Tuesday, March 11, 2014

كأن الحياة هي الكتابة.. كأن الكتابة هي الحياة


منصورة عز الدين
«جربت أن أكون لصاً، وحين ساءت ظروفي جداً أصبحت كاتباً». جملة كتبها الساخر العظيم محمد مستجاب ذات يوم معطياً، عبرها، لمحة سريعة عن الخلفية الاجتماعية التي جاء منها والظروف الحياتية التي صنعته كاتباً. لكن ما لي أبدأ بعبارة لمستجاب في مقام الحديث عن رحيل خيري شلبي؟!
ربما يكون السبب أن الكاتبين الكبيرين، رغم الاختلافات العديدة بينهما، يمثلان حالة فريدة بين الروائيين المصريين لجهة علاقة كل منهما بالحياة والشارع وعوالم المهمشين والصعاليك ولجهة كفاحهما وعصاميتهما. عرّى كل منهما، على طريقته، عوالم منسية ومهملة، واستحضر فئات نادراً ما اقتربت منها الرواية المصرية قبلهما، من صعاليك، ومجرمين، وحشاشين، وبسطاء.
وإذا كان مستجاب قد خلق «أسطورة الكائنات الهامشية» أو أسطورة اللا أسطورة، حيث الكتابة عنده تبدأ بتفكيك/ تدمير الأسطورة المتوارثة لتخلق من رماد احتراقها أسطورة جديدة هادمة لها وساخرة منها، فإن خيري شلبي كتب الواقع بكل تناقضاته وفجاجته دونما فلترة وألقي به في وجه القارئ، وفي هذا تحديداً يكمن تميزه عن الكتّاب الآخرين. حين تقرأ أعماله تشعر أنك في حضرة حكواتي شعبي، وريث أسلاف من الحكائين ومنشدي الحكايات الخيالية في أرياف مصر وحواريها. قد تشعر كقارئ متطلب أنك تنحاز لمفهوم آخر للكتابة الإبداعية، قد لا تحصر دورها، مثلاً، في تمثل الواقع ومحاكاته، أو قد تفضّل الخيال الجامح وتراه شرطاً لا غنى عنه، لكنك رغم كل هذا لن تنجو من فتنة الواقع الحي غير المجمّل ولا المنّقى في أعمال خيري شلبي.
فالكتابة عند الروائي الغزير الإنتاج، الموسوعي الثقافة، الملم بخفايا التاريخ الاجتماعي، الفني، والثقافي لمصر، شاهد على عالم يجري، وامتيازها نابع من قيامها بمهمة كشف هذا الواقع والشهادة عليه. قد تكون هذه النظرة للكتابة مشتركة بين معظم كتّاب جيل الستينيات، لكنها في حالة شلبي أكثر بروزاً ووضوحاً، لأنه، عبر أعماله، أزاح كل الحواجز بين الكتابة والحياة.
لن أنسى أبداً لحظة اكتشافي لروايته «وكالة عطية»، إذ بعد منتصف ليلة بعيدة، بدأت في قراءتها، ولم أستطع الابتعاد عنها إلا مع آخر كلمة فيها وكان الصباح قد اقترب. كنت كأنني أمتثل لطبيعة كاتبها الذي لا يكتب إلا ليلاً، كأني أقطع عكسيا، وبتكثيف زمني، رحلة كتابته لها.

الحياة هي الكتابة.. الكتابة هي الحياة. هذا هو سر خيري شلبي.
نُشِرت بجريدة السفير بتاريخ 10/9/2011

No comments:

Post a Comment