Saturday, April 8, 2017

اللغة في آخر البئر





ممدوح رزق


تنتمي رواية (أخيلة الظل) لمنصورة عز الدين، والصادرة حديثًا عن دار التنوير إلى ذلك الفضاء السحري الذي يدفعنا للتأمل على نحو نقي في ما يمكن أن يعنيه الخيال والكتابة كلاهما للآخر. القراءة هنا ليست إعادة كتابة بل كتابة أصلية للنص ذلك لأن التفاصيل الروائية ليست ناجمة عن الكتابة بل هي الكتابة ذاتها، أي أنها الفعل الكتابي الخام، المشغول بنفسه قبل أن يتحوّل إلى معطيات سيتم لاحقًا الاشتباك معها وخلخلة نظامها. نحن نعبر المدى المراوغ الذي يستطيع أن يجعل كل شيء يبدأ بهذا التحريض الشهواني: (تخيّلوا معي).
الخيال في الرواية قوة طاغية لا تتعطل من خلق الاحتمالات، وتنطوي بداهة على إمكانية الاستمرار في تطوير صورها دون توقف. هذا التوالد القهري تتكفل الكتابة بحمايته من الثبات، وتحافظ على بقائه منذورًا للمحو. يمكننا التفكير في هذا المحو باعتباره قابلية التبدد طوال الوقت بأشكال متغيرة ولانهائية. الكتابة إذن بوسعها أن تمنح تعريفًا للضياع بأنه القدرة الدائمة على أن يظل الاحتمال مراقبًا لكينونته، أن يتتبع تناثرها واختفاءها وإعادة تجسدها بشكل متواصل. يبدو الأمر أشبه بفقدان محسوب للذاكرة، ذلك لأن كل تعمية يتم تعويضها أو استداركها في تمثّل آخر مختلف، وهو ما يجعلها بالضرورة لعبة حضور وغياب، أو طريقة مثالية لتشريح كل ماض. هي الحالة التي يمكن اعتبارها درجة القرب القصوى من هذه السطور التي كتبها (آدم) في قصته (ناسك في غابة):
(فضّل أن يكتب نصوصه في الهواء، أو يخطها على الرمال بيد مرتعشة، ويسارع إلى محوها في الحال. على طريقته الخاصة وبطقوس غير مفهومة لسواه، أخذ يمجد الفناء ويتعبّد في محراب العدم. لطالما كان وسوف يظل ابنًا مخلصًا للعابر والمتطاير).
هناك مقارنة أجدها ملفتة بين كسر كاميليا للمزهرية الثمينة التي تمتلكها أمها في (أخيلة الظل)، وتضييع هدير لخاتم أمها في رواية منصورة عز الدين السابقة (جبل الزمرد) .. أفكر في الكسر والضياع كفعل واحد يمثل بداية تصدع العالم، الشرخ الطفولي الذي سيمتد ويتسع لتتحول الحياة بعده إلى فقد متواصل. يصبح هذا الفعل أيضًا في الروايتين إشارة لسفر، للقاء غريب في مدينة بعيدة، للبحث عن الحكايات التي يمكنها أن تعوّض هذا الفقد في نسخ مختلفة من الذات. للقبض على أسلوب ما لتغييب هذه الحكايات، واللعب بالتخلي سعيًا وراء حكاية أصلية مبهمة، والهروب منها.  سنلاحظ أيضًا حضور الشخصيات والعوالم الموازية، وكذلك التكرار في الروايتين كصيغة جمالية لإعادة التأسيس المستمرة، وهو ما يفجر بالتالي هواجس المطابقة والتماثل والتحريفات بين النسخ. في الروايتين أيضًا هذه الروح الكونية التي ترتحل داخلها منصورة عز الدين مع الاختلاف بين الجوهر الأسطوري لـ (جبل الزمرد)، والحلمي أو التخييلي / الكتابي في (أخيلة الظل). تكتب كاميليا حكايتها بنفسها وعبر شخصيات أخرى، أي تمارس تحريفها الخاص قبل أن يحدث بفضل اللاحقين. تراقب عملية التدوين لهذه الحكاية، كأنها ـ أي كاميليا ـ تتصرف وفقًا للحكمة ـ أو هكذا تبدو ـ التي اكتشفتها هدير. لننتبه كذلك إلى أن شظايا الكريستال حاضرة مثلا في علاقة أولجا وفلاديمير، كأنما فكرة الهوة تعلن عن نفسها دائمًا بهذه الشظايا أو ما يعادلها.
