح المسالمة.

لكن ما الذي يمكن أن تخلِّفه مريم وراءها بعد أن تفنى؟ ما الذي سيتبقى منها في وعي اثنين أو ثلاثة على الأكثر؟

تتحرك مريم في مدينة من الورق المقوى.. مجرد مبانٍ وشوارع من الكرتون في انتظار بعض الهواء المشاكس كي يزيحها من الوجود كاشفاً عن الخراب الذي استولى على جوهرها.
سوس هائل ينخر في كل شيء.. سوس مراوغ ينخر ببطء شديد حتى لا يلحظه أحد لكنه يعمل بهمة مخترقاً قلب الأشياء.

المدينة تلفها ظلمة خفيفة، تتجول فيها مريم دون أن تعي أياً مما يدور حولها.. عقلها يتحرك بشطط إلا أنه يعجز عن الفهم. في تلك اللحظة لم تكن مشغولة فقط باختفاء يحيى ولا بما حدث لرضوى.. كانت تبحث عمّا هو أعمق.. عمّن دفع الجميع إلى دوامة الجنون؟ هل جُنّت صوفيا فتبعتها كل الأشياء؟ أم أن الجنون هو الأصل وما عداه محض أوهام؟

أخذها يحيى عنوة إلى عالمه. سلخها عن كل ما كانت تمت إليه، وأراد الاستيلاء على روحها.. جرها جراً إلى كل ما ظنته جرائم كبرى. معه لم تتوقف لحظة للتدقيق فيما يحدث.. لم تنتبه إلى أي من العوامل المحيطة، لذا عندما تسترجع علاقتهما معاً تشعر أنهما كانا يتحركان في فراغ قاتل. في اليوم الأول بمنزله أخذت تتحرك كالمنومة. تمس الأشياء مساً خفيفاً. تدور من المطبخ إلى الصالون إلى حجرة مكتبه، وتدق على الأثاث، وهو يرمقها متعجباً.
لكن الإحساس الذي سيطر عليها، وحاولت قهره باستماتة هو أن رائحة الموت تسكن يحيى.. تنبعث منه وتحيط به، وتصنع حوله هالة غامضة. كانت تتنفس الموت في حياتها معه بطريقة لم تفهمها أبداً.

ذكريات غائمة وغير مترابطة ولا متسقة هي كل ما يربطها به الآن. أحياناً تندفع إلى ذهنها تفاصيل كثيرة تكوِّن مشاهد واضحة وكاملة، لكنها لا تستطيع أبداً معرفة ما إذا كانت هذه المشاهد والأحداث قد وقعت فعلاً أم لا؟ تغمر ابتسامته الطفولية ونظرته الماكرة ذاكرتها إلا أنها تعود للتساؤل: لو كان هذا الشخص موجوداً فأين ذهب؟

بالأمس وهي تنكش في الأوراق الكثيرة في صندوق صوفيا الخشبي بشقة عابدين وجدت وثيقة زواج تخص مريم يوسف التاجي ويحيى الجندى، كانت الصورة بالوثيقة لنفس الملامح التي يرتديها وجهها الآن: لون خمرى وشعر أسود فاحم يغطى الكتفين وعينان سوداوان.

كانت بعيدة تماماً عن مريم كما تعرفها بشعرها البني الطويل وأنفها الدقيق ونظرتها العسلية التائهة الموروثة عن صوفيا. أما يحيى فكانت صورته مطابقة لذكرياتها، إلا أن ما استوقفها هو وجود وثيقة زواج من الأساس.. هي واثقة، أو كانت كذلك، أنها لم تتزوج يحيى، لم تكن هناك وثيقة ما.
في بدايات علاقتها به حلمت أنها تنام عارية في أحضانه، كان عارياً بدوره وبينما يحتضنها بقوة انفتح الباب، ودخل منه يوسف ونرجس وكوثر وصالح وزينب وأطفال غرباء ينادون باسمها، فصرخت "يا فضيحتي.. يا فضيحتي" وأخذت تكرر الكلمة بطريقة ميلودرامية بائسة، وهي تحاول ستر جسدها.

تشعر مريم أن هذا الحلم ظل يحكم علاقتها بيحيى ويدل عليها في آن. وهي معه، كان ثمة من يراقبها ويسخر من محاولاتها اليائسة للاندماج بالحياة. هل كان صحفياً في تلك الجريدة بالفعل؟ لماذا لم تجد له أثراً بها؟ كيف التقت به؟ وكيف توطدت معرفتهما؟ لا تعرف مريم إجابة لهذه التساؤلات، وعليها أن تتكيف مع حالة التيه التي تعيشها، وأن تستند إلى أبسط الأشياء التي تتيقن منها.

