Monday, March 10, 2014

تدوين المدينة أو اختراعها


يوسف بزي

أسس غابرييل غارسيا ماركيز مدينته الخاصة، المتخيلة، «ماكوندو». التي ستظهر في
  «مئة عام من العزلة» وروايات أخرى. وبات من الصعب أن تختفي من مخيلتنا تلك المدينة بمنعطفاتها ومنازلها ومرافقها وكنيستها وساحتها. وكان من الأصعب أن ننسى خيط الدم الذي انساب على نحو خرافي في شوارعها، كما لو أنه هو «مخطوط» المدينة، وثيقتها وروحها ومصيرها الحتمي.

«ماكوندو» تنتسب إلى الجغرافيا المتخيلة، مع ذلك هي حقيقية أكثر من المدن الواقعية الصامتة. ثمة مئات من المدن المشيدة حول العالم، المسكونة ببشر حقيقيين، لكن لا وجود لها، لأنها إما مكتومة أو لأنها بلا رواية.

لا وجود لمدينة إن لم تكتبها رواية. الكلمة هي شرط العمران على الأرجح. من دون الحكاية لا تتحقق كينونة المكان. وكل هندسة لا تقوم على ذاكرة مكتوبة ومعلنة، تتقوض، ولا تعدو كونها أحجاراً مرتبة، إسمنتاً أصم وأبكم. لكن أيضاً لا رواية من دون مدينة. هذا الفن مشروط على ما يبدو بنمط حياة واجتماع مديني. عصور الحداثة كلها قائمة على انتصار المدينة كنظام حياة وانتصار الرواية كفن يقول السؤال الإنساني.

عندما انطلقت مجلة «البوابة التاسعة»، التي حسب تعريفها لنفسها «تتبنى ثقافات المدن وقضاياها، وتواكب العمران بمضمون معرفي يتناول أفكار العيش المديني..»، كان القائمون عليها يعرفون أن المكان الجديد الذي يستوطنونه، وسط بيروت الحديث، لم يجد نصه، سرديته. مكان خال من الذاكرة تقريباً، وإن قام على أنقاض ذاكرة بيروت ما قبل 1975. كانوا يدركون أن هذا المشروع العمراني لن تدب فيه الحياة إن لم تبدأ فيه وعنه التدوينات والسِيَر والحكايات. وحتى يكتسب هذا الوسط صفته كقلب مدينة لا بد من رواية له.

بهذا المعنى، يبدو أن «البوابة التاسعة» تتولى مهمة ثقافية عمرانية في آن واحد. رسم المدينة وتدوينها. الخيال مترافقاً مع الإعمار والتشييد.

وبيروت الماقبل لم تكن «مدينة» تامة، كانت ناقصة، وقيد التشكل والإلتباس. كانت بلا رواية تقريباً. حتى إن رواية توفيق يوسف عواد «طواحين بيروت» كانت عبارة عن سرد استحالة المدينة وذهابها إلى الدمار. ربما لهذا السبب كان الشعر لا السرد هو نمط بيروت ولغتها. الشعر هو على الأغلب مضاد للمدن، هو مغادرة لنثر الحياة، إغتراب عن واعتراض على المدينة.

في زمن الحرب، كانت الولادة الفعلية للرواية اللبنانية، وهي للمفارقة ابتدأت في لحظة خراب المدينة، في لحظة احتمال تبددها واستوائها أرض يباب. كأنما الدافع للكتابة هو مقاومة الخراب بتشييد سرد المدينة، بتوثيق حكايتها، وبمدها بالحياة كي لا تموت. الرواية كانت أول فعل «إعادة إعمار» لبيروت.

يأتي عدد «البوابة التاسعة» الثالث، كإصدار مؤلف من رواية كاملة لحسن داوود (لبنان)، ونصوص سردية للكتّاب إيرينا بوغاتيريفا (روسيا)، أرسلان خسافوف (روسيا) ومنصورة عز الدين (مصر)، بالإضافة إلى مخطوط فني تصويري سردي الطابع ليزن خليلي (فلسطين).

النصوص جميعها، تروي هذا التيه في المكان، والإلتباس في الزمن، ووحشة الفرد وضياع الحدود بين الوهم والواقع، بين ما يعتمل في الداخل وما يحدث في الخارج. وهي أيضاً مهجوسة بوقائع المدينة، بتحولاتها وسلطتها، بحساسية كتابية قائمة على رؤية المكان بوصفه بطلاً مطلقاً، وثمة خوف دائم إلى حد الوسواس من اضمحلال الأنا، يقابله انتباه شديد للتفاصيل في الجسد والأشياء والعمران وحركة البشر وظلال الأمكنة ومتاهاتها وسطوتها الخفية.

ولشدة ذاك الإنتباه، يتحول السرد الدقيق الواقعي والحقيقي إلى اللامعقولية، فلا ندرك الفارق بين المتخيل والمتحقق، بين ما يتشكل لغة وما هو قائم واقعاً. 

في نص حسن داوود «نقّل فؤادك»، كما في نص منصورة عز الدين «طيف الصقلي»، تصير المدينة متاهة، ليس فقط في خريطتها المكانية، لكن أيضاً في تداخل طبقاتها الزمنية. وما الكتابة سوى محاولة لتنظيم المدينة وهندستها وإدراك أبعادها وحدودها، كأن نعين ما هو ماضٍ وما هو ثابت في الحاضر وما هو آتٍ بتحولاته وانقلاباته. نصوص تلاحق مصير الأنا والمدينة، ضد التهديد الأبدي: كل مكان، كل مدينة احتمال أطلال. نبذاً لهذه الطللية، نبذاً للموت.. هي هذه الكتابة المحمومة، كنسغ حياة وحب في شرايين العمران، وكشرط لاستمرار المدينة، تستمر الحكاية.

استطراداً، يمكننا أن نخترع لحسن داوود ثلاثية روائية مؤلفة من «بناية ماتيلد«، «غناء البطريق» و»نقّل فؤادك». فهذه الثلاثية هي أشبه بسيرة بيروت الحرب، ثم بيروت لحظة البدء بإعادة إعمارها، وأخيراً بيروت بعد اكتمال تشييد وترميم وسطها التاريخي الجديد. فهذه الثلاثية هي رواية المكان بامتياز.

«البوابة التاسعة» تجعل الكتابة جديرة بالمدينة، وتجعل بيروت رواية مدوّنة. وأظن أن استعصاء مدن عربية عدة، قائم في جزء كبير منه على غياب السرد فيها، وعلى كتمان الرواية وسيادة الشعر فيها. مدن بلا هندسة ولا نثر.

جريدة المستقبل، ملحق نوافذ، 2 فبراير 2014

*طيف الصقلي"... رواية قيد الكتابة نُشٍر منها مقطع في دورية "البوابة التاسعة " خريف 2013"

No comments:

Post a Comment