Monday, March 31, 2014

قراءة في البنيات القصصية عند منصورة عز الدين



د. محمد الشحات




أثارت الرواية الأخيرة للكاتبة المصرية منصورة عز الدين «وراء الفردوس» في نفسي سؤالا بعينه مؤدّاه: ما الفارق بين الواقع (أو الحقيقة ) والتصوّر ؟ ويتبع هذا السؤال عدد من التساؤلات الأخرى من قبيل: ما صورة «الفردوس» كما ترسمه رواية منصورة عز الدين؟ وما العلاقة بين «الفردوس/الجنّة» و»الحديقة» و»البيت القديم»؟ وهل يمكن إعادة صياغة التاريخ الجمعي للعائلة والطبقة، ومن ثم المجتمع ككل، من خلال التاريخ الفردي للأشخاص؟
لن يجيب عن هذه التساؤلات إلا المرور على بعض التيمات والبنيات القصصية والرموز التي امتلأ بها كتابا منصورة عز الدين السابقين: «ضوء مهتزّ» (مجموعة قصصية) و»متاهة مريم» (رواية).

-          رموز وأحلام

«إن لا وعي الحالِم هو بيت بالنسبة إلي الحالِم- جاستون باشلار».
تلجأ قصص مجموعة منصورة عز الدين الأولى (ضوء مهتز) إلى الأحلام، بوصفها فعلاً منتجًا للسرد وموجِّهًا لحركته، كما في قصتها الأولى «فتاة فبراير»: «صارت البنت تزورني في الأحلام» (ص٩). وهنا، تصبح ياسمين ـ فتاة فبراير هي الصورة الأولى (القديمة) للراوية في بلدتها، حين كانت تحفظ أغاني الجدة وتزحف على عروق تكعيبة العنب لتقطف عناقيده لأصدقائها وترميها لهم فيلتقطونها. ويتأرجح بناء القصة بين ياسمين القديمة، والراوية التي تسترجع ـ هنا والآن ـ ذكرياتها، حتى عن ذلك الولد الذي أحبها وكان يشبه أباها، وأهداها زهرة جلاديولس حمراء، بينما هي تمارس عاداتها حين تذهب إلى عملها متأخرة تعدّ الوجوه التي تساقطت منها في الطرقات (طرقات الذاكرة البعيدة وطرقات المدينة ـ المتاهة «دون أن تذرف دمعة واحدة» (ص١١): هكذا، تصبح ياسمين كما يصفها السرد «بنت موت» وكما أخبرت الجدةُ الأمَّ بذلك (ص٢١)، حيث تتحول ياسمين إلى محض صورة في مخيلة الراوية هنا والآن عن تلك الفتاة التي كانت تخرج ـ مع فبراير من كل عام ـ من خميلة أشجار الخوخ الوردية، «تخرج بفستانها الأبيض وتاج من الياسمين فوق شعرها الأشقر المتماوج مع نسمات الفجر» (ص21).
هذا الحلم بياسمين يشبه حلمًا آخر، بقتل الولد الذي أحبّته الراوية في مقهى قديم، ويداها ملطّختان بالدماء، بينما رجال يرتدون السواد يرمقونها بكراهية، فيما تتابع عيناها بلا أي تعبير (ص٨١). هذه الراوية التي تبدو مصابة «بالفُصَام» تستطيع وصف نفسها وسلوكها ـ ولا وعيها أيضًا ـ بدقة متناهية تقنعنا، لا لشيء، إلا لأننا ندور في مدار سردي يخضع لمنطق الأحلام حيث يتداخل- أو يتطابق - الذات والموضوع: الواصف والموصوف، أو الراوي والمروي عنه.
ونظرًا لتردّد دال «الحلم»، يتردد أيضًا اسم البيت بصيغة المتكلم الجمعي «بيتنا» (انظر: «فتاة فبراير»، ص١١)، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات الألفة، والدفء القديم، والالتفَاف حول الجدة وحول مصباحها (المهتز.. ربما!)، بحيث يصبح فعل السرد فعلاً للبوح والكاشفة، والرغبة في مساءلة الذات عن الماضي والمستقبل، عن الأحلام والتحقّقات، ولتصبح ياسمين من وراء كل ذلك هي «أنا» الراوية العميقة، أو هي صورة «المؤلف الضمني» الذي يكمن خلف فعل كتابة هذا النص بأكمله، الأمر الذي يبرّر إهداء هذه المجموعة القصصية ككل إليها: «إلى البنت الصغيرة ياسمين التي فتحت عيني على مأزق الوجود» (ص٥).