بيت يحيى لم يكن متسعاً.. كانت مساحته محكمة، ولا شئ فيه متروكاً للخيال.. لم يكن به فراغات كثيرة.. حرص يحيى على ملء كل المساحة بالأثاث، كأن هذه القطع من الأثاث بمثابة الأوتاد التي سوف تثبت المكان، وتمنعه من التطاير والتبدد في الهواء.. الحوائط بدورها كانت مغمورة باللوحات والصور.

يُهيأ لمريم أحيانا أن ثمة طفلاً صغيراً كان يشاركهما حياتهما معاً لكنها لا تتذكر أي شيء يخص ذلك الطفل فيما عدا شعره الأشقر وعينيه العسليتين.. هل كان ابنها؟ هي لم تمر بتجربة حمل أو ولادة، وإلا كانت انحفرت في أعماقها.. ثم إن جسدها لا يحمل أياً من آثار هذه التجربة.

من هذا الطفل إذن؟ هل ينتمى إلى يحيى وحده؟ ينتاب مريم منذ أن تبدلت حياتها هكذا فجأة وأصبحت في عراء الأسئلة إحساس أن حل اللغز الذي تعيشه موجود في يد يحيى بالدرجة الأولى ورضوى بالدرجة الثانية، ويقتلها تبخرهما المفاجئ.
حاولت الوصول إلى بيت يحيى أكثر من مرة، لكن ذلك لم يقدها لشيء.. معلوماتها تقول إنه كان يسكن في شارع معين بالمنيل.. غير أنها حين اتجهت لهذا الشارع وللبناية التي من المفترض أن شقته بها، فوجئت أنها أمام بناية أخرى لم تعرفها قبلاً، ولم يسبق لها حتى أن مرت أمامها.

غالبت انزعاجها وسألت حارس البناية عن شقة يحيى، فنظر إليها الرجل بازدراء كأنها ارتكبت إثماً. ولعن الفتيات المتنطعات، فابتعدت تجر خطواتها بصعوبة، وهي على وشك أن تفقد وعيها.

أضحت الشوارع بالنسبة لها كائنات خبيثة تتآمر عليها مسلمة إياها للعبة التكرار المرعبة.. أصبحت متشابهة تماماً كأنها متاهات هائلة تمت حياكتها بيد مدربة كي تتوه فيها مريم التي صارت تخشى السير في دروب هذه المدينة الشبحية ذات الإضاءة الشحيحة التي لا تفلح معها كل أعمدة الإنارة.

في السابق اعتادت مريم أن تحفظ طرقات المدينة عن ظهر قلب.. أحبت التسكع فيها، ونظرت بحنو إلى الغبار المتراكم على بناياتها وأشجارها والعوادم التي تنسج أرديتها في هوائها.. كانت حتى تعرف أماكن تواجد متسولين بعينهم. الآن هي أمام مدينة أخرى جهنمية تحاول لفظها خارج الوجود.. لا تعرف أحداً من سكانها، كأنهم اُستبدلوا جميعاً بكائنات أخرى تستميت في محاكاتهم كى لا تنكشف اللعبة ويظل الجميع كل في تيهه الخاص. وإلا لماذا لم تعد مريم تعرف أياً من أماكنها المفضلة سابقاً؟ لماذا اختفى كل من عرفتهم وتركوها في هذا الفراغ؟

"المرأة الورطة" هو اللقب الذي أطلقه عليها يحيى فلماذا تبادلا الأدوار ليتحول هو إلى إنسان زئبقي يتسرب من بين أصابعها؟ كان يصر على أنها ستقضي عليه لا محالة، لكنها لا تتذكر الآن هل كان جاداً في اعتقاده هذا أم كان يمزح؟

هي بدورها شعرت معه أنه يُقرِّبها من الموت، يُشعرها أنه حميمي أليف ويمكن التعايش معه. كثيراً ما لامت نفسها لشعورها هذا تجاهه، لكن الأمر كان خارجاً عن إرادتها فرائحة الموت التي لا يخطئها أنف مريم كانت تنبعث من جسده رغم حيويته البادية وإقباله على الحياة.

على العكس من يوسف كان يحيى محباً للحياة مواجهاً لها، وحاول بكليته دفع مريم إلى المسلك نفسه. كان يعلم أنها آتية من عائلة من الموتى الذين أصبحوا مجرد ذكريات ضبابية لا تنبئ عن أشخاص كانوا خلفها، لقد تحولوا إلى استعارات: رائحة نعناع وريحان، وسرادق عزاء، وتكشيرة محفورة على الوجه، وسحابة من دخان السجائر المدعمة بالحشيش.

