Thursday, March 13, 2014

تآمر الظلال


منصورة عز الدين

دائماً نفس المشهد.
أسفل شجرة مانجو عملاقة ثمة رجل كان يحفر الأرض السوداء فيما ترقد بجواره جثة فتاة صغيرة، شعرها الملوث بالدم المتجلط ملتصق برقبتها الطويلة وملابسها ممزقة في أكثر من موضع.
مسح الرجل العرق المنساب على وجهه فيما يشبه الخيوط الرفيعة الحارقة وواصل بانهماك.
بعد أن فرغ من عمله نزل إلى الحفرة وأخذ في ضغط طينها الطري وتسويته بحذائه، ثم جذب الجثة إليه وجردها من ملابسها بحنو فبانت بشرتها البيضاء المزرقة. احتضنها ومسّد شعرها وظهرها بيديه اللتين تحركتا على جسدها بتؤدة وهو يزيد من التصاقه بها.
بحرص مدد الفتاة في الحفرة ثم أهال التراب عليها حتى رُدِمت تماما فسوى المكان ووضع فوقه حجر صوان كبيراً، ونثر بعضاً من الحشائش الجافة.
لا أعرف كيف يبزغان أمامي؟ ولا إلى أين يمضي الرجل بخطواته البطيئة؟ فقط امتص نفساً طويلاً من سيجارتي "الجيتان" قبل أن أرميها على الأرضية الخشبية وأدوسها بحذائى بينما أرقب أفقاً لا يعد بشيء.
"اعرض نفسك على طبيب نفساني" قالتها زميلة العمل البدينة وهي تقضم "ساندويتش هامبورجر" بتلذذ واعتبرتْ الموضوع منتهياً، بينما صرت انفصل عن الحياة في كل مرة ينبعث فيها المشهد أمامي، واستسلم له تماماً كي أتحقق من ملامح الفتاة مثلاً، أو من وجه الرجل الذي يبدو كأنما يقصد اعطائي ظهره للأبد، لكن المشهد يتكرر وأخرج منه دون أن أستطيع القبض على شيء محدد.

***
يُهيأ لي أحيانا أنها على وشك أن تبوح لي بشيء ما، لكنها سرعان ما تتراجع بعد أن تكون قد رفعت وجهها فجأة ناظرة إلي.
اعتدت هذه الحركة بعد أسبوعين من التحاقها بالعمل معنا. قبل أن تدخل بدقائق، أكاد أحس بها تهرول في الممرات الملتوية والموصلة لبعضها البعض في الطريق إلى الصالة التي نعمل بها.
تفتح الباب فجأة كأنها تهرب من مطارد شرس "صباح الخير" تقولها بطريقة مسرحية متعمدة مط حرفي الباء والياء للفت الانتباه، فلا ينتبه إليها أحد من المنكفئين على مكاتبهم خلف تلال من الملفات المغطاة بالتراب، تواصل طريقها بين صفي المكاتب المتواجهين حتى تجلس في مكانها بمؤخرة الصالة، في الحال تتراص الملفات أمامها كأنما من تلقاء نفسها، تغالب لهاثها وتقلب في الأوراق المصفرة، تلتفت إلى المنكفئين على مكاتبهم ثم تستغرق في انكفائها الخاص وتظل حريصة طوال الوقت على ألا توجه بصرها ناحيتى.
أعرف تماما أنها لا تنتبه لعينيّ اللتين تتابعانها ولو فعلت فلن تصل أبداً إلى ما وراء ذلك. شيء ما يجذبني إليها ويخيفني منها في آن واحد، شيء ما يملؤني برغبة حارقة في احتضانها أو صفعها بقوة وضرب رأسها في الحائط حتى تتناثر دماؤه.
كل صباح تقوم بالأفعال نفسها ولولا تبديلها للملابس وتصفيفة الشعر لظننت أننا في يوم واحد مستمر إلى ما لا نهاية، تتحرك بثقة تستفزنى وينطلق صوتها الحاد بالغناء، وبعد انتهاء العمل تحمل أشياءها وتخرج على عجل وكأن وراءها أعمالاً مهمة يجب إنجازها.
لم أتطرق معها للأشياء الغريبة التي أراها تحدث حولي، ولا للفتاة والرجل اللذين أشعر بهما معي دائما، وحين فعلت ردت بلامبالاة "اعرض نفسك على طبيب نفساني".
لسبب ما كنت أوقن أن لهذه المرأة علاقة بالأمر حتى وإن لم تدرك هي ذلك.
في المرة الأولى التي انبثق فيها أمامى مشهد الفتاة وحفار قبرها دعكت عيني بقوة ومددت يدي إليهما فلمست الفراغ لكن المشهد لم ينمح.
كنت قد استيقظت لتوي فقلت إن ما يحدث مجرد هلوسات شخص لم يفق من نومه بعد، لكن الأمر لم ينته  وبدأ المشهد يلازمني وينبعث باستمرار من تلقاء نفسه، كما أصبحت أسمع خطوات غريبة في الشقة التي أعيش بها بمفردي، خطوات يتصاعد وقعها بشدة قبل أن ينطفئ فجأة.
صرت أشك في وجودى نفسه، أحيانا أعتقد أنني غير مرئي وأن الأشياء حولى غير حقيقية فأحاول لمسها للتأكد من وجودها.
لمست كل ما يواجهني إلا الرجل وفتاته اللذين زاراني لأول مرة ثم ذهبت إلى عملي فوجدت زميلة جديدة ذكرتني بهما. شيء ما فيها يشبه الفتاة الراقدة بجوار الحفرة.

