Saturday, April 8, 2017

أخيلة الظل: التجريب وغواية المتاهات





جابر طاحون


إيتالو كالفينو كان يقول إن اللغة الإيطالية اللغة الوحيدة تقريبًا التي كلمة غموض «vago» تعني الجذاب أو الفاتن، وأن الغموض أحيانا هو ما يمنح المنطق والقوة ويحمل فكرة الحركة والتحول. جاكومو ليوباردي (شاعر إيطالي) أيضًا كان يقول أن علينا تذوق جمال وغموض غير المحدد والانتباه لتفاصيل في غاية الدقة والتمعن، انتباه لتكوين كل صورة.
وفي روايتنا هنا «أخيلة الظل» حاولت منصورة عز الدين تمثيل العالم كعقدة. حاولت تمثيل العالم من دون أي محو للتعقيد فيه والذي لا حل له، مُركبةً مستويات مختلفة من اللغة بكل قلقها وهواجسها على طول النسيج الروائي، الذي ما يكاد الواحد يمسك بخيوطه، حتى تتسرب منه إلى مسارات ومسالك متشعبة على مدى سبع عشرة فصلًا.
منذ البداية ينتقل العنوان، عتبة النص، من صيغته الخبرية ليصبح سؤالًا. الإيهام يبدأ من افتتاحية الرواية، حكي على طريقة شهرزاد: «تخيلوا معي مقعدًا خشبيًا في الباحة الأمامية لبيت على نهر الفلتافا قريبًا من جسر تشارلز»، الإيهام للانغماس في صندوق الحكايات أو للدقة الغواية لتجريب لعبة المتاهات الروائية. متاهات أخيلة الظل. صندوق الحكايات تخرج منه حكاية تلو أخرى، وكل حكاية تتمدد منها حكاية، تنغمس في تشابك تلك الحكايات مُحاولًا التحرك بينها والبحث عن الرابط الغامض بينها، الغموض الذي يدفعك للاستمرار في متاهات الرواية، تشد خيط كل حكاية بحثًا عن ظل لكل الأشياء المحرفة والمرتبكة.
الظل الذي أرعب آدم لأول مرة حين لاحظه وهو يستحم فاستغاث بأمه لتقول له بأن هذا ظله وأنه يتبعه. «لا أريده. تخلصي منه لا أحبه ولا أريده أن يتبعني». هل يمكن التخلص من الظل؟ الكل يحلم بما قاله لوركا: «أيها الحطاب اقطع ظلي». الظل الذي قد يكون الماضي وكل ما خاضه الواحد طول عمره. ومحاولة التخفف من عبء الماضي قد تكون أكثر فداحة من تحمله، قد تنبعث أشباحه وتتغلل في الحاضر مرة أخرى ليصبح نسخة داكنة من الماضي.
كل واحد يتسلح بخيالاته وبأحلام يقظته، ولا أحد يملك أجوبة نهائية طبعًا. أولجا، كاميليا، من يتخيل من؟ من يتداخل مع من؟ من أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي؟ كل شخصية كان لها مرجعيتها الخاصة، مع بعض التداخل مع الشخصيات الأخرى. دولت، منير، فريدة، روز، فلاديمير، ساندور عازف البيانو، إيفان. لكل شخصية قناع إن لم يكن أقنعة، الصمت قناع، الحكايات المخبأة قناع، الرواية نفسها قناع. شهرزاد حكت ألف ليلة وليلة، مدفوعة برغبتها القوية في البقاء والحلم الخالد بالعودة. الحكي كان قناعًا يحميها من القتل.
«الحلم والكابوس مغزولان من الخيط نفسه، أحلامي وكوابيسي من القماشة ذاتها. بكلماتي نصبت الفخاخ لنفسي. كنت الصياد والفريسة، لم يكن «لافكرافت» سوى حجة لمعانقة الخوف، في مناماتي تطاردني طفلة لها عيون جدتي، صغيرة منهمكة في مسارات الموت. لا تبكي ولا تصرخ، فقط تنظر إلي وفي عينيها قلق العالم، خوفه الأكثر بدائية وقدمًا. لم تكن جدتي ابنة المذبحة، بل يتيمتها». هذا ما يقوله آدم لكاميليا كمن يحادث نفسه. آدم الذي حلم بأن يصير كاتبًا منذ قرأ في صباه قصة لـ«لافكرافت» وبات يلتهم قصصه ولعًا به.
كاميليا، ابنة دولت، زوجة منير، صديقة آدم وزوجته روز، الكاتبة القاهرية التي قابلته، آدم القادم من سياتل، في براغ أمام متحف كافكا، باحت له بالكثير من الأسرار. كاميليا التي تكتب لتبتكر مبررًا للارتطامات غير المتوقعة. سمتها أمها كاميليا تيمنًا بممثلة الأربعينات الجميلة، لتكبر وسط أم خيالية تحيا في زمن آخر، وأب ركلها في الهواء وهي في الخامسة، وكان يرى فيها علامات تخلف عقلي لمجرد شرودها الدائم وبطء حركتها. «دبدوبة» بطيئة الحركة والفهم.
دولت، أمها كان لها ولع بالممثل أحمد سالم ولها طقوسها الخاصة في المجوهرات كل هذا قبل أن يأتي التأميم على كل شيء وبات مجدها خبر كان، ورغم ذلك ظلت تحافظ على القرب ومصادقة من لن تعد تقدر على مجاراة نمط حياتهن مهما استماتت وتودد إليهم كأنهم يدينوها بإبقائها معهم. رسّخت في كاميليا أن الطبقة الغنية هي وسطها الذي ستعيش فيه.