أرادت مريم أن تفلسف الموت فوقعت في فخاخه المنصوبة بمهارة. أقنعت نفسها أنه يسكن يحيى ولم تتوقف قط للتساؤل عما إذا كان يسكنه هو أم هي؟عينا يحيى الطفوليتان قربتاها من مصيرها المحتوم. عشرون عاماً فارق العمر بينهما كانت كافية لنسج حواديت شائقة تستمع إليها مريم وهي ترتعش من الانفعال مبعدة عن فكرها أن يحيى ما هو إلا مرادف للموت المعشش على حياتها.


الآن أصبحت مريم تكثر من السير في شوارع وسط البلد الأخطبوطية.. تتلكأ طويلاً أمام أماكنها معه، تنظر إلى وجوه الرواد عبر الزجاج الخارجى فتكاد لا تعرف أياً منهم رغم أنها لم تكن تفارق تلك الأماكن. تظل في سيرها بلا نهاية لكن الرعب يتملكها حين تتوغل في شارع قصر النيل ليلاً، ابتداء من تقاطعه مع شارع شريف، تشعر مريم أن كل فزعها من المدينة الجديدة  له ما يبرره لأن هذا الجزء من قصر النيل يصبح كأنه خارج لتوه من روايات الرعب بالإعتام الذي يميزه وبناياته القديمة الماثلة كحيوانات أسطورية مخيفة وبخلوه من المارة. 