- مصباح الحكاية: ضوء وظلال:

«تدعونا الشعلة للنظر لأول مرة: فنكوِّن منها ألف ذكرى، ونحلم بها كلها في شخصيةِ ذاكرةٍ قديمةٍ جدًا، والحالِم يعيش في ماضٍ لم يعد ماضيه وحده، يعيش في ماضي نيران العالم الأوّلي- باشلار».
في ماضي نيران العالم الأوّلي، إذن، يعيش الحالِم، أو تحكي الراوية، هنا، بجوار مصباح جدّتها، عن عالمها الطفولي القديم، وعن علاقتها بالألوان ومدى ترددها في فضاء السرد، ومدى تأثيرها وفاعليتها: الأحمر، الأصفر، الأبيض، الأزرق، الأخضر، ... إلخ. إننا ندور في فلك الأحلام، بكل ما تتضمنه من رحابة العالم، بهدوئه وتمرده، بصفائه وصخبه، يتصدر المشهد القصصي «الألوان النارية»، حيث نيران العالم الأوّلي، ونيران شعلة الحكي الأولي. أو شعلة مصباح الجدة (الأحمر، الأصفر، الأزرق، الأبيض)، حيث تتصاعد رغبة الراوية في رؤية الدماء المهراقة، وزهور الجلاديولس الحمراء بلون الدم، والأزرق الذي يكسو الوجوه إثر الموت، والأصفر الذي يتسم بالذبول وانسحاب الحياة وشحوبها، تمامًا كما انسحب «بطرس [كـوجه غائم بعيد» (ص٩٣). وبطرس نفسه تمثيل لتلك الغواية بالحكايات؛ إذ أغوته الجنّيات وهو ابن السابعة عشرة من عمره حتى أغرقته في مياه النيل، وصار حديثًا للجدّات والعجائز، لمّا بدأ عفريته بالتجول في الأراضي الزراعية المحيطة بالنهر بعد سنة من غرقه، حيث كان يظهر للجدّ «بشحمه ولحمه يقرأ في كتاب الكيمياء» (ص٠٤): وجه بطرس، إذن، ذو ضوء وظلال؛ ضوء لمصباح الجدة، وظلال للذاكرة القديمة جدًا.
في ماضي نيران العالم الأوّلي، إذن، يعيش الحالِم قلقًا ومطمئنًا. أما نحن قرّاء هذا العالم الحلمي فما لنا سوى «الشعلة التي تجبرنا على التخيل»، وتدفعنا إلى انفتاح أفق ذاكرتنا، لنستقبل عذابات الجسد وابتهاجاته: فجسد الراوية ذات الندبة المشابهة لندبة رجل الكونتر يتألّم، ويتحول صوتها إلى مواء شجي (ص٥٢) قد يشبه تمامًا فعل رجل الكونتر ـ فيما بعد ـ حين يُعْمِل سكّينه ليقوم بتطهير جسدها من نتوءاته. وكأن الفضاء الحلمي الرحب يستقطب الواقع ويمزج الحقيقي بالمتخيل، ويصوغ منهما معًا قانونًا واحدًا هو «قانون الحالِم»، حيث الأمكنة تتقاطع، والأزمنة تتداخل أو تلتقي عند نقطة ما، والذات تنفصل عن جوهرها لتدرك نفسها، والشخصيات تتشابه وتتحول، ثم تسقط الأسماء والعلامات.

- خيال وذاكرة بعيدة:

«حين نحكي عن الأشجار والأزهار، نستطيع القول كيف يحييها الشعراء حياةً مفعمةً، حياةً شعرية بخَيلَة ألسنة اللّهب- باشلار».
وبما أن السرد يخضع لمنطق الحلم، وينبني على قانونه، فثمة تأكيد ـ عبر قصص المجموعة الاثنتي عشرة ـ على قيمة «الخيال» وأثر فعل المخيلة، وكم أن الحياة [حياة الراوية، فتاة فبراير أو ياسمين، وحياتنا نحن أيضًا ملأى باستعارات كنا ـ ولا نزال ـ نحيا بها، ومن أجلها نكتسب وجودنا. فالاستعارة ـ أو المجاز بصفة عامة ـ مدخل لقراءة العالم الرحب، حيث يتداخل الحقيقي والغرائبي وتتماهي الحدود بين الوعي واللاوعي: فشَعْر «فتاة فبراير» يصبح براعم خضراء وسيقان زهور برية ملوّنة، بينما صراخها يتعالى لتستيقظ في فضاء حجرة مظلمة وتنخرط في البكاء (ص٩).
تعمل هذه المخيلة نفسها على دفع كل ما هو حقيقي ـ أو ما نستقبله بوصفه كذلك ـ إلى نطاق الخيالي، الاستعاري والمفارق، حتى إن فعل القتل نفسه [قتل الراوية في قصة «زهرة جلاديولس حمراء» لفتاة تشبهها تمامًا كأنها هي هي (ص٤١)يصبح فعلاً مجازيا، وكأننا جميعًا ـ حين نتوحّد مع الراوية ـ نتطهّر من ذواتنا الأولى القديمة، رغبةً منا في التحرر أو الخلاص أو حتى العبث بالذاكرة البعيدة.
وقد تشبه حركة هذه الذاكرة حركة الكاميرا في آلية اقترابها من المشهد المرئي أو في ابتعادها عنه، فوجه بطرس الغائم والبعيد يقترب من الفضاء المضيء لذاكرة الراوية في بداية القصة، ويتبعد باتجاه المساحات المظلمة، في قاع الذاكرة عند نهاية القصة نفسها، الأمر الذي يجعل الراوية تتشكّك عند إغلاقها باب السرد من أنه «كان ثمة وجه غائم قديم يلوح أمامي لولد غالبًا كان اسمه بطرس...» (ص٣٤).
يرتبط مثل هذا الحضور لفعل الذاكرة، في مجموعة (ضوء مهتز)، بحضور موازٍ لفعل السرد، والوعي بفعل الكتابة أيضًا؛ فذاكرة الراوية مكتظة بالمشاهد والصور القديمة التي تلحّ على كتابتها، وتسعي إلى الخروج من أسر الظلام الصامت إلى فضاء المصباح المضيء (مصباح الجدة صاحبة الحكايات المثيرة والغرائبية، ومصباح الوعي المتمرد ضد الصمت والسكون): «فلا الولد الذي اعتاد أن يسير وحيدًا ولا الولد الذي قرّر أن مع المسيح أفضل جداً ولا صديقتي التي اعتدتُ سماعها تقرأ له الفاتحة قبل نومها رضوا أن يدعوني لنفسي» (خطوط باهتة، ص٦٤).