(أغمضت عينيها فواجهتها هُوّة سوداء تتسع داخل جسدها، التهمت في البداية الرحم، ثم المبيضين والكبد والكليتين، فارتجفت كاميليا وحدّقت في الغيوم المنسحبة خوفًا من أن تتضاعف الهُوّة وتطرد قلبها من تجويفه، خُيّل إليها أن السُحب ترسم صورة طفل يحبو، فامتنعت عن النظر لأعلى).
أفكر في أن الاستغراق في تأمل مساحة صغيرة من الأرض بين قدمين متباعدتين هو إغلاق الجسد على وعي سيحفر عميقًا في الداخل عند هذه اللحظة بالذات. هو وقت التنقيب إذن، طقس انفصال يأخذ (هنا والآن) لأسفل، وراء طبقات الذهن. كأنه شكل من التصالح مع التشويش الباطني، حيث يمكن الحصول على إدراك أكثر تركيزًا لما هو ضعيف وشاحب، بإقصاء ما هو قوي، وساطع، أي أنه إدراك أقوى للحقيقة الذاتية.
(حتى ذكرياته، لا ينحفر منها بداخله إلا أشدها خفوتًا وهشاشة. من طفولته تحضره فقط الروائح والانطباعات والأحاسيس، وتغيب الحوادث الكبرى. لا ينساها بالضرورة، فما زال يفخر بذاكرة متقدة، فقط لا تلح عليه، ولا يستعيدها مرارًا كعادته مع التفاصيل الهامشية).
تتحرك الظلال في رواية منصورة عز الدين كأن حياتها تقوم كليًا على العلامات التي تنتجها لتؤكد من خلالها هويتها كظلال، كاحتمالات خاضعة للتبدّل، ليس هذا فحسب، بل وتنطوي هذه العلامات أيضًا على استعداد كل ظل لأن يخلق ظلالا أخرى. هي صيرورة تكاثرية إذن. تناسل مطلق للاحتمالات، حيث يولد الظل من ظل آخر إثر مفارقة، احتياج، شرط مبهم لا ينبغي أن يُطالب بإثبات منطقيته، ذلك لأننا نتحدث عن شيء بعيد عن الحبكة، وعن الأبنية الحكائية الملتزمة بتبرير مواقفها. كل نسخة تبدو كأنما تخوض مغامرة أبدية لاكتشاف ماهيتها، لحل لغزها الخاص بواسطة ردم فجوات النسخ الناجمة عنها، أو بالأحرى الكامنة فيها، سد ثغراتها بكيفية لا تبقيها عالقة بها، بل تساعد على تجاوزها لمواصلة رحلة يجب ألا تكتمل. من هنا يمكن التطلع إلى كاميليا ليس باعتبارها ذات تعيد خلق نفسها في حكايات الآخرين، ورؤية ما فقدته ـ أو أوهامه ـ في صور مختلفة (الأب، دولت، منير، فريدة، آدم، روز، آميديا) ، أو أن (أولجا) تقوم بذلك أيضًا في حكاياتها فحسب (ساندور، فلاديمير، إيفان) بل إن كلا من كاميليا وأولجا تمارسان هذه الإعادة للخلق، وملامسة الفقد في حياة الأخرى، داخل كل شخصية تبدو للوهلة الأولى أنها تخص إحداهما فقط. كأنه نوع من التخاطر الذي يمتلك شفراته الخاصة ويتيح لهما استدعاء قصص، وجوه، مشاهد مبتورة، جزئيات عابرة، ولحظات تبدو هامشية، لتكوين حلم مشترك يتيح لكل امرأة منهما أن تحضر فيما يُعتقد أنها ذخيرة الأخرى. هناك دائمًا رجل وامرأة يعيدان دائمًا أسطورة خلق العالم عبر نسخ / ظلال أخرى لهما. رجل وامرأة ترتب منصورة عز الدين موعد لقاءهما عبر تخيلات وأحلام متواصلة ومتداخلة، لا تهمد، كأن كل موعد انتهى قبل أن يبدأ. لابد أن يكون هناك أيضًا طفل يموت، أو يُفقد بشكل أو بآخر.
