Sunday, March 9, 2014

مسألة أسلوب


منصورة عز الدين

 

حدث أن أرسلت إليَّ صديقة عزيزة رسالة إلكترونية بالغةَ التهذيب، قالت فيها إنها ترغب في الاطمئنان عليَّ لأنها عرفت أن الوضع في مصر «أقل من مثالي»، أو "less than ideal" كما كتبت بالإنجليزية. توقفت طويلًا أمام توصيفها هذا.

وقتها، كان البلد يغلي بالفوضى؛ سقط شهداء كثيرون، وخُرِّبت مبانٍ ومنشآت، وعم العنف أكثر من محافظة. وهي أشياء أبعد ما تكون عن الأوضاع المثالية، بل أجازف بقول إن هذه الأخيرة لا علاقة لها بمعظم ما يجري في منطقتنا منذ زمن.

فكرت في الأوصاف التي يمكن أن يستخدمها أصدقاء مصريون وعرب لمقاربة وضعٍ مماثل؛ في الغالب ستتنوع بين: كارثي، مأساوي، عصيب، فوضوي، إلخ. وأكاد أجزم أن أحدًا لن يخطر في باله أن يلجأ إلى الدبلوماسية أو إلى تخفيف المشهد أو تجميله، ليقول بأسلوب منمق إن الوضع ليس مثاليًا أو إنه أقل من المثالي.

"يا الله، ما هذا الوصف؟!"

كان هذا أول ما خطر ببالي حين وصلتني رسالتها، وإن كنت طبعًا قد شعرت بالامتنان لاهتمامها وقلقها على أحوالي. اكتفيت بالرد بشكر مهذب وسؤال مماثل عن حالها هي وأسرتها، وقمعت رغبة ماكرة في أن أكتب لها أن توصيفها هذا ملائم أكثر لمدينتها الغافية على بحر الشمال، وأن أوطاننا المفخخة لديها قواميس أخرى!

لا تعني سطوري السابقة إعلاء من طريقة في التعامل مع اللغة على أخرى، إنما فقط الإشارة إلى هذا الاختلاف من ثقافة إلى أخرى؛ إذ ثمة أنماط عديدة في العلاقة باللغة والكلمات: منها ما يميل إلى المبالغة، ومنها ما يتسم بالدقة، ومنها ما يركن إلى التجميل والتخفيف أو حتى التزييف لسبب أو لآخر.

من ناحية أخرى، ذكرتني هذه الصديقة بشخصية من شخصيات رواية «حرفة القتل» للروائي الألماني نوربرت غشتراين، التي صدرت بالعربية قبل سنوات بترجمة سمير جريس. تدور الرواية في أجواء الحرب الأهلية في البلقان، والشخصية التي أعنيها هي أرملة عجوز استأجر المراسل الحربي الألماني «ألماير» غرفة في بيتها أثناء تغطيته مجريات الحرب.

في ظل الفظائع الدائرة حولها، حافظت الأرملة السبعينية على هدوئها واسترخائها بدرجة مثيرة للدهشة؛ لأنها بحكم سنها ومرور المنطقة التي تنتمي إليها بتقلبات درامية عدة على مدى عقود، صارت معتادة على الخطر، ولم يعد شيء يثير دهشتها أو خوفها. أو كما كانت تؤكد دائمًا أنها عايشت أمورًا أخرى تمامًا، وأن حفنة من المراهقين سيئي التربية لن يُدخلوا الخوف إلى قلبها لمجرد أنهم يريدون أن يلعبوا لعبة الحرب.

كان أقصى ما بدر عن هذه الأرملة اللامبالية أنها، في لحظة ما من لحظات الصراع العنيف في بلدها، اعترفت بأن "الوضع متوتر بعض الشيء!"

واللافت أنها كانت أيضًا تمنع المراسل الحربي المقيم في منزلها من استخدام أي ألفاظ عنيفة تصور الموقف بخطورته الفعلية. بالنسبة إليها، كما لصديقتي على ما يبدو، كانت المسألة مسألة أسلوب؛ كأن استخدامنا ألفاظًا مخففة لوصف موقف متفجر كفيل بحمايتنا من أخطاره، بل كفيل حتى بنزع خطورته، كأن الكلمات تتحول إلى تمائم وتعاويذ تتواطأ معنا وتبعد الشر عنا.

 

No comments:

Post a Comment