-          ليل وسرد:

«مع المصباح ندخل في محراب الحالومية المسائية في منازل الماضي، المنازل الضائعة، المسكونة بكل وفاءٍ في أحلامنا. حيثما ساد مصباح، إنما تسود الذكرى-باشلار».

لعل ما يهيمن على هذه المجموعة من تقنيات سردية هو «السرد من وجهة نظر طفلة» غالبًا، هي ياسمين أو فتاة فبراير، هي بنت التاسعة أو العاشرة من عمرها على أكثر تقدير. ومع ذلك، قد يصبح الراوي ولدًا في بعض القصص أو هو الشقّ الذكوري في الراوي الذي تتحاشى عيناه «أبلة أمل» العانس ابنة مدام چين التي تسكن الطابق العلوي، التي تستلب قدرة الولد/ الذكر لتضيء خيالها ـ وشبقها ـ الأنثوي المظلم بفعل العنوسة: (دوار، ص٧٥).
ثمة حضور أثير للعجائز في فعل السرد، في هذه المجموعة، فالجد أو الجدة لهم الحضور الأكبر في تشكيل ذاكرة الراوية، والجدة غالبًا ما تحذّر أحفادها ـ ومن بينهم الراوية ـ عن مخالفتها وإلا كان مصيرهم كمصير الرجل «باصق التبغ» الذي كان يعمل سائقًا لعربة نقل البضائع وأدمن الخمر في غرزة كان يتلكأ في المرور عليها، يجالس عجوزًا آخر، يدخّنان الحشيش والأفيون، فانتقم منه الرب بأن أوحى إليه بوضع شفرة حادّة أسفل وسادته كانت وسيلة لانتحاره في النهاية؛ إذ قطع وريده بشفرته (باصق التبغ، ص٢٦: ٣٦).
واللافت للنظر هو اعتماد هذه الحكايات غالبًا اللحظات الليلية زمنًا للسرد وزمنًا لحكايات الجدة. من هنا، يوجد السرد ـ بفعل وجهة نظر الأطفال ـ عالمًا غرائبيا يحوي الجانّ والأشباح، يحوي «أم قويق» التي تسكن الشجر ليلاً وتصرخ رغبةً في رؤية الدماء (عيون تحدق في الفراغ، ص2). فضلاً عن ذلك، ثمة تحولات وامتساحات يوجدها خيال الأطفال المروي عليهم من قبل الجدة ـ مستودع الحكايات: فمن يأكل ثمار البرقوق ـ مثلاً ـ بعد أن تسقط من الهدهد «يتحول لبومة تنعق في الليالي الخالية من القمر» (برج حمام، ص٨٤).
- متاهة مريم:
في نص منصورة عز الدين الثاني، أو روايتها (متاهة مريم)، لن تنال إلا على قدر «سعيك»؛ لأنه نصّ قد شُيِّد على التمنّع لا التمتّع، المراوغة لا المباشرة، «الأثر» النيتشوي لا الفعل الأرسطي، الشيطنة لا النبوّة، المتاهة لا الصّراط المستقيم. هو، باختصار، نصّ ينبني على فكرة «اللعنة» المتوارَثة في أسرة التاجي («وإنّ عليك [عليكم لعنتي إلى يوم الدّين»)، بدءا بالتاجي الأكبر نفسه، مرورا بزوجته الأولى: «صوفيا» (ابنة تاجر القماش الألباني ، وأمّ يوسف التي كانت تجري وحدها وراء «حكمة» ما تطاردها وتعرف أنها ستصل إليها) وزوجته الثانية: «زينب» المرأة الساكنة التي لا تغادر موقعها في البيت منذ أن دخلته محمَّلةً بإرث عائلة عظيمة النفوذ فانبهرت بالتاجي وذابت شخصيتها في شخصه وأسلوب حياته، والابن «يوسف» التاجي أو «رجل الغموض»- كما كانت تسمّيه مريم- أو الصيدلي الأنيق، وزوجته «نرجس» (أمّ مريم) التي كانت تعشق ذاتها وتتعامل مع جسدها بتبتّل صوفي وقدسية متناهية، ومحبوبته «كوثر» النصف الآخر ليوسف ونقيض نرجس في تذمّرها وطلباتها التي لا تنتهي، ثم العمّ «صالح» والد نرجس المغرم بالجنازات، والخادمة «نور» خادمة صوفيا وكاتمة أسرار يوسف. وأخيرا أصدقاء مريم: «رضوى» زميلتها في الحجرة التي كانت تسكنها ببيت المغتربات، و»يحيى الجندي» الصحفي الذي أحبّته وتعلّقت به لكنه تركها في نهاية المطاف مع فتاة أخرى، و»إديث» صديقة