Monday, February 17, 2014

متاهة مريم.. استبطان أحلام اليقظة


نضال حمارنة
متاهة مريم الرواية الأولى للقاصة منصورة عز الدين. من الصفحة الأولى نجد أنفسنا تحت سطوة الرواية، نمضي مع عينها السحرية لنستبطن شخوصها المتحركة على الورق، شخصيات في طياتها شخصيات أخرى تحرّكها وتسيّرها على طريق محتوم كأنه قدر لا مفر منه. 
عبر سرد يعتمد على التداعي المحكوم بتقنية التكثيف والاختزال دون أن ينفي قدرته­ أي التداعي­ على توصيف الحالات وتشابكها مع الأحداث المتقاربة أو المتباعدة زمانياً ومكانياً من حيث علاقتها بالبطلة... ‏
(مريم المعاصرة) التي تعيش وتعايش متاهتها إن في سرايا عائلة التاجي أو في شوارع بلدتها وحدائقها أو في العاصمة.. وكيف تستحضر كل هؤلاء الشخوص من عمر الطفولة إلى أيامها الحاضرة.. أو كيف تلاحقها تلك الشخوص. لكل شخصية ثنائيتها وخيالاتها وأحلام يقظتها. هذا ما أقنعتنا به الرواية وأمتعتنا به على حد سواء. رواية مكتوبة بجهد واقتدار، بلغة رشيقة لا تعتمد على الحوار بين الأطراف؛ ربما لأنها تريد أن تقول لنا: أن هناك قطيعة ما رغم بحث كل طرف من الأطراف عن انتمائه الخاص ضمن المكان الواحد الذي يعيش فيه الجميع ولعله يشبه (الوطن). ‏
مريم تحمل ثنائيتها الخاصة بها أو قرينتها المتعايشة معها، تلك القرينة التي لا تشبه البشر (لأنها بلا مشاعر تقريباً لا تعرف الحب أو الكراهية وهذا هو جحيمها الخاص.. كان عليها أن تستغل الرغبة الوحيدة التي استطاعت تنميتها، وهي الرغبة في الخلاص، كي تخرج نهائياً من ذلك المأزق وتلك المتاهة.. لم يكن لمريم أو لغيرها يد في مأساتها لكن مصائرهما المتعارضة والمتحدة في آن هي ما يحتم الصراع) (ص110­ 111)
مريم تبحث لنفسها عن انتماء ما.. من خلال الشخوص من حولها ومن خلال الأمكنة.. وهي جنين كانت عبئاً على جسد نرجس­ أمها­ ومن بعد تحولت إلى عبء معنوي خوف الأم من وجودها في حياتها ومن فقدانها. ‏
مريم بمعنى ما لا تنتمي لأحد؛ فالأب هو يوسف فقط صاحب الصيدلية الذي تجلس عنده ويأخذها معه إلى قذارة غريزته أو إلى عشيقته.. والأم هي نرجس.. والجدة هي صوفيا.. حتى يحيى الرجل الذي تحبه تربطه بمخيلتها بصديقتها رضوى.. (كان يحيى محباً للحياة مواجهاً لها وحاول دفع مريم إلى المسلك نفسه، كان يعلم أنها آتية من عائلة من الموتى) (ص75). ‏
إحساس مريم المتواتر بالوحدة، بالاغتراب الروحي، بالانفصام بين ما يجب عليها أن تكون بنظر الجميع وما ترغب أن تفهمه لتكون ما تريد أن تكون. من أول يوم في حياتها انقطع حبل الانتماء المعنوي بعائلتها وأفراد عائلتها أنفسهم، يمارسون القطيعة مع بعضهم البعض، لكنها كلما ابتعدت عنهم.. عائلتها، أقاربها، ومعارفها تشعر أنهم يلاحقونها (لم تعد تعرف: من هؤلاء الذين يطاردونها أينما حلت مطالبين إياها أن تعود للانضمام إليهم أن تعترف بهم) (ص67). ‏
حتى الأمكنة بداية من سرايا التاجي في بلدتها إلى الأماكن الحميمة الى نفسها في العاصمة ­شقة يوسف­ أو بيت المغتربات، مقاهي وسط البلد إلى شقة يحيى.. الخ، كلها تختلط عليها، تارة توجد فيها وتارة أخرى تفتش عنها فلا تجدها.. أو تجد سكانها. ‏
(أضحت الشوارع بالنسبة لها كائنات خبيثة تتآمر عليها، مسلمة إياها للعبة التكرار المرعبة) ص73. ‏
(هكذا تورطت مريم مع هذه المدينة، بالغت في محاولة الانتماء إليها.. توغلت في الإلمام بكل ما يخصها، حفظت تاريخها عن ظهر قلب، ارتبطت بمقاهيها وحاناتها وبأحجار مبانيها.. لذا كانت خيبتها مفزعة حين تنكرت لها المدينة و أقصتها عنها) ص118. ‏
عالم الرواية وتقنيات كتابتها ليست مجرد فانتازيا لآلام فتاة قادمة من الأقاليم إلى العاصمة وليست ميتافيزيقا ما وراء الواقع أو هلوسات هستيرية.. إنه الواقع المتخيل لحيوات بشر، عبّرت عنه منصورة عز الدين بقلمها وكأنها تعيد اصطفاء أحلام اليقظة وهواجس المعاش، تعرضه كشريط يتابع بشفافية حركة الشخصيات ويرصد الدواخل الجوانية (المسكوت عنها) كلٌ حسب زمانها وانتمائها الاجتماعي وتناوب أزماتها. من الصفحات الأولى عندما شعرت أن قرينتها قتلتها ثم سقطت بجوارها قتيلة هي الأخرى. ‏
وصحت بعدها لتجد نفسها مازالت على قيد الحياة.. إلى آخر صفحات الرواية ظلت تغرق في متاهة محكمة الصنع يصعب الفرار منها.. أما قرينتها فهي (تعرف أن أحداً لن يصدقها وإن محاولاتها لإثبات هويتها ستكون مجرد ألعاب في الفراغ، ربما لأن مريم سبقتها في الوجود الجسدي بهذا العالم، وربما لأنهما وجدتا نفسيهما في تلك المتاهة معاً دون أدنى قدر من اليقين.. أن تطرد الأخرى من هذا الحيز الضيق الذي يكاد الجميع أن يختنقوا فيه ومع هذا يستميتون في المحافظة عليه) ص107. ‏
مريم نفسها في متاهتها حين تفتش عن شخص ما أو مكان ما يلاحقها شبح آخر ومكان آخر، حتى الزمن اختلط عليها وكأنها تسأل: إلى أي زمن تنتمي أو تحيا؟! إلى أي مكان؟! ‏
هي مكشوفة وواضحة للجميع (كل ما يحيط بها زجاج شفاف لا يخفي ما وراءه..) ص95­ لكنها مجهولة وغير معروفة الانتماء لنفسها، مازالت تبحث عن هويتها.. ‏
في النهاية (أصبحت قريبة هكذا من الوصول إلى مفاتيح المتاهة التي وجدت نفسها فيها رغماً عنها) ص124­ ودخلت السرايا التي تعرفها جيداً، وجدت أفراد أسرتها جميعاً في أماكنهم المعتادة، الأموات منهم والأحياء لم يحس بها أحد ولم يرها أحد.. فسقطت مريم مغشياً عليها.. وعندما أفاقت وجدت نفسها في أرض مزروعة بالقرب من نهر النيل وبجوارها بناء طيني فلا حي، بابه من الخشب المتهالك (أبصرت كفاً مطبوعة فوقه بالدم، وضعت كفها عليها فتطابقت معها) ص127­ وهناك في الداخل بدأ يتسلل شعاع ضوء ضئيل.. هنا تنتهي متاهتها أو يكمن مفتاح خلاصها.. ربما. ‏