(ليس الأمر أنها كانت تتبرأ من أهلها، أو لا تحبهم كفاية. كانت فقط مسحورة بتخيل فضاءات أخرى، إمكانيات وخبرات تتيحها لها أحلام يقظتها وأكاذيبها).
بالتمعن في الخبرة التي يستعملها الخيال؛ يمكننا مقاربتها بوصفها اقتفاءً للأثر. لكن الذات ـ وهي غير مركزية حتمًا، حيث لا توجد بداية أو نهاية، وإنما إرث مشتت من الدوائر المتقاطعة ـ لا تمارس الذات هذا الفعل كنوع من التماهي مع خطوات الآخرين، بل كأنها تؤدي نفس الخطوات التي سبق أن حققتها ولكن في حيوات أخرى، وهي بذلك تقتفي أثر نفسها، كأنما تجرّب وجودها للمرة الأولى، حيث كل خطوة بمثابة وعد ببداية ما تقاوم الذاكرة. هكذا يمكن لكل ما هو خارج الذات أن يكون فاعلا في هذه الخبرة، أي أن يكون ظلا: المدن والبيوت والأشياء. هنا يمكننا تفحص الخيال باعتباره الحضور المستقل للظلال. العوالم المنفصلة لعناصر الماضي التي تحلم بنا. هذا التواطؤ بين البشر والمدركات الملموسة الذي ينجزه الخيال عبر المناورات الزمنية والمسارات المقنّعة، كأنه محاولة للوصول إلى المشهد المصيري الذي يرسل أشلاءه وشظاياه داخل الأحلام.
(الشخصيات الفنية هي ما يغويها، لا مبتكريها من الكتّاب. ليست لديها أوهام رومانتيكية عن عباقرة الكتّاب. على العكس، تؤمن تمامًا بأن بداخل كل منهم وحشًا يتغذى على ذاته والآخرين. معظمهم قاتل متسلسل، والإبداع وسيلته للتوازن أو للإيغال في تدمير الذات).
هناك حسية فائقة في سرد منصورة عز الدين لا تكمن في الإحاطة المهيمنة أو التشريح المجهري للتفاصيل، بل بدرجة أعمق في ضبط إيقاع الكتابة على تفاوت الشعور بالألوان والروائح والمذاقات والملامسات والأصوات. يتوحد السرد بالمكوّن الحسي المرصود نفسه، فلا يكون مجرد وصف له، الأمر الذي يجعلك ترى أضواء وظلال الموجودات والظواهر بمستوياتها المتباينة، وهو ما يحدد فاعليتها في الخبرة التي يستعملها الخيال كما سبق وذكرت، فضلا عن تكريس استقلاليتها.
(أسرته الفكرة لفترة: لغة تنكمش حتى تغرق في الصمت والسكون ويستعيض متحدثوها عنها بالإشارات. لغة تتلاشى، لا ريب، بما أنها محدودة، وبما أن الموت حدث يومي. ذكّره هذا بجدته، بشكل ما، بدت له كأنما كانت تنتمي إلى هذه القبائل وتحذو حذو أفرادها).
تكمن هذه الحسية أيضًا في تجسيد الانفعالات لا تمريرها، وذلك بواسطة التحكم في تدفق اللغة، الذي يمكن بطريقة أخرى أن نعتبره ترسيخًا متنوعًا لطبقات الحكي: الجُمل القصيرة، كأنها اختلاس للنظر، أو إخفاء للسر. الكلمات المتلاحقة في عبارة طويلة، كأنها زفرة مثقلة تتدافع في نَفَس واحد، أو كأنها ردم محموم للهوات السوداء التي تتسع داخل الأجساد. التأرجح. التمهل. التكرار لتأكيد شعور معين والاستمرار في مواجهته. الجموح الذي يقوده الثأر، أو محاولة التخلص سريعًا من حصار ما.