الطفولة التي جذبت الولد الصغير الذي كان يغازل مريم أيام المراهقة لكنه هرب مع إديث فلم تستطع مريم مواجهة عم ملاك كأنها المسؤولة عمّا حدث لابنته. وأخيرا «النمر» الرجل ذو الشراسة البادية والصوت الأجش مورّد الحشيش والأفيون ليوسف ذي الذراع المبتورة، أو هو باختصار صاحب التاريخ الموصوم بالدماء منذ علا مدّ هذه الأسرة التاجية. بل لعله يمكن القول إن تاريخ عائلة التاجي تتفجّر منه أنهار من الدماء منذ أن دهست عجلات عربة التاجي جسد أحد الخدم وكوّنت الدماء ما يشبه بحيرة دموية صغيرة لم تمّح آثارها لسنوات طويلة (ص: 19). أما مريم ذاتها سرّة هذا العالم الروائي ومركز هذه الأسرة التاجية غير الناجية أبدا أو «المرأة الورطة»- كما وصفها يحيى ذات مرة- فتنال النصيب الأكبر من لعنة بيت الجدّ المسحور (الجنّة/ الجحيم).
أما «المعنى» بألف لام التعريف الذي قد تبتغيه أيها القارئ، في روايتها هذه أو حتى في باقي نصوصها، وتسعى جاهدا إلى تحصيله وبلوغه، من وراء هذه الشبكة من الشخصيات، كما يسعى إليه كل «قارئ/ مُريد» فلا يزال ماثلا حتى يومٍ معلومٍ في بطن كل «نص/ متاهة»، وما أنت ببالغه ؟!. وما أدراك؟ ثم ما أدراك ما بطون أمثال هذه النصوص/ المتاهات التي قضى أصحابها وقتا وهم منكبّون على تجويدها وحفر سراديبها وتنصيب «شواهدها» للطائفين والقائمين ؟! واعلم أنْ سوف تجد عند كل «موضع/ شعيرة» أو علامة نصيّة هنا أو هناك أفواجا من أرباب التأويل وحجيج المعنى وقد أتوا من كل فجّ عميقٍ ليقيموا دعائم لهم وليشهدوا مواضعَ لهم وليطّوّفوا بـ «المعنى الكبير».
تبدأ رواية (متاهة مريم)- وتنتهي أيضا- في مشاهدها التسعة القصيرة مع التاجي الجدّ صاحب السرايا التي تكتسب مع توالي الدفقات السردية صبغة غرائبية واضحة منذ أن أعلن الراوي كلّي المعرفة والوجود عن أن التاجي قد أقام سراياه (مملكته/ جنّته الأرضية)- ذات القباب والواجهات الرخامية والسراديب والدهاليز والقاعات الواسعة والشبابيك ذات الزجاج الملوّن والمحاطة بأسوار قصيرة يعلوها درابزين يحمل شجيرات ياسمين تحيط المكان كله بعبقٍ مدهشٍ كان السبب في موت التاجي- على أرضٍ تحتفظ بـ(ما) عليها من أشياء وجمادات ونباتات وحيوانات وطيور أطول فترة ممكنة وتسعى إلى أن تضفي عليها صفة البقاء والخلود. أما (مَنْ) فوقها من البشر فسرعان ما تصيبهم لعنات «المتاهة» والجنون والفناء كأنه قد كّتِبَ على قوم التاجي جميعا أو قوم ابنه يوسف «التّيه» في أرضه (جنّته وجحيمه) مثلما كان تيه بني إسرائيل قوم موسى. كان التاجي- ظلّ الربّ على الأرض- «لعنة تسير على قدمين» (ص:33).
هكذا تخلق (متاهة مريم) فضاء إشاريا يحيل إلى منظومة من العلامات ذات الصبغة الدينية (الإسلامية/ المسيحية)، علامات تبدأ ولا تنتهي بالأسماء (مريم، يوسف، يحيى، كوثر، صوفيا،صالح، زينب، نور، رضوى، ...). وليست فكرة اللعنة أو الجنّة/ الجحيم، في هذا السياق، بعيدة بحال عما تنهض به «رمزيّة الطائر» ( مَلَك في صورة هدهد، بوم لا يكفّ عن النعيق المتواصل متعطّش للدماء، بلابل وعصافير وطيور سرقت الحياة من مُلاّك المكان، ...)، من إذكاء لدلالات الغرائبي وتفجير لطاقات ما وراء الطبيعي، حتى وإن كان هذا الغرائبي عنيفا يتّكئ على مرتكزات واقعية عميقة مصدرها أزمة وجودية تعانيها الذوات الروائية وسط عالم يبعث على الجنون.