متاهة مريم.. عالم مشبَّع بدمويته وجنونه


نائل الطوخي

تبدأ القاصة المصرية منصورة عز الدين روايتها الأولى "متاهة مريم" بالحديث عن قرينة لمريم تقتلها في الحلم, ثم تموت القرينة, لدى دخولهما سوياً مكاناً غامضاً ترى فيه مريم أطيافاً غريبة لكل من رأتهم في حياتها.. هكذا يبدأ الفصل الأول من الرواية والذي صدرته الكاتبة بفقرة أسطورية عن تاريخ بناء سراي التاجي, تلك السراي التي نشأت فيها مريم والتي امتصت كل جنونها ودمويتها في خلاياها..
لم يكن موت مريم في بداية الرواية مجازاً بحال, يبدو موت مريم هو التيمة الأساسية للرواية, فبالرغم من تحرك مريم وحديثها وتفكيرها إلا أن ثم شيئاً ما تغير فيها.. منذ بداية الرواية تتطلع مريم للمرآة وتصاب بالذهول "لم يكن وجهها كما تعرفه.. شيء ما تبدل فيه. حل به او اختفى منه.. لا يهم إنما لم يعد يخصها".. تسأل مريم عن يحيي الجندي في الجريدة التي يعمل بها فتكتشف أنه ليس ثم من أحد اسمه يحيي الجندي في هذه الجريدة.. تفتح صفحات الجريدة لتفاجئ بأن هذا الاسم غير موجود بها على اي من صفحاتها.. إذن من كان الرجل الذي تحبه والذي أقامت علاقة معه.. ولأول مرة تسأل نفسها "هل يمكن لأسرة كأسرتها ان تترك ابنتها تعيش بمفردها دون مجرد سؤال عنها او حتى زيارة لها؟ اين هذه الاسرة اذن؟ ولماذا لم تجد ما يدل عليها حينما زارت البلدة التي من المفترض ان تكون بلدتها؟" هذه اسئلة لم تخطر ببال مريم من قبل.. هي الآن تكتشف زيف كل ما كانت تحياه من قبل.. بالمعنى الحقيقي لا المجازي.. يحيى الجندي غير موجود.. أسرتها غير موجودة "سراي التاجي نفسها لم يكن لها وجود".. "أنا لا أحد" قالتها مريم" .. أي أن مريم نفسها غير موجودة ..هي تشعر انها تلاشت.. وبدلاً من وجودها السابق تبدأ كل شخوص عائلة التاجي تشاركها جسدها.. تحضر المقابلة أولاً بين صوفيا جدتها وبينها.. صوفيا ماتت بعد رحلة جنون طويلة وبدأ شبحها منذ ذلك الحين يجول في القصر.. وشبح صوفيا يعاني من الصمم بالضبط مثلما كانت صاحبته تعاني من الصمم.. هنا تقابل صوفيا التي هي روح خالصة دونما جسد خاص بها جسد مريم الخالص والذي تسكنه أرواح عديدة ما عدا روحه الخاصة.. تبدو صوفيا هي المقابل الحقيقي لمريم من بين كل من عرفتهم مريم الموصومون بالجنون وبالموت.. (يحيي الجندي يبدو مسكوناً بالموت.. صالح الخادم المغرم بالجنازات.. زينب الجدة التي ظلت لأيام تحرس جثة زوجها خوفاً عليها من التمثيل بها.. نرجس الأم التي تحتضن جثة زوجها وتشعر لأول مرة أنها امتلكته دونما شريك.. على العموم يبدو طقس مضاجعة الموتى حاضراً في الرواية بشدة) بالإضافة إلى هذا فأفراد عائلة التاجي يموتون ويتركون وراءها أثاراً تراود مريم كل الوقت.. "هكذا يمكن لرائحة النعناع والريحان ان تستدعي صوفيا بشحمها ولحمها, ويمكن لسحابة من الدخان ان تذكر بيوسف وعلى الفور تختزل تكشيرة محفورة على الوجه كل تفاصيل نرجس, وتستحضر سرادقات العزاء روح صالح المسالمة" أي أن أفراد العائلة لا يموتون بالرغم من كون الموت هو هاجسهم الأصلي.. إنهم يرحلون غير أنهم يتركون وراءهم أثرا ما.. بالضبط كصوفيا التي رحلت ولكنها تركت وراءها شبحها.. وتتحول هذه الأثار لتصبح جزءاً من مريم.. والتي تخلت منذ بداية الرواية عن روحها عندما قالت أنا لا أحد.. "الأشخاص الذين كانوا جزءاً من عالمها تحولوا إلى اشباح تزورها من حين لآخر".. هذه الأشباح ليس فقط أنها تحل في جسد مريم.. وإنما تطاردها أيضاً على الدوام.. تطالبها بأن تنضم إليهم.. تتآمر عليها.. وتثير رعبا دائما في نفسها.. هنا بالتحديد لا يضحي الأمر خاصاً بعائلة مريم والتي هي عائلة التاجي وإنما يصبح الأمر متعلقاً بكل من عرفتهم مريم.. بمن فيهم يحيي الجندي ورضوى وإديث وفتاة المترو..
في مرحلة ما من حياة مريم تفقد ذاكرتها السابقة. تنسى كل ما تعلمته عن الرياضة والمعادلات الكيميائية ليتفهم عقلها فقط الفلسفة والمقارنات بين نيتشة وهيجل وماركس, وهذا ناتج عن طبيعة دراستها التي تحولت من القسم العلمي إلى كلية الأداب.. وهنا تلوح صوفيا لمريم.. تلك العجوز المجنونة التي أخذت في أيامها الأخيرة تجمع قصاصات الورق من الشوارع ومن اكوام القمامة.. وتتساءل مريم: هل كانت هذه الأوراق "هي ذاكرة وعقل بديلين لذاكرتها وعقلها [ذاكرة وعقل صوفيا] اللذين نخرهما السوس".. هنا ترتعب مريم من أن يكون لها مصير صوفيا جدتها التي تخلت عن ذاكرتها الأولى ومضت تقيم أو تجمع ذاكرة جديدة تماما.. ألا يبدو الأمر مشابها لواحدة تخلت عن نفسها في أول الرواية ومضت تجمع في جسدها قصاصات نفوس من كل من عرفتهم على مدار حياتها؟