(تحمله ضلالاته إلى أراضٍ أخرى. يرى نفسه فوق قمة جبل والسحاب يمر بجواره بحيث يمكنه الإمساك به لو أراد، تزوره غابة أشجارها على وشك التجمد من شدة البرد، وفي بدايتها كوخ صغير ـ تغطيه من الخارج نباتات متسلقة بزهور أرجوانية وحمراء ـ ويخرج منه رجل وامرأة منشغلان بنفسيهما عمّا حولهما).
ربما نتصوّر أن جميع الأصوات داخل (أخيلة الظل) كأنما هي نبرات متعددة لصوت واحد، غامض، يخص ذات كونية تريد إيجاد تاريخها عبر الشخصيات والأزمنة والأماكن، أو عبر التبادل القائم فيما بينهم بشكل أدق. ذات عالقة في وضعية عابرة، تتخيل، داخل خفاء ما، أو أنها تخلصت من نفسها، أو ربما تعيش فناءها داخل هذه الظلال التي تحاول الكتابة مراقصتها. حسنًا، يبدو أن أحد الاستفهامات الأساسية للرواية تتعلق بهذه الفكرة: هل في الرقص الذي تؤديه الكتابة مع الظلال بلوغ غاية أم منعها، أم تأجيلها أكبر وقت ممكن؟.
(لا دليل على ماضيه، سوى ارتعاشة يد الماكيير، وهي تقترب من وجهه. ولا ضمانة لحاضره، سوى انغماسه في أداء دور لا يدرك أبعاده).
تمثل الأخيلة نوعًا من الوفرة التي لا تنبعث فقط كصلات غير مباشرة بين ظلين، بل تقتحم الأطياف الجدلية للظل كافة الظلال الأخرى، وهو ما يؤلف اندماجًا وتخطيًا للذكوري والأنثوي في هذه الظلال. كأنه طريق يُمهّد تدريجيًا عبر نسخ تمزج بين الطبائع المتنافرة نحو تجانس ما، مخيلة موحدة تستوعب جميع الظلال، وبكيفية تبقيها منفلتة من الأطر النمطية. كأن الظل يسعى لتجميع غنيمة عند حافة ملغزة، متجهزًا لعبورها، كي تكون خارج السياق المفترض لذاكرته. سرقة المتوقع وتحريره من المسالمة كنسخة وحيدة قادرة على خيانة الجميع.
(ثم كأن رسامًا بدأ يرسم الملامح المفقودة، ظهرت لها عينان، تلاهما أنف، حاجبان، وفم. كف عن أن يكون وجهها الأليف القديم. رأت نفسها فريدة وهي تتمسح في منير ويتلوّى جسدها في حضنه بحفلة ما، ثم صارت أمها وهي تفرد أوراق "التاروت" أمامها، ثم تعبس حتى تنحفر تجعيدتان بين حاجبيها وتزم شفتيها مترددة هل تعلن ما باحت به الأوراق أم تتحايل وتلطّف تنبوءاتها).
أين تنتهي الأخيلة؟ .. أفكر في هذا التساؤل كأنني أنظر في بئر كالتي كانت حاضرة في لقاء كاميليا وآدم. كأنني أراقب غرق الظلال في هذه البئر. في غرق اللغة، وفي ما الذي يمكن أن يوجد في آخر البئر. أفكر في كتاب له أثر الفيضان كمقابل لكتاب منقذ كفلك نوح. لأنني أقرأ رواية منصورة عز الدين ببصيرة تعيد التأمل فيما يسمى بـ (الواقع) كسلطة لغوية محتومة، تم تقديس عدائيتها أو تناقضها ـ على الأقل ـ مع سلطة لغوية أدنى وهي (الخيال). الضوء في مقابل الظل. إذا كان على (أخيلة الظل) أن تبدأ بـ (تخيلوا معي) فإن ذلك أدعى حقًا بكل ما هو مؤكد، ومحسوم، ومصدّق تمامًا خارجها، أي ضمن حدود هذا (الواقع) أن تبدأ كل استعادة له بهذا التحريض الشهواني.


نقلاً عن موقع "الكتابة".. 31مارس2017

No comments:

Post a Comment