****

احتفاء نصوص منصورة عز الدين القصصية بإذكاء دلالات الغرائبي وتفجير طاقات ما وراء الطبيعي إنما يتّكئ في بنيته العميقة على مرتكزات واقعية مصدرها أزمة وجودية تعانيها الذوات الروائية وسط عالم يبعث على الجنون والتّيه. وهو أمر سوف يلحظه القارئ المتابع لروايتها الأخيرة «وراء الفردوس».
ينهض بمهمة السرد في مروية آل التاجي، أقصد إلى روايتها «متاهة مريم»، راوٍ كلّي المعرفة والوجود، لكنه راوٍ يأخذ منحيين متمايزين. يتمثّل أولهما في المقاطع التي تستهل مدوّنة التاجي وتتصدّر كل مشهد من مشاهد المروية التسعة بخط طباعي مميز يحكي عن إرث التاجي من منظور سردي متعالٍ يقوم بوظيفتين جماليتين وثقافيتين في آن: أولاهما توالد السرد من رحم الماضي الكامن في ذاكرة مريم واستعانة الراوي بلغة تعتمد الأفعال المبنية للمجهول (يُحكى أن، يُقال إن، ..) كأنه ينسب فعل الحكي إلى آخرين مجهولين، الأمر الذي قد يحيل الرواية إلى ما يشبه مدوّنة تاريخية شفاهية. وثانيتهما: إيجاد عالم غرائبي مركزه سرايا التاجي بما تنطوي عليه- و بما تثيره في الوقت ذاته- من أحداث عجيبة توجد عالما من الأشباح والمَرَدَة و»القُرَناء» الذين يتابعون الشخوص أينما حلّوا أو ارتحلوا. وهو أمر يذكّرنا بقصة «أرواح شرّيرة» لهنري جيمس الكاتب الأمريكي المعروف (1843-1916)، وهي قصة يطارد فيها شبحا «كوينت الخادم» و«الآنسة جيزيل الخادمة» الأخوين «فلورا» و«مايلز» اللذين يقضيان إحدى الإجازات مع خادمة البيت في أحد المنازل النائية، وتدور الأحداث في جو بوليسي مثير (انظر ص: 67).
فـ»القرين» هو النمط الثقافي الاجتماعي الذي تشتغل عليه الرواية وتجعل منه محرّكا ودافعا للأحداث وبانيا أهم قيمها، أقصد مفهوم «الازدواج» الذي يغلّف الشخصيات ويجعل لكل منها وجهين: أصل وصورة، وعي ولاوعي، أنا وقرين. أما ثاني المنحيين اللذين يتخذهما راوي المدوّنة فهو اقترابه الشديد من الشخصيات في مواضع كثيرة لكنه في أغلب الأحوال يتبنّى وجهة نظر مريم التي يتطابق معها زمانا ومكانا وترتبط حركته بها وبـ»قرينتها» دون أن يعرّيها أمامنا تماما مثلما فعل مع باقي أفراد أسرة التاجي الملعونة، على الرغم من كون المتاهة هي متاهة مريم بصفة خاصة قبل أن تغدو متاهة الآخرين. ولعل ما يحدّد «هنا- الآن» في المروية ويفضّ هذا الإشكال بين الغرائبي (أو: الحلمي) والحقيقي (ما يحدث في حاضر الرواية حيث رحلة مريم للبحث عن حقيقة يحيى ورضوى بجوار بيت المغتربات أو شقة عابدين أو حركتها في شوارع المدينة أو وسط البلد) هو تتبّع تلك المقاطع التي يرد فيها ذكر علاقة مريم بيحيى ورضوى في فضاء المدينة التي جاءت إليها من قريتها لتقيم بأحد بيوت المغتربات (ص: 9-18، 65-66، 69-75).