هنا نصل إلى واحد من أهم فصول الرواية.. فصل كامل مروي من وجهة نظر الأخرى التي غادرت جسد مريم.. هذه القرينة التي بدأت الرواية بها وبقتلها لمريم تسمعنا صوتها.. تحدثنا عن حلولها في جسد مريم ثم عن مغادرتها إياه.. تحدثنا عن حقدها على مريم .. عن رغبتها في إضعافها كل تلك السنوات أو خلخلة ثقتها بالعالم الذي تتحرك فيه.. ثم صراع كان يدور بين مريم و بين تلك التي غادرتها.. فهما الاثنتان وجدتا نفسيهما في متاهة لا فكاك منها "و على من تقدم منهما أدلة كافية على عدالة موقفها وصحته أن تطرد الأخرى من هذا الحيز الضيق". تنظر القرينة (والتي أطلقت عليها الكاتبة لقب الأخرى) في المرآة فلا تجد نفسها. وترى من الشرفة امرأة حولاء تحتضن رجلاً يشبه التاجي.. هل هذه المرأة الحولاء هي صورة حالية لزينب الجدة والتي احتضنت فيما قبل جثة التاجي خوفاً عليها من الثأر منها والتمثيل بها.. هذا ليس مستبعدا.. خاصة أن مريم نفسها فيما بعد و في المشهد الختامي سوف ترى أباها الذي مات و هو يحتضن فتاة صغيرة هي مريم الطفلة نفسها .. في هذا العالم يتحول الزمان إلى متاهة ولكنه بخلاف المتاهة التقليدية.. هو متاهة بفضل كون كل طرقه مفتوحة على بعضها بشكل مطلق.. في المتاهة التقليدية تنغلق الطرق أمام بعضها البعض غير أنه تكون ثم مساحة للتواصل بين الطرق, أي انها طرق مغلقة إلا قليلاً, تسهم هذه الفرج بمخاتلة التائه, بتذكيره بأنه قد يصل يوماً, كيما يتحقق الهدف النهائي: التائه لايصل وفي ذات الوقت لا يتوقف عن السعي نحو الوصول, أما هنا فالطرق كلها مفتوحة تماماً, التقمص بين الشخصيات يتم بحرية شديدة.. كل الأرواح تحل في كل الأجساد.. كل الأزمنة تتداخل.. متاهة عصرية تناسب عالماً يعاني من الجهل بسبب تدفق المعلومات ولا محدويتها تحديداً.. هنا تبدو الكتابة نقيضاً لتيمة العزلة و التي اعتمدها مسرح العبث, لا عزلة هنا وإنما تدفق وسيولة لا متناهية, غير أن هذا بالتحديد ما يجعل من العالم كابوسياً.. تتلاشى هنا الحدود لا لتحقيق حلم رومانسي بعالم أكثر حرية وانفتاحاً وإنما لخلق عالم آخر أكثر بشاعة من الأول.
في فصل كامل تسرد الكاتبة عذاب (الأخرى) القرينة.. تسردها من وجهة نظر متعاطفة.. هذه الأخرى التي تمنت دوماً ملامح مريم والتي كرهتها والتي تشكو كونها تعرف كل مشاعر أهل القصر و لكنها لا تملكها.. هي المشاهدة من بعيد.. لا تعيش و إنما تشاهد.. بعد هذا الفصل نعود إلى مريم.. لا تحرص الكاتبة على وصف داخل مريم بهذا الشكل وإن فعلت فبحيادية و لامبالاة.. هي تحرص فقط على تأكيد المتاهة الوجودية التي تخضع لها مريم.. على كون كل الأشخاص الذين عرفتهم يتسيدون على تفكيرها ويتشابهون فيما بينهم وكلهم يتقدمون تجاهها محملين بنظرات شريرة.. تنقذها فتاة واحدة تشاهدها في المترو من الجنون المطبق.. تعيد لها ثقتها في ذاكرتها.. تذكرها بأن ثم أشخاصاً يمكن لها أن تذكر ملامحهم.. تذكرها الفتاة بإديث صديقة طفولتها.. وتبدأ هدنة كرفة العين تريح مريم من الأزمة الوجودية التي تعصف بها قبل أن تندلع الأزمة بأبشع صورها..
قبل نهاية الرواية تقول صاحبة بيت المغتربات لمريم بأن رضوى صديقتها وزميلتها, والتي غادرت البيت منذ أسبوع كما تؤكد لنا مريم نفسها, قد سافرت منذ ثلاث سنوات لتلحق بأبيها.. هل المرأة تكذب أم أن مريم فقدت ذاكرتها؟  كلا الاحتمالين خاطئان. ببساطة فمريم لا أحد.. مريم تتلاشى تماماً في الفصل الأخير.. لا أحد يراها.. لا أحد يسمعها.. لا تلفت انتباه ولو معارفها القدامي.. وهي ترى نفسها طفلة وترى أباها الذي مات منذ زمن طويل شاباً.. تصبح فراغاً مطلقاً.. مجرد شبح كما أصبحت صوفيا من قبل.. لم تكن مريم تملك القدرة على الحياة بمفردها منذ البداية.. كانت مغادرة الأخرى لها بمثابة قتل لها, سواء على مستوى الحلم أو الواقع, بمثابة إخفاء لها عن الأعين.. من هي تلك الأخرى؟ هل كانت تاريخ قصر التاجي المشبع بالدماء و الوساوس؟ هل كانت الأشخاص الذين عرفتهم.. نرجس وكوثر وصوفيا ويحيي ورضوى, والذين التحموا بها, كل بطريقته, وأضحوا يشكلون جزءا من حياتها ومن روحها؟ لا أحد يعلم ولكن المؤكد أن ثم قوة رهيبة قد غادرت مريم فلم تقو بعدها على الحياة.. هنا يبدو انتصار الأخرى كاسحاً.. وهنا يبدو أنها قد صارت هي الأجدر بحجز مكان مؤقت لها في هذا الوجود في مقابل انسحاب مريم إلى دائرة لا مرئية ولا مسموعة تمارس فيها هذياناتها الخاصة.