***
في العاشرة من عمري سحبني أبي إلى حديقة المنزل، وقف أمام شجرة ذات ساق رشيقة سوداء وأغصان مستقيمة وقال إنها شجرة كمثرى. قال ذلك كمن يفضي بسر خطير وضحك ضحكة شيطانية فتملكني الخوف.
شجرة الكمثرى المزعومة لم تثبت أنها كذلك ولو بثمرة واحدة، فقط كانت تزهر بشراهة، تمتلئ عن أخرها بزهور رقيقة بيضاء لا تلبث أن تلفظها دفعة واحدة ليلاً لأفاجأ في الصباح بشجرة جرداء ومئات من الزهور الميتة أرضاً.
كنت أراقبه خلسة وهو يتابع الشجرة باهتمام بدا لي غامضاً ومحملاً بدلالات استخرجتها من أفلام الرعب التي كان يجبرني على مشاهدتها.
حولته بمرور الوقت لوحش أسطوري شديد القسوة ولم أعرفه إلا في ذلك اليوم البعيد حيث كان علي أولاً أن أمرر يدي على وجهه لإسبال الجفون لكنني تجاهلت الخطوات المتبعة عادة في مثل هذه المواقف، ووضعت أذني على صدره، لم يكن هناك أثر لدقات القلب. احتضنت الجسد المسجى بجوارى وأنا أخفي وجهي فيه. دخلني الموت بلا هوادة، ظلام حالك سيطر على الحجرة وخيل إلي أن الراقد بجواري يهتز بعنف فأبعدت نفسي بسرعة.
ذهبت لأتأكد من إغلاق الباب ثم عدت. جلست على طرف الفراش أتأمل ملامح الرجل، أنفه الدقيق وعينيه الواسعتين. لاحظت ربما لأول مرة طابع الحسن المنطبع بحدة في الذقن القوي.
كنت أعلم أنها فرصتي الأخيرة والوحيدة لامتلاكه، للتحقق منه وهو يرقد وحيداً عارياً من سطوته، لكنني لم أفعل وسقطت في غيبوبة طويلة.

***
عصفور بني صغير دخل من النافذة المواربة، حط على الأرضية الخشبية، حجل لثلاث خطوات ثم طار لأعلى الغرفة، ووقف على سلك لمبة الكهرباء مراقباً إيانا من أعلى.
دفست وجهى في الصدر الممتلئ لزميلة العمل البدينة هرباً من عينيّ العصفور الذي لم تنتبه هي إليه.
كانت تحاول مساعدتي بينما صرت فاقداً للرغبة تماماً. ابتعدت عنها، استلقيت على ظهري مراقباً العصفور على سلك اللمبة، فعلت مثلي وإن مدت يدها تتحسس الفراش بيني وبينها. لم تنظر في عيني مباشرة واتجهت إلى ملابسها الملقاة بإهمال على الفوتيه.. ارتدتها بتكاسل، وأشعلت سيجارتها، ووقفت أمام النافذة تدخن مغمضة العينين. تظاهرت بالاستمرار في مراقبة العصفور بينما كنت أختلس النظر إليها.
بعد أن أنهت السيجارة حملت حقيبتها وغادرت الغرفة دون أن تودعني، سمعت صوت اصطفاق الباب الخارجى بعنف، ولم أرها بعد ذلك. بحثت عنها في كل مكان دون جدوى. في العمل نظروا لي باستغراب وأنا أسأل عنها.
اكتشفت أني لا أعرف عنوانها أو رقم تليفونها وإن كنت لم أفطن لذلك قبلاً لتعودي على رؤيتها يومياً.
***
صارت الأشياء تتباعد عني، أحس بها كذكرى ثقيلة هاربة ولا أتمكن من القبض عليها. أصبحت لا أغادر شقتي تقريباً، لا أتكلم مع أحد، فقط أحدق في الجدران لتأمل الظلال الباهتة التي تتراقص عليها، وأصيخ السمع كي تلتقط أذني الأصوات الغامضة والخطوات البطيئة التي تتجول حولي.
أبي أصبح شبحاً بعيداً لا تثير ذكراه الحقد في نفسي، وزميلة العمل التي أفلتت من بين أصابعي لم يبق منها سوى سلسلة ذهبية خلفتها وراءها حين غادرتني.
الرجل لا يزال يحفر الأرض والفتاة تنام ساكنة بجواره، وقبل أن يتلاشيا تماماً صرت ألمح خاتماً فضياً كنت قد وجدته ضمن الأشياء الخاصة بأبي.
                                                                              

                                              من مجموعة "ضوء مهتز" دار ميريت 2001

No comments:

Post a Comment