يمثّل بيت التاجي، بالنسبة إلى مريم تحديدا، صورة البيت القديم (وهي صورة موجودة في مجموعة منصورة عز الدين السابقة «ضوء مهتزّ») أو هو المكان بامتياز الذي تشكَّلت فيه الذاكرة والوعي فيه، وبه وحوله، الأحلام. وبعيدا عن هذا العالم يكون المنْفَى والاغتراب والقطيعة وفقدان الحميمية وبَتْر كل وشائج القربى. ومن هذه الزاوية ينهض بيت التاجي بما ينهض به مفهوم «الطلل- الأندلس» عند كتّاب المنْفَى مثلا. وربما لن نتمكن من فهم طبيعة هذا الامتياز الذي يمثّل المكان العربي في أصْفَى مجاليه دون التذكير بالطبيعة الفردية للأول والطبيعة الجمعية للثاني. فـ«الطلل» علاقة مربعة يمثل الإنسان ضلعها الأول والمكان نفسه ضلعها الثاني والزمن ضلعها الثالث والذّكرى ضلعها الرابع. أما «الأندلس» ففيها علامات التجربة الأولى ذات الخصوصية الجمعية التي تمثل الذاكرة التاريخية والوجودية لكل حاملي الثقافة ومٌنْتِجيها، حيث لحظة العيش في الأندلس تشبه الإقامة في التاريخ ولحظة الخروج منها تشبه نوعا من العيش في المنْفَى. هكذا كانت مملكة التاجي على أرض الواقع أندلس مريم وجحيمها. فـ(متاهة مريم) تنتمي إلى ذلك النوع من النصوص الذي يؤكد أن «هناك أماكن إقامة عدة في حياتنا تتخلّلها وتحتفظ بكنوز الأيام الخالية». لذلك، يصبح الحلم أو «سردية الحلم» وسيلة أثيرة لدى الذات الراوية والمرويّ عنها (مريم) من أجل فهم أعمق تناقضات هذا العالم والتنبّؤ أيضا- أو الحدس أحيانا- بما سوف يقع على هذه الأرض التي تثير الغريب والعجيب والمفارق. فـ«الحالِم حاضر دوما في منامه الخاص» مثلما:
«تسير مريم في شوارع المدينة كالمنوَّمة لا تدري هل هي في عالم حقيقي أم لا؟ كل الأشياء صارت بعيدة عنها، موغلة في تنائيها لدرجة مرعبة. الأشخاص الذين كانوا جزءا من حياتها تحوّلوا إلى مجرد أشباح تزورها من آن لآخر ثم تغادرها فجأة تاركة إياها لدوّامات من الحيرة والجنون دون أدنى شفقة « (ص: 65).
اللافت للنظر أن يصبح الحلم بنية دالّة من بين البنى التي ينهض عليها وعي مريم وأمها نرجس بالعالم. لكنّ أهم ما تجسّده أحلام مريم ونرجس هو «الانهمام»- بلغة ميشيل فوكو- بهذا الجسد الأنثوي إلى درجة تدنو به من القدسية (ص: 9، 43-45، 71، 82-83، 100) مع الحرص في الوقت ذاته على بقاء -ونقاء- «البتولة أو العذرية». من هنا، من مركزية « الجسد الجميل» بوصفه مادة للاشتهاء وبوصفه «سلطة» في الوقت ذاته، كان ثمة علاقة غريبة تتخلّق بين أفراد هذه العائلة التاجية في محيطها الضيّق (يوسف/نرجس/مريم)؛ إذ لم تتفوّه مريم مطلقا- مع اعتبار أن الراوي يتبنّى وجهة نظرها على مدار النصّ- بكلمة «أمي» أو»أبي» أو حتى «جدّي» أو «جدّتي»بل كانت تقول: الرجل الذي يُدعى يوسف والمرأة التي تُسمّى نرجس،.. وهكذا، بصيغ تنكيرية تعكس مدى توتّر وتأزّم العلاقة بين أفراد هذه الأسرة المجدبة (التي لم- ولن- تنجب أحدا بعد مريم) المتجّهة لا محالة نحو مزيد من التفكّك الأسري والتفسّخ الاجتماعي والانهيار الطبقي.