عن جريدة القدس العربي


Friday, September 21, 2012

Dreams and reality, Memory and forgetting



Zuzana Kratka reviews

Maryam’s Maze

by Mansoura Ez-Eldin

AUC Press, 2007 ISBN 978-1-84659-025-2 pbk 154pp



Maryam’s Maze is the first novel by a young Egyptian woman writer, Mansoura Ez-Eldin. Writing about the life of an individual, emotions, inner thoughts, the relation between dreams and reality and their impact on human psychology, Mansoura Ez-Eldin belongs to the generation of new Egyptian writing that tackles the issues of individualty rather than those of society as a whole, marking them out from classic Egyptian authors such as Naguib Mahfouz, Yusuf Idris or Mahmoud Taymour. Mansoura Ez-Eldin began writing short stories in newspapers and magazines before publishing her first short story collection Shaken Light (2001), and now her debut novel Maryam’s Maze (published in Arabic by Merit Publishing in 2004). Born in 1976 in a small town in the Egyptian Delta, Mansoura Ez-Eldin graduated in journalism from Cairo University in 1998 and started her career working for Egyptian TV, progressively moving into press journalism, where she presently works as Reviews Editor of the weekly Akhbar al-Adab [Literary News].

Focusing on relations between dreams and reality, on the one hand, and, on the other, memory and forgetting, with a particular focus on women, Maryam’s Maze builds on Ez-Eldin’s short story writing. Concentrating on the internal life of her heroine, Maryam, Ez-Eldin seeks to capture the feelings and experiences of a young girl unable to distinguish clearly between dream and reality and who has lost consciousness of time and space. The narrative starts with the scene of Maryam dreaming about going to El-Tagi’s palace, the place where she grew up, and feeling that there is a ghost girl, her alter ego walking beside her. When they enter the palace together, its former inhabitants appear as ghosts before they all disappear leaving nothing but blood stains behind them. The scene finishes with Maryam’s ghost-like alter ego stabbing the real Maryam, who then wakes up from this terrifying nightmare only to discover that she is no longer in the hostel where she went to bed the night before, but in a flat that belonged to her grandmother a long ago. The reader is then taken on a journey of Maryam’s sparse memories in which she attempts to re-establish her past – ‘I’m nobody,’ said Maryam, […] Maryam felt that she had been reduced to nothingness. She no longer had any physical existence to fill a space in the void. From this moment on, she had to face the world like someone experiencing life for the first time.