فريدة، زوجة منير، إحدى صديقات أمها، التي تخصها بالكثير من الاهتمام. كاميليا كانت ترى فريدة على أنها كريستالة؛ فالمرأة جميلة وفخمة وإلا لماذا أحبتها أمها؟
بخصوص منير، في فيلم 12 رجلًا غاضبًا، رجل واحد كان بداية التحول في مجريات الفيلم وفي مجرياتت حياة شخص ينتظر الإعدام، ظهوره كان ممر للتوجه نحو تفكير مغاير من قبل بقية هيئة المحلفين. ومع اختلاف الظروف منير هو الشخصية العصب في الرواية. الشخصية الممر في حياة كاميليا؛ جربت معه اللذة الحسية المختلسة، وجربت معه شعور أن تكون مرغوبةً، كأنها تنتقم من أبيها وقسوته، هي امرأة مرغوبة كأنها في فيلم رومانسي وليست «دبدوبة تخينة» – في فيلم 12 رجلًا غاضبًا العجوز كان يقول أيها السادة إن ذلك محزن جدًا أن تكون نكرة – ممر ستعبره نحو ثقة أكبر بنفسها. في البداية لم تعرف ما إن كانت قد أحبته، هي محبة للألغاز والتعقيد ومنير شفرة معقدة نوت فكها، وإن كانت لعبة، فاللعبة يلعبها الاثنين، وهي من يجب أن يكون الفائز.
سيتزوجان – منير وكاميليا – على غير رضا من أمها، حتى أنها يوم الزفاف ستقضيه مع فريدة وابناءها. دولتت التي تشبها كاميليا رغم تمردها الظاهر عليها، التي ستهاجمها الخلايا الخبيثة، وتحتضنها كاميليا-رغم تحذير الطبيب- في تبادل للأدوار؛ هي أصبحت الأم ودولت ابنتها. المسح الذري الذي خضعت له دولت، سيسبب ضررًا لرحم كاميليا، وستضطر للتخلص من جنينها «أن أحمل وأنجب طفلًا، يعني أن أذوب وأتحلل لأكون آخر. ستغذى عليّ: على دمي وأعصابي ولحمي»، هكذا اعتادت أن تقول في سرها، لتقنع نفسها بأن الانجاب حميمة لم تكن تقوى عليها. فقدان الجنين أمر ستخص به روز زوجة آدم -رغم كون آدم سورًا عاليًا بينهما- كأن كاميليا تحاول أن تمد جذر من حكايتها في كل واحد. روز الذي تتوهم ابنة لها ماتت، تملأ البت ببودرة التلك وشامبوهات الأطفال. روز التي ستحتضن كاميليا بعد حكيها وتأرجحها، كأنه اتفاق ضمني بينهما، روز ستحتويها كأبنة لها، كأم، وكاميليا ستتماهى وتجرب كونها ابنة، وهناك أم لها تهتم بها وتهدهدها.
عمر كاميليا، التسعة وثلاثون عامًا، العمر ما قبل الأربعين سن الحكمة والنبوة، لم يكن عرضيًا؛ بدأت في تفحص صورتها أمام نفسها، لحظة استبصار مرة، تتفحص الهوة العميقة الآخذة في الاتساع داخلها كأنها جذع شجرة قد تم تفريغه. الجوع في روحها الذي لا يبدو سبيل لإشباعه.
النص الروائي لم يكن متحيزًا لشخصية ما، بل كان ديمقراطيًا ومتماهيًا مع كل شخصية، دون تسلط على عالميها الخاص والمشاع. السرد المركب والمتحرك دائمًا حركة حرة حسب وعي كل شخصية، وادراكها ورصدها لعالمها. تتشابك خيوط الرواية دون عشوائية. الافتراضات ونسج حكايات منها، استخدام الذاكرة لرفض أي انتظام سردي. والصوت، صوت الحكي، واضح بصورة ما، ويظهر في التوزيعات المتناغمة على طول الرواية.
التمزق الذي قد يظهر في نسيج الرواية، يعود ويتكامل مع توالد السرد والطبيعة المزدوجة للزمن؛ الناتجةة من الحدث ذاته وزمن الحكي الذي يستحضره.
روح التجريب واضحة، ووفرت للرواية مرونة أكثر. تعدد الأصوات، الواقع المتغير، والتمرينات الأسلوبية ومونتاج وخلق صور وبدايات مفاجئة بجانب المهارات الفنية والجمالية، كأن التجريب كان غاية، لا وسيلة. وتفاوت التجريب ما بين التجريب اللغوي على مستوى اللغة، والتجريب على مستوى السرد، واستخدام المونولوج الغير مباشر، والتنقل ما بين اللحظة المعيشة والماضي. التزاوج والتمازج ما بين الراوي العليم، الحكاء الممسك بخيوط السرد، والمونولوج لتضييق المساحة بين الأحداث، وإعلاء حسية الحدث ومعايشته. كما حضر التجريب في ربط النص بملامح العصر، والخراب المترسخ في العالم، في حضور الجدة القادمة من بلد بعيد، وناجية من مذبحة. العالم الآن المُشبّع بالمذابح والمرع للدم، واللعب الروائي لئلا يكون حضور الخراب والمذابح كيلشيه أو حشو مُقحم.
أخيلة الظل، سيرة، للأسئلة، الخوف، القسوة، الهواجس، التناوب في الرؤيا ما بين الحلم والكابوس، هشاشة الوجود الإنساني ورعب الغرق في الذات، صورة الواحد قدام نفسه ومدى تشابكه مع العالم وتعاطيه معه.

أخيلة الظل، أو كيف يمكن أن تصبح مازوشيًا في القراءة، تتلذذ بما ليس سهلًا، تتلذذ بما هو غامض وصعب.

نقلاً عن "ساسة بوست"..24مارس2017

No comments:

Post a Comment