أدركت نرجس أثناء حملها بمريم أنها مقبلة على تجربة جسدية مرعبة سوف تكون بداية لتحوّلات شتّى، فكانت تقف أمام المرآة تتحسّس بطنها وصدرها في فزع حتى إنها باتت تكره جسدها أكثر من أي وقت مضى؛ إذ كانت غير راغبة في أن تشهد المزيد من الدلائل والعلامات على خيانة جسدها لها وتهاويه وذبوله وتحوّله إلى ما يشبه «الجيفة البعيدة تماما عن الجسد الحبيب والمخيف الذي ألفته وتعايشت معه» (ص:47). إنها الرغبة في خلود الجسد قبل خلود الروح ولو على حساب الابنة، الرغبة التي سوف تتحول مع نرجس إلى احتضان جسد يوسف التاجي، الجسد العاري الميّت الذي فارقته الحياة إلى الأبد راغبةً في استعادته ولو عن طريق ممارسة إيروسية قد توحي بمضاجعة الموتى (ص:22)... وأنّى يكون لها هذا ؟!
لذا، لم تحب نرجس مريم كما لم تحب مريم نرجس وجرّدتها حتى من صفة الأمومة فلم تنادها أبدا «أمّي». ليست هاجس «البتولة»– لدى مريم أو نرجس- زهدا سابقا للممارسة الجنسية فحسب:
«إنها اختيار ونمط عيش، وشكل سامٍ من أشكال الحياة يختاره البطل ضمن إطار اهتمامه بذاته. عندما ستفرّق الأحداث بين البطلين وتعرّضهما لأسوأ المخاطر سيكون الخطر الأكثر جسامة هو بالطبع التعرّض لاشتهاء الآخرين وحبّهما الجنسي؛ وسيكون أكبر دليل على قَدْرهما وحبّهما المتبادل هو المقاومة بأي ثمن وإنقاذ هذه البتولة الأساسية» (فوكو: تاريخ الجنسانية- الانهمام بالذات).
ولعل هذا ما يفسّر هيمنة «القرين» على شخصيات المتاهة بصفة عامة، وتحديدا سعي ذلك القرين (أو: تلك القرينة) إلى التحكّم في سلوك مريم يوسف التاجي من حيث هي مركز هذا العالم الروائي والسليلة الوحيدة للأسرة التاجية التي أصابتها لعنة بيت التاجي الذي أصبح مأوى للأشباح. إنه من نوع القرين العاشق للآخر، والذي تتمثّل ذروة عشقه في «الحلول» في الجسد المرغوب كأنه يسعى إلى التوحّد مع هذا الجسد ولا يطيق العيش بعيدا عنه:
«هل أساءت [القرينة[ تقدير القوة الروحية لمريم وبالتالي لم تقدر على إضعافها كل تلك السنوات أو خلخلة ثقتها بالعالم الذي تتحرك فيه؟ كانت تعرف أفكارها قبل أن ترد إلى ذهنها. كانت هي مريم ومريم هي...» (ص: 105- 106).
لكنّ أحد أهم نتاجات هذا «القرين» هو تأرجح الذات (مريم) بين الوعي واللاوعي، كأنها ذات منقسمة على نفسها، شيزوفرينية ربما (!)، أو هي ذات تفتقد مفهوم الهوية الشخصية؛ أي ذات تفتقر إلى مفهوم اضطراد الزمن وتتاليه وسط هذا العالم الغريب الموحش. من هنا كان «الجنون» واحدا من البدائل المطروحة بقوة أمام الشخصيات التي لم تستطع مواجهة قساوة العالم وضراوته التي بلغت حدّ الغرائبية المخيفة، فاحتمت بـ -أو لجأت إلى- منطق مغاير في الفهم والإدراك هو «الجنون» من حيث هو ابتكار الكلام الجديد (أو اللغة الجديدة) من أجل اختراق اللغة القائمة سلفا وكسر لعبة الدوال والمدلولات التي يقوم عليها فقه اللغة التقليدي والتماسّ مع الدوالّ وحدها بعيدا عن مرجعياتها الاجتماعية المتوارثة. وشخصية صوفيا في هذه الحالة أصدق مثال. لقد كانت مريم تبحث عمّن دفع الجميع إلى دوامة الجنون؟:
«هل جُنَّت صوفيا فتبعتها كل الأشياء؟ أم أن الجنون هو الأصل وما عداه محض أوهام؟» (ص: 69). لقد «عاشت صوفيا في جنونها هذا مدة ليست بالقصيرة تنتظر بزوغ الرجل من العدم...» (ص: 87).