Interested in feminism, but also in the human body, as she acknowledged in an interview for Camden New Journal in 2006, made while on the Banipal Live UK tour, Ez-Eldin offers her readers numerous flashback insights into relationships between individuals and their bodies. Maryam’s mother Narges, for example, is described as a woman who feels she was forced to abandon her dreams and her ambitions for marriage and family life, a woman too focused on herself and in love with the body of her eighteen-year-old self, who found pregnancy [with Maryam] a painful and negative experience.Maryam’s Maze is a novel that stands out not only for its content, but also because of its structure.

Each chapter begins with fragments from the story of El-Tagi, Maryam’s ancestor who founded the family and built the palace to which most of the narrative is linked. Besides this intertextual feature, each chapter opener carries a symbol, which is then demonstrated in the narrative of the novel itself. For instance, in the sixth chapter we can find a parallel between apricot trees in El-Tagi’s garden and Maryam . . . the small trees would grow until they reached a certain stage, then stop. And we learn about Maryam’s upbringing and education, how despite being a very gifted child in science subjects, Maryam couldn’t reach minimum marks in others, and as a result had to make alternative choices in her studies and life.

The novel has now been made available to the English language readership in a remarkable translation by Paul Starkey, who is professor of Arabic at the University of Durham and translator of a number of Arabic novels into English. Starkey has also written widely on the subject of Arabic literature, most recently authoring Modern Arabic Literature (EUP, Edinburgh, 2006). Maryam’s Maze is an intriguing, intellectually challenging and yet very enjoyable piece of writing. It can be read, re-read and read again from many different angles, bringing each time new views and opening new perspectives. Highly recommended.

From Banipal 30 - Autumn\ Winter 2007.

من يعرف سر الفردوس



يوسف رخا

“ترجل أربعة رجال من العربة مرتدين عباءات سوداء فوق جلابيبهم الكشمير، وفتحوا الباب الخلفي. أخرجوا منه جسداً مغطى بملاءة بيضاء، وحملوه صاعدين السلالم.”

بتماسك يستحضر المشاهد الأقوى من ثلاثية “الأب الروحي” لفرانسيس فورد كوبولا، استثمرت منصورة عز الدين – منذ “متاهة مريم” (2004) – تراثها العائلي في إعادة اختراع العالم: فجرت علاقة بنت الريف بالمدينة بعيداً عن أي فرضيات مستهلكة حول “الأقاليم” أو “المرأة”. وبإلغاز لا يستتبع ضعفاً في التركيز، عرّت كل شيء – الجنون، الموت، الأنوثة – دون أن تكشف سراً واحداً من أسرار نصوص أشبه “باللاڤا لامپ”، ذلك الفانوس البيضاوي الذي يسخر الكهرباء، لا للإنارة، بل للتلاعب بالضوء الملون.

هذه هي “كتابة السر”، كما سماها الناقد محمد بدوي إثر قراءة قصص كتابها الأول، “ضوء مهتز”.

واليوم، على خلفية الأقدار المتقلبة لصناعة الطوب وما استتبعته من تجريف الأرض الزراعية في دلتا الثمانينيات، يتسع مجال التداعي من منامات قاهرية مستجدة إلى ذاكرة كاتبة محبطة لطفولتها في العزبة والبندر، من جرائم القتل الحلمية إلى الفجيعة الواقعة وفقدان البراءة وعفاريت الأحباب الغائبين: في “وراء الفردوس” تتبلور قدرة منصورة عز الدين على بناء شخصيات حية ورسم الخطوط العريضة لمجتمع متمايز، مقترحة معاني غير تنويرية للوعي التاريخي وأسطورة القرين.

وبرغم المبالغة في الانضباط الأسلوبي (على حساب خصوصية صوت الراوية، أحياناً)، برغم التعدد المربك (أحياناً أيضاً) للشخصيات والحواديت، وبرغم أن تجاوُر مختلف المآرب الأدبية لا يبلغ دائماً غاية الامتزاج العضوي، تنتج منصورة عز الدين كتابة محبوكة، عميقة، سائغة، خالية ليس فقط من شوائب الذات (النسوية) وإنما كذلك من تهويمات المحيط (الريفي). بلا تعقيد مجهد أو ادعاءات “علمية”، تتجاوز “وراء الفردوس” القرية “الإدريسية” وإنسان “الأيام السبعة”، “حكاية” حنان الشيخ ومثلية صبا الحرز.

تتجاوز حتى الهوية الوطنية والجنسية، وتهمش بطلتيها حاملتي تلك الهوية، لتجوب فضاءات – مثل كاتبتها – تكشف دون أن تبوح.

نُشِرت المقالة في جريدة الأخبار.