- «صورة الفردوس»:

ترتبط صورة الفردوس، في مخيلة الإنسان العربيّ، بصورة جنّات عدن التي رسمها القرآن الكريم باستفاضة، وهي صورة سردية أثيرة تنهض على مفردات الأشجار والخضرة والأنهار التي تجري من تحت الجنان، ثم تكتمل الصورة بالحور العين والغلمان وكؤوس الشراب التي ينهل أصحابها من أنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من عسل مصفَّى وأنهار من خمر لذَّة للشاربين، .. إلى آخر مفردات هذه الصورة التي تتعامل معها كتب التفاسير وقصص الأنبياء اعتمادا على مبدأ «الخيال المطلق». لكن رواية منصورة عز الدين «وراء الفردوس» توازي بين صورة الجنة/الفردوس والبيت الريفي القديم، حيث العائلة التي تمثل تاريخا جمعيا للذات، العائلة التي قامت على كتفي شخصيتين اثنتين فحسب كانا بمثابة آدم وحواء هما: الجدّ والجدّة (عثمان، رحمة)، ومن سلالتهما خرجت باقي الشخصيات: رشيد، جابر، سميح، ثريا، بشرى، سلمى، جميلة، هشام، .. إلخ. لكن فكرة الجنة/الفردوس في عالم هذه الرواية لا تنفصل بحال عن فكرة اللعنة الأبدية التي تطارد العائلة ممثلة في فكرة «القرين» والقتل والدماء والغيرة التي تنطوي عليها الأنفس البشرية منذ قابيل وهابيل. لذلك، تبدأ الرواية بمشهد النهاية حيث تتخذ سلمى رشيد قرارا بحرق محتويات الأسرة الماثلة في ذلك الصندوق الخشبي الذي يحوي إرث الأب والجدّ من أشياء شخصية وأوراق غير مفهومة سواء من حيث اللغة أو الرموز والعلامات. هكذا، تسعى الرواية - من وجهة نظري - إلى تأكيد مقولة شهيرة كان الناقد والمفكر فريدريك جيمسون قد أطلقها منذ سنوات في كتابه «اللاوعي السياسي: السرد بوصفه فعلا اجتماعيا رمزيا» حين قال: «إن التاريخ مقولة سردية»، وهي جملة توازي ما قاله إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبريالية»: «إن الأمم ذاتها سرديات ومرويّات». لذلك، يمكن أن نصف رواية «وراء الفردوس» بأنها سردية بحث عن الذات والهوية عبر تعرّف التاريخ الجمعي لأسرة عثمان ورحمة، تلك الأسرة التي لا تبتعد كثيرا عن أسرة التاجي في روايتها السابقة «متاهة مريم».
من يتابع كتابة منصورة عز الدين في كتابيها السابقين «ضوء مهتز» و»متاهة مريم» ويصلهما بروايتها الأخيرة «وراء الفردوس» يدرك أن هذه الروائية لا تزال تحفر حفرا عميقا مدهشا في المجرى السردي نفسه الذي سبق لها أن شيّدت أركانه وضفافه منذ كتابيها الأوّلين، الأمر الذي يدفع القارئ بشكل عام إلى التعامل مع نصوصها السردية الثلاثة باعتبارها نصا واحدا أو متنا كبيرا، ينهض على عدد من الدعامات التي يقع في القلب منها استقطاب ذاكرة القارئ ومخيّلته ودمجها بمهارة في ذاكرة الرواة والشخصيات، وبطريقة تثير بداخل كل قارئ منا – كما لو كان شخصية قصصية من ورق - جماعًا من الذكريات والمشاهد عن العالم الأول والبيت القديم، أو لنقل ـ باختصار ـ إنه الحنين إلى الطفولي أو «الجنّة الأولي» أو «الفردوس» الذي يسكن قاع مخيّلاتنا. هكذا، ينفتح فضاء الكتابة عند منصورة عز الدين، في كتبها الثلاثة (ضوء مهتز، ومتاهة مريم، ووراء الفردوس)، على عالم متشابك الرموز والدلالات حول الأحلام، واللاوعي، والبيت القديم/ الفردوس.
وتشترك رواية «وراء الفردوس» مع نصوص منصورة السابقة في عدد من التيمات، منها: فكرة القرين (سلمى وجميلة)، وجود شخصيات قبطية بمحمولات ثقافية مصرية، انطواء السرد على تيمة «السر المكنون»، تداخل الواقعي بالغرائبي والحلمي، الاحتفاء بالأسرة التي تنطوي على فكرة «اللعنة». كما تثير الرواية عددا من القضايا الاجتماعية التي ترصد تحولات المجتمع المصري منذ الأربعينات حتى بداية التسعينات، وتحديدا من خلال قضية تجريف الأرض الزراعية وبناء مصانع الطوب الأحمر.
ثمة مفاهيم كثيرة تشتغل عليها نصوص منصورة عز الدين بصفة عامة كمفهوم «العلامة» و «اللعب» و»الأثر» عند جاك ديريدا مثلا أو بعض الإشارات إلى «موت الإله» أو «العود الأبدي» عند نيتشه أو «الجنون» و»القرين» عند ميشيل فوكو، أو غير ذلك من مداخل ومفاهيم تنطوي عليها نصوص الكاتبة وتحتاج منا إلى قراءات من منظورات نقدية مختلفة. لكنّ ما هو أكثر أهمية- من وجهة نظري- أن كتابة منصورة غاصت في محليّتها الخاصة، المتصلة بتصورها الخاص جدا لعالم الريف، بعيدا عن محاكاة الآخرين من جيلها أو الأجيال السابقة. وعلى الرغم مما قد يلحظه الناقد أو القارئ على السواء من بعض السلبيات هنا أو هناك، كالشعور بحالة من التيه مع النصف الأول تقريبا من روايتها «وراء الفردوس» حيث تتعدد الشخصيات وتتداخل أحيانا في ذاكرة القارئ، يبقى لنصوص الكاتبة ذلك الحرص البالغ على التجويد وإبداع لغة قصصية مختلفة ومتميزة تشير بوضوح إلى تنامي «تيّار واقعي جديد» في الكتابة القصصية المصرية المعاصرة، أقصد إلى تيار يستعين بالطاقة القصوى للذاكرة الإنسانية، ويمتح من رحم الغرائبية، وينهض على الاعتداد بقيمة الأحلام في تشكيل المعرفة الإنسانية، فضلا عن كونه تيارا يرتكن إلى نزوعات وجودية لها بعض الملامح عند كتاب سابقين على منصورة عز الدين أو مجايلين لها (انظر مثلا نصوص: إبراهيم فرغلي، أو مصطفى ذكري، أو منتصر القفّاش، أو غادة الحلواني، أو حمدي أبو جليّل...). لكنها جميعا نصوص تؤكّد على تصاعد أزمة وجود- وكذلك أزمة هويّة- حقيقية لدى أبناء هذا الجيل من الكتّاب والكاتبات الذين راحوا بدأب يكتبون واقعيتهم الخاصة التي هي واقعية جديدة، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون.

No comments:

